النص المفهرس

صفحات 61-80

فإن ههنا رجلا ولد له ابن مختون فاغتم لذلك غما شديدا ! فقلت له : إذا كان
الله قد كفاك (هذه)(77) المؤونة، فما غمك بهذا ؟
قال أبو عمر :
في هذا الباب حديث مسند غريب، حدثناه أحمد بن محمد بن أحمد،
حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا يحيى بن أيوب بن بادي العلاف، حدثنا محمد
ابن أبي السري العسقلاني، قال حدثني الوليد بن مسلم، عن شعيب - يعني ابن
أبي حمزة، عن عطاء الخراساني، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن عبد المطلب
ختن النبي - ◌َ ◌ّ يوم سابعه، وجعل له مأدبة وسماه محمدا. قال يحيى بن
أيوب : طلبت هذا الحديث فلم أجده عند أحد من أهل الحديث ممن لقيته إلا
عند ابن أبي السري.
وكره جماعة من العلماء الختان يوم السابع، فروي عن الحسن أنه قال :
أکرهه خلافا على اليهود.
وقال ابن وهب : قلت لمالك : أترى أن يختن الصبي يوم السابع ؟
فقال : لا أرى ذلك، إنما ذلك من عمل اليهود، ولم يكن هذا من عمل الناس
إلا حديثا؛ قلت لمالك : فما حد ختانه ؟ قال : إذا أدب على الصلاة، قلت له
عشر سنين أو أدنى من ذلك : قال : نعم. وقال : الختان من الفطرة.
وقال ابن القاسم : قال مالك : من الفطرة : ختان الرجال والنساء. قال
مالك : وأحب للنساء من قص الأظفار، وحلق العانة - مثل ما هو على الرجال.
ذكره الحرث بن مسكين، وسحنون، عن ابن القاسم. وقال سفيان بن عيينة : قال
لي سفيان الثوري : أتحفظ في الختان وقتا ؟ قلت : لا. قلت : وأنت لا تحفظ
فيه وقتا ؟ قال : لا.
(77) كلمة (هذه) غير واضحة اثبتها استظهارا.
- 61 -

واستحب جماعة من العلماء في الرجل الكبير يسلم : أن يختتن، ذكر(78)
يونس عن ابن شهاب قال : كان الرجل إذا أسلم أمر بالختان، وإن كان كبيرا.
وكان عطاء يقول : لا يتم إسلامه حتى يختتن - وإن بلغ ثمانين سنة.
وروي عن ابن عباس، وجابر بن زيد، وعكرمة - أن الأغلف لا تؤكل
ذبيحته، ولا تجوز شهادته؛ وروي عن الحسن أنه كان يرخص للشيخ الذي يسلم
ألا يختتن، ولا يرى به بأسا، ولابشهادته وذبيحته وحجه وصلاته. وعامة أهل
العلم على هذا، ولا يرون بذبيحته بأسا
قال أبو عمر :
حديث يزيد في حج الأغلف لا يثبت، والصواب فيه ما عليه جماعة
العلماء، فهذا ما بلغنا عن العلماء في الختان؛ وأما قص الشارب، فيذكر فيه
أيضا ما روينا عنهم في ذلك، وبالله عوننا لا شريك له.
اختلف الفقهاء(79) في قص الشارب وحلقه: فذهب قوم إلى حلقه
واستئصاله، لقول النبي - مَ ◌ّم - : أحفوا الشوارب - في حديث ابن عمر(80).
وقد حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم، حدثنا ابن وضاح، حدثنا أبو بكر
ابن أبي شيبة، حدثنا عبدة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر،
قال: قال رسول الله - والتي -: أنهكوا الشوارب، واعفوا اللحى.(81)
وذهب آخرون إلى قصه، لحديث أبي هريرة المذكور في هذا الباب،
ولما روي أن إبراهيم - عليه السلام - (82) أول من قص شاربه، وقد أمر الله
(78) ذكر : أ، وذكر : ق.
(79) الفقهاء : أ، العلماء : ق.
(80) أخرجه مسلم والترمذي والنائي، انظر الجامع الصغير بشرح فيض القدير 198/1.
(81) أخرجه البخاري، انظر الجامع الصغير بشرح فيض القدير 64/6.
(82) أن ابراهيم أول : أ، عن إبراهيم أنه أول : ق.
- 62 -

نبيه طاهر - أن يتبع ملة إبراهيم حنيفا. وقد أجمعوا أنه لا بد للمسلم من قص
شاربه أو حلقه، روى زيد بن أرقم عن النبي - مانجو - قال : من لم يأخذ من
شاربه فليس منا.(83)
حدثنا أحمد بن سعيد بن بشر، قال حدثنا مسلمة بن القاسم، قال حدثنا
أحمد بن محمد بن زياد الأعرابي، قال حدثنا محمد بن عيسى المدائني، قال
حدثنا شعيب بن حرب، قال حدثنا يوسف بن صهيب، عن حبيب بن يسار، عن
زيد بن أرقم، قال: قال رسول الله مناتّ: من لم يأخذ من شاربه فليس منا.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قراءة مني عليه، أن قاسم بن أصبغ حدثهم،
قال حدثنا بكر بن حماد، قال حدثنا مسدد، قال حدثنا يحيى - يعني القطان،
عن يوسف بن صهيب، عن حبيب بن يسار، عن زيد بن أرقم، قال : قال رسول
الله - ◌َ ◌ّم - : من لم يأخذ من شاربه فليس منا.
وروى الحسن بن صالح، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول
الله - تع - كان يقص شاربه، ويذكر أن إبراهيم كان يقص شاربه.
وروته طائفة، منهم زائدة عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس موقوفا.
وأما اختلاف الفقهاء في قص الشارب وحلقه. فقال مالك في الموطأ :
يؤخذ من الشارب حتى يبدو طرف الشفة - وهو الإطار، ولا يجزه فيمثل
بنفسه.
وذكر ابن عبد الحكم عنه قال : وتحفى الشوارب وتعفى اللحى، وليس
إحفاء الشارب حلقه، وأرى أن يؤدب من حلق شاربه.
وقال ابن القاسم عنه : إحفاء الشوارب - عندي - مثلة.
قال مالك: وتفسير حديث النبي - وَجّ - في إحفاء الشوارب، إنما هو
الإطار، وكان يكره أن يؤخذ من أعلاه.
(83) أخرجه أحمد والترمذي والنسائي 222/6.
~ 63-

وذكر أشهب عن مالك أنه قال في حلق الشارب : هذه بدع، وأرى أن
یوجع ضربا من فعله.
وقال مالك : كان عمر بن الخطاب إذا كربه أمر نفخ، فجعل رجل يراده
- وهو يفتل شاربه.
وحدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد، قال حدثنا أبي، قال حدثنا محمد
ابن فطيس، قال حدثنا يحيى بن إبراهيم، قال حدثنا أصبغ بن الفرج، قال
حدثنا عيسى بن يونس، عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، عن أبيه، قال
السنة في الشارب: الإطار. قال الطحاوي : ولم نجد عن الشافعي شيئا
منصوصا في هذا، وأصحابه الذين رأيناهم : المزني، والربيع، كانا يحفيان
شواربهما؛ ويدل ذلك على أنهما أخذا ذلك عن الشافعي. قال : وأما أبو حنيفة
وزفر وأبو يوسف ومحمد، فكان مذهبهم في شعر الرأس والشارب : أن الإحفاء
أفضل من التقصير.
وذكر ابن خواز بنداد عن الشافعي - أن مذهبه في حلق الشارب كمذهب
أبي حنيفة سواء.
وقال الأثرم : رأيت أحمد بن حنبل يحفي شاربه شديدا، وسمعته يسأل
عن السنة في إحفاء الشوارب(84)، فقال: يحفى كما قال النبي - ◌َلالٍ - : أحفوا
الشوارب.
وذكر ابن وهب عن الليث بن سعد: قال : لا أحب لأحد أن يخلق
شاربه جدا حتى يبدو الجلد - وأكرهه، ولكن يقصر الذي على طرف الشارب،
وأكره أن يكون طويل الشاربين.
(84) الشوارب : أ، الشارب : ق.
- 64 -

قال أبو عمر :
روت عائشة وأبو هريرة عن النبي - مخ لل -: عشر من الفطرة، منها :
قص الشارب. وفي إسناديهما(85) مقال. وكذلك حديث عمار بن ياسر في ذلك
أيضا؛ وأحسن ذلك : ما حدثناه عبد الله بن محمد، حدثنا محمد بن بكر،
حدثنا أبو داود، حدثنا يحيى بن معين، حدثنا وكيع، عن زكرياء بن أبي زائدة،
عن مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن أبي الزبير، عن عائشة، قالت :
قال رسول الله - الفلل -: عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية،
والسواك، والاستنشاق بالماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط،
وحلق العانة، وانتقاص الماء - يعني الاستنجاء بالماء. (86) قال زكرياء : قال
مصعب : نسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة.
قال الطحاوي: وروى المغيرة بن شعبة أن رسول الله - رائع - أخذ من
شاربه على سواك، وهذا لا يكون معه إحفاء.
وروى عكرمة عن ابن عباس قال: كان رسول الله - مفع - يجز شاربه.
قال : وهذا الأغلب فيه الاحفاء - وهو محتمل الوجهين.
وروى نافع عن ابن عمر أن النبي - وَاتّ - قال: أحفوا الشوارب، وأعفوا
اللحى.
وروى العلاء بن عبد الرحمان، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - مخ لل
- قال : جزوا الشوارب وأرخوا اللحى، قال: وهذا يحتمل الإحفاء أيضا.
وقد روى عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة عن النبي - مجلد
أنه قال : أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى. فبان بهذا أن الجز في حديثه الآخر
الإحفاء.
(85) إسناد يها : أ. إسادهما . ق.
(86) أخرجه أحمد ومسلم والأربعة، انظر الجامع الصغير -شرح فيض القدير 316/4
التمهيدج٢١
- 65 -

وذكر الطحاوي هذه الآثار كلها بأسانيدها من طرق، وذكر أيضا بالأسانيد
عن أبي سعيد الخدري، وأبي أسيد، ورافع بن خديج، وسهل بن سعد، وعبد الله
ابن عمر، وجابر بن عبد الله، وأبي هريرة، أنهم كانوا يحفون شواربهم. وقال
إبراهيم بن محمد بن حاطب : رأيت ابن عمر يحفي شاربه - كأنه ينتفه. وقال
بعضهم : حتى يرى بياض الجلد.
وقال(87) الطحاوي : لما كان التقصير مسنونا عند الجميع في الشارب،
كان الحلق فيه أفضل - قياسا على الرأس، قال: وقد دعا رسول الله - مخ لل -:
للمحلقين ثلاثا، وللمقصرين واحدة؛ فجعل حلق الرأس أفضل من تقصيره،
فكذلك الشارب؛ قال : وما احتج به مالك أن عمر كان يفتل شاربه إذا غضب
أواهتم، فجائز أن يكون كان يتركه حتى يمكن فتله، ثم يحلقه كما ترى كثيراً
من الناس يفعله.
قال أبو عمر :
إنما في هذا الباب أصلان، أحدهما : أحفوا الشوارب، وهو لفظ مجمل
محتمل للتأويل. والثاني قص الشارب - وهو مفسر، والمفسر يقضي على
المجمل - مع ما روي فيه أن إبراهيم أول من قص شاربه. وقال رسول الله
سؤال: قص الشارب من الفطرة .. يعني فطرة الإسلام، وهو عمل أهل المدينة،
وهو أولى ما قيل به في هذا الباب، والله الموفق للصواب. وقد كان أبو بكر
محمد بن أحمد بن الجهم يقول : الشارب إنما هو أطراف الشعر الذي يشرب به
الماء، قال : وإنما اشتق له لفظ شارب لقربه من موضع شرب الماء.
وذكر خبر سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال : كان رسول الله
- وَجَعُ - يقص من شاربه، وكان إبراهيم خليل الله يقص شاربه، أو من شاربه.
(87) وقال : أ، قال : ق.
- 66-

وهذا الحديث حدثناه سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا ابن
وضاح، قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا يحيى بن آدم، عن حسن
ابن صالح، عن سماك - فذكره.
وحدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا ابن وضاح،
قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا وكيع، عن مسعر، قال : حدثني
أبو صخرة، عن المغيرة بن عبد الله الثقفي(88)، عن المغيرة بن شعبة، قال:
ضفت رسول الله - عَّ - ذات ليلة، فأمر بجنب فشوي، ثم أخذ الشفرة فجعل
يحز منها؛ فجاء بلال فآذنه بالصلاة، فألقى الشفرة فقال : ماله تربت يداه.
وكان شاربي قد وفى بعضه، فقصه لي على سواك.
وروى ابن وهب عن حي بن عبد الله المعافري، عن أبي عبد الرحمان
الحبلي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن إبراهيم أول رجل اختتن، وأول
رجل قص شاربه، وقلم أظفاره، واستن وحلق عانته.
وذكر عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس -
في قوله: ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن﴾. قال: ابتلاه الله
بالطهارة : خمس في الرأس، وخمس في الجسد : قص الشارب، والمضمضة،
والاستنشاق، والسواك، وفرق الرأس؛ وفي الجسد : تقليم الأظفار، وحلق العانة،
والاختتان، ونتف الإبط، وغل مكان الغائط والبول بالماء.
وذكر مطر عن أبي العالية، قال : ابتلي إبراهيم بعشرة أشياء، هن في
الإنسان سنة : الاستنشاق، وقص الشارب، والسواك، ونتف الإبط، وتقليم
الأظفار، وغسل البراجم، والختان، وحلق العانة، وغسل الدبر والفرج. فهذا ما
انتهى إلينا في قص الشارب وحلقه، وقد روى هشيم عن عبد الملك بن أبي
سليمان، عن عطاء، عن ابن عباس - أنه قال: من السنة : قص الأظفار، والأخذ
(88) كذا في النسختين، والذي في تهذيب التهذيب : (اليشكري الكوفي) انظر ج 262/10
- 67-
:

من الشارب، وحلق العانة، ونتف الإبط، وأخذ العارضين . - ولم أجد أخذ
العارضين إلا في هذا الخبر، وسيأتي ذكر إعفاء اللحية والحكم في ذلك في
باب أبي بكر بن نافع من هذا الكتاب - إن شاء الله.
× وأما قص الأظفار وحلق العانة، فمجتمع على ذلك أيضا، إلا أن من أهل
العلم من وقت في حلق العانة أربعين يوما، وأكثرهم على أن لا توقيت في
شيء من ذلك - وبالله التوفيق. ومن وقت ذهب إلى حديث حدثناه أحمد بن
فتح، قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حامد بن ثرثال، قال حدثنا الحسن بن
الطيب، قال حدثنا الحسن بن عمر بن شقيق الجرمي، وقطن بن بشير؛ قالا
حدثنا جعفر بن سليمان، عن أبي عمران الجوني، عن أنس بن مالك، قال :
وقت لنا رسول الله - وَ ◌ّ - في حلق العانة، وقص الشارب، وتقليم الأظفار،
ونتف الإبط في كل أربعين يوما. وهذا حديث ليس بالقوي من جهة النقل،
ولكنه قد قال به قوم؛ وذكره سنيد قال : حدثنا جعفر بن سليمان عن أبي
عمران الجوني، عن أنس بن مالك، قال : وقت لنا - فذكره سواء - ولم يقل
رسول الله - علائه. (89)
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا أحمد
ابن زهير، قال حدثنا أبو معاوية الغلابي غسان بن المفضل(90)، قال حدثنا عمر
ابن علي بن مقدم، قال : قال سفيان بن حسين، أتدري ما السمت الصالح ؟
ليس هو بحلق الشارب، ولا تشمير الثوب؛ وإنما هو لزوم طريق القوم، إذا فعل
ذلك، قيل : قد أصاب السمت؛ وتدري ما الاقتصاد ؟ هو المشي الذي ليس فيه
غلو ولا تقصير.
(89) قال أبو داود: وهذا هو الأصح، انظر كتابه ((النت)) 402/2.
(90) أبو معاوية الغلابي غان بن المفضل: أ، أبو عوانة العلاني غان ابن الفضل - وهو تحريف،
انظر ترجمة غان هذا في الجرح والتعديل ج 3 ق : 52/2.
- 68 -

حديث رابع لسعيد بن أبي سعيد
مالك، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي سلمة بن عبد
الرحمان بن عوف - أنه سأل عائشة زوج النبي - الز - : كيف كانت
صلاة رسول الله - سجقّ - في رمضان؟ فقالت: ما كان رسول الله
- ◌َّ - يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة،
يصلي أربعا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن؛ ثم يصلي أربعا، فلا
تسأل عن حسنهن وطولهن؛ ثم يصلي ثلاثا. قالت عائشة : فقلت :
يا رسول الله، أتنام قبل أن توتر؟ فقال: يا عائشة، إن عيني
تنامان ولا ينام قلبي.(97)
قال أبو عمر :
هكذا هو في الموطأ عند جماعة الرواة - فيما علمت، وقد رواه محمد بن
معاذ بن المستهل، عن القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن
عائشة. والصواب ما في الموطأ في هذا الحديث - أن صلاة رسول الله - معلم -
في رمضان وغيره كانت واحدة، وقد مضى القول في قيام رمضان، وما الأصل
فيه، وكيف كان بدو أمره من باب ابن شهاب من هذا الكتاب؛ وأكثر الآثار
على أن صلاته كانت بالوتر إحدى عشرة ركعة، وقد روي ثلاث عشرة ركعة؛
فمنهم من قال فيها ركعتا الفجر، ومنهم من قال إنها زيادة حفظها من تقبل
زيادته بما نقل منها، ولا يضرها تقصير من قصر عنها؛ وكيف كان الأمر، فلا
(91) الموطأ رواية يحيى ص 88 حديث (261) - والحديث أخرجه البخاري ومسلم من عدة طرق،
انظر الزرقاني على الموطأ 246/1.
- 69 -

خلاف بين المسلمين أن صلاة الليل ليس فيها حد محدود، وأنها نافلة، وفعل
خير وعمل بر؛ فمن شاء استقل، ومن شاء استكثر. وأما قوله يصلي أربعا، ثم
يصلي أربعا، ثم يصلي ثلاثا، فذهب قوم (إلى)(92) أن الأربع لم يكن بينها سلام.
وقال بعضهم : ولا جلوس إلا في آخرها. وذهب فقهاء الحجاز وجماعة من أهل
العراق إلى أن الجلوس كان منها في كل مثنى والتسليم أيضا، ومن ذهب هذا
المذهب كان معنى قوله في هذا الحديث - عنده - أربعا - يعني في الطول
والحسن وترتيب القراءة ونحو ذلك؛ ودليلهم على ذلك قوله - عَجائع: صلاة
الليل مثنى، مثنى.(93) لأنه محال أن يأمر بشيء ويفعل خلافه - تز، - وقد
مضى ما للعلماء من المذاهب والأقوال في صلاة الليل وما نزعوا به في ذلك من
الآثار والاعتلال في باب ابن شهاب ونافع من هذا الكتاب،(94) ومضى في باب
نافع أيضا اختلافهم في الوتر بواحدة وبثلاث(95) وبما زاد، فلا معنى
لتکر یر(96) ذلك ههنا.
واختصار اختلافهم في صلاة التطوع بالليل : أن مالكا، والشافعي، وابن
أبي ليلى، وأبا يوسف، ومحمدا، والليث بن سعد؛ قالوا : صلاة الليل مثنى مثنى
- تقتضي الجلوس والتسليم في كل اثنتين؛ ألا ترى أنه لا يقال : صلاة الظهر
مثنى، لما كانت الأخريان(97) مضمنتين بالأوليين، ولأنه قد روي في حديث
عائشة هذا من رواية عروة عنها أن رسول الله - وقٍ - كان يسلم في كل
رکعتین منها، وقد ذكرنا من روی ذلك في باب ابن شهاب.
(92) كلمة (إلى) ساقطة في أ، ثابتة في ق.
(93) أخرجه الجماعة.
(94) ومضى : أ، وقد مضى : ق.
(95) وبما : أ، وما : ق ..
(%) تکریر : أُ، تكرار: ق.
(97) ثبت في النسختين (الآخرجين) وهو تحريف ظاهر.
- 70-

وقال أبو حنيفة في صلاة الليل : إن شئت ركعتين، أو أربعا، أو ستا، أو
ثمانيا. وقال الثوري والحسن بن حي : صل بالليل ما شئت بعد أن تقعد في
كل اثنتين، وتسلم في آخرهن؛ وحجة هؤلاء : ظواهر الأحاديث عن عائشة مثل
هذا الحديث، ومثل ما رواه الأسود عن عائشة أنها قالت : كان رسول الله
- عَّ - : يصلي من الليل تسع ركعات، فلما أسن، صلى سبع ركعات.
وقال فيه(98) مسروق عنها: كان رسول الله - اتز - يوتر بتسع، فلما
أسن أوتر بسبع.
ويحيى بن الجزار عن عائشة مثل ذلك على اختلاف عنه.
وروى ابن نمير، ووهب، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت :
كان رسول الله - جل٣ - يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر منها بخمس
لا يجلس في شيء من الخمس حتى يجلس في الآخرة فيسلم.
ورواه مالك عن هشام على غير هذا. (99)
وروى يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة أن رسول الله
- عطر - كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، كان يصلي ثمان ركعات
وأربع ركعات يوتر (100) بركعة.
وروى الدراوردي عن محمد بن عمرو(101) عن أبي سلمة، عن عائشة، أن
النبي - ٣ - كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة: تسعا قائما، واثنتين
جالسا، واثنتين قاعدا، واثنتين بين النداءين.
(98) فيه : أ، به : ق.
(99) انظر الموطأ بشرح الزرقاني 247/91.
(100) يوتر : أ، ويوتر : ق.
(101) عمرو : أ، عمر: ق - وهو تحريف. انظر ترجمة محمد بن عمرو هذا في تهذيب التهذيب
.375/9
- 71 -

وقد روى الأوزاعي، وابن أبي ذئب، ويونس، عن الزهري، عن عروة، عن
عائشة أن رسول الله - عَامٍ - كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة يسلم في
کل ركعتين.
قال أبو عمر :
فلما اختلفت الآثار عن عائشة في كيفية صلاة النبي - صَ لّ - بالليل هذا
الاختلاف، وتدافعت واضطربت، (102) لم يكن في شيء منها حجة على غيره؛
وقامت الحجة بالحديث الذي لم يختلف في نقله ولا في متنه وهو حديث ابن
عمر، رواه عنه جماعة من التابعين، كلهم بمعنى واحد: أن النبي - عَ ام -
قال : صلاة الليل مثنى مثنى، وقد ذكرنا حديث ابن عمر وطرقه في باب
نافع من هذا الكتاب، وقضى حديث ابن عمر بأن رواية من روى عن عائشة في
صلاة الليل، أن رسول الله - ٣ - كان يسلم منها في كل ركعتين أصح
وأثبت، لقوله : صلاة الليل مثنى مثنى - وبالله التوفيق.
وأما قولها في هذا الحديث : أتنام قبل أن توتر ؟ فإنه لا يوجد إلا في
هذا الإسناد، ففيه تقديم وتأخير؛ لأنه في هذا الحديث بعد ذكر الوتر، ومعناه
أنه كان ينام قبل أن يصلي الثلاث التي ذكرت، وهذا يدل على أنه كان يقوم
ثم ينام، ثم يقوم فينام(103)، ثم يقوم فيوتر؛ ولهذا ما جاء في هذا الحديث
أربعا، ثم أربعا، ثم ثلاثا؛ أظن ذلك - والله أعلم - من أجل أنه كان ينام بينهن،
فقالت : أربعا، ثم أربعا (يعني(104) - بعد نوم، ثم ثلاث بعد نوم؛ ولهذا ما
قالت له أتنام قبل أن توتر؛ وإذا كان هذا على ما ذكرنا، لم يجز لأحد أن
(102) رد هذا الباجي وغيره، انظر في الموضوع شرح الزرقاني على الموطأ 247/1.
(103) فينام : أ، ثم ينام : ق.
(104) كلمة (يعني) ساقطة في أ، ثابتة في ق.
- 72 -

يتأول أن الأربع كن بغير تسليم، لا سيما مع قوله - وَ ال - : صلاة الليل مثنى،
مثنى.
وأما رواية من روى أن رسول الله - حائل - كان يضطجع بعد الوتر، ومن
روى أنه كان يضطجع بعد ركعتي الفجر، فقد ذكرنا ذلك في باب ابن شهاب
عن عروة من هذا الكتاب، وذكرنا عن العلماء ما صح عندهم، وما ذهبوا إليه
في ذلك - والحمد لله هناك.
وأما قوله: إن عيني تنامان ولا ينام قلبي، فهذه جبلته ◌َّتع التي طبع
عليها، وقد روي عنه - عليه السلام - أنه قال : إنا معشر الأنبياء تنام أعيننا ولا
تنام قلوبنا.(105) ولهذا قال ابن عباس وغيره من العلماء : رؤيا الأنبياء وحي،
وقد ذكرنا أقسام الوحي في باب إسحاق بن أبي طلحة، وذكرنا(706) في باب
زيد بن أسلم - معنى نومه عن الصلاة في سفره حتى ضربه حر الشمس بما
يغني عن إعادته ههنا.
ذكر عبد الرزاق وأبو سفيان جميعا عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة،
قال: قال رسول الله مَ اقّ: قيل لي: لتنم عينك، وليعقل قلبك، ولتسمع
أذنك، فنامت عيني، وعقل قلبي، وسمعت أذني - وذكر الحديث. وروي عنه
واقع أنه كان ينام حتى ينفخ ويغط، ثم يقوم فيصلي ولا يتوضأ،(107) لأن قلبه
لم يكن ينام، وإنما يجب الوضوء على من غلب النوم على قلبه، وغمر نفسه.
وكان ماتم مخصوصا دون سائر أمته بأن تنام عينه ولا ينام قلبه - صلوات
الله عليه وسلامه.
(105) رواه ابن سعد عن عطاء مرسلا.
انظر الفتح الكبير 430/1.
(106) وذكرنا : ق، وقد ذكرنا : أ.
(107) أخرجه أحمد من حديث عائشة، انظر الفتح الكبير 388/2.
- 79 -
..
٠

حدثنا خلف بن القاسم، قال حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد الخصبي
القاضي، قال حدثنا عبد الله(108) بن الحسن بن أبي شعيب، قال حدثنا عبيد الله
ابن عائشة، قال : حدثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس،
أن رسول الله مَافع نام حتى سمع غطيطه، ثم صلى ولم يتوضأ. قال عكرمة:
كان رسول الله مختزل محفوظا.
حديث خامس لسعيد بن أبي سعيد
مالك، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عبيد بن جريج
أنه قال لعبد الله بن عمر: يا أبا عبد الرحمان، رأيتك تصنع أربعا
لم أر أحدا من أصحابك يصنعها ؟ قال : ما هن يا ابن جريج ؟ قال :
رأيتك لا تمس من الأركان إلا اليمانيين، ورأيتك تلبس النعال
السبتية، ورأيتك تصبغ بالصفرة، ورأيتك إذا كنت بمكة أهل الناس
إذا رأوا الهلال ولم تهل أنت حتى كان يوم التروية؛ فقال عبد الله
ابن عمر: أما الأركان، فإني لم أر رسول الله ◌َ فَّ يمس إلا
اليمانيين، وأما النعال السبتية، فإني رأيت رسول الله ◌ُخلّ يلبس
النعال التي ليس فيها شعر، ويتوضأ فيها، فأنا أحب أن ألبسها؛ وأما
الصفرة، فإني رأيت رسول الله خاتم يصبغ بها، فأنا أحب أن أصبغ
بها؛ وأما الإهلال، فإني لم أر رسول الله جلّ يهل حتى تنبعث به
راحلته (109).
(108) عبد الله بن الحن: أ، محمد بن عبد الله بن الحسن: ق.
(109) الموطأ رواية يحيى ص : 227 - حديث (738) - والحديث أخرجه البخاري ومسلم وأبو
داود، انظر الزرقاني على الموطأ 247/2.
- 74 -

عبيد بن جريج من ثقات التابعين(116)، ذكر الحسن بن علي الحلواني
قال : حدثنا أحمد بن صالح، قال حدثنا ابن وهب، قال حدثني أبو صخر، عن
ابن قسيط، عن عبيد بن جريج، قال : حججت مع عبد الله بن عمر بين حج
وعمرة اثنتي عشرة مرة.
قال أبو عمر: في هذا الحديث دليل على أن الاختلاف في الأفعال
والأقوال والمذاهب كان في الصحابة موجودا، وهو عند العلماء أصح ما يكون
في الاختلاف إذا كان بين الصحابة؛ وأما ما أجمع عليه الصحابة واختلف فيه
من بعدهم، فليس اختلافهم بشيء(111)، وإنما وقع الاختلاف بين الصحابة - والله
أعلم - في (112) التأويل المحتمل فيما سمعوه ورأوه، أو فيما انفرد بعلمه(113)
بعضهم دون بعض، أو فيما كان منه - عليه السلام - على طريق الإباحة في
فعله لشيئين مختلفين؛ وقد بينا العلل في اختلافهم في غير هذا الكتاب.
وفي هذا الحديث دليل على أن الحجة عند الاختلاف السنة، وانها حجة
على من خالفها، وليس من خالفها بحجة عليها؛ ألا ترى أن ابن عمر لما قال له
عبيد بن جريج : رأيتك تصنع أشياء لا يصنعها أحد من أصحابك، لم يستوحش
من مفارقة أصحابه، إذ(114) كان عنده في ذلك علم من رسول الله مَ فه؛ ولم
يقل له ابن جريج الجماعة أعلم برسول الله مفع منك، ولعلك وهمت(115) كما
(110) انظر ترجمته في الجرح والتعديل ج: 2 - ق 403/2.
(111) ما بين القوسين ساقط في : أ، ثابت في ق.
(112) في التأويل : أ، بالتأويل : ق.
(113) بعلمه : ق، في علمه : أ.
(114) إذ : ق، إذا : أ.
(115) كما : أ، فيما : ق.
- 75-
:

يقول اليوم من لا علم له، بل انقاد للحق إذ سمعه، وهكذا يلزم الجميع (116)
وبالله التوفيق.
وأما قوله : رأيتك لا تمس من الأركان إلا اليمانيين، فالسنة التي عليها
جمهور الفقهاء أن ذینك الرکنین یستلمان دون غيرهما.
وأما السلف، فقد اختلفوا في ذلك: فروي عن جابر، وأنس(117)، وابن
الزبير، والحسن، والحسين - أنهم كانوا يستلمون الأركان كلها؛ وعن عروة مثل
ذلك. واختلف عن معاوية، وابن عباس - في ذلك : فقال أحدهما : ليس من
البيت شيء مهجور، والصحيح عن ابن عباس أنه كان لا يستلم إلا الركنين
الأسود واليماني - وهما المعروفان باليمانيين - وهي السنة؛ وعلى ذلك جماعة
الفقهاء، منهم : مالك والشافعي، وأبو حنيفة والثوري، والأوزاعي، وأحمد،
وإسحاق، وأبو ثور، وداود، والطبري، وحجتهم : حديث ابن عمر هذا ومتا كان
مثله عن النبي ◌َّ في ذلك : حدثنا خلف بن سعيد، حدثنا عبد الله بن محمد
ابن علي، حدثنا أحمد بن خالد، حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا أحمد بن
عبد الله بن یونس.
وحدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو
داود، قال حدثنا أبو الوليد الطيالسي، قال(118) حدثنا الليث بن سعد، عن ابن
شهاب، عن سالم، عن ابن عمر، قال: لم أر رسول الله ◌ٍفلم يمسح من(119)
البيت إلا الركنين اليمانيين(120).
ورواه ابن وهب عن يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه - مثله.
(116) انظر في الموضوع الزرقاني على الموطأ 247/2 - 148.
(117) وانس : أ، وابن عباس : ق.
(118) قال : أ، قالا : ق - وهي أنسب.
(119) من: ق، في: أ - والرواية على نسخة ق.
(120) سنن أبي داود 433/1.
-76-

وأخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو
داود، قال حدثنا مخلد بن خالد، قال حدثنا عبد الرزاق، قال أخبرنا معمر، عن
الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، أنه أخبر بقول عائشة أن الحجر بعضه من
البيت. فقال ابن عمر: والله إني لأظن عائشة إن كانت سمعت هذا من رسول
الله ◌ُّ، إني لأظن رسول الله مؤهل لم يترك استلامهما إلا أنهما ليسا على
قواعد البيت، ولا طاف الناس من وراء الحجر إلا لذلك(121).
وأما قوله : رأيتك تلبس النعال السبتية، فهي (122) النعال السود التي لا
شعر لها، كذلك فسره ابن وهب صاحب مالك. وقال الخليل في العين(123)
السبت الجلد المدبوغ بالقرظ، (124) ، وكذلك قال الأصمعي، وهو الذي ذكر ابن
قتيبة. وقال أبو عمرو : هو كل جلد مدبوغ.
وقال أبو زيد : السبت : جلود البقر خاصة - مدبوغة كانت أو غير
مدبوغة، ولا يقال لغيرها سبت، وجمعها سبوت.
,
وقال غيره : السبت نوع من الدباغ يقلع الشعر، والنعال السبتية من لباس
وجوه الناس وأشراف العرب، وهي معروفة عندهم، قد ذكرها شعراؤهم. قال
عنترة يمدح رجلا :
بطل كأن ثيابه في سرحة يحذي نعال السبت ليس بتوأم(125)
يعني أنه لم يولد توأما.
(121) المصدر السابق.
(122) فهي : أ، فهن : ق.
(123) يعني كتاب العين.
(124) القرظ : ورق السلم يدبغ به.
(125) انظر الديوان ص : 152.
-77-

وقال كثير :
كأن مشافر النجدات منها إذا ما قارفت قمع الذباب
بأيدي ماتم متصاعدات نعال السبت أو عذب الثياب
شبه اضطراب مشافر الإبل - وهي تنفي الذباب عنها بنعال السبت في
أيدي المأتم، والمأتم : النساء اللواتي يبكين وينحن على الميت. وقوله : أو
عذب الثياب، يريد خرقا يحبسها النساء بأيديهن عند النياح، ويحبسن أيضا
النعال بأيديهن كان هذا من فعل المأتم في الجاهلية، ولا أعلم خلافا في جواز
لباس النعال السبتية في غير المقابر، وحسبك أن ابن عمر يروي عن رسول
الله عشراتٍ - أنه كان يلبسها، وفيه الإسوة الحسنة ممتل. وقد روي عنه أنه رأى
رجلا يلبسها في المقبرة، فأمره بخلعها؛ وقد يجوز أن يكون ذلك لأذى رآه
فيها، أو لما شاء الله؛ فإنه حديث مختلف فيه، وقد روي عنه ما يعارضه؛
والحديث حدثناه عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
محمد بن سليمان بن داود المنقري البصري بمصر، قال حدثنا سليمان بن حرب،
قال حدثنا الأسود بن شيبان، قال أخبرني خالد بن سمير، قال أخبرني بشير بن
نهيك، قال أخبرني بشير بن الخصاصية - وكان اسمه في الجاهيلية زحم - فسماه
رسول الله صَ لّ بشيرا؛ قال بشير: بينما أنا أمشي بين المقابر - وعلي نعلان،
فإذا رجل ينادي من خلفي يا صاحب السبتيين، فالتفت، فإذا رسول الله على،
فقال لي : إذا كنت في مثل هذا الموضع، فاخلع نعليك، قال : فخلعتهما . .
هكذا قال إنه كان اللابس لهما والمأمور فيهما.
وأخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو
داود، قال حدثنا سهل بن بكار، قال حدثنا الأسود بن شيبان، عن خالد بن سمير
السدوسي، عن بشير بن نهيك، عن بشير، قال : وكان اسمه في الجاهلية زحم بن
معبد - فقال له رسول الله وَفي: بل أنت بشير، قال: بينما أنا أماشي رسول
~ 78 -

الله الله مر بقبور المشركين، فقال: لقد سبق هؤلاء خيرا كثيرا - ثلاثا. ثم مر
بقبور المسلمين، فقال : لقد أدرك هؤلاء خيرا كثيرا، وحانت من رسول
الله ◌َ ◌ّ نظرة، فإذا رجل يمشي في القبور - وعليه نعلان، فقال: يا صاحب
السبتيتين، ويحك! ألق سبتيتيك. فنظر الرجل، فلما عرف رسول الله جلّ
خلعهما، فرمى بهما(126).
وذهب قوم إلى أنه لا يجوز لأحد المشي بالنعال والحذاء بين القبور .
لهذا الحديث.
وقال آخرون : لا بأس بذلك، واحتجوا بما حدثنا عبد الله بن محمد بن
يحيى، قال حدثنا محمد بن بكر بن داسة، قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا
محمد بن سليمان الأنباري، قال حدثنا عبد الوهاب - يعني ابن عطاء، عن
سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن النبي وتم أنه قال : إن العبد إذا وضع في قبره
- وتولى عنه أصحابه - أنه يسمع قرع نعالهم (127).
وقال الأثرم : سمعت أحمد بن حنبل يسأل عن المشي بين القبور في
النعلين، فقال : أما أنا فلا أفعله، أخلع نعلي على حديث بشير؛ قال : وقد تأول
بعض الناس أنه ليسمع خفق نعالهم.
وقال أبو عبد الله : الأسود بن شيبان ثقة، وبشير بن نهيك ثقة روى عنه
عدة؛ قلت :(128) روى عنه النضر بن أنس، وأبو مجلز، وبركة، قال: نعم. قال
الأثرم حدثناعفان، وسليمان بن حرب- وهذا لفظ عفان: قال حدثنا الأسودبن
شيبان، قال حدثنا خالد بن سمير، قال حدثني بشير بن نهيك، عن بشير، قال :
بينما أنا أماشي رسول الله وَ قّ وأنا على قبور المسلمين - فقال: لقد أدرك
(126) انظر سنن أبي دواد 194/2.
(127) المصدر السابق 194/2 - 195.
(128) قلت روى : أ، قلت له - بزيادة كلمة (له) : ق.
- 79 -
:

هؤلاء خيرا، ثم حانت من رسول الله ◌َفي نظرة، فإذا برجل يمشي في القبور
عليه نعلاه، فناداه رسول الله قال: يا صاحب السبتيتين، ويحك! ألق
سبتيتيك، فنظر الرجل، فلما عرف رسول الله ماتح خلع نعليه فرمى بهما.
قال : وحدثنا عفان، قال حدثنا حماد بن سلمة، قال أخبرنا محمد بن
عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ◌َّفي إنه ليسمع خفق
نعالهم إذا ولوا. قال : ورأيت أبا عبد الله عند المقابر معلقا نعليه بيده.
وأما قوله: رأيتك تصبغ بالسفرة، وقول ابن عمر: رأيت رسول الله مَائح
يصبغ بها؛ فإن العلماء اختلفوا في تأويل هذا الحديث : فقال : قوم : أراد
الخضاب للحية بالصفرة، واحتجوا بما حدثناه عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا
قاسم بن أصبغ، قال حدثنا أحمد بن زهير، قال حدثنا أبي، قال حدثنا يعقوب
ابن ابراهيم، قال حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، قال حدثني سعيد المقبري، عن
عبيد بن جريج، قال : قلت لابن عمر: يا أبا عبد الرحمان، إني رأيتك تصفر
لحيتك، قال : إن رسول الله ◌َّ كان يصفر بالورس، فأنا أحب أن أصفر به
كما كان يصنع.
وحدثنا عبد الوارث، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا أحمد بن زهير، قال.
حدثنا موسى بن اسماعيل، قال حدثنا حماد بن سلمة، عن عبيد الله بن عمر، عن
سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن ابن جريج. كذا قال : رأيت ابن عمر يصفر
لحيته، فقلت : أراك تصغر لحيتك، قال : (129) رأيت النبي مفع يصفر لحيته.
ورواه يحيى القطان، عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد المقبري، عن ابن
جريج. وفي حديثه أنه قال : رأيته يصفر لحيته.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
أحمد بن زهير، قال حدثنا عيسى بن إبراهيم، قال أخبرنا عبد الواحد بن زياد،
قال حدثنا الحجاج، عن عطاء، قال : رأيت ابن عمر - ولحيته صفراء.
(129) قال : أ، فقال : ق.
م
- 80-