النص المفهرس

صفحات 161-180

غلقه عليه ضرر، لأنهم قصدوا إلى قطع أعظم الضررين - إذا لم يكن بد من قطع
أحدهما؛ وكذلك من أحدث بناء في رحا ماء أو غير رحا، فيبطل ما أحدثه على
غيره منفعة قد استحقت وثبت ملكها لصاحبها، منع من ذلك؛ لأن إدخاله المضرة
على جاره بما له فيه منفعة، كإدخاله عليه المضرة بما لا منفعة فيه، ألا ترى أنه لو
أراد هدم منفعة جاره وإفسادها من غير بناء بينيه لنفسه، لم يكن ذلك له؛
فكذلك إذا بنى أو فعل لنفسه فعلا يضربه بجاره،(161) ويفسد عليه ملكه، أو شيئا
قد استحقه وصار ماله؛ وهذه أصول قد بانت عللها، فقس عليها ما كان في معناها
تصب إن شاء الله. وهذا كله باب واحد متقارب المعاني متداخل، فاضبط أصله؛
ومن هذا الباب وجه آخر من الضرر منع منه العلماء كدخان الفرن والحمام، وغبار
الأندر والانتان، والدود المتولدة من الزبل المبسوط في الرحاب، وما كان مثل
ذلك كله؛ فإنه يقطع منه ما بان ضرره وبقي أثره وخشي تماديه؛ وأما ما كان
ساعة خفيفة مثل نفض التراب والحصر عند الأبواب، فإن هذا مما لا غنى بالناس
عنه، وليس مما يستحق به شيء يبقى؛ والضرر في منع مثل هذا (16) أكبر وأعظم
من الصبر على ذلك ساعة خفيفة؛ وللجار على جاره في أدب السنة : أن يصبر من
أذاه على ما يقدر، كما عليه أن لا يؤذيه، وأن يحسن إليه؛ ولقد أوصى به رسول
الله ◌َ اتّ حتى كاد أن يورثه ﴿ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم
الأمور﴾(163) ﴿ولمن انتصر بعد ظلمه، فأولئك ما عليهم من سبيل،
إنما السبيل على الذين يظلمون الناس﴾(164)، ﴿ولا تعتدوا إن الله لا
يحب المعتدين﴾(165).
(161) يجاره : أ، جاره : ق.
(162) هذا : أ، ذلك : ق.
(163) الآية : 43 - سورة الشورى.
(164) الآية : 41 - سورة الشورى.
(165) الآية : 190 - سورة البقرة.
التمهيدج٢٠
- 161 -

أخبرنا خلف بن القاسم، قال حدثنا أبو بكر أحمد بن صالح بن عمر
المقرئ، قال حدثنا أبو علي الحسن بن الطيب الكوفي، قال حدثنا سعيد بن أبي
الربيع السمان البصري قال حدثنا عنبسة بن سعيد، قال حدثنا فرقد السبخي، عن
مرة الطيب، عن أبي بكر الصديق، قال : قال رسول الله مَاتٌ: ملعون من ضار
مسلما أو ماكره (166).
حدثنا أحمد بن فتح بن عبد الله، قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حامد
البغدادي المعروف بابن ثرثال، قال حدثنا الحسن بن الطيب بن حمزة الشجاعي
البلخي، قال حدثنا سعيد بن أبي الربيع السمان، قال حدثنا عنبة بن سعيد، قال
حدثنا فرقد السبخي، عن مرة الطيب، عن أبي بكر الصديق، قال : قال رسول
الله ◌َّ: ملعون من ضار أخاه المسلم أو ماكره. وهذا حديث في إسناده رجال
معروفون بضعف الحديث، فليس مما يحتج به، ولكنه مما يخاف عقوبة ما جاء
فيه؛ ومما يدخل في هذا الباب : مسألة ذكرها إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك -
أنه سئل عن امرأة عرض لها - يعني مسا من الجن، فكانت إذا أصابها زوجها أو
جنبت أو دنا منها، اشتد ذلك بها؛ فقال مالك : لا أرى أن يقربها، وأرى
للسلطان أن يحول بينه وبينها؛ قال : وقال مالك : من مثل بامرأته فرق بينها
بتطليقة. قال : وإنما يفرق بينهما - مخافة أن يعود إليها فيثل بها أيضا - كالذي
فعل أول مرة؛ وإنما ذلك في المثلة البينة التي ياتيها متعمدا مثل فقء العين،
وقطع اليد، وأشباه ذلك؛ قال : وقد يفرق بين الرجل وامرأته بما هو أيسر من
هذا وأقل ضررا - إن شاء الله.
(166) أخرجه الترمذي من حديث أبي بكر، انظر الفتح الكبير للسيوطي 138/3 - 139.
- 162 -

مالك عن عمرو بن الحرث المصري
حديث واحد
وهو عمرو بن الحرث بن يعقوب بن عبد الله، مولى سعد بن عبادة، وقيل
مولى قيس بن سعد بن عبادة، يكنى أبا أمية.
قال سعيد بن كثير بن عفير(1) في تاريخ أهل مصر : ولد عمرو بن الحرث
ابن يعقوب مولى قيس بن سعد بن عبادة سنة اثنتين وتسعين، وتوفي سنة ثمان
وأربعين ومائة، ويكنى أبا أمية، وكان من أحفظ الناس وأرواهم للشعر وأبلغهم في
رسالة.
قال البخاري : كنيته أبو أمية، وهو مولى الأنصار، وقال مصعب :
أخرجه صالح بن علي من المدينة إلى مصر مؤدبا لبنيه(2).
وقال ابن وهب : لو بقي لنا عمرو بن الحرث ما احتجنا إلى مالك بن
أنس. ذكره العقيلي، عن أحمد بن علي، عن أحمد بن وزير، قال : سمعت ابن
وهب - فذكره. وذكر الحلواني عن أبي سعيد الجعفي، عن ابن وهب قال: قال(3)
لي ابن مهدي انتق لي من حديث ابن الحرث مائتي حديث وجئني بها، قال :
فانتقیتها ثم حملتها إلى مكة، فحدثته بها.
(1) ترجمه ابن حجر في تهذيب التهذيب 74/4 - 75.
(2) انظر التاريخ الكبير ج 3/ - ق 320/2 - 321.
(3) كلمة (قال) الثانية ساقطة في ق.
- 163-

وذكر ابن وهب عن ابن زيد، عن ربيعة أنه قال : لا يزال بذلك المغرب
فقه (٩) ما كان فيه ذلك القصير - يعني عمرو بن الحرث، وقد قيل إن عمرو بن
الحرث توفي سنة تسع وأربعين ومائة (5).
مالك، عن عمرو بن الحرث عن عبيد بن فيروز، عن البراء بن
عازب، أن رسول الله متجان سئل : ماذا يتقى من الضحايا ؟ فأشار
بيده وقال : أربعا. وكان البراء يشير بيده ويقول : يدي أقصر من يد
رسول الله في : العرجاء البين ظلعها،(6) والعوراء البين عورها،
والمريضة البين مرضها، والعجفاء(7) التي لا تنقي(٥).
هكذا روى مالك هذا الحديث عن عمرو بن الحرث، عن عبيد بن فيروز،
لم يختلف الرواة عن مالك في ذلك؛ والحديث إنما رواه عمرو بن الحرث عن سليمان
ابن عبد الرحمان، عن عبيد بن فيروز، عن البراء بن عازب؛ فسقط لمالك ذكر
سليمان بن عبد الرحمان، ولا يعرف هذا الحديث إلا لسليمان بن عبد الرحمان هذا،
ولم يروه غيره عن عبيد بن فيروز، ولا يعرف عبيد بن فيروز إلا بهذا الحديث،
وبرواية سليمان عنه.(9) ورواه عن سليمان - جماعة من الأئمة، منهم: شعبة والليث
وعمرو بن الحرث، ویزید بن أبي حبيب وغيرهم.
(4) كذا في النسختين، والذي في تهذيب التهذيب 15/8: (المصر علم).
(5) انظر ترجمته في تهذيب التهذيب 15/8 - 16.
(6) ظلعها - بفتح الظاء المعجمة وإسكان اللام - : عرجها، وهو التي لا تلحق الغنم في مشيها - انظر
الزرقاني على الموطأ 70/3.
(7) العجفاء - مؤنث أعجف: الضعيفة، ومعنى (لا تنقي) - بضم التاء وإسكان النون - أي لا تقى لها،
والنقى : الشحم.
(8) الموطأ رواية يحيى ص 322 حديث (1035)، والموطأ رواية محمد بن الحسن ص 214 - حديث
.(633)
(9) انتقده الزرقاني وقال : قد رواه يزيد بن أبي حبيب، والقاسم مولى خالد بن يزيد بن معاوية -
كلاهما عن عبيد - كا ذكره المزي في الأطراف، وذكر أيضا أن سليمان رواه عن عبيد بواسطة
القاسم وبدونها - انظر شرحه على الموطأ 70/3 - 71.
- 164 -

وذكر ابن وهب هذا الحديث عن عمرو بن الحرث، والليث بن سعد، وابن
لهيعة، أن سليمان بن عبد الرحمان حدثهم عن عبيد بن فيروز مولى بني شيبان، عن
البراء بن عازب.
أخبرنا عبد الرحمان بن عبد الله بن خالد، قال حدثنا محمد بن تميم، قال
حدثنا عيسى بن مسكين؛ وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن
أصبغ، قال حدثنا ابن وضاح، قالا حدثنا سحنون، قال حدثنا عبد الله بن وهب،
قال أخبرني عمرو بن الحرث، والليث، بن سعد، وابن لهيعة، أن سليمان بن عبد
الرحمان الدمشقي حدثهم عن عبيد بن فيروز - مولى بني شيبان، عن البراء بن
عازب الأنصاري، قال: سمعت رسول الله ◌َجائعٍ وأشار بأصبعه(٦٥) - قال:
وأصبعي(١٥) أقصر من أصبع(٢٥) رسول الله ◌َيٍ وهو يشير بأصبعه(١٦) يقول: لا
يجوز من الضحايا أربع : العوراء البين عورها، والعرجاء البين عرجها، والمريضة
البين مرضها، والعجفاء التي لا تنقي. قال البراء بن عازب : فلقد رأيتني - وإني
لآتي الشاة قد ترکت وأشير إليها، فإذا أطرفت، أخذتها فضحیت بها.
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم بن أصبغ،
قال حدثنا عبد الله بن روح المدائني، قال حدثنا شبابة، قال حدثنا شعبة، عن
سليمان بن عبد الرحمان، عن عبيد بن فيروز، قال : سألت البراء بن عازب : ما
يتقى من الأضاحي ؟ قال: قام فينا رسول الله ◌َ } - ويدي أقصر من يده .
فقال : العوراء البين عورها، والعرجاء البين ظلعها، والمريضة البين مرضها،
والكسيرة التي لا تنقى - يعني المهزولة. قال: قلت للبراء : إني لأكره أن يكون
في القرن نقص، أو في الأذن نقص، أو في السن نقص. قال: فما كرهته فدعه ولا
تحرمه على أحد ((١).
(10 - 10 م) ثبت في النسختين: (أصابع)، والتصويب من الزرقاني على الموطأ.
(11) كذا في أ - وهو الذي في الزرقاني، وفي ق (بأصابعه).
(12) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى - مع اختلاف يسير، انظر 274/9.
- 165 -

ووجدت في أصل سماع أبي بخطه - رحمه الله - أن محمد بن أحمد بن قاسم
ابن ھلال حدثهم، قال : حدثنا سعيد بن عثمان، قال حدثنا نصر بن مرزوق، قال
حدثنا أسد بن موسى، قال حدثنا شعبة، عن سليمان بن عبد الرحمان مولى بني أسد
ابن موسى قال : سمعت عبيد بن فيروز مولى بني شيبان، قال : سألت البراء بن
عازب : ما كره رسول الله خاتم من الأضاحي؟ وما نهى عنه ؟ فقال: قال
رسول الله عل ويدي أقصر من يده: أربع لا يجزين : العوراء البين عورها،
والعرجاء البين ظلعها، والمريضة البين مرضها، والكسيرة التي لا تنقي؛ قال:
قلت : فإني أكره أن يكون في السن نقص، أو في الأذن نقص، أو في القرن نقص؛
قال : إن كرهت شيئا فدعه ولا تحرمه على أحد.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
أحمد بن زهير، قال حدثنا عفان، وعاصم بن علي، قالا : حدثنا شعبة، عن سليمان
ابن عبد الرحمان - مولى بني أسد، قال : سمعت عبيد بن فيروز - مولى بني شيبان،
قال: سألت البراء بن عازب: ما كره رسول الله ◌َّل من الأضاحي؟ وماذا
نهى عنه؟ فقال: قال النبي فع ويدي أقصر من يد رسول الله جل ثم ذكر
مثله.
وروى هذا الحديث عثمان بن عمر، عن الليث بن سعد، عن سليمان بن
عبد الرحمان، عن القاسم مولى يزيد بن معاوية، عن عبيد بن فيروز - فأدخل بين
سليمان وبين عبيد بن فيروز القاسم، وهذا لم يذكره غيره((١)؛ وقد ذكرنا من رواية
شعبة عن سليمان بن عبد الرحمان : سمعت عبيد بن فيروز - وشعبة موضعه من
الاتقان والبحث موضعه؛ وابن وهب أثبت في الليث من عثمان بن عمر، ولم يذكر
(13) مر بنا أن الزرقاني انتقده وقال: إن سليمان رواه عن عبيد بواسطة القاسم وبدونها - ذكره
المزى في الأطراف، انظر شرحه على الموطأ 71/3.
- 166 -

ما ذكر(4) عثمان بن عمر؛ فاستدلنا بهذا أن عثمان بن عمر وهم في (5) ذلك - والله
أعلم. حدثنا عبد الوارث بن سفيان، وسعيد بن نصر قراءة مني عليها أن قاسم بن
أصبغ حدثها قال : حدثنا جعفر بن محمد الصائغ، قال حدثنا محمد بن سابق، قال :
محدثنا شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن إسماعيل بن أبي خالد الفدكي - أنه حدثه
أن البراء بن عازب سأل رسول الله ◌َيتم عن الأضاحي، فقال رسول الله البيع:
أكره العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والمهزولة البين هزالها،
والمكسورة بعض قوائمها بين كسرها.
قال أبو عمر :
استدل بعض من ذهب إلى إيجاب الضحية فرضا بهذا الحديث، لقوله(٦٥):
فيه أربع لا تجزئ أو لا تجوز في الضحايا؛ قالوا: فقوله لا تجزئ، دليل على
وجوبها، لأن التطوع لا يقال فيه لا يجزئ؛ قالوا : والسلامة من العيوب إنما
تراعى في الرقاب الواجبة، وأما التطوع فجائز أن يتقرب إلى الله فيه بالأعور
وغيره، قالوا : فكذلك الضحايا.
قال أبو عمر :
ليس في هذا حجة، لأن الضحايا قربان سنه رسول الله ولاتلم يتقرب به
إلى الله عز وجل على حسبما ورد به الشرع؛ وهو حكم ورد به التوقيف، فلا
يتعدى به سنته ◌َ ◌ّ، لأنه محال أن يتقرب إليه بما قد نهى عنه على لسان
رسوله وَ الل؛ وقد أخرنا القول في إيجاب الأضحية فرضا أو سنة أو تطوعا إلى
باب يحيى بن سعيد من هذا الكتاب، فهناك موضع القول في ذلك، وذكرنا في
(14) ذكر : أ، ذكره : ق.
(15) انظر سنن البيهقي : 275/9.
(16) كذا في أ، وفي ق لقوله }.
-167 -

ذلك الباب ما للعلماء فيه من الأقوال والمعاني والاعتلال، واقتصرنا(17) من القول
ههنا على أحكام العيوب في. الضحايا، ليقع في كل باب ما هو أولى به من معانيه .
وبالله التوفيق.
قال أبو عمر :
أما العيوب الأربعة المذكورة في هذا الحديث فمجتمع عليها، لا أعلم خلافا
بين العلماء فيها؛ ومعلوم أن ما كان في معناها داخل فيها، ولا سيما إذا كانت العلة
فيها أبين؛ ألا ترى أن العوراء إذا لم تجز، فالعمياء أحرى ألا تجوز؛ وإذا لم تجز
العرجاء، فالمقطوعة الرجل أو التي لا رجل لها المقعدة، أحرى ألا تجوز؛ وهذا كله
واضح لا خلاف فيه - والحمد لله. وفي هذا الحديث دليل على أن المرض الخفيف
يجوز في الضحايا، والعرج الخفيف الذي تلحق به الشاة الغنم، لقوله ◌َفتحٍ: البين
مرضها والبين ظلعها؛ وكذلك النقطة في العين، إذا كانت يسيرة، لقوله العوراء
البين عورها، وكذلك المهزولة التي ليست بغاية في الهزال، لقوله : والعجفاء التي
لا تنقي، يريد التي لا شيء فيها من الشحم، والنقي الشحم؛ وقد بان في نسق ما
أوردنا من الأحاديث تفسير هذه اللفظة، وقد جاء في الحديث الآخر : البين
هزالها، وفي لفظ حديث شعبة، والكسير التي لا تنقي. ومعنى الكسير: هي التي
لا تقوم ولا تنهض من الهزال؛ ومن العيوب التي تتقى في الضحايا بإجماع : قطع
الأذن أو أكثره، والعيب في الأذن مراعى عند جماعة العلماء في الضحايا.
واختلفوا في السكاء - وهو التي خلقت بلا أذن، فمذهب مالك والشافعي :
أنها إذا لم تكن لها أذن خلقة لم تجز، وإن كانت صغيرة الأذن أجزأت (16).
وروی بشر بن الوليد، عن أبى يوسف، عن أبى حنيفة مثل ذلك. وذكر
محمد بن الحسن عنه وعن أصحابه، أنها إذا لم تكن لها أذن خلقة، أجازت (١٥) في
الضحية قال : والعمياء خلقة لا تجوز في الضحية.
(17) واقتصرنا : أ، وأفردنا: ق.
(18- 18 م) أجزأت : ق، أجزت : أ.
- 168 -

وقال مالك والليث : المقطوعة الأذن أو جل الأذن لا تجزئ، والشق
للميسم يجزئ، وهو قول الشافعي وجماعة الفقهاء.
واختلفوا في جواز الأبتر في الضحية، فروي عن ابن عمر، وسعيد بن
المسيب، وسعيد بن جيبر، والحسن، وإبراهيم النخعي : أنه يجزئ في الضحية. وكان
الليث بن سعد يكره الضحية بالأبتر.
وذكر ابن وهب عن الليث أنه سمع يحيى بن سعيد يقول : يكره ذهاب
الذنب والعور والعجف وذهاب الأذن أو نصفها.
وعن ابن لهيعة، عن خالد بن زيد، عن عطاء، أن الأبتر لا يحوز في
الضحايا.(19) (وقد روى في الأبتر حديث مرفوع ليس بالقوي وفيه نظر :
حدثنا عبد الله بن محمد بن يوسف، قال حدثنا أحمد بن محمد بن إسماعيل،
حدثنا محمد بن أحمد بن حماد الدولابي، حدثنا إسحاق بن الحسن، حدثنا آدم،
حدثنا شعبة، قال حدثنا جابر الجعفي، قال سمعت محمد بن قرظة يحدث عن أبي
سعيد الخدري أنه قال : اشتريت كبشا لأضحي به، فأكل الذنب من ذنبه، أو
قال: أكل ذنبه، فسألت عنه النبي مظاهر فقال: ضح به). وهذا يحتمل وجوها،
منها : أنه قطع بعض ذنبه، ومنها أنه قطع كله، ومنها أنه إذا كان القطع طارئا
عليه ولم يخلق أبتر، فلا بأس به إذا كان يسيرا. ومنها أنه لم يخص خلقة من غيرها،
ومنها أنه عرض له بعد أن اشتراه ضحية فأوجبه على مذهب من سوى بين ذلك
وبين الهدي، وقد قيل إنه لم يسمع محمد بن قرظة من أبي سعيد الخدري؛ وقد
تكلموا في جابر الجعفي ولكن شعبة روى عنه، وكان يحسن الثناء عليه، وحسبك
بذلك من مثل شعبة !
وحدثنا أحمد بن سعيد بن بشر، حدثنا مسلمة بن قاسم، حدثنا جعفر بن
محمد بن الحسن الأصبهاني، حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود الطيالسي،
قال حدثنا شعبة، عن جابر، عن محمد بن قرظة، عن أبي سعيد الخدري، قال :
(19) من قوله (وقد روى في الأبتر .. فقال ضح به) - وهو نحو 17 سطرا - ساقط في ق.
- 169 -

اشتريت كبشا أضحي به فأكل الذئب ذنبه أو من ذنبه، فسألت النبي يافلٍ فقال :
صح به.
وروى مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان يتقي في الضحايا والبدن
التي نقص من خلقها، والتي (20) لم تسن(21). قال ابن قتيبة (2): قوله لم تسن أي لم
تنبت أسنانها كأنها لم تعط أسنانا، وهذا كما يقول: لم تلبن لم تعط لبنا، ولم تسمن
أي لم تعط سمنا، ولم تعسل أن لم تعط عسلا؛ هذا مثل النهي عن الصماء في
الأضاحي، وهذا أصح عن ابن عمر - عندي - والله أعلم - من رواية من روى عنه
جواز الأضحية بالأبتر، إلا أنه يحتمل أن يكون اتقى ابن عمر لمثل ذلك ورعا،
ويحتمل أن يكون اتقاؤه كان لما نقص منها خلقة، وحمل حديثه على عمومه أولى
به، ولا حجة مع ذلك فیه.
وذكر ابن وهب قال : أخبرني يونس عن ابن شهاب أنه قال : لا يجوز
من الضحية المجذوعة ثلث الأذن ومن أسفل منها، ولا يجوز مسلولة الأسنان، ولا
الثرماء(23)، ولا جد الضرع، ولا العجفاء، ولا الجرباء، ولا المصرمة الأطباء، ولا
العوراء، ولا العرجاء البين عرجها؛ والمصرمة الأطباء : المقطوعة حلمة الثدي.
قال : وأخبرني عبد الجبار بن عمر، عن ربيعة أنه كان يكره كل نقص يكون في
الضحية أن يضحى به. قال : وأخبرني عمرو بن الحرث، وابن لهيعة، عن بكير بن
الأشج، عن سليمان بن يسار - أنه كان يكره من الضحايا التي بها من العيب ما
ينقص من ثمنها.
(20) والتي : أ، وهو الذي في الموطأ، أو التي: ق، انظر الموطأ رواية يحيى ص 322 - حديث
.(1036)
(21) تسن: ق - وهي الرواية، وتسنن: أ. و(تن) روى بكسر الين من السنن لأن معروف مذهب
ابن عمر أنه لا يضحى الا بثني المعز والضأن والإبل والبقر، وروى بفتح الين.
(22) من قوله (قال ابن قتيبة ... - في الأضاحي) ساقط في ق.
(23) الثرماء : المكسورة الأسنان من أصلها.
- 170 -

قال : وسمعت مالكا يكره كل نقص يكون في الضحايا إلا القرن وحده،
فإنه لا يرى بأسأسا أن يضحي بمكسورة القرن، ويراه بمنزلة الشاة الجماء.
قال أبو عمر :
على هذا جماعة الفقهاء، لا يرون بأسا أن يضحي بالمكسور القرن، وسواء
كان قرنه يدمي أو لا يدمي؛ وقد روي عن مالك أنه كرهه إذا كان يدمي - أنه
جعله من المرض.
وأجمع العلماء على أن الضحية بالجماء(24) جائزة، وقالت جماعتهم وجمهورهم
أنه لا باس أن يضحى بالخصي - واستحسنه بعضهم إذا كان أسمن من غيره.
قال ابن وهب : قال لي مالك: العرجاء إذا لم تلحق الغنم، فلا تجوز في
الضحايا.
قال أبو عمر :
روى قتادة، عن جزي بن كليب، عن علي بن أبي طالب - أن رسول
الله عَّهُ نهى في الضحايا عن عضباء(25) الأذن والقرن. قال قتادة : فقلت لسعيد
ابن المسيب : ما عضب الأذن والقرن ؟ قال : النصف أو أكثر.
قال أبو عمر :
لا يوجد ذكر القرن في غير هذا الحديث، وبعض أصحاب قتادة لا يذكر
فيه القرن، ويقتصر فيه على ذكر الأذن وحدها، كذلك روى هشام وغيره عن
قتادة؛ وجملة القول : أن هذا حديث لا يحتج بمثله مع ما ذكرنا من مخالفة
(24) الجماء : التي لا قرن لها.
(25) عضباء : أ، عضب : ق.
- 171 -

الفقهاء له في القرن خاصة، وأما الأذن فكلهم على القول بما فيه في الأذن، وفي
الأذن عن النبي ◌َ ◌ّ - آثار حسان.
حدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم بن
أصبغ، قال حدثنا ابن وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا
وكيع، قال حدثنا سفيان بن عيينة، عن سلمة بن كهيل، عن حجية بن عدي، عن
علي، قال: أمرنا رسول الله مَّ أن نستشرف العين والأذن(26).
وحدثنا سعيد وعبد الوارث قالا حدثنا قاسم، قال حدثنا ابن وضاح، قال
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا عبيد الله، أخبرنا إسرائيل، عن أبي
إسحاق، عن شريح بن النعمان، عن علي، قال: أمرنا(2) رسول الله صَلّ أن
نستشرف العين والأذن، ولا نضحي بمقابلة ولا مدابرة ولا شرقاء ولا خرقاء؛
والمقابلة ما قطع طرف أذنها، والمدابرة ما قطع من جانبي الأذن، والشرقاء :
المشقوقة الأذن، والخرقاء : المثقوبة الأذن(28).
قال أبو عمر :
كان بعض العلماء يقول في قول رسول الله جلّ أربع لا تجوز في الضحايا،
دليل على أن ما عدا تلك الأربع من العيوب في الضحايا يجوز - والله أعلم.
(26) لعل المؤلف ذكره عن ابن أبي شيبة مختصرا، وقد أخرجه البيهقي في السنن الكبرى - مطولا
بلفظ : (قال حجية: كنا عند علي فأتاه رجل فقال: البقرة ؟ فقال : عن سبعة، قال :
القرن؟ لا يضرك، قال : العرج؟ قال: إذا بلغت المنسك. أمرنا رسول الله مَفي أن تستشرف
العين والأذن ج 275/9.
(27) أمرني : أ، أمرنا : ق - وهي الرواية.
(28) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى - المصدر السابق.
-172 -

٠
وهذا - لعمري - كما زعم إن(29) لم يثبت عن النبي ◌َّ اللّ غير ذلك.
وما إذا ثبت عنه شيء منصوص بخلاف هذا التأويل، فلا سبيل إلى القول
به، وما زيد عليه من السنن الثابتة في غيره فمضموم إليه: وحديث علي في
استشراف العين والأذن حديث حسن الإسناد، ليس بدون حديث البراء - وبالله
التوفيق.
(29) إن لم : إذا لم : ق.
- 179-

مالك عن عمرو بن أبي عمرو
حدیث واحد
وهو عمرو بن أبي عمرو، يكنى أبا عثمان واسم أبي عمرو ميسرة، وهو مولى
المطلب بن عبد الله بن حنطب المخزومي القرشي، مدني ليس به بأس. روى عن
أنس بن مالك، وعكرمة مولى ابن عباس، وعن مولاه المطلب بن عبد الله بن
حنطب، والمطلب مولاه - يكنى أبا الحكم.
وروى عن عمرو بن أبي عمرو - مالك بن أنس، وعبد العزيز الدراوردي؛
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عن عمرو بن أبي عمرو، فقال : سمع
من أنس، ليس به باس، روى عنه مالك بن أنس؛ وقال ابن أبي حاتم : سألت أبي
عن عمرو بن أبي عمرو فقال: لا بأس به (١). روى عنه مالك. وسئل أبو زرعة عن
عمرو بن أبي عمرو، فقال : مدني ثقة. ب)
وأما ابن معين، فورى عنه عیاض الدوري أنه قال : عمرو بن أبي عمرو
ليس بحجة، وقول أبي زرعة أولى من قول ابن معين - إن شاء الله - لرواية مالك
عنه، وکان لا یروی عندهم إلا عن ثقة.
قال أبو عمر :
(قد ضعفه بعضهم(3) ولم يفرده مالك في موطئه بحكم().
مالك، عن عمرو بن أبي عمرو - مولى المطلب، عن أنس بن
(1) انظر الجرح والتعديل 253/3.
(2) ضعفه جماعة، انظر تهذيب التهذيب 82/8 . 83.
(3) ما بين القوسين ساقط في أ، ثابت في ق.
- 175-

مالك أن رسول الله عَلافعٍ طلع له أحد، فقال : هذا جبل يحبنا ونحبه،
اللهم إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم ما بين لا بتيها.(4).
لم يختلف عن مالك في إسناد هذا الحديث ولا في لفظه ـ فيما علمت،
ورواه سفيان بن بشر عن مالك، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمان، عن أبي
هريرة - فأخطأ فيه (والصواب ما في الموطأ(5): مالك عن عمرو عن أنس. حدثنا
خلف بن القاسم، قال حدثنا أبو عمرو عثمان بن محمد بن عبد الرحمان بن معاوية
ابن عبد الرحمان بن محمد بن عتبة بن أبي سفيان بن حرب، قال حدثنا أبو شيبة
داود بن إبراهيم البغدادي، قال حدثنا عبد الأعلى بن حماد، قال : قرأت على مالك
ابن أنس، عن عمرو مولى المطلب، عن أنس أن رسول الله عز طلع له أحد
فقال : إن هذا جبل يحبنا ونحبه، اللهم إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم ما بين
لابتيها - يعني المدينة.
حدثنا(6) خلف، قال حدثنا عبد الله بن عمر بن إسحاق، حدثنا محمد بن
جعفر بن أعين.
وحدثنا خلف، حدثنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن علي بن محمد
الكندي، ومحمد بن عبد الله، قالا: حدثنا عبد الله بن عبد العزيز البغوي، قالا
حدثنا عبد الأعلى بن حماد، قال : قرأت على مالك بن أنس، عن عمرو بن أبي
عمرو، عن أنس، أن النبي مؤتم طلع له أحد(7) - فذكره.
(4) الموطأ رواية يحيى ص 642 - حديث (1602) - والحديث رواه البخاري في أحاديث الأنبياء عن
القعنبي، وفي المغازي عن عبد الله بن يوسف كلاهما عن مالك به.
انظر الزرقاني على الموطأ 227/4 -228.
(5) ما بين القوسين ساقط في أ، ثابت في ق.
(6) حدثنا : أ، وحدثنا : ق.
(7) أحد : أ، جبل أحد : ق.
- 176 -

قال أبو عمر :
للناس في هذا مذهبان : أحدهما أن ذلك مجاز، ومجازه أن رسول الله الفحم
كان يفرح بأحد إذا طلع له استبشارا بالمدينة ومن فيها من أهلها(®)، ويحب النظر
إليه لقربه من النزول بأهله، والأوبة من سفره؛ فلهذا - والله أعلم - كان يحب
الجبل. وأما حب الجبل له، فكأنه قال : وكذلك كان يحبنا لو كان ممن تصح
وتمكن منه محبة، وقد مضى هذا المعنى في باب عبد الله بن يزيد واضحا عند
قوله واقعٍ: اشتكت النار إلى ربها - الحديث والحمد لله (9)، ومن هذا قول عمر بن
الوليد بن عقبة (10).
فكيف بذي وجد من القوم (٦٦) آلف
بكى أحد إن فارق اليوم أهله
وقد قيل معنى قوله : يحبنا، أي يحبنا أهله - يعني الأنصار الساكنين قربه، وكانوا يحبون
رسول الله ◌ٍَّ ويحبهم لأنهم أووه ونصروه، وأقاموا دينه؛ فخرج قوله عَاهله على هذا التأويل مخرج
قول الله عز وجل: ﴿وسئل القرية التي كنا فيها﴾(2) يريد أهل القرية((١)، وهذا
معروف في لسان العرب، وقد تكون الإرادة للجبل مجازا أيضا، فيكون القول في
حب الجبل، كالقول في إرادة الجدار أن ينقض(14) سواء، ومن حمل ذلك على المجاز
(8) أهلها : أ، أهله : ق.
(9) انظر ج 19 ص 113/112.
(10) هو عمر بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط الأموي القرشي، شاعر رقيق الشعر، كان يقيم بالمدينة
فنفاه عبد الله بن الزبير إلى الشام، فأقام في دمشق زمنا أكثر فيه الحنين إلى المدينة - وهذا
البيت من ذاك.
انظر الأغاني - ط دار الكتاب 35/12.
(11) القوم : أ، الناس : ق.
(12) الآية : 82 - سورة يوسف.
(13) بريد أهل القرية : أ، يريد : واسئل أهل القرية : ق.
(14) يشير إلى قوله تعالى: ﴿جدارا يريد أن ينقض﴾ - الآية: 77 - سورة الكهف.
التمهيدج ٢٠
- 177 -

جعله كقول الشاعر(١٦".
يريد الرمح مدر أبي براء
ويرغب عن دماء بني عقيل.
وزعم أن العرب خوطبت من ذلك بما تعرفه بينها من مخاطباتها ومفهوم
كلامها: فهذا كله مذهب من حمل هذا الألفاظ - وما كان مثلها في الكتاب والسنة
على المجاز المعروف من لسان العرب: والمذهب الآخر أن ذلك حقيقة. ومن حمل
هذا على الحقيقة، جعل للجدار إرادة يفهمها من شاء الله، وجعل لكل شيء
تسبيحا حقيقة لا يفقهها الناس - بقوله عز وجل : ﴿ يا جبال أوبي معه » (١٨)
وقوله: ، وإن من شيء إلا يسبح بحمده ﴾ (١٦) وجعل السماوات والأرض
بكاء (18) وقولا في مثل هذا المعنى صحيحا: والقول في كلا المذهبين(1) يتسع، وقد
أكثر الناس في هذا - وبالله التوفيق.
وأما قوله : إن إبراهيم حرم مكة وإني أحرم ما بين لابتيها.
فقد روى هذا المعنى أبو هريرة ورافع بن خديج، عن النبي ◌ّ : حدثا
عبد الوارث. حدثنا قاسم. حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا
بكر بن مضر، عن ابن الهادي، عن أبي بكر بن محمد، عن عبد الله بن عمرو بن
عثمان، عن رافع بن خديج، قال: قال رسول الله مَّ إن إبراهيم حرم مكة(20)
وقال أحمد بن زهير : حدثنا مصعب بن عبد الله، حدثنا عبد العزيز بن
أبي حازم، عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة أن رسول
اللّه ◌ُرَّ قال : إن إبراهيم حرم مكة.
(15) هو الحارثي، انظر تفسير القرطبي 26/11، التمهيد 13/5.
(16) الآية : 10 - سورة سبا.
(17) الآية 44 - سورة الإسراء.
(18) يشير إلى قوله تعالى ﴿فما بكت عليهم السماء والأرض﴾ - الآية: 29 - سورة الدخان.
(19) المذهبين : أ، الوجهين : ق.
(20) رواه أحمد ومسلم، انظر الفتح الكبير 284/1.
- 178 -

ورواه جابر وسعد بن أبي وقاص أيضا كذلك: حدثنا عبد الوارث،
حدثنا قاسم، حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا أبي، حدثنا جرير، عن منصور، عن
مجاهد، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله عَ ◌ّ يوم فتح مكة: إن هذا البلد
حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا
يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا تلتقط لقطته إلا من عرفها، وذكر تمام
الحديث.
وحدثنا عبد الوارث، حدثنا قاسم، حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا أبي،
حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، قال : سعمت يونس بن يزيد يحدث عن
الزهري، عن مسلم بن يزيد - أحد بني سعد بن بكر، أنه سمع أبا شريح الخزاعي
ثم الكعبي يقول: ثم قام رسول الله ◌ّ فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما
بعد، فإن الله حرم مكة لم يحرمها الناس، وإنما أحلها لي ساعة من النهار آمن،
وإنها اليوم حرام كما حرمها أول مرة، وإني أحرم ما بين لابتيها، - يعني المدينة.
أخبرنا سعيد بن نصر، حدثنا قاسم، حدثنا إسماعيل بن إسحاق، حدثنا
محمد بن أبي بكر، حدثنا الفضل بن سليمان، حدثنا محمد بن أبي يحيى، عن أبي
إسحاق، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال: قال رسول الله جلّ:
ما بين لابتي المدينة حرام، كما حرم إبراهيم مكة، اللهم اجعل البركة فيها بركتين،
وبارك لهم في صاعهم ومدهم، وإني أحرم ما بين لابتيها.(21) - يعني المدينة.
ففي هذا كله تصريح بتحريم المدينة، وأنها لا يجوز الاصطياد فيها: وفي
تلك ما يبطل قول الكوفيين، ويشهد لصحة قول أهل المدينة.
قال عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون : التحريم للصيد بالمدينة
حق، لقول رسول الله جة: اللهم إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم ما بين
لابتيها. قال عبد الملك : وحد ذلك ما لو التقت الحرتان كانت البيوت شاغلة
(21) رواه أحمد ومسلم، انظر منتقى الأخبار بشرح نيل الأوطار 36/5.
- 179 -

عنه، وما فوق ذلك وأسفل فمباح. قال : وقال مالك : أكره ما قرب جدا من
فوق وأسفل.
وبلغنا أن سعدا أخذ ثوب من فعل ذلك وفأسه، فكلم فيه ؟ فقال : لا
أدع ما أعطانيه رسول الله عَ اقع (22) قال: وبلغنا أن عمر بن الخطاب قال لمولى
لقدامة بن مظعون يدعى بسالم : إذا رأيت من يقطع من الشجر - يعني شجر
المدينة - شيئا فخذ فأسه. قال : وثوبه يا أمير المؤمنين، قال : لا، ولكن فأسه.
قال أبو عمر :
لم يختلف العلماء أنه لا يجوز أخذ فأس من اصطاد بالمدينة اليوم(23) ولا
ثوبه، وقد احتج بذلك من زعم أن تحريم صيدها منسوخ بذلك، وهذا ليس بشيء؛
لأن الحديث في ذلك عن سعد وعمر(24) رضي الله عنهما ضعيف الإسناد، ولا يحتج
به؛(25) وقد ثبت تحريمها((2)، من الطرق الصحاح، وليس في سقوط وجوب الجزاء
على من اصطاد فيها ما يسقط تحريمها، لما قدمناه من الحجة في ذلك في باب ابن
شهاب، عن سعيد بن المسيب؛ وثم أشبعنا القول في هذه المسألة. ولم يكن في
شريعة إبراهيم جزاء صيد فيا قال أهل العلم، والنبي معَ ◌ّ إنما حرم المدينة كما حرم
إبراهيم مكة، ووجوب الجزاء في صيد الحرم شيء ابتلى الله به هذه الأمة، ألا ترى
إلى قوله عز وجل: ﴿ يا أيها الذين آمنوا، ليبلونكم الله بشيء من
الصيد ﴾(27) - ولم يكن قبل ذلك والله أعلم؛ والصحابة فهموا المراد في تحريم صيد
(22) رواه أحمد وملم - المصدر السابق، وانظر السنن الكبرى للبيهقي( 199/5.
(23) بالمدينة اليوم : أ، اليوم بالمدنية : ق.
(24) في ذلك عن سعد وعمر : أ، عن سعد وعمر في ذلك : ق.
(25) وقد حاول الشوكاني في نيل الأوطار تصحيحه، انظر ج 36/5.
(26) تحريمها : أ، تحريمه : ق.
(27) الآية : 94 - سورة المائدة.
- 180-