النص المفهرس

صفحات 101-120

واختلف الفقهاء في الذي يركع ركعتي الفجر في بيته ثم يأتي المسجد : هل
يركع فيه أم لا ؟ فقال أبو حنيفة، والليث، والأوزاعي : إذا صلى ركعتي الفجر
في بيته ثم أتى المسجد - ولم تقم الصلاة - أنه لا يركع لدخول المسجد ويجلس.
وروى أشهب عن مالك أنه قال : يركع أحب إلي. وروى عنه ابن القاسم
أنه قال : أحب إلي أن لا يفعل، ولا أحفظ فيه عن الشافعي شيئا؛ وحجة من
كره له الركوع (27): ما روي عن النبي ◌ُّ أنه قال: لا صلاة بعد الفجر إلا
ركعتي الفجر (28).
روى عبد الرزاق وغيره عن الثوري، عن عبد الرحمان بن حرملة، عن
سعيد بن المسيب، قال: قال رسول الله طفلٍ لا صلاة بعد النداء إلا ركعتي
الفجر(29) - وهذا مرسل (10). قال: وأخبرني الثوري عن عبد الرحمان بن زياد، عن
عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله عَ الفتح: لا صلاة
بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر(31). وعبد الرحمان بن زياد هذا - هو الإفريقي
- وليس عند أكثرهم بحجة، والحديث الأول مرسل، ويحتمل أن يكون أراد : لا
صلاة بعد الفجر في البيوت - إلا ركعتي الفجر، أي لا تطوع بعد الفجر.
قرأت على خلف بن القاسم أن الحسين بن إبراهيم الحداد حدثهم، قال
حدثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم الترجماني، حدثنا
عبد العزيز الدراوردي، عن قدامة بن موسى، عن محمد بن الحصين، عن أبي علقمة
(27) الركوع : أ، التطوع : ق.
(28) أخرجه الترمذي من حديث ابن عمر بلفظ (لا صلاة بعد الفجر إلا سجدتين).
انظر الفتح الكبير 345/3).
(29) انظر مصنف عبد الرزاق 53/3 حديث (4756).
(30) مرسل : أ، أمر سياتي : ق.
(31) المصنف 53/3 - حديث (4757).
- 101 -

مولى ابن عباس(32)، عن سيار مولى بن عمر، قال : رآني ابن عمر أصلي بعد الفجر ؟
فحصبني وقال : يا سيار، كم صليت ؟ قلت : لا أدري ؟ قال : لا دريت، إن
رسول الله ◌َ ◌ّ خرج علينا ونحن نصلي هذه الصلاة، فتغيظ علينا تغيظا شديدا،
ثم قال : ليبلغ شاهدكم غائبكم أن لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتي الفجر.
قال أبو عمر :
في هذا الإسناد مجهولون لا تقوم بهم حجة. وقد ذكر عبد الرزاق (33) عن
أبي بكر بن محمد، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، قال : قال رسول
الله ◌َّ: لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر(34). وأظن أبا بكر هذا هو
ابن أبي سبرة، وهو أيضا ضعيف لا يحتج به، ولو صح هذا الخبر، احتمل أن يكون
لا صلاة نافلة بعد الفجر يفعلها المرء تطوعا ليس مما ندب رسول الله مُ الله إليه
وعينه، لأنه خاتم قد أمر من دخل المسجد أن يركع ركعتين، كما أمر بركعتي الفجر
ولكن سنته بعضها أوكد من بعض، على قدر مواظبته عليها أو ندبه إليها وتلقي
أصحابه لها بما فهموه عنه فيها؛ وغير نكير أن يكون تقدير قوله وال افتخر : لا صلاة
بعد الفجر إلا ركعتي الفجر، إلا أن يدخل أحدكم المسجد فيركع ركعتين. وإذا(35)
كان هذا جائزا لو جاء في حديث واحد، فكذلك هو وإن جاء في حديثين من
جهة النظر في استعمال السنن، وترتيب بعضها على بعض؛ على أن قوله ◌َ النّ: إذا
دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين - أثبت من جهة الإسناد؛ ووجه آخر من جهة
النظر أن تحية المسجد بركعتين فعل خير، فلا يجب أن يمتنع منه، إلا أن يصح أن
(32) عباس - : ق، عياش أ - وهو تحريف ..
(33) عبد الرزاق عن : أ، عبد الرزاق أيضا عن : ق.
(34) المصنف ص 53 - حديث (4760).
(35) وإذا : أ، وإنما : ق.
- 102 -

السنة نهت عنه(96) من وجه لا معارض له؛ وقد عارض بعض أهل الظاهر
حديث : لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتي الفجر بقوله ◌َ قل: لا صلاة بعد العصر
حتى تغرب الشمس، ولا بعد الصبح حتى تطلع الشمس. قال: فدخل ما عدا
هذين الوقتين من سائر أوقات النهار في الإباحة لمن شاء أن يصلي؛ فصار هذا
الحديث مع تواتر مجيئه معارضا لقوله تع الى : لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتي
الفجر. فإذا تعارض الخبران سقطا، ووجب الرجوع إلى أصول الباب، ووجدنا
الصلاة من أرفع أفعال الخير، فوجب أن لا يمتنع من فعلها إلا بدليل لا معارض
له بظاهر قول الله عز وجل: ﴿وافعلوا الخير لعلكم تفلحون﴾(37).
وقد اختلف العلماء في صلاة التطوع بعد الفجر : فقال مالك : من غلبته
عينه ففاته بعض حزبه أو ركوع كان يركعه بالليل، فأرجو أن يكون خفيفا أن
يصليه بعد طلوع الفجر؛ وأما غير ذلك، فلا يعجبني أن يصلي بعد انفجار الصبح
إلا ركعتين.
وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري : لا يصلي أحد تطوعا بعد الفجر إلا
ركعتي الفجر.
قال أبو عمر :
حجة هؤلاء: ما روي عن النبي ◌ُ ◌ّ أنه قال: لا صلاة بعد الفجر إلا
ركعتي الفجر، وحجة مالك ما روي عن عمر بن الخطاب - أنه قال : من فاته
حزبه من الليل، فلا بأس أن يقرأه بعد الفجر قبل صلاة الصبح. وهذا حديث لا
تقوم به حجة، لأنه مختلف فيه عن عمر، أكثر رواته (38) يقولون فيه عنه : من فاته
(36) عنه : أ، عن ذلك : ق.
(37) الآية : 77 - سورة الحج.
(38) رواته : أ، الرواة : ق.
- 108 -

ورده أو حزبه من الليل فقرأه ما39) بين صلاة الصبح وصلاة الظهر، فكأنه لم
يفته أو قد قرأه من الليل. كذلك رواه ابن شهاب عن عبيد الله، والسائب بن
يزيد عن عبد الرحمان بن عبد القاري، عن عمر، ومن الرواة من يرفعه.
ورواه مالك عن داود بن الحصين، عن الأعرج، عن عبد الرحمان بن عبد
القاري، عن عمر - موقوفا : من فاته حزبه من الليل فقرأه حين تزول الشمس إلى
صلاة الظهر، فكأنه أدركه أو لم يفته (40). وقد رخص قوم من أهل العلم في الصلاة
جملة بعد الفجر تطوعا، منهم : طاوس، وغيره؛ ولكن قوله ◌َ ◌ّ : لا صلاة بعد
الفجر إلا ركعتي الفجر - أولى أن يصار إليه، لأنه ليس في هذا الباب عن
النبي ◌َّ شيء يعارضه، وأمره عليه السلام الداخل في المسجد أن يركع ركعتين .
لیس بمعارض له، ولكنه استثناء وتخصيص - فتدبر.
ذكر عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن طاوس، قال :
إذا طلع الفجر، فصل ما شئت(٨). قال: وأخبرنا محمد بن راشد، قال : أخبرني عبد
الكريم أبو أمية، قال : رأيت عطاء وطاوسا يصليان بعد الفجر ثمان ركعات،
فسألتها، فقالا : صلاة من الليل منا عنها(42). قال: وأخبرنا ابن التيمي، عن أبيه،
عن الحسن، قال : صل بعد طلوع الفجر ما شئت(43). قال: وأخبرنا ابن جريج،
قال : سألت عطاء : أتكره الصلاة إذا انتشر الفجر على رؤوس الجبال إلا ركعتي
الفجر ؟ قال : نعم(44). قال: وأخبرني الثوري، عن أبي رياح، عن ابن المسيب أنه
(39) ما بین : أ، فیا بین : ق.
(40) الموطأ رواية يحي ص 135 - حديث (471).
(41) مصنف عبد الرزاق 53/3 حديث (4759).
(42) المصدر السابق 54/3 - حديث (4762).
(43) المصدر نفسه 53/3 - حديث (4761).
(44) نفس المصدر 51/3 - 52 حديث (4753).
- 104 -

رأى رجلا يكثر الركوع والسجود بعد طلوع الفجر، فنهاه فقال : يا أبا محمد،
أيعذبني الله على الصلاة ؟ قال: لا، ولكن يعذبك على خلاف السنة(45).
قال أبو عمر :
هذا كله في التطوع في ذلك الوقت، وأما من دخل المسجد فركع
ركعتين، فليس مخالفا للسنة، بل هو مستعمل للسنة؛ ومن ترك الركوع فغير
حرج، لأنه لم يترك واجبا؛ ومن تخرج عن الركوع متأولا لما ذكرنا، فغير معنت(36)
إن شاء الله، وبه التوفيق.
حدثنا محمد بن عبد الملك، قال حدثنا أحمد بن محمد بن زياد الأعرابي،
قال : حدثنا سعدان بن نصر، قال حدثنا سفيان بن عيينة، عن سالم أبي النضر،
عن أبي سلمة أنه قال : ما يمنع مولاك إذا دخل المسجد أن يركع ركعتين، فإنها
من السنة ؟ وروى مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن أبي سلمة بن
عبد الرحمان أنه قال له ألم أر صاحبك إذا دخل المسجد يجلس قبل أن يركع ؟
قال أبو النضر: يعني بذلك عمر بن عبيد الله ويعيب ذلك عليه، قال مالك :
وذلك حسن وليس بواجب(47).
قال أبو عمر :
هو حسن مستحب عند الجميع وليس بواجب - وإن كان لفظه الأمر؛
والدليل على أن ذلك عند العلماء ليس بواجب - كما قال مالك : ما رواه أبو
المصعب الزهري، عن المغيرة بن عبد الرحمان، عن عبد الله بن عمر، عن أخيه
(45) نفس المصدر 52/3 - حديث (4755).
(46) معنت : ق معيب : أ.
(47) الموطأ رواية يحيى ص 13 - حديث (387).
- 105 -

عبيد الله بن عمر، قال: رأيت القاسم بن محمد يدخل المسجد فيجلس فيه ولا
يصلي.
وروى عفان عن وهيب عن عبيد الله بن عمر، قال : رأيت سالم بن عبد
الله يمر (في المسجد)( ** ) مقبلا ومدبرا لا يصلي فيه.
وذكر ابن أبي شيبة عن الدراوردي، عن زيد بن أسلم، قال : كان أصحاب
رسول الله ◌َّ يدخلون المسجد ثم يخرجون ولا يصلون، قال زيد: ورأيت ابن
عمر يفعله(49).
وروى حماد بن زيد، عن الجريري عن جابر بن زيد، قال : إذا دخلت
مسجدا فصل فيه، فإن لم تصل فيه، فاذكر الله فكأنك صليت فيه.
قال أبو عمر :
وسمعت غير واحد من شيوخي يذكر أن الغازي بن قيس لما رحل (50) إلى
المدينة، سمع من مالك وقرأ على نافع القاري، فبينما هو في أول دخوله المدينة في
مسجد رسول الله صَ لّ إذ دخل ابن أبي ذئب فجلس ولم يركع، فقال له الغازي :
قم يا هذا فاركع ركعتين، فإن جلوسك دون أن تحبي المسجد بركعتين جهل، أو
نحو هذا من جفاء القول؛ فقام ابن أبي ذئب فركع ركعتين وجلس، فلما انقضت
الصلاة، أسند ظهره وتحلق الناس إليه؛ فلما رأى ذلك الغازي بن قيس، خجل
واستحيا وندم؛ وسأل عنه، فقيل له : هذا ابن أبي ذئب أحد فقهاء المدينة
وأشرافهم؛ فقام يعتذر إليه، فقال له ابن أبي ذئب : يا أخي لا عليك، أمرتنا بخير
فأطعناك . - (وبالله التوفيق)(51).
(48) جملة (يمر في المسجد) ساقطة في أ.
(49) انظر مصنف ابن أبي شيبة 340/1.
(50) رحل : أ، دخل : ق.
(51) ما بين القوسين زيادة من ق.
- 106-

علقمة بن أبي علقمة
المالك عنه حديثان، يقال له علقمة بن أم علقمة، وعلقمة بن أبي علقمة،
واسم أبي علقمة أبيه(١) بلال مولى عائشة أم المؤمنين، وأمه أيضا مولاة عائشة،
يقال: اسمها مرجانة؛ ولم يختلف في أمه(2) (أنها مولاة عائشة)(٥)، واختلف في أبيه؛
فقال مالك : علقمة بن أبي علقمة مولى عائشة، وقال الزبير بن بكار : علقمة (بن
أبي علقمة)(٤) مولى مصعب بن عبد الرحمان بن عوف، وأمه مولاة عائشة زوج
النبي ◌َّ. وقال مصعب قال: إني تعلمت النحو في كتاب علقمة بن أبي علقمة
مولى عائشة، وأمه أيضا مولاة عائشة زوج النبي ◌َّ الله وكان نحويا.
قال أبو عمر :
كان علقمة ثقة مأمونا، روى عنه مالك وغيره من الأئمة، وقد قيل إن
علقمة هذا من بني سليم(5) - فالله أعلم.
(1) كلمة (أبيه) ساقطة في ق.
(2) في ق أمها.
(3) ما بین القوسین زیادة من ق.
(4) جملة (بن أبي علقمة) ساقطة في أ.
(5) انظر تهذيب التهذيب 274/7 - 275.
- 107-

حديث أول لعقلمة بن أبي علقمة
مالك، عن عائشة بن أبي علقمة، أن عائشة رضي الله عنها
قالت : أهدى أبو جهم بن حذيفة لرسول الله (٤) ◌َّ خميصة شامية لها
علم، فشهد فيها الصلاة؛ فلما انصرف، قال : ردي هذه الخميصة إلى أبي
جهم، فإني نظرت إلى علمها في الصلاة فكاد يفتنني(7).
قال أبو عمر :
هكذا قال يحيى عن مالك في إسناد هذا الحديث عن علقمة بن أبي علقمة،
أن عائشة - ولم يتابعه على ذلك أحد من الرواة، وكلهم رواه عن مالك في الموطأ
عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه، عن عائشة. وسقط ليحيى عن أمه - وهو مما عد
عليه؛ والحديث صحيح متصل لمالك عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه، عن
عائشة، كذلك رواه جماعة أصحاب مالك عنه.
وقد روى هذا الحديث أيضا - الزهري، عن عروة، عن عائشة.
وفي هذا الحديث من الفقه قبول الهدايا، وفي قبول رسول الله جلّ لها
دليل على أن التهادي وقبول الهدايا من الفعل الحسن المندوب إليه، لما في ذلك
من التواخي والتحاب؛ وقد مضى في قبول الإمام للهدايا ما فيه كفاية في باب
(6) لرسول الله : أ، إلى رسول الله: ق.
(7) الموطأ رواية يحيى ص 75 - حديث (216)، والحديث أخرجه البخاري ومسلم من رواية الزهري
عن عروة عن عائشة.
أنظر الزرقاني على الموطأ 202/1.
-108 -

ثور بن زيد(8)، وسيأتي من ذكر التهادي طرف صالح في باب عطاء الخراساني -
إن شاء الله.
وقال ابن عيينة: إنما رد رسول اللـه ◌َيُّ الخميصة إلى أبي جهم، لأنه
كرهها إذا كانت سبب غفلة وشغل عن ذكر الله، كما فعل في الموضع الذي نام فيه
عن الصلاة لما نال فيه الشيطان منهم من الغفلة؛ قال: ولم يكن رسول الله جلّ
ليبعث إلى أبي جهم بشيء يكرهه لنفسه، ألم تسمع قوله لعائشة : (لا تتصدقي بما لا
تأكلين) (9) وكان رسول الله رؤية أقوى خلق الله على أمر الله، وعلى رد كل وسوسة؛
ولكنه كرهها وأبغضها، إذ كانت سبب الغفلة عن الذكر؛ هذا معنى قول ابن عيينة
في سؤال نعيم بن حماد له عن ذلك، حدثناه جماعة عن عبد الله بن عثمان، عن
سعد بن معاذ، عن ابن أبي مريم، عن نعيم عنه.
وفيه الصلاة في الأكسية، لأن الخميصة كساء صوف معلم.
وفيه دليل على أن الالتفات في الصلاة والنظر إلى ما يشغل الإنسان
عنها، لا يفسدها إذا تمت بحدودها من ركوعها وسجودها، وسائر فرائضها؛ لأن
رسول الله صَ لّ إذا نظر إلى أعلام خميصة أبي جهم، واشتغل بها، لم يعد صلاته.
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم بن أصبغ،
قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي، قال حدثنا الحميدي، قال حدثنا سفيان، قال
حدثنا الزهري عن عروة، عن عائشة، أن النبي ◌َ ◌ّةٍ صلى في خميصة لها أعلام،
فقال : شغلتني أعلام هذه، فاذهبوا بها إلى أبي جهم وائتوني بانبجانية (٢). قال
الحميدي : أبو جهم رجل من آل عدي بن كعب(١٦).
(8) انظر 9/2 - 15.
(9) ما بين القوسين بمحو في أ، ساقط في ق، أثبتناه من شرح الزرقاني على الموطأ، والمعنى لا يستقيم
إلا به.
(10) انظر مسند الحميدي 91/1 - حديث (172).
(11) هذه الزيادة لا وجود لها في النسخة المطبوعة من المسند.
- 109 -

قال أبو عمر :
اسم أبي جهم عبيد بن حذيفة بن غانم العدوي، قد ذكرناه ونسبناه،
وذكرنا خبره في كتاب الصحابة(12)، والأبنجاني : كاء غليظ لا علم فيه؛ وأما
الخميصة فكساء رقيق قد يكون بعلم وبغير علم؛ وقد يكون أبيض معلما، ويكون
أصفر وأحمر وأسود؛ والخمائص من لباس أشراف العرب.
حديث ثان لعلقمة بن أبي علقمة
مالك، عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه - أنها قالت : سمعت
عائشة تقول : قام رسول الله عَلَّ ذات ليلة فلبس ثيابه ثم خرج،
قالت : فأمرت جاريتي بريرة أن تتبعه، فتبعته حتى إذا جاء البقيع،
وقف في أدناه(١) ما شاء الله أن يقف، ثم انصرف فسبقته بريرة
فأخبرتني، فلم أذكر له شيئا حتى أصبح، ثم ذكرت ذلك له فقال : إني
بعثت إلى أهل البقيع لأصلي عليهم(١٥).
قال أبو عمر :
يحتمل أن تكون الصلاة ههنا الدعاء، ويحتمل أن تكون كالصلاة على الموتى
- وذلك خصوص له - والله أعلم؛ لأن صلاته على من صلى عليه رحمة، فكأنه أمر
أن يستغفر لهم كما قيل له: ﴿واستغفر لذنبك وللمومنين والمومنات﴾(5).
(12) انظر الاستيعاب 1623/4.
(13) كذا في أكثر النخ المخطوطة والمطبوعة من الموطأ، وفي بعضها (أدناها).
(14) الموطأ - رواية يحيى ص 142 - حديث (575) - والحديث أخرجه النسائي من طريق ابن
القاسم عن مالك به. انظر الزرقاني على الموطأ 92/2.
(15) الآية : 19 - سورة محمد.
- 110-

وأما قوله : إني بعثت إلى أهل البقيع ومسيره إليهم، فلا يدرى لمثل هذا علة والله
أعلم. وقد يحتمل أن يكون ليعمهم بالصلاة منه عليهم، لأنه رب دفن منهم من لم
يصل عليه - كالمسكينة ومثلها ممن دفن ليلا ولم يشعر به (6)، ليكون مساويا بينهم
في صلاته علیھم، ولا يؤثر بعضهم بذلك، لیتم عدله فیھم.
وقد روى أبو موهبة (17) مولى رسول الله خّ عن النبي ◌َ ◌ّ في هذا
القصة حديثا حنا يدل على أن ذلك كان منه عليه السلام حين خيره الله بين
الدنيا والآخرة، ونعیت إلیه نفه، فاختار ما عندہ ے.
قرأت على عبد الوارث بن سفيان أن قاسم بن أصبغ حدثهم، قال : حدثنا
أحمد بن زهير، حدثنا أحمد بن محمد بن أيوب، قال حدثنا إبراهيم بن
محمد بن إسحاق، قال حدثني عبد الله بن عمر بن علي العيلي، عن عبيد بن جبير(16)
مولى الحكم بن أبي العاصي، عن عبد الله بن عمرو(19)، قال أخبرني أبو موهبة مولى
للنبي ◌ُ ◌ّ قال: قال رسول الله ◌َّ: يا أبا موهبة، إني قد أمرت أن أستغفر
لأهل البقيع، فاستغفر لهم، ثم انصرف فأقبل علي فقال : يا أبا موهبة، إن الله قد
خيرني في مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها - ثم الجنة، أو لقاء ربي، فاخترت لقاء
ربي؛ فأصبح رسول الله مَ ◌ّ من تلك الليلة، فبدأه وجعه الذي مات منه مطلق.
وأخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد، قال حدثنا أحمد بن محمد المكي، قال
حدثنا علي بن عبد العزيز، قال حدثنا القعنبي، قال قرأت على مالك، عن أبي
(16) به : ق، بها: أ - والأنسب ما في ق.
(17) من مولدي مزينة، اشتراه رسول الله ختم فأعتقه، يقال إنه شهد المريسيع. انظر الاستيعاب
.1765 - 1764/4
(18) جبير: أ، حنين : ق، والصواب ما في أ. انظر ترجمته في التاريخ الكبير للبخاري ج 3 -
ق 445/1، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ج 2 - ق 403/2 - 404، وأغفله ابن حجر في
التقريب وتهذيب التهذيب.
(19) عمرو : أ، عمر: ق - وهو تحريف، انظر الاستيعاب 1765/4.
- ١١ -

النضر، عن عبيد بن حنين(20)، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله يدافع جلس
على المنبر فقال : إن عبدا خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء، وبين
ما عنده، فاختار ما عنده؛ فبكى أبو بكر وقال : فديناك بآبائنا وأمهاتنا يا
رسول الله. قال: فعجبنا له، وقال الناس : انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول
الله - سُ ◌ٍّ - عن عبد خير - وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فكان رسول
الله ◌َّ: هو الخير، وكان أبو بكر أعلمنا به؛ فقال رسول اللـه ◌َافّ: إن أمن
الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذا خليلا، لاتخذت أبا بكر،
ولكن أخوة في الإسلام؛ لا يبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر (21). وهذا
الحديث ليس عند يحيى عن مالك، وهو عند القعنبي في الزيادات.
(20) انظر ترجمته في تاريخ البخاري ج 3 - ق 446/1، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ج 2/ ق
404/2، وتهذيب التهذيب 63/7.
(21) أخرجه أحمد والبخاري ومسلم.
- 112-

عمرو بن يحيى المازني
لمالك عنه أربعة أحاديث،
أحدها مرسل منقطع
وهو عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي حن المازني الأنصاري، مدني، ثقة،
روى عنه مالك، وشعبة، وخالد الواسطي، والثوري، ووهيب، وسليمان بن بلال،
وابن عيينة، وغيرهم من الأثمة. وروى عنه ممن فوق هؤلاء : يحيى بن سعيد
الأنصاري، وعبيد الله بن عمر. وأبوه يحيى بن عمارة، تابعي، ثقة، روى عنه محمد
ابن یحیی بن حبان، وغيره.
وتوفي عمرو بن يحيى سنة أربعين ومائة(١).
حديث أول لعمرو بن يحيى - متصل صحيح
مالك، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، أنه قال لعبد الله
ابن زيد بن عاصم - وهو جد عمرو بن يحيى، وكان من أصحاب رسول
الله ◌ُّ: هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ◌َاللّ يتوضأ ؟
فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بوضوء فأفرغ على يديه، فغسل
يديه مرتین، مرتین؛ ثم تمضمض واستنثر ثلاثا، ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم
(1) انظر تهذيب التهذيب 118/8 - 119.
~ 119 -
التمهيدج ٢٠

غسل يديه مرتين، مرتين - إلى المرفقين؛ ثم مسح رأسه بيديه - فأقبل (2)
بهما وأدبر بدءا بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع
إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه(3).
لم يختلف على مالك في إسناد هذا الحديث ولا في لفظه إلا أن ابن وهب
رواه في موطئه عن مالك، عن عمرو بن يحي بن عمارة المازني، عن أبيه، عن عبد
الله بن زيد بن عاصم المازني، عن رسول الله ◌َّ فذكر معنى ما في الموطأ -
مختصرا، ولم يقل : وهو جد عمرو بن يحيى.
وذكره سحنون في المدونة عن مالك عن عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي
حسن المازني، عن أبيه يحيى، أنه سمع جده أبا حسن يسأل عبد الله بن زيد بن
عاصم. ولم يقل وهو جد عمرو بن يحيى، ولا ذكر عمن رواه عن مالك. وقال أحمد
ابن خالد : لانعرف هذه الرواية عن مالك، إلا أن تكون لعلي بن زياد؛ وليس
هذا الحديث في نسخة القعنبي، فإما أسقطه وإما سقط له؛ ولم يقل أحد من رواة
هذا الحديث في عبد الله بن زيد بن عاصم: وهو جد عمرو بن يحيى إلا مالك
وحده، ولم يتابعه عليه أحد؛ فإن كان جده، فعسى أن يكون جده لأمه.
وبمن رواه عن عمرو بن يحيى سليمان بن بلال ووهب، وابن عيينة، وخالد
الواسطي، وعبد العزيز بن أبي سلمة، وغيرهم؛ لم يقل فيه أحد منهم : وهو جد
عمرو بن يحيى، وقد نسبنا عمرو بن يحي بما لا اختلاف فيه.
وذکر ابن سنجر : حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا سليمان بن بلال، حدثنا
عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، قال : كان عمي يكثر من الوضوء، فقال لعبد الله
ابن زيد: أخبرني كيف كان رسول الله ◌َّ يتوضأ؟ فدعا بتور(٩) من ماء -
وذکر معنی حدیث مالك.
(2) فأقبل : أ، أقبل : ق.
(3) الموطأ رواية يحيى ص 23 - حديث (31) - والحديث متفق عليه.
انظر الزرقاني على الموطأ 46/1.
(4) التور - بفتح التاء وسكون الواو - : إناء صغير.
- 114-

قال ابن سنجر : وحدثنا موسى بن إسماعیل،ال حدثنا وهب، قال حدثنا
فال
عمرو بن يحيى، عن أبيه قال : شهدت عمي ابن أبي حسن سأل عبد الله بن زيد
عن وضوء رسول الله صَ لّ؛ قال: فدعا بتور من ماء فتوضأ لهم وضوء رسول
الله - هو- فأكفأ على يديه من التور فغسل يديه ثلاثا، ثم أدخل يده في التور،
فتمضمض واستنثر من ثلاث غرفات؛ ثم أدخل يده فغل وجهه ثلاث مرات، ثم
أدخل يده فغسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين - ثم ذكر مثل حديث مالك.
ورواه ابن عيينة عن عمرو بن يحي فأخطأ فيه في موضعين، أحدهما : أنه
قال فيه : عن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، وهذا(5) خطأ، وإنما هو عبد الله بن
زيد بن عاصم، وقد نسبناهما في كتاب الصحابة، وأوضحنا أمرهما(٤).
وأما عبد الله بن زيد بن عبد ربه، فهو الذي أري الأذان في النوم،
وليس هو الذي يروي عنه يحيى بن عمارة هذا الحديث في الوضوء وغيره، وعبد
الله بن زيد بن عاصم هو عم عباد بن تميم، وهو أكثر رواية عن النبي ◌َ الَّم من عبد
الله بن زيد بن عبد ربه، وقد كان أحمد بن زهير يزعم أن إسماعيل بن إسحاق
وهم فيهما فجعلهما واحدا فيا حكى قاسم بن أصبغ عنه؛ والغلط لا يسلم منه أحد إذا
كان ابن عيينة مع جلالته يغلط في ذلك، فإسماعيل بن إسحاق أين يقع من ابن
عيينة ؟ إلا أن المتأخرين أوسع علما وأقل عذرا.
أما(7) الموضع الثاني الذي وهم ابن عيينة فيه في هذا الحديث، فإنه ذكر فيه
مسح الرأس مرتين، ولم يذكر فيه أحد مرتين غير ابن عيينة؛ وأظنه - والله أعلم -
تأول الحديث : قوله : فمسح رأسه بيديه، فأقبل (٥) بها وأدبر؛ وما ذكرناه عن ابن
(5) وهذا : أ، وهو : ق.
(6) انظر الاستيعاب ص 913.
(7) أما: أ، وأما : ق.
(8) فأقبل : ق، ثم أقبل : أ - والرواية على ما في ق.
- 115 -

عيينة، فمن رواية مسدد، ومحمد بن منصور، وأبي بكر بن أبي شيبة، كلهم ذكر فيه
عن ابن عيينة ما حكينا(9) عنه؛ وأما الحميدي، فإنه ميز ذلك فلم يذكره، أو حفظ
عن ابن عيينة أنه رجع عنه، فذكر فيه عن ابن عيينة ومسح رأسه وغسل رجليه.
فلم يصف المسح، ولا قال مرتين. وقال في الإسناد عن عبد الله بن زيد - لم يزد :
لم يقل ابن عاصم ولا ابن عبد ربه فتخلص.
وروى عبد العزيز بن أبي سلمة قال: أتانا رسول الله ماتم فأخرجنا له
ماء في تور من صفر، فتوضأ فغسل وجهه ثلاثا، ويديه مرتين، مرتين، ومسح
برأسه فأقبل به وأدبر، وغسل رجليه، فزاد عبد العزيز بن أبي سلمة فيه ذكر تور
الصفر.
ورواه خالد بن عبد الله الواسطي، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه،
عن عبد الله بن زيد بن عاصم - فذكره وقال فيه: فمضمض واستنشق من كف
واحدة ففعل ذلك ثلاث مرات، ثم ذكر معنى(19) حديث مالك.
ورواه ابن وهب عن عمرو بن الحرث أن حبان بن واسع حدثه أن أباه
حدثه أنه سمع عبد الله بن زيد بن عاصم المازني يذكر أنه رأى رسول الله باتل
عليه وسلم - فذكر وضوءه، قال : تمضمض واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثا، ويده
اليمنى ثلاثا، والأخرى ثلاثا، ومسح برأسه بماء غير فضل يديه، وغسل رجليه حتى
أتقاهما.
تركنا ذكر الأسانيد بيننا وبين هؤلاء للاختصار، وكذلك اختصرنا المتون
إلا موضع الاختلاف المولد للحكم، والزائد في الفقه - وبالله التوفيق.
(9) حکینا : أ، حکیناه : ق.
(10) معنى : أ، نحو : ق.
- 116-

وأما(١٦) ما في هذا الحديث من المعاني، فأول ذلك غسل اليدين قبل
إدخالها في الإناء مرتين، وقد مضى القول في غسل اليدين قبل إدخالها في(12)
الإناء، وما للعلماء في ذلك من الاستحباب والإيجاب، وما الرواة فيه من ذكر
مرتين أو ثلاثا - مستوعبا ممهدا في باب أبي الزناد(13) - والحمد لله.
وأما قوله : ثم مضمض واستنثر ثلاثا، فالثلاث في ذلك وفي سائر أعضاء
الوضوء أكمل الوضوء وأتمه، وما زاد فهو اعتداء - ما لم تكن الزيادة لتمام نقصان،
وهذا ما لا خلاف فيه؛ والمضمضة معروفة، وهي أخذ الماء بالفم من اليد وتحريكه
في الفم هي المضمضة، وليس إدخال الأصبع ودلك الأسنان بها من المضمضة في
شيء، فمن شاء فعل، ومن شاء لم يفعل، وقد مضى ما للعلماء في المضمضة من
الأقوال في الإيجاب والاستحباب، والاعتلال لذلك، بما فيه كفاية وبيان في باب
زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن الصنابحي(14). ومضى هناك أيضا القول في
الاستنشاق والاستنثار، وما للعلماء في ذلك من المذاهب والاختيار(15)، وزدنا ذلك
بیانا في باب أبي الزناد (16) - والحمد لله.
وأما غسل الوجه - ثلاثا فهو الكمال، والغسلة الواحدة إذا عمت تجزئ
بإجماع العلماء؛ لأن رسول الله خاتم توضأ مرة مرة؛ ومرتين، مرتين، وثلاثا ثلاثا؛
وهذا أكثر ما فعل من ذلك جائز، وتلقت الجماعة ذلك من فعله على الإباحة
والتخيير؛ وطلب الفضل في الثنتين والثلاث، لا على أن شيئا من ذلك نسخ لغيره
(11) وأما : أ، فأما : ق.
(12) كلمة (في) ساقطة في ق.
(13) انظر ج 227/18 - 260.
(14) انظر ج 30/4 - 32.
(15) المصدر السابق 32/4 - 36.
(16) ج 18 - كما مرت الإشارة إلى ذلك آنفا.
~ 117-
؟

منه، فقف على إجماعهم فيه؛ والوجه مأخوذ من المواجهة، وهو من منابت شعر
الرأس إلى العارض والذقن والأذنين، وما أقبل من اللحيتين.
وقد اختلف في البياض الذي بين الأذن والعارض في الوضوء : فروى ابن
وهب عن مالك قال : ليس ما خلف الصدغ الذي من وراء شعر اللحية إلى الأذن
من الوجه.
وقال الشافعي : يغسل المتوضئ وجهه من منابت شعر رأسه إلى أصول
أذنيه، ومنتهى اللحية إلى ما أقبل من وجهه وذقنه؛ فإن كان أمرد، غسل بشرة
وجهه كلها؛ وإن نبتت لحيته وعارضاه، أفاض على لحيته وعارضيه؛ وإن لم يصل
الماء إلى بشرة وجهه التي تحت الشعر، أجزأه إذا كان شعره كثيرا.
قال أبو عمر :
قد أجمعوا أن المتيم ليس عليه أن يمسح ما تحت شعر عارضيه، فقضى
إجماعهم في ذلك على مراد الله منه؛ لأن الله أمر المتيم بمسح وجهه، كما أمر المتوضئ
بغسله؛ وهذا(17) الذي ذكرت لك عليه جماعة العلماء. وقال أحمد بن حنبل : غل
الوجه من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللحيين والذقن، وإلى أصول
الأذنين، ويتعاهد المفصل ما بين اللحيين والأذن.
وقال أبو حنيفة وأصحابه : البياض الذي بين العذار وبين الأذن من
الوجه وغسله واجب.
٠٠
قال أبو عمر :
لا أعلم أحدا من فقهاء الأمصار قال بما رواه ابن وهب عن مالك في
ذلك، ولقد قال بعض أهل المدينة وبعض أهل العراق : ما أقبل من الأذنين فن
(17) وهذا : ق، وهو : أ، والأنسب ما في ق.
- 118-
:

الوجه، وما أدبر منها فن الرأس، فما دون الأذنين إلى الوجه أحرى بذلك. وقد
ذكرنا حكم الأذنين عند العلماء في باب زيد بن أسلم(١٥) - والحمد لله.
حدثنا محمد بن عبد الله بن حكم - قراءة مني عليه - أن محمد بن معاوية
ابن عبد الرحمان حدثهم، قال : حدثنا الفضل بن الحباب القاضي بالبصرة، قال
حدثنا أبو الوليد الطيالسي، قال حدثنا قيس بن الربيع، عن جابر، عن هرمز،
قال : سمعت عليا - رضي الله عنه - يقول : يبلغ بالوضوء مقاص الشعر.
واختلف العلماء في تخليل اللحية والذقن : فذهب مالك، والشافعي،
والثوري، والأوزاعي - إلى أن تخليل اللحية ليس بواجب في الوضوء، وقال مالك
وأصحابه وطائفة من أهل المدينة : ولا في غسل الجنابة لا يجب تخليل اللحية
أيضا.
وقال الشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابها، والثوري، والأوزاعي، والليث،
وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، وداود، والطبري، وأكثر أهل
العلم : تخليل اللحية في غسل الجنابة واجب، ولا يجب ذلك عندهم في الوضوء؛
وأظنهم فرقوا بين ذلك - والله أعلم - لقوله مثل: تحت كل شعرة جنابة، فبلوا
الشعر، وأنقوا البشرة. وأظن مالكا، ومن قال بقوله ذهبوا إلى أن الشعر لا يمنع
وصول الماء لرقة الماء، وتوصله إلى البشرة من غير تخليل إذا كان هناك تحريك -
والله أعلم.
وقد ذكر ابن عبد الحكم عن مالك قال : ويحرك (19) اللحية في الوضوء إن
كانت كبيرة)،(20) ولا يخللها؛ وأما في الغسل فليحركها - وإن صغرت - وتخليلها
أحب إلينا. وذكر ابن القاسم عن مالك قال : يحرك (21) المتوضئ ظاهر لحيته من
غير أن يدخل يده فيها، قال : وهي مثل أصابع الرجل - يعني أنها لا تخلل.
(18) انظر ج 36/4 - 39.
(19) ويحرك : أ، وتحريك : ق.
(20) كبيرة : أ، كثيرة : ق.
(21) يحرك : أ، تحريك : ق.
- 119-

وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: تخليل اللحية واجب في الوضوء
والغسل. وأخبرنا خلف بن القاسم، قال حدثنا أحمد بن عبد الله بن عبد المومن،
قال حدثنا المفضل بن محمد، قال حدثنا علي بن زياد، قال حدثنا أبو قرة، قال :
سمعت مالكاً يذكر تخليل اللحية فيقول : يكفيها ما يمسها من الماء مع غسل
الوجه، ويحتج في ذلك بحديثه عن عبد الله بن زيد عن وضوء رسول الله خلقه
حين أراه الرجل الذي سأله عنه . - لم يذكر فيه تخليل اللحية. وكان الأوزاعي
يقول : ليس تحريك العارضين وتخليل اللحية بواجب.
قال أبو عمر :
روي عن النبي ◌ّاتّ أنه خلل لحيته في وضوئه - من وجوه كلها ضعيفة،
وأما الصحابة والتابعون، فروي عن جماعة منهم تخليل اللحية، وأكثرهم لم يفرقوا
بين الوضوء والجنابة؛ وروي عن جماعة منهم - الرخصة في ترك تخليل اللحية
وإيجاب غسل ما تحت اللحية - إيجاب فرض، والفرائض لا تثبت إلا بيقين لا
اختلاف فيه؛ ومن احتاط وأخذ بالأوثق، فهو أولى (به)(22) في خاصته؛ وأما الفتوى
بإيجاب الإعادة، فما ينبغي أن يكون إلا عن يقين - وبالله التوفيق.
وذكر ابن خواز بنداد أن الفقهاء اتفقوا على أن تخليل اللحية ليس
بواجب في الوضوء إلا شيء روي عن سعيد بن جبير.
قال أبو عمر :
الذي روى عن سعيد بن جبير قوله : ما بال(23) الرجل يغسل لحيته قبل
أن تنبت، فإذا نبتت لم يغسلها؛ وما بال الأمرد يغسل ذقنه - ولا يغسله ذو
اللحية.
(22) كلمة (به) ساقطة في أ، ثابتة في ق.
(23) ما بال الرجل : أ، ما للرجل : ق.
- 120-