النص المفهرس

صفحات 1-20

13
لما في الموطأ من المعاني والأتانية
تأليف
الإمام وفي نظر أبى حمر. توسف بن عَّ اللَّهُ
ابن محمّد بن معبرة البرّ النجرى القرطبي
(+463- 368)
الجزء العشرون
تحفّيق
سعيدٌ أُجْ أخْرِابٌ
1409 هـ - 1989

بسم الله الرحمان الرحيم
مقدمة
الحمد لله الذي وفق من شاء لاتباع السنة، وهداه لما
شرعه وسنه؛ والصلاة والسلام على سيدنا محمد نبي الرحمة،
وعلى آله وصحبه خيرة هذه الأمة؛ والتابعين لهم بإحسان
إلى يوم الدين.
وبعد : فهذا الجزء الموفي عشرين من كتاب ((التمهيد)» .
لأبي عمر بن عبد البر، نجعله بين يدي القارئ الكريم - وهو
يتضمن شرح ثلاثة وثلاثين حديثاً من أحاديث الموطأ،
بدءاً بأحاديث عبد الرحمان بن حرملة الأسامي، وانتهاء
بانتهاء أحاديث العلاء بن عبد الرحمان.
وقد اعتمدنا في تحقيق هذا الجزء على نسختي
استنبول والأوقاف، ومر التعريف بها في الأجزاء السالفة.
والله يرعى مولانا أمير المومنين جلالة الملك الحسن
الثاني ناصر العلم والمعرفة، ويبقيه ذخراً للإسلام والمسلمين،
إنه سميع الدعاء.
في 4 جمادى الثانية 1409 هـ - 12 يناير 1989م
المحقق
- 3 -

0

عبد الرحمان بن حرملة بن عمرو الأسلمي
أبو حرملة مدني صالح الحديث ليس به بأس، روى عنه مالك، وابن
عيينة، وغيرهما من الأئمة، ولم يكن بالحافظ، وكان يحيى القطان يغمزه.(٦)
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
أحمد بن زهير، قال حدثنا يحيى بن معين، قال حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن
حرملة قال : كنت سيء الحفظ، فسألت سعيد بن المسيب فرخص لي في الكتاب.
قال أبو عمر :
لحرملة والد عبد الرحمان هذا صحبة ورواية، وقد ذكرناه في كتابنا في
الصحابة(2) بما يغني عن ذكره ههنا.
وتوفي عبد الرحمان بن حرملة في خلافة أبي العباس السفاح، وقيل سنة
خمس وأربعين ومائة.(3)
لمالك(1) عن عبد الرحمان بن حرملة هذا في الموطأ من حديث النبي
تكلفة خمسة أحاديث، أحدها متصل، والأربعة مرسلة.
(1) يغمزه : يطعن فيه ويضعفه.
(2) انظر الاستيعاب ص 339.
(3) انظر تهذيب التهذيب 161/6.
(4) لمالك: أ، ولمالك : ق.
- 5 -

حديث أُول لعبد الرحمان بن حرملة - متصل
مالك، عن عبد الرحمان بن حرملة، عن عمرو بن شعيب، عن
أبيه، عن جده، أن رسول الله ◌ُل ◌ّةٍ قال: الراكب شيطان، والراكبان
شيطانان، والثلاثة ركب. (5)
في هذا الحديث(6) كراهية الوحدة في السفر، وأتى هذا الحديث بلفظ
الراكب ويدخل الراجل في معناه - إذا كان وحده؛ ولم تختلف الآثار في كراهية
السفر للواحد، واختلفت في الاثنين؛ ولم يختلف في الثلاثة فما زاد أن ذلك حسن
جائز، وإنما وردت الكراهية في ذلك - والله أعلم - لأن الوحيد إذا مرض لم يجد
من بمرضه ولا يقوم عليه ولا يخبر عنه ونحو هذا.
حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن
وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا الفضل بن دكين، قال
حدثنا عبد الله بن عامر، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال : جاء
رجل يسلم على النبي - عليه السلام - خارجاً من مكة، فأله النبي - عَ ◌ّم -:
أصحبت من أحد ؟ قال : لا، قال : الواحد شيطان، والاثنان شيطانان، والثلاثة
ركب.(7)
قال أبو عمر :
في هذا الحديث الذي بعد هذا بيان لمعنى هذا، وقولنا فيه أبسط - والحمد
لله؛ وقد كان مجاهد ينكز هذا الحديث مرفوعاً، ويجعله قول عمر - ولا وجه لقول
(5) الموطأ رواية يحيى ص 693 - 694 حديث (1788) والحديث أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي من
طریق مالك وغيره وصححه.
انظر الزرقاني على الموطأ 391/4.
(6) كلمة (الحديث) ساقطة في ق.
(7) وأخرجه الحاكم من حديث أبي هريرة ، وقال على شرط مسلم وأقره الذهبي، انظر الجامع الصغير
بشرح فيض القدير 371/6.
-6-

مجاهد؛ لأن الثقات رووه(٥) مرفوعاً، وخبر مجاهد(9) أخبرناه محمد بن عبد الملك،
حدثنا ابن الأعرابي، حدثنا سعدان (٢٥) بن نصر، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح،
عن مجاهد، قيل له إن النبي - عَ لّ - قال: الواحد في الفر شيطان، والاثنان
شيطانان. قال: لا، لم يقله النبي - مَ التّ، - قد بعث النبي - وَلَّ - عبد الله بن
مسعود، وخباب بن الأرت سرية؛ وبعث دحية سرية - وحده؛ ولكن قال عمر .
يحتاط للمسلمين : كونوا في أسفاركم ثلاثة، إن مات واحد وليه اثنان، الواحد
شيطان، والاثنان شيطانان.
قال أبو عمر :
معنى الشيطان ههنا : البعيد من الخير في الأنس والرفق، وهذا أصل هذه
الكلمة في اللغة، من قولهم : نوى(٦٦) شطون، أي بعيدة؛ ومما يدلك على أن الثلاثة
ركب، وأن حكمهم نحو((١) حكم العسكر: ما أخبرناه عبد الله بن محمد، حدثنا محمد
ابن بكر، حدثنا أبو داود، حدثنا علي بن بحر بن بري، حدثنا حاتم بن اسماعيل،
حدثنا محمد بن عجلان، عن نافع، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول
الله ◌َّ قال: إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدم، قال نافع: فقلنا لأبي
سلمة : فأنت (١) أميرنا.(4) وفي هذا الحديث ما يدل على أن الاثنين ليسا بجماعة،
فتدبره تجده كذلك - إن شاء الله.
(8) رووه : أ، نقلوه : ق.
(9) في ق : مجاهد هذا - بزيادة (هذا).
(10) تصحف في ج 2 من التمهيد ص 209 بـ (سعيد بن نصر).
(11) في الزرقاني : بئر شطون انظر ج 390/4.
(12) نحو : أ، غير : ق.
(13) فانت : أ، أنت : ق.
(14) انظر سنن أبي داود 34/2.
-٦-

حدیث ثان لعبد الرحمان بن حرملة - مرسل
مالك، عن عبد الرحمان بن حرملة، عن سعيد بن المسيب، أنه
كان يقول : قال رسول الله ◌ُ تّ: الشيطان بهم بالواحد والاثنين، فإذا
كانوا ثلاثة لم يهم بهم.(15)
: لم يختلف الرواة للموطأ في إرسال هذا الحديث، وقد رواه ابن أبي الزناد .
مسندأ عن أبي هريرة : حدثناه عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن
أصبغ، قال حدثنا محمد بن الحسين بن أبي الحسين الكوفي بالكوفة، قال حدثنا عبد
العزيز بن محمد الكوفي، قال حدثنا عبد الرحمان بن أبي الزناد، عن عبد الرحمان
ابن حرملة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: كان رسول اللـه عَ لَله
يقول : إن الشيطان بهم بالواحد والاثنين، فإذا كانوا ثلاثة لم يهم بهم. وهذا في
معنى ما ذكرنا أن الاثنين لا يحكم لهما بحكم الجماعة إلا فيما خصته السنة، ولم يختلف
العرب أن نون الاثنين مكسورة، ونون الجمع مفتوحة، ففرقت بين الاثنين والجماعة؛
ومعناه يتصل من وجوه حسان، منها : ما رواه عبيد الله بن عمرو الرقي، عن عبد
الكريم الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ◌ُّ.
حدثنا(16) خلف بن القاسم، قال حدثنا أبو الفرج محمد بن سعيد بن عبدان،
قال حدثنا عبد الله بن العباس الطيالسي، قال حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، قال
حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن زر، عن عمر بن الخطاب، قال : قال
رسول الله ◌َ ◌ّ: من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن الشيطان مع الواحد،
وهو من الاثنين أبعد.
(15) الموطأ رواية يحيى ص 694 - حديث (1789).
(16) حدثنا : أ، وحدثنا : ق.
- 8-

ورواه جرير بن حازم، عن عبد الملك بن عمير، بن جابر عن سمرة، عن
عمر بن الخطاب. وروى(17) غيره عن عبد الملك بن عمير، قال: حدثت عن عبد
الله بن الزبير، عن عمر بن الخطاب - فذكره.
حدثنا خلف بن سعيد، قال حدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا أحمد بن
خالد، قال حدثنا علي بن عبد العزيز، قال حدثنا مالك بن اسماعيل النهدي، قال
حدثنا عاصم بن محمد بن زيد بن عمر، أنه سمع أباه يقول : قال عبد الله بن عمر
قال رسول الله ◌َّةٍ: لو يعلم الناس ما في الوحدة ما سار راكب بليل أبداً.
حدثنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمان، قال حدثنا محمد بن معاوية بن عبد
الرحمان، قال حدثنا ابراهيم بن موسى بن جميل، قال حدثنا عبد الله بن محمد بن
أبي الدنيا، قال حدثنا عبيد الله بن صالح العتكي، قال حدثنا خالد أبو يزيد
الرقي، عن يحيى المديني، (١٥) عن سالم بن عبد الله، عن أبيه قال : خرجت مرة
لسفر، فمررت بقبر من قبور الجاهلية، فإذا رجل قد خرج من القبر يتأجج ناراً في
عنقه سلسلة، ومعي أداوة من ماء؛ فلما رآني قال : ياعبد الله اسقني، قال: فقلت
عرفني فدعاني باسمي أو كلمة تقولها العرب : ياعبد الله؟ إذ خرج على إثره
رجل من القبر فقال : ياعبد الله، لاتسقه فإنه كافر، ثم أخذ السلسلة فاجتذبه،
فأدخله القبر؛ قال : ثم أضافني الليل إلى بيت عجوز إلى جانبها قبر، فسمعت من
القبر صوتاً يقول : بول وما بول؟ شن وما شن ؟ فقلت للعجوز: ما هذا ؟
قالت : كان زوجاً لي، وكان إذا بال لم يتق البول وكنت أقول له : ويحك ! إن
الجمل إذا بال تفاج، وكان يأبى؛ فهو ينادى من يوم مات : بول وما بول ؟ قلت :
فما الشن ؟ قالت : جاء رجل عطشان فقال : اسقني، فقال : دونك الشن، فإذا
ليس فيه شيء، فخر الرجل ميتا؛ فهو ينادى منذ يوم مات : شن وما شن ؟ فلما
قدمت على رسول الله يح أخبرته، فنهى أن يسافر الرجل وحده.
(17) وروى : أ، ورواه: ق.
(18) المديني : ق، المدني : أ
- 9-

قال أبو عمر :
هذا الحديث ليس له اسناد، ورواته مجهولون، ولم نورده للاحتجاج به،(19)
ولكن للاعتبار؛ وما لم يكن فيه حكم، فقد تسامح الناس في روايته عن الضعفاء -
والله المستعان.
أخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا عبد الحميد بن أحمد، قال حدثنا
الخضر بن داود، قال حدثنا أبو بكر الأثرم، قال حدثنا موسى بن اسماعيل، قال
حدثنا أبو عوانة، قال حدثنا المغيرة بن زياد، عن أبي عمر (2) مولى أسماء بنت أبي
بكر، قال : أتيت عمر بن عبد العزيز وهو بجدة، وهو يومئذ أمير مكة والمدينة؛
فأتيته بطرف من طرف مكة، وأمشاط من عاج؛ وسرت ليلتي فصبحته - وهو
قاعد في مجلسه يقرأ في المصحف - ودموعه تسيل على لحيته؛ فلما رآني رحب بي ثم
قال أبا عمر،(2) متى فارقت مكة؟ قلت: الليلة عشياء(71) قال: من جاء معك ؟
قلت : ما جاء معي أحد؛ قال: بئسما صنعت، أما بلغك أن الشيطان مع الواحد،
وهو من الاثنين أبعد، والثلاثة صحابة؛ إذا مات أحدهم، دفنه صاحباه؛ قال :
فقدمت إليه الهدية، فأعجبته فقال : أما هذه الأمشاط العاج، فلا حاجة لنا بها؛
قد كنا مدة متشط بها، فأما اليوم، فلا حاجة لنا فيها.
قال أبو عمر :
قوله في هذا الحديث : وهو من الاثنين أبعد - بمعنى بعيد - كما قيل : الله
أكبر - بمعنى كبير، وهذا في لسان العرب موجود كثير.
(19) كلمة (به) ساقطة في ق.
(20 - 20) أبي عمر: ق، أبي عمرو: أ وهو تحريف، انظر ترجمة أبي عمر هذا في تهذيب التهذيب
.371/5
(21) عشيا : أ، عشاء : ق.
- 10 -

حديث ثالث لعبد الرحمان بن حرملة
مرسل، يتصل من وجوه
مالك، عن عبد الرحمان بن حرملة الأسلمي، عن سعيد بن
المسيب، أن رسول الله عَ لّ قال: بيننا وبين المنافقين شهود العشاء(22)
والصبح لا يستطيعونهما أو نحو هذا.(23)
قال أبو عمر :
قوله أو نحو هذا، شك من المحدث، ولم يختلف عن مالك في إسناد هذا
الحديث وإرساله، ولا يحفظ هذا اللفظ عن النبي عليه السلام - مسنداً، ومعناه
محفوظ من وجوه ثابتة.
وأما قوله : لقد هممت بالصلاة تقام ثم آمر بحطب - الحديث، فحديث
صحيح أيضا؛ وقد مضى في باب أبي الزناد، وقال يحيى في هذا الحديث العشاء
والصبح.
وقال القعنبي وابن بكير وجمهور الرواة للموطأ عن مالك فيه : صلاة
العتمة والصبح على ما في ترجمة الباب، وفي ذلك جواز تسمية العشاء الآخرة
بالعتمة، ورد على من أنكر ذلك. وفيه أن النفاق بعيد من الذين يواظبون على
شهود العشاء والصبح في جماعة، ومن واظب على هاتين الصلاتين في جماعة،
فأحرى أن يواظب على غيرهما.
(22) العشاء : أ، العتمة : ق.
(23) الموطأ رواية يحيى ص : 94 حديث (289).
- ١١-

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : من شهد معنا الصلوات، شهدنا له
بالإِيمان، ثم تلا: ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر﴾. (24)
وأما الآثار المسندة في معنى هذا الحديث، فمنها ما حدثنا خلف بن قاسم،
قال حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن المسور بن أبي طنة، وبكير بن الحسن
الرازي، قالا حدثنا يوسف بن يزيد، قال حدثنا أسد بن موسى، قال حدثنا
هشيم، عن أبي بشر، عن أبي عمير، عن عمومته، عن النبي رقم أنه كان يقول : ما
يشاهدهما منافق - يعني العشاء والفجر.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
محمد بن عبد السلام، قال حدثنا محمد بن بشار بندار، قال حدثنا ابن أبي عدي،
عن شعبة، عن أبي بشر، قال حدثني أبو عمير بن أنس بن مالك، عن عمومة له من
أصحاب رسول الله ◌َ اعٍ قالوا: قال رسول الله مَّ: ما شهدهما منافق - يعني
صلاة العشاء وصلاة الصبح -. قال أبو بشر: وأنا أشهد أنه لا يحافظ عليهما منافق.
حدثنا خلف بن قاسم، قال حدثنا أبو الحسن النيسابوري بمصر، قال
حدثنا أحمد بن شعيب، قال أخبرنا اسماعيل بن مسعود، قال حدثنا خالد، عن
شعبة، عن أبي بشر، عن أبي عمير بن أنس، عن عمومته، أن رسول الله وَ ائل قال:
في صلاة الصبح والعشاء : ما يشهدهما منافق.
وحدثنا خلف بن القاسم، قال حدثنا عبد الله بن جعفر بن الورد، قال
حدثنا هارون بن كامل، قال حدثنا أبو صالح، قال حدثنا معاوية(25) بن صالح أن
يحيي بن سعيد، حدثه عن نافع عن ابن عمر أنه قال : كنا إذا فقدنا الرجل في
هاتين الصلاتين : صلاة العشاء، وصلاة الصبح، أسأنا به الظن.
(24) الآية : 18 - سورة التوبة.
(25) معاوية : أ، أبو معاوية: ق ـ وهو تحريف.
- 12-

حدثنا محمد بن عبد الله بن حکم، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا
إسحاق بن أبي حسان، قال حدثنا هشام بن عمار، قال حدثنا عبد الحميد بن
حبيب، قال حدثنا الأوزاعي، قال بغلنا أن شداد بن أوس قال : من أحب أن
يجعله الله من الذين يدفع بهم العذاب عن أهل الأرض، فليحافظ على هاتين
الصلاتين في الجماعة : الصبح والعتمة.
وروى الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال : قال رسول
الله ◌َ ◌ّةٍ: إن أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء الآخرة، وصلاة الصبح، ولو
يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً.
حديث رابع لعبد الرحمان بن حرملة
مالك، عن عبد الرحمان بن حرملة، أن رجلاً سأل سعيد بن
المسيب، فقال : أعتمر قبل أن أحج ؟ فقال سعيد: نعم، قد اعتمر
رسول الله لتر قبل أن يحج.(26)
يتصل هذا الحديث من وجوه صحاح، وهو أمر مجتمع عليه، لا خلاف بين
العلماء فيه؛ كلهم يجيزون العمرة قبل الحج لمن شاء، لا بأس بذلك عندهم، وكلهم
يقول: إن رسول الله صَّ اعتمر قبل حجته؛ وإنما اختلفوا في وجوب العمرة وفي
جوازها في السنة مراراً - على ما نذكره في هذا الباب بعون الله إن شاء الله.
حدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو داود،
قال حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال حدثنا مخلد بن يزيد، ويحيى بن زكرياء، عن
ابن جريج، عن عكرمة بن خالد، عن ابن عمر، قال: اعتمر النبي ◌َ ◌ّ قبل أن
يحج.(27)
(26) الموطأ رواية يحى ص 234 - حديث (764).
(27) انظر سنن أبي داود 458/1.
- 13-

وحدثنا عبد الوارث بن سفیان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
أحمد بن زهير، قال حدثنا أبي، قال حدثنا إسحاق الأزرق، قال حدثنا زكرياء،
عن أبي إسحاق، عن البراء، قال : اعتمر رسول الله ◌َاز قبل الحج.
وأما اختلاف الفقهاء في وجوب العمرة، فذهب مالك إلى أن العمرة سنة
مؤكدة، وقال في موطئه : ولا أعلم أحداً من المسلمين أرخص في تركها،(24) وهذا
اللفظ يوجبها، إلا أن أصحابه وتحصيل مذهبه على ما ذكرت لك.
وقال أبو حنيفة وأصحابه : العمرة تطوع، وقال الشافعي والثوري
والأوزاعي : العمرة فريضة واجبة - وهو قول ابن عباس، وابن عمر، وزيد بن
ثابت، ومسروق، وعلي بن حسين، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، والحسن، وابن
سيرين، وسعيد بن جبير، (وغيرهم).(29) واختلف في ذلك عن ابن مسعود.
قال أبو عمر :
روي عن النبي ◌َّاف أنه قال لسائل سأله عن العمرة : أواجبة هي ؟
قال: لا، ولأَن تعتمر خير لك. انفرد به الحجاج بن أرطاة، عن محمد بن المنكدر،
عن جابر، قال : قال خباب: يارسول الله، العمرة واجبة؟ قال: لا، ولأَن تعتمر
خير لك. وما انفرد به الحجاج بن أرطاة، فلا حجة فيه.
وروي عنه - عليه السلام - أنه قال : العمرة تطوع - بأسانيد لاتصح ولا
تقوم بمثلها حجة. وروي عنه مَ التّ في إيجابها أيضاً ما لا تقوم به حجة من جهة
الإسناد.
(28) الموطأ ص 238.
(29) كلمة (وغيرهم)، ساقطة في أ.
- 14-

وأما الصحابة،(10) فروي عن ابن عمر، ((١) وابن عباس، وزيد بن ثابت -
إيجاب العمرة؛ ولا مخالف لهم من الصحابة، إلا ما روي عن ابن مسعود - على
اختلاف عنه. واختلف التابعون في هذه المسألة: فأوجبها بعضهم - وهم الأكثر، ولم
يوجبها بعضهم؛ وأكثر أهل الحجاز على إيجابها، وأهل الكوفة لا يوجبونها.
وأما قول الله - عز وجل: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾، (32) فمحتمل
للتأويل، قالت طائفة: أتموا - بمعنى أقيوا الحج والعمرة لله. هكذا قال السدي
وغيره؛ ومن حجة من ذهب هذا المذهب: أن قوله - عز وجل: ﴿وأتموا﴾
بمعنى : أقيوا، و((أقيوا)) بمعنى أتموا. قال الله - عز وجل: ﴿فإذا اطمأننتم فأقيموا
الصلاة﴾.(33) بمعنى أتموا، وقال: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ - بمعنى: أقيموا
الحج والعمرة لله.
وذكر عبد الرزاق، قال أخبرنا الثوري، عن أبي إسحاق قال : سمعت
مسروقاً يقول : أمرتم في القرآن بإقامة أربع : أقيموا الصلاة، وأتموا الزكاة، وأقيموا
الحج والعمرة :
حدثنا خلف بن قاسم، حدثنا ابن المسور، وبکیر بن الحسن، قالا حدثنا
يوسف بن يزيد القراطيسي، قال حدثنا أسد بن موسى، قال حدثنا إسرائيل، وأبو
الأحوص، عن أبي إسحاق، عن مسروق، قال : أمرتم في كتاب الله بإقامة أربع:
بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وإقامة الحج والعمرة إلى بيت الله.
قال أسد : وحدثنا زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن مسروق، قال :
أمرتم في كتاب الله المنزل بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وإقام الحج والعمرة؛
قال : والعمرة من الحج بمنزلة الزكاة من الصلاة.
(30) الصحابة : أ، أصحابه : ق.
(31) عن ابن عمر : أ، عن عمرو بن عمر : ق.
(32) الآية : 196 - سورة البقرة.
(33) الآية : 103 - سورة النساء.
- 15-

وقال آخرون : إنما خوطب بهذا من دخل في الحج والعمرة، ولا خلاف
أن من دخل في واحدة منهما أن عليه إتمامها؛ وقد قيل في الآية قول ثالث روي
عن علي بن أبي طالب وجماعة أنهم قالوا في قول الله عز وجل: ﴿وأتموا الحج
والعمرة لله﴾. قال: إتمامها: أن تحرم من دويرة أهلك وموضعك، وهذا في
معنى قول من قال : الإتمام يقع على الابتداء.
روى شعبة عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، أن رجلاً أتى عليا -
رضي الله عنه - فقال: أرأيت قول الله - تبارك وتعالى: ﴿وأتموا الحج
والعمرة لله﴾ ؟ فقال : إتمامها : أن تحرم بها من دويرة أهلك.
أخبرنا محمد بن خليفة، قال حدثنا محمد بن نافع أبو الحسن المكي، قال
حدثنا أبو محمد إسحاق بن محمد الخزاعي، قال حدثنا سعيد بن عبد الرحمان
المخزومي أبو عبيد الله، (34) قال حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاوس،
قال : سمعت ابن عباس يقول في قول الله - عز وجل: ﴿وأتموا الحج والعمرة
لله﴾، والله إنها لقرينتها في كتاب الله.
وحدثنا محمد بن خليفة، قال حدثنا محمد بن نافع، قال حدثنا إسحاق بن
أحمد، قال حدثنا سعيد بن عبد الرحمان، قال حدثنا عبد الله بن الوليد العدني،
حدثنا سفيان الثوري، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر، قال : ليس أحد
من خلق الله إلا وعليه حجة وعمرة واجبتان.
وذكر عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريح، أخبرني نافع مولى ابن عمر، أنه سمع
عبد الله بن عمر يقول : فذكره حرفاً بحرف، وزاد : من استطاع إلى ذلك سبيلاً.
وحدثنا محمد بن خليفة، قال حدثنا محمد بن نافع، قال حدثنا إسحاق بن
أحمد، قال حدثنا أبو عبيد الله المخزومي، قال حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبد
الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أن العمرة هي الحج الأصغر.
(34) أبو عبيد الله، أ، أبو عبيد: ق، والصواب ما في نسخة أ، انظر ترجمته في تهذيب التهذيب
.55/4
- 16-

قال سفيان: وقال عبد الله بن مسعود: أمرنا بإقامة (أربع): (35) الصلاة،
والزكاة، والحج، والعمرة، قال: وحدثنا أبو عبيد الله سعيد بن عبد الرحمان
المخزومي، قال حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، وهشام بن سليمان
المخزومي، عن ابن جريج، قال: قال عطاء : ليس من خلق الله أحد إلا عليه
حجة وعمرة واجبتان لابد منها لمن استطاع إليهما سبيلا - إلا أهل مكة، فإن
عليهم حجة، وليس عليهم عمرة من أجل طوافهم بالبيت.
وقال عبد الرزاق : أخبرنا ابن جريج، عن عطاء - مثله سواء.
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا اسماعيل بن
إسحاق، حدثنا حفص بن عمر، عن شعبة، عن سعيد بن أبي بردة،(36) قال: سمعت
الشعبي قرأ: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ - رفعا، وقال الشعبي: ولا(37) أراها
إلا تطوعاً. قال سعيد: وسمعت أبي قرأ: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ .
نصباً(18) وقال : لا أراها إلا واجبة.
قال أبو عمر :
لا أعلم أحداً من أئمة القراء تعلق بالشعبي في قراءته هذه ولا تابعه عليها،
والناس على نصب العمرة عطفاً على الحج؛ وقراءة الشعبي ليست بصحيحة المعنى،
لأن الإتمام يجب في العمرة كما يجب في الحج لمن دخل في واحد منهما بإجماع؛ ولو
صحت قراءة الشعبي، كان فيها خلاف الإجماع، وما خالفه مردود؛ ومعلوم أن
الحج لله، كما العمرة لله؛ فلا وجه لقراءة الشعبي - والله أعلم.
(35) كلمة (أربع) ساقطة في أ، ثابتة في ق.
(36) بردة : أ، برزة: ق - وهو تحريف، انظر ترجمته في تهذيب التهذيب 8/4.
(37) ولا : أ، لا : ق.
(38) نصبا : أ، يعني نصبا - بزيادة (يعني) ق.
التمهيدج ٢٠
- 17-

حدثنا محمد بن خليفة، قال حدثنا محمد بن نافع، قال حدثنا إسحاق، قال
حدثنا محمد بن زنبوز، حدثنا الفضيل بن عياض، عن منصور، عن مجاهد، قال :
العمرة : الحج الأصغر.
وذكر عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال : العمرة
على الناس إلا على أهل مكة.
قال : وأخبرنا معمر، والثوري، عن ليث، عن عطاء، وطاوس، ومجاهد،
قالوا : العمرة واجبة، وتجزئ منها المتعة؛ قال : وأخبرنا الثوري، ومعمر، عن داود
ابن أبي هند، قال : قلت لعطاء : العمرة علينا فريضة كالحج ؟ قال : نعم، قلت :
أتجزئنا منها المتعة ؟ قال : نعم. قال: وأخبرنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن
أبيه، قال : المتعة في الحج تقضى. قال معمر : وقال الزهري : كان أهل الجاهلية
يقولون : العمرة : الحج الأصغر. قال معمر: وقال قتادة : العمرة واجبة.
قال : وأخبرنا ابن جريج، عن معمر عن عطاء، عن عكرمة، عن ابن
عباس، قال : العمرة واجبة كوجوب الحج.
قال : وأخبرنا الثوري، عن يونس، عن الحسن، وابن سيرين، قالا :
العمرة واجبة. قال : وأخبرنا معمر، والثوري، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن
عمر، قال : العمرة واجبة.
قال : وأخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان، قال : سألت سعيد بن جبير عن
العمرة أواجبة هي ؟ فقال : نعم، فقال له قيس بن رومان : فإن الشعبي يقول :
ليست واجبة، فقال: كذب الشعبي، إن الله - عز وجل - يقول: ﴿وأتموا الحج
والعمرة لله﴾.
- 18-

قال أبو عمر :
فهؤلاء ذهبوا إلى أن العمرة واجبة فرضاً كالحج، وخالفهم غيرهم - (39) على
ما قدمنا ذكره في هذا الباب، فذهبوا إلى أن العمرة سنة وتطوع (46) على حسبما
ذکرنا عنهم.
ذكر عبد الرزاق، أخبرنا عثمان بن مطر، عن سعيد، عن أبي معشر، عن
ابراهيم، عن ابن مسعود، قال : الحج فريضة، والعمرة تطوع.
قال : وأخبرنا الثوري، عن سماك، عن ابراهيم، قال العمرة : سنة وليست
بفريضة.
وأما اختلافهم في جواز العمرة مراراً في سنة واحدة، فقال مالك : لا أرى
لأحد أن يعتمر في السنة مراراً، وكره عمرتين في سنة واحدة، ومنع منها الحاج ما لم
يتحلل من آخر عمله منی.
ومن حجة من ذهب مذهب مالك في ذلك: أن رسول الله صَ لّ لم يعتمر
عمرتين في عام واحد، واعتمر ثلاث عمر أو أربعا، كل عمرة منها في سنة؛ ومن
حجته أيضاً - في ذلك : أن عائشة كانت في آخر أمرها إذا حجت بقيت بمكة حتى
بهل المحرم، ثم تخرج من مكة إلى الميقات فتهل منه بعمرة، فكان يقع حجها في
عام واحد، وعمرتها في عام آخر.
وقال أبو حنيفة وأصحابه : العمرة مباحة في السنة كلها إلا يوم عرفة،
ويوم النحر، وأيام التشريق؛ قال : والحاج وغيره في ذلك سواء.
وروى بشر بن الوليد، عن أبي يوسف، قال : لا بأس بالعمرة يوم عرفة.
وقال الثوري : يعتمر متى شاء.
وقال الحسن بن صالح بن حي : يعتمر في السنة كلها إلا في أيام
التشريق.
(39) غيرم : أ، آخرون : ق.
(40) سنة وتطوع : ق، سنة أو تطوع : أ.
-19-

وقال الشافعي : لا بأس أن يعتمر في السنة مراراً ومتى شاء إلا الحاج،
فإنه لا يعتمر مادام(41) حاجاً.
قال أبو عمر :
ذكر عبد الرزاق، أخبرنا عبيد الله وعبد الله ابنا عمر، عن نافع، أن عبد
الله بن عمر اعتمر في السنة مرتين. قال : وأخبرنا معمر، والثوري، عن صدقة بن
يسار، عن القاسم بن محمد، أن عائشة اعتمرت.
قال الثوري في حديثه مراراً في السنة، وقال معمر في حديثه :(12) ثلاث
مرات في سنة، قال : صدقة فقلت للقاسم : أنكر ذلك عليها أحد ؟ فقال : أعلى
أم المومنين عائشة !
قال أبو عمر :
في قول صدقة بن يسار القاسم بن محمد أنكر ذلك عليها أحد ؟ دليل على
أن الاختلاف بين السلف في هذه المسألة قديم معروف، قال : وأخبرنا ابن عيينة
عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، قال : اعتمرت عائشة في سنة ثلاث
مرات : من الجحفة مرة، ومرة من التنعيم، ومرة من ذي الحليفة.
قال : وأخبرنا معمر، عن صدقة بن يسار، قال : سمعت القاسم بن محمد
يقول : في کل شهر عمرة، وكان يكره عمرتین في شهر واحد.
قال : وأخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال : في كل شهر عمرة.
قال : وأخبرنا الثوري عن منصور، عن ابراهيم، قال : كانوا لا يعتمرون في
النسنة إلا مرة واحدة.
(47) ما دام : أ، مق دام : ق.
(42) جملة (في حديثه) ساقطة في ق.
-20-