النص المفهرس

صفحات 261-280

حديث ثالث لعبد الرحمان بن القاسم
مالك، عن عبد الرحمان بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة - أنها قالت:
قدمت مكة وأنا حائض فلم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوت
ذلك الى رسول الله ﴿ فقال: افعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي
بالبيت ولا بين الصفا والمروة حتى تطهري (55).
هكذا قال يحيى عن مالك في هذا الحديث: غير أن لا تطوفي بالبين ولا
بين الصفا والمروة حتى تطهري .
وقال غيره من رواة الموطأ: غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري - لم يذكروا:
ولا بين الصفا والمروة، ولا ذكر أحد من رواة الموطأ في هذا الحديث: ولا بين
الصفا والمروة - غير يحيى - فيما علمت، وهو - عندي - وهم منه - والله اعلم.
والمعروف من مذهب مالك، أن الحائض لا بأس أن تسعى بين الصفا
والمروة إذا کانت قد طافت بالبيت قبل أن تحيض. ذکر مالك في موطئه قال:
والمرأة الحائض اذا كانت قد طافت بالبيت قبل أن تحیض، فإنها تسعی بین
الصفا والمروة، وتقف بعرفة والمزدلفة، وترمي الجمار، غير أن لا تطوف بالبيت
حتى تطهر من حيضتها (56).
55 - الموطأ رواية يحيى ص 283 - حديث (935) - أخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف عن مالك به.
انظر الزرقاني على الموطأ 277/2.
56 - انظر الموطأ ص 284.
- 261 -

قال أبو عمر: رواية يحيى هذه - إن صحت - فتشبه مذهب ابن عمر:
ذكر مالك في الموطأ عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أنه كان يقول في المرأة
الحائض التي تهل بحج أو عمرة: إنها تهل بحجها أو بعمرتها إذا أرادت،
ولكن لا تطوف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة، ولا تقرب المسجد حتى
تطهر (57). ـ وهي لا تحل حتى تطوف بالبيت وبين الصفا والمروة. فقول ابن
عمر هذا على نحو رواية يحيى، إلا أن ذلك غير محفوظ في حدییث عبد
الرحمان بن القاسم - هذا (58) - عن أبيه، عن عائشة، عن النبي ◌َّر وفقهاء
الأمصار بالحجاز والعراق والشام - لا يرون بأسا بالسعي بين الصفا والمروة
على غير طهارة، وما جاز عندهم لغير الطاهر أن يفعله، جاز للحائض ان
تفعله؛ وهذا مذهب مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأصحابهم؛ وهو قول
عطاء، وبه قال أحمد، وأبو ثور، وغيرهم؛ وحجتهم قول رسول الله رَله
لعائشة في هذا الحديث: افعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت،
وكان الحسن البصري يقول: من سعى بين الصفا والمروة - على غير طهارة،
فإن ذكر قبل أن يحل فليعد، وان ذكر بعدما حل، فلا شيء عليه.
وأجمعوا أنه لا يجوز لأحد الطواف بالبيت إلا على طهارة، واختلفوا فيمن
فعلهٍ على غير طهارة، ثم خرج إلى بلده قبل أن يعلم به؛ فقال مالك
والشافعي: حكمه حكم من لم يطف أصلا، وقال ابو حنيفة: يبعث بدم
ويجزئه .
57 - الموطأ ص: 234 - حديث (761).
58 - كلمة (هذا) ساقطة في ك.
- 262-

حديث رابع لعبد الرحمان بن القاسم
مالك، عن عبد الرحمان بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، أنها قالت:
خرجنا مع رسول الله پے عام حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول
الله المليجى: من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل
منهما جميعا. قالت: فقدمت مكة - وأنا حائض، فلم أطف بالبيت، ولا بين
الصفا والمروة، فشكوت ذلك الى رسول الله وَلاير فقال: انقضى رأسك
وامتشطي، وأهلي بالحج ودعي العمرة. قالت: ففعلت، فلما قضيت الحج،
أرسلني رسول الله رَّلهم مع عبد الرحمان بن أبي بكر الى التنعيم فاعتمرت؛
فقال: هذه مكان عمرتك، فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا
والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم؛ وأما
الذين كانوا أهلوا بالحج أو جمعوا الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافا
واحدا (59).
هكذا روى يحيى هذا الحديث عن مالك بهذا الاسناد عن عبد الرحمان
ابن القاسم، عن أبيه، عن عائشة - ولم يتابعه عليه أحد فيما علمت من رواة
الموطأ، وإنما هذا الحديث في الموطأ عند جماعة الرواة عن مالك، عن ابن
شهاب، عن عروة، عن عائشة - هكذا بهذا الاسناد؛ وهو عند يحيى بهذا
الاسناد كذلك أيضا؛ وبإسناد آخر عن عبد الرحمان بن القاسم عن أبيه،
59 ۔ الموطا روایة یحی ص 283 - حديث (934).
- 263 -

عن عائشة؛ فانفرد يحيى لهذا الحديث بهذا الإسناد، " وحمل عنده" هذا
الحديث بهذين الإسنادين عن مالك في الموطأ، وليس ذلك عند أحد غيره في
الموطأ - والله اعلم.
وقد تقدم ذكرنا لذلك في باب ابن شهاب (60)، وقد يجوز ويحتمل أن
یکون عند مالك في هذا الحدیث اسنادان، فيدخل الحديث في موطئه باسناد
واحد منهما، ثم رأى أن يردف الإسناد الآخر إذ ذكره أو نشط إليه، فافاد
بذلك يحيى؛ وكان يحبى من آخر من عرض عليه الموطأ، ولكن أهل
العلم (61) بالحديث يجعلون إسناد عبد الرحمان بن القاسم في هذا الحديث
خطأ، لانفراد واحد به عن الجماعة .
وأما قوله: انقضي رأسك وامتشطي، فهذا لم يقله أحد عن عائشة غير
عروة، لا القاسم ولا غيره؛ وقد أوضحنا ذلك كله في باب ابن شهاب عن
عروة من هذا الكتاب (62).
وأما معاني هذا الحديث، فقد مضى القول فيها في باب ابن شهاب عن عروة
من هذا الکتاب (63) ۔ والحمد لله کثیرا.
60 - انظرج 8 /118 .
61 - أهل الحديث: ا، اهل العلم بالحديث: ق ك - وهي أنسب
62 - انظرج 8 / 215 - 229.
63 - المرجع السابق 198/8 - 215.
- 264 -

حديث خامس لعبد الرحمان بن القاسم
مالك، عن عبد الرحمان بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، أنها قالت:
خرجنا مع رسول الله وَل# في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء، أو بذات
الجيش؛ انقطع عقد لي، فأقام رسول الله وَلي على التماسه، وأقام الناس معه
- وليسوا على ماء، وليس معهم ماء؛ فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق (64)
فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله وَلقر وبالناس وليسوا
على ماء، وليس معهم ماء؛ قالت عائشة: فجاء أبو بكر ورسول الله ولهم
واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول الله وَلقه والناس -
وليسوا على ماء وليس معهم ماء؟ فعاتبني أبو بكر وقال: ما شاء الله أن
يقول، وجعل يطعن بيده في خاصرتي، فما يمنعني من التحرك إلا مكان
رأس (65) رسول الله صل على فخذي، فنام رسول الله ◌َّر حتى أصبح على
غير ماء؛ فأنزل الله آية التيمم، فقال أسيد بن حضير: ما هي بأول بركتكم
يا آل أبي بكر، قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فوجدنا العقد
تحته (66).
64 - كلمة (الصديق) ساقطة في ص، ثابتة في ق ك ، والرواية بها.
65 - كلمة (رأس) ساقطة في النسخ المطبوعة من الموطأ.
66 - الموطأ رواية يحيى ص 46 حديث (118) والموطأ رواية محمد بن الحسن ص 49 - حديث (72).
والحديث أخرجه الشيخان البخاري ومسلم، انظر الزرقاني على الموطأ 111/1.
- 265-

هذا أصح حديث روي في هذا الباب، وفيه من الفقه خروج النساء مع
الرجال في الأسفار، وخروجهن مع الرجال في الغزوات وغير الغزوات مباح
إذا كان العسكر كبيرا يؤمن عليه الغلبة.
حدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو داود،
قال حدثنا عبد السلام بن مطهر، قال حدثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت
البناني، عن أنس، قال: كان رسول اللّه ◌َلقر يغزو بأم سليم ونسوة من
الأنصار، يسقين الماء ويداوين الجرحى (67).
حدثنا عبد الوارث بن سفیان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
أحمد بن زهير، قال حدثنا شريح بن النعمان، قال حدثنا عبد الواحد بن زياد
عن خالد بن ذكوان قال: قلت الربيع بنت معوذ: هل كنتن تغزون مع
رسول الله وَلير؟ قالت: نعم، كنا نغزو مع رسول الله مَ ثم نحمل الجرحى -
نسقیهم أو نداوهم.
قال ابو عمر: وخروج الرجل مع أهله في السفر من العمل المباح، فإذا
كان (68) له نساء حرائر لم يجز له أن يسافر بواحدة منهن حتى يقرع بينهن،
فإذا أقرع بينهن ووقعت القرعة على من وقعت منهن، خرجت معه واستأثرت
به في سفرها؛ فإذا رجع من سفره استأنف القسمة بينهن، ولم يحاسب التي
خرجت معه بأيام سفره معها، وكانت مشقتها في سفرها ونصبها فيه بإزاء
نصيبها منه وکونها معه.
أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المومن، قال حدثنا أبو بكر (69) أحمد بن
سلمان النجار الفقيه ببغداد، قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، قال
حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، عن أبيه، عن هشام بن عروة، عن أبيه،
67 - انظر سنن أبي داود 172 .
68 - کان: ا، کانت: ق ك.
69 - كلمة (ابو بكر) ساقطة في ا.
- 266-

عن عائشة، قالت: كان النبي ◌َّ إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فأيتهن
خرج سهمها خرج بها.
وأخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا أحمد بن سلمان، قال حدثنا
إسماعيل بن إسحاق، قال حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال حدثنا أبي،
قال حدثني الحسن بن زيد بن حسين بن علي بن أبي طالب، عن عبد اللّه
ابن أبي بكر بن محمد بن عمروبن حزم الأنصاري النجاري، عن عمرة بنت
عبد الرحمان، عن عائشة - مثله (70). والسفر المذكور في هذا الحديث يقال
انه كان في غزاة بني المصطلق - والله اعلم.
وأما قوله في هذا الحديث: حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش،
فهكذا (71) في حديث عبد الرحمان بن القاسم. وروى هشام بن عروة هذا
الحديث فاختلف عنه في اسم الموضع الذي انقطع فيه العقد: حدثني يونس
ابن عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا جعفر بن
محمد الفريابي، قال حدثنا منجلب بن الحرث، عن علي بن مسهر، عن
هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة، أنها استعارت من أسماء قلادة لها -
وهي في سفر مع رسول الله وسلقر فانسلت منها وكان ذلك المكان يقال له
الصلصل، فذكرت ذلك للنبي بَا و فطلبوها حتى وجدوها، وحضرت
الصلاة؛ فلم يكن معهم ماء، فصلوا بغير وضوء؛ فأنزل الله آية التيمم،
فقال لها أسيد بن الحضير: جزاك الله خيرا، فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه
إلا جعل الله لك فيه وللمسلمين خيرا.
٠
هكذا في الحدیث: أن القلادة كانت لأسماء؛ وأن عائشة استعارتها منها،
وقال: قلادة ولم يقل عقدا، وقال في المكان يقال له الصلصل.
70 - مثله: ا، بمثله: ق ك.
كـ
71 - فهكذا: ك، فهذا: ق.
- 267 -

وروى ابن عيينة هذا الحديث عن هشام بن عروة، فقال: فيه سقطت
قلادتها ليلة الأبواء فأضاف القلادة إليها، وقال في الموضع: الأبواء:
حدثنا سعيد بن نصر وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم بن
أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل، قال حدثنا الحميدي، قال حدثنا
سفيان قال حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أنها سقطت
قلادتها ليلة الأبواء، فأرسل رسول الله ﴿ رجلين من المسلمين في طلبها،
فحضرت الصلاة - وليس معهما ماء، فلم يدريا كيف يصنعان؟ قال: فنزلت
آية التيمم، قال أسيد بن حضير: جزاك الله خيرا، فما نزل بك أمر تكرهينه
إلا جعل الله لك منه مخرجا، وجعل للمسلمين فيه خيرا (72).
قال أبو عمر: الرجلان اللذان بعثهما رسول الله وَّر في طلب القلادة،
کان أحدهما أسيد بن حضير:
أخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو داود،
قال حدثنا عبد الله بن محمد النفيلى، قال حدثنا أبو معاوية، قال أبو داود
وحدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال حدثنا عبدة - جميعا عن هشام بن عروة -
المعنى واحد - عن أبيه عن عائشة، قالت: بعث رسول الله ﴾﴿ أسيد بن
حضير وأناسا معه في طلب قلادة أضلتها عائشة، فحضرت الصلاة فصلوا
بغير وضوء، فأتوا رسول الله به فذكروا ذلك، فنزلت آية التيمم. زاد ابن
نفيل فقال لها أسيد : - رحمك الله، ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله
للمسلمین فیه فرجا.
قال أبو عمر: ليس اختلاف النقلة في العقد والقلادة ولا في الموضع الذي
سقط ذلك فيه لعائشة، ولا في قول القاسم عن عائشة عقد لي، وقول هشام
إن القلادة استعارتها من أسماء عائشة - ما یقدح في الحدیث، ولا یوهن شيئا
72 - انظر مسند الحميدي 88/1 .
- 268 -

منه؛ لأن المعنى المراد من الحديث والمقصود إليه هو نزول آية التيمم، ولم
يختلفوا في ذلك.
وفي هذا الحديث من رواية هشام بن عروة حكم كبير قد اختلف فيه
العلماء وتنازعوه - وهو الصلاة بغير طهور بماء ولا تيمم - لمن عدم الماء - ولم
يقدر على التيمم لعلل منعته من ذلك، وسنذكر هذا الحكم وما للعلماء فيه
في هذا الباب - إن شاء الله :
حدثنا يونس بن عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن معاوية بن عبد
الرحمان، قال حدثنا جعفر بن محمد بن المستفاض، قال حدثنا إبراهيم بن
الحجاج السلمي، قال حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن
أبيه، أن عائشة كانت في سفر مع رسول الله و لو وكان في عنقها قلادة لأسماء
ابنة أبي بكر، فعرسوا فانسلت القلادة من عنقها؛ فلما ارتحلوا قالت: يا
رسول الله انسلت قلادة أسماء من عنقي، فأرسل رسول الله رجلين إلى
المعرس يلتمسان القلادة - فوجداها، فحضرت الصلاة فصلوا بغير طهور،
فأنزل الله آية التيمم: ((فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا (74))، فقال
أسيد بن حضير: يرحمك الله يا عائشة، ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل
الله فیه للمسلمین فرجا.
قال أبو عمر: فهذا ما في حديث عائشة في بدو التيمم والسبب فيه وقد
رواه عمار بن ياسر بأتم معنی .
حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المومن، قال حدثنا أحمد بن جعفر بن
حمدان، قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال حدثني أبي، قال حدثنا
73 - انظر سنن أبي داود 76/1.
74 - الآيتان: 43 من سورة النساء و6 - من سورة المائدة.
-269 -

يعقوب بن إبراهيم بن سعد، قال حدثني أبي عن صالح بن کیسان، عن
ابن شهاب، قال: حدثني عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن عمار
ابن ياسر، أن رسول الله ◌َّهر عرس بأولات الجيش ومعه عائشة زوجته،
فانقطع عقد لها من جزع ظفار، فحبس الناس ابتغاء عقدها ذلك حتى
أضاء الصبح - وليس مع الناس ماء، فأنزل الله - تبارك وتعالى - على رسوله
رخصة التطهر بالصعيد الطيب؛ فقام المسلمون مع رسول الله رَّالقر فضربوا
بأيديهم الارض ثم رفعوا أيديهم - ولم يقبضوا من التراب شيئا، فمسحوا بها
وجوههم وأيديهم الى المناكب، ومن بطون أيديهم إلى الآباط.
قال أبو عمر: ليس في الموطأ في ذكر التيمم حديث مرفوع الى النبي روسيا
غير حديث عبد الرحمان بن القاسم هذا، وهو أصل التيمم، إلا أنه ليس
فيه رتبة التيمم ولا كيفيته؛ وقد نقلت آثار في التيمم عن النبي # مختلفة في
كيفيته؛ وعلى قدر ذلك من اختلافها، اختلف فقهاء الامصار في القول بها؛
ونحن نذكر أقاويلهم، والآثار التي منها نزعوا في هذا الباب - إن شاء الله .
وأجمع علماء الأمصار بالحجاز والعراق والشام والمشرق والمغرب - فيما
علمت - أن التيمم بالصعيد عند - عدم الماء طهور كل مريض أو مسافر؛
وسواء کان جنبا أو علی غیر وضو (75) لا يختلفون في ذلك، وقد كان عمر بن
الخطاب وعبد الله بن مسعود يقولان: الجنب (76) لا يطهره إلا الماء، ولا
يستبيح بالتيمم صلاة، لقول الله - عز وجل -: ((وان كنتم جنبا
فاطهروا)) (77)، ولقوله (78): ((ولا جنبا الا عابري سبيل حتى
75 - على غير وضوء: ا، على غير طهور: ق ك.
76 - يقولان الجنب: ا، يقولان: ان الجنب: ق ك.
77 - الآية: 6 سورة المائدة.
78- ولقوله: ا، بقوله: ق ك.
- 270-

تغتسلوا)) (79). وذهبا (80) الى أن الجنب لم يدخل في المعنى المراد (81) بقوله:
((وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط، أو لامستم
النساء، فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا)) (82) - وكانا يذهبان إلى أن
الملامسة ما دون الجماع، وقد ذكرنا اختلاف العلماء في الملامسة في باب أبي
النضر (83) - والحمد لله.
ولم يتعلق بقول عمر، وعبد الله في هذا المسألة أحد من فقهاء الأمصار من
أهل الرأي وحملة الآثار؛ وذلك - والله أعلم - لحديث عمار، ولحديث (84)
عمران بن حصين، ولحديث (84) أبي ذر عن النبي مّ في تيمم الجنب؛
أجمع العلماء على القول بذلك - إلا ما ذكرنا عن عمر، وابن مسعود؛ وهذا
يدلك على أن أخبار الآحاد العدول من علم الخاصة قد يخفى على الجليل
من العلماء منها - الشيء، وحسبك بما في الموطأ مما غاب عن عمر منها، وهذا
من ذلك الباب؛ ولما لم يصل اليهما علم ذلك عن النبي ◌َّر في تيمم الجنب
أو لم يثبت ذلك عندهما، تأولا في الآية المحكمة في الوضوء - أن الجنب منفرد
بحكم التطهر بالماء والاغتسال به، وأنه لم يرد بالتيمم، وذلك جائز سائغ من
التأويل في الآية - لولا ما بينه رسول الله صل﴿ في تيمم الجنب؛ والحديث في
ذلك: ما حدثناه خلف بن القاسم، وعبد الله بن محمد بن أسد، قالا حدثنا
سعید بن عثمان بن السكن، قال حدثنا محمد بن یوسف، قال حدثنا
البخاري، قال حدثنا آدم، قال حدثنا شعبة، قال حدثنا الحكم، عن ذر،
عن سعيد بن عبد الرحمان بن أبزى، عن أبيه، قال: جاء رجل إلى عمر بن
79 - الآية: 43 سورة النساء.
80 - وذهبا: ا، وذهبوا: ق ك.
81 - بقوله: ا، بالآية في قوله: ق ك.
82 - الآية: 43 - سورة النساء - ومرت الاشارة اليها آنفا.
83 - وسیأتي بعد.
84 - 84) - ولحدیث: ا، وحديث: ق ك.
- 271-

الخطاب فقال: اني أجنبت فلم أصب الماء، فقال عمار لعمر: أما تذكر أنا
كنا (85) في سفر أنا وأنت، فأما أنت ـ فلم تصل؛ وأما أنا، فتمعكت ثم
صليت؛ فذكرت ذلك للنبي بَل﴿ فقال: انما كان يكفيك هكذا (86)،
فضرب النبي ټ بكفیه الأرض ونفخ فيهما ومسح بهما وجهه وكفيه (87). قال
البخاري: وحدثني عمر بن حفص بن غياث، قال حدثنا أبي، قال حدثنا
الأعمش قال: سمعت شقيق بن سلمة، قال: كنت عند عبد الله وأبي
موسى، فقال: أرأيت يا أبا عبد الرحمان، إذا أجنبت فلم تجد ماء، كيف
تصنع (88)؟ فقال عبد الله: حتى (89) نجد الماء؛ فقال أبو موسى: كيف
تصنع بقول عمار حين قال له النبي ◌َطاهر: كان يكفيك .- يعني الصعيد،
قال: ألم تر عمر لم يقنع بذلك؟ قال أبو موسى: فدعنا من قول عمار (90):
كيف تصنع بهذه الآية؟ فما درى عبد الله ما يقول؟ فقال: لو أنا رخصنا لهم
في هذا، لأوشك إذا برد على أحدهم الماء أن يدعه ويتمم؟ فقلت الشقيق:
فإنما كرهه عبد الله لهذا؟ قال: نعم (91).
قال أبو عمر: هذا معروف مشهور عند أهل العلم عن ابن مسعود
وعمر، لا يجهله إلا من لا عناية له بالآثار وبأقاويل السلف؛ وقد غلط في
هذا بعض أهل العلم، فزعم أن (92) ابن مسعود كان لا يرى الغسل
للجنب إذا تيمم ثم وجد الماء، وهذا جهل بهذا المعنى بين لا خفاء به - والله
المستعان .
85 - وذکرت ذلك: ق ك، وذکرته: ا۔ والرواية بما في ق ك.
86 - هكذا: ق ك، هذا: ١ - والرواية بما في ق ك.
87 - انظر صحيح البخاري بشرح ((فتح الباري) 1 / 459 _ 460.
88 - الذي في الصحيح: (إذا أجنب فلم يجد ماء فكيف يصنع) - هكذا: أجنب يجد - يصنع - بصيغة الغائب.
89 - الذي في الصحيح (لا يصلي حتى يجد الماء).
90 - عبارة (فقال عبد الله .. فدعنا من قول عمار) ساقطة في ك.
91 - انظر صحيح البخاري بشرح ((فتح الباري) 472/1 _ 473.
92 - كلمة (ان) ساقطة في اق، ثابتة في ك - والمعنى يقتضيها.
- 272-

أُخبرنا عبد الله بن محمد، حدثنا محمد بن بکر، حدثنا أبو داود، حدثنا
محمد بن كثير العبدي، أخبرنا سفيان عن سلمة بن كهيل، عن أبي مالك،
عن عبد الرحمان بن أبزى، قال: كنت عند عمر فجاءه رجل فقال: إنا
نکون بالمکان الشهر والشهرین، قال عمر: أما أنا فلم أکن أصلي حتى أجد
الماء، قال عمار: يا أمير المومنين، أما تذكر إذ كنت أنا وأنت في الابل فأصابتنا
جنابة، فأما أنا فتمعكت، فأتينا النبي # فذكرنا ذلك، فقال: إنما كان
يكفيك أن تقول - وضرب بيديه هكذا، ثم نفخهما، ثم مسح بهما وجهه
ويديه إلى نصف الذراع. قال عمر: يا عمار، اتق الله، فقال: يا أمير
المومنین، إن شئت والله لم أذكره أبدا، قال: كلا، والله، ولکن نولیك من
ذلك ما توليت (93).
قال أبو عمر: روى ابن مهدي هذا الحديث عن الثوري، عن سلمة بن
ابي مالك، وعبد الله بن عبد الرحمان بن أبزى، عن عبد الرحمان بن أبزى -
مثله. وروی حدیث عمار عنه من طرق كثيرة، فان قال قائل: إن في بعض
الأحاديث عن عمار في هذا الخبر أن عمر لم يقنع بقول عمار، فالجواب ان
عمر کان یذهب إلى أن الجنب لا يجزیه إلا الغسل بالماء، فلما أخبره عمار عن
النبي ◌َّيه بأن التيمم يكفيه، سكت عنه ولن ينهه؛ فلما لم ينهه، علمنا أنه
قد وقع بقلبه تصدیق عمار؛ لان عمارا قال له: إن شئت لم أذكره، ولو وقع
في قلبه تكذيب عمار، لنهاه لما كان الله قد جعل في قلبه من تعظيم حرمات
الله؛ ولا شيء أعظم من الصلاة؛ وغير متوهم على عمر أن يسكت على
صلاة تصلى عنده بغير طهارة - وهو الخليفة المسؤول عن العامة، وكان أتقى
الناس لربه، وأنصحهم لهم في دينهم في ذلك الوقت - رحمة الله عليه - وقد
روي عن النبي ټ تیمم الجنب من حدیث عمران بن حصین، وأبي ذر،
وعلى ذلك جماعة العلماء - والحمد لله .
93 - انظر سنن أبي داود 71 77 - 78.
- 279 -
التمهيدج١٩
٤٠.

:
أخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد، قال حدثنا سعيد بن عثمان بن
السکن، قال حدثنا محمد بن یوسف، قال حدثنا البخاري، قال حدثنا
عبدان، قال أخبرنا عبد اله بن المبارك، قال أخبرنا عوف، عن أبي رجاء،
قال حدثنا عمران بن حصين الخزاعي، أن رسول الله ټ رأى رجلا معتزلا
لم يصل في القوم، فقال: يا فلان، ما منعك أن تصلي مع القوم؟ فقال: يا
رسول الله، أصابتني جناية، ولا ماء، فقال: عليك بالصعيد، فإنه
یکفیك (٩٩).
قال أبو عمر: قلما بين رسول الله ﴾ مراد ربه من معنى آية الوضوء بأن
الجنب داخل فيمن قصد بالتيمم عند عدم الماء بقوله: ((فلم تجدوا ماء
فتيمموا) - تعلق العلماء بهذا المعنى ولم (95) يعرجوا على قول عمر، وابن
مسعود؛ وليس أحد من خلق الله إلا يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله
فيما يصح عنه.
روى أبو معاوية وغيره، عن الأعمش عن أبي وائل، عن ابن مسعود
قال: لا يتمم الجنب - وإن لم يجد الماء شهراً.
وروى أيوب، عن أبي قلابة، عن رجل من بني عامر سمع أبا ذر قال:
كنت أعرب عن الماء، ومعي أهلي، فصسيتي الجتابة، فسألت رسول المريخ
فقال: إن الصعيد الطيب طهور-وإن لم تجد الماء - عشر سنين، فإذا وجدت
الماء فلمه جلدك أو بشرتك . - هكذا رواء حماد بن زيد، وعبد الوارث،
عن أيوب، عن أبي قلابة، عن رجل من بني عامر، عن أبي ذر.
ورواء خالد الحذاء عن أبي قلاية، عن عمر بن بحران، عن أبي ذر،
بمعنى واحد.
#.انظرصمح البنظري يشرح مافتح الباري» 425/1 ..

واختلف الفقهاء في الذي يدخل عليه وقت الصلاة ويخشی خروجه - وهو
لا يجد الماء، ولا یستطیع الوصول إليه، ولا إلی صعید یتیمم به؛ فقال ابن
القاسم في المحبوس إذا لم يجد ماء ولم يقدر على الصعيد، صلى كما هو وأعاد
إذا قدر على الماء، أو على الصعيد.
وقال أشهب في المنهدم عليهم والمحبوسين (96) والمربوط، ومن صلب في
خشبة ولم يمت -: لا صلاة عليهم حتى يقدروا على الماء، أو على الصعيد،
وإذا قدروا صلوا.
وقال ابن خواز بنداد: الصحيح من مذهب مالك ان كل من لم يقدر على
الماء، ولا على الصعيد حتى خرج الوقت، أنه لا يصلي - ولا عليه شيء؛
قال: رواه المدنيون عن مالك، قال: وهو الصحيح من المذهب.
قال أبو عمر: ما أعرف كيف أقدم على أن جعل هذا هو الصحيح من
المذهب مع خلافه جمهور السلف وعامة الفقهاء وجماعة المالكيين، وأظنه
ذهب إلى ظاهر حديث مالك هذا في قوله، وليسوا على ماء فنام رسول الله
وَل حتى أصبح - وهم على غير ماء؛ فأنزل الله آية التيمم ولم يذكر أنهم
صلوا؛ وهذا لا حجة فيه، لانه لم يذكر أنهم لم يصلوا وقد ذكر هشام بن
عروة، عن أبيه، عن عائشة - في هذا الحديث - أنهم صلوا بغير وضوء، ولم.
يذكر إعادة؛ وقد ذهب إلى هذا طائفة من الفقهاء، قال أبو ثور: وهو
القياس؛ وقال ابن القاسم: يصلون - إن قدروا - وكان عقلهم معهم، ثم
يعيدون إذا قدروا على الطهارة بالماء أو بالتيمم (97).
وقد روى ابن دينار عن معن بن مالك، فيمن كتفه الوالي وحبسه فمنعه
من الصلاة حتى خرج وقتها، أنه لا إعادة عليه؛ وإلى هذه الرواية - والله
96 - والمحبوسين: اوالمحبوس: ق ك.
97 - أو بالتیمم: ق ك، وبالتيمم: ا.
- 275-

أعلم - ذهب ابن خواز بنداد، وكأنه قاسه على المغمى عليه، وليس هذا وجه
القياس؛ لأن المغمى عليه مغلوب على عقله، وهذا معه عقله.
وقال ابن القاسم وسائر العلماء: الصلاة عليه واجبة إذا كان عقله معه،
فإن زال المانع له، توضأ أو تيمم وصلى.
وذكر عبد الملك بن حبيب قال: سألت مطرفا، وابن الماجشون وأصبغ
ابن الفرح - عن الخائف تحضره الصلاة - وهو على دابته على غير وضوء، ولا
يجد إلى النزول للوضوء والتيمم سبيلا، فقال بعضهم: يصلي كما هو على
دابته إيماء، فإذا أمن، توضأ إن وجد الماء أو تيمم، إن لم يجد الماء - وأعاد
الصلاة في الوقت وغير الوقت. وقال لي أصبغ بن الفرج: لا يصلي وإن خرج
الوقت حتى يجد السبيل - إلى الطهور (98) بالوضوء أو التيمم. قال: ولا يجوز
لأحد الصلاة بغير طهر (99). قال عبد الملك بن حبيب: وهذا أحب إلي؛
قال: وكذلك الأسير المغلول - لا يجد السبيل إلى الوضوء بالماء ولا التيمم،
والمريض المثبت الذي لا يجد من يناوله الماء، ولا يستطيع التيمم ـ هما مثل
الذي وصفنا من الخائف؛ وكذلك قال أصبغ بن الفرج في هؤلاء الثلاثة،
قال: وهو أحسن ذلك - عندي - وأقواه؛ وعن الشافعي روايتان، إحداهما:
لا يصلي حتی يجد طهارة، والأخرى يصلي کما هو ویعید - وهو المشهور عنه.
قال المزني -: إذا كان محبوسا لا يقدر على تراب نظيف، صلى وأعاد إذا
قدر.
وقال أبو حنيفة في المحبوس في المصر: إذا لم يجد ماء ولا ترابا نظيفا لم
يصل، وإذا وجد ذلك صلى.
98 - الطهور: ا الطهر: ق ك.
و9 - طھر: ا، طهور: ق ك.
-276-

وقال أبو يوسف، ومحمد، والثوري، والشافعي، والطبري: يصلي
ويعيد. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد والشافعي: إن وجد المحبوس في
المصر ترابا نظيفا، صلى في قولهم وأعاد.
وقال زفر: لا يتيمم ولا يصلي - وإن وجد ترابا نظيفا على أصله في أنه لا
يتيمم في الحضر.
وقال ابن القاسم: لو تيمم على التراب النظيف أو على وجه الأرض، لم
تكن عليه إعادة إذا وجد الماء.
قال أبو عمر: ههنا مسألة أخرى في تیمم الذي يخشى فوت الوقت وهو
في الحضر، ولا يقدر على الماء، وهو قادر على الصعيد - سنذكرها ونذكر
اختلاف العلماء فيما بعد هذا - ان شاء الله .
وقد ذکر أبو ثور ان من أهل العلم من قال أنه يصلي كما هو ولا يعيد،
ومذهب أبي ثور في ذلك كمذهب الشافعي ومن تابعه؛ وزعم أبو ثور أن
القياس أن لا إعادة عليه، لانه كمن لم يجد ثوبا صلى عريانا، ولا إعادة
عليه؛ قال: وإنما الطهارة بالماء أو بالصعيد كالثوب، فمن لم يقدر عليها
سقطت عنه، والصلاة له لازمة على حسب قدرته، وقد أداها في وقتها على
قدر طاقته .
وقد اختلفوا في وجوب إعادتها، ولا حجة لمن أوجب الإعادة عليه؛ وأما
الذين قالوا: من لم يقدر على الماء ولا على الصعيد - صلى كما هو، وأعاد إذا
قدر على الطهارة؛ فانهم احتاطوا للصلاة فذهبوا الى حديث عائشة المذكور
في هذا الباب من رواية هشام بن عروة، وفيه ان اصحاب النبي ◌َّلقر الذين
بعثهم في طلب القلادة حضرتهم الصلاة، فصلوا بغير وضوء، إذ لم يجدوا
الماء؛ فلم يعنفهم رسول اللّه ◌َچ ولا نهاهم - وكانت طهارتهم الماء، فلما
عدموه صلوا كما كانوا في الوقت، ثم نزلت آية التيمم؛ فكذلك إذا لم يقدر
- 277 -

على الماء ولا على التيمم عند عدم الماء، صلى في الوقت كما هو، فإذا وجد
الماء، أو قدر على التيمم عند عدم الماء، أعاد تلك الصلاة احتياطا، لانها
صلاة بغير طهور؛ وقالوا: لا يقبل الله صلاة بغير طهور لمن قدر على
الطهور؛ فأما من لم يقدر على الطهور، فلیس کذلك؛ لأن الوقت فرض -
وهو قادر عليه، فيصلي كما قدر في الوقت - ثم يعيد، فيكون قد أخذ
بالاحتياط في الوقت والطهارة جميعا؛ وذهب الذين قالوا: إنه لا يصلي حتى
يجد الماء أو التيمم إلى ظاهر قول النبي ◌ّله لا يقبل الله صلاة بغير طهور.
قالوا: ولما أوجبوا عليه الإعادة إذا قدر على الماء أو التيمم، لم يكن لامرهم
اياه بالصلاة معنى؛ وفي حديث مالك هذا - عن عبد الرحمان بن القاسم،
عن أبيه، عن عائشة، قولها فيه فنام رسول الله ◌َّ حتى أصبح على غير
ماء، دليل على أن من عدم الطهارة، لم يصل حتى تمكنه - وبالله التوفيق.
أخبرنا محمد بن إبراهيم، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا أحمد
ابن شعيب، قال أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال حدثنا أبو عوانة، عن قتادة،
عن أبي الملح، عن أبيه، قال: قال رسول الله وَله: لا يقبل الله صلاة بغير
طهور ولا صدقة من غلول (100).
وأخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبو داود،
قال حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي الملح،
عن أبيه، عن النبي ◌َّه قال: لا تقبل صدقة من غلول، ولا صلاة بغير
طهور.
حدثنا عبد الوارث بن سفیان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا
بكر بن حماد، قال حدثنا مسدد، قال حدثنا يحيى عن شعبة، عن سماك بن
100 - حديث متفق عليه.
-278 -

حرب، عن مصعب بن سعد، أن ابن عمر قال لابن عامر: سمعت رسول
الله ◌َل يقول: لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول.
وروی سعید بن سنان، عن أبيه عن النبي ◌َ# مثله.
حدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبو داود،
قال حدثنا احمد بن حنبل، قال حدثنا عبد الرزاق، قال أخبرنا معمر، عن
همام بن منبه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَّل و لا يقبل الله صلاة
أحدكم اذا أحدث حتى يتوضأ (101).
وفي قوله في حديث مالك: وليسوا على ماء وليس معهم ماء - دليل على
ان الوضوء قد كان لازما لهم قبل نزول آية الوضوء، وانهم لم يكونوا يصلون
الا بوضوء قبل نزول الآية؛ لان قوله: فأنزل الله آية التيمم - (102) وهي
آية الوضوء المذكورة في سورة المائدة، أو الآية التي في سورة النساء، ليس
التيمم مذكورا في غير هاتين الآيتين - وهما مدنيتان، والآية ليست بالكلمة
ولا الكلمتين، وانما هي الكلام المجتمع الدال على الاعجاز الجامع لمعنى
مستفاد قائم بنفسه .
ومعلوم أن غسل الجنابة لم يفترض قبل الوضوء، كما أنه معلوم عند جميع
أهل السير أن النبي ◌َّله منذ افترضت عليه الصلاة بمكة لم يصل الا بوضوء
- مثل وضوئنا اليوم؛ وهذا ما لا يجهله عالم، ولا يدفعه الا معاند؛ وفیما ذكرنا
دليل على أن آية الوضوء، إنما نزلت ليكون فرضها المتقدم متلوا في التنزيل،
ولها نظائر كثيرة ليس هذا موضع ذكرها؛ وفي قوله في حديث مالك، فنزلت
آية التيمم ولم يقل آية الوضوء ما يتبين به أن الذي طرأ اليهم من العلم في
ذلك الوقت حكم التيمم لا حكم الوضوء - والله أعلم.
101 - رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي.
انظر الجامع الصغير بشرح فيض القدير 452/6.
102 - آية التيمم - وهي ا، آية التيمم - يعني .. وهي: ق ك.
~ 279-

ومن فضل الله ونعمته ان نص على حكم الوضوء وهيئته بالماء، ثم أخبر
بحكم التيمم عند عدم الماء، وقد تقدم القول في فرض الصلاة والوضوء في
باب ابن شهاب عن عروة والحمد لله.
وفي قوله أيضا: ليسوا على ماء وليس معهم ماء، وإقامة رسول الله وَطقد
مع تلك الحال على التماس العقد - دليل على أنه ليس للمرء أن ينصرف عن
سفر لا يجد فيه ماء، ولا يترك سلوك طريق لذلك، وحسبه وسلوك ما أباح
الله له.
وأما التيمم، فمعناه في اللغة: القصد؛ ومعناه في الشريعة: القصد إلى
الصعيد - خاصة للطهارة عند عدم الماء، فيضرب عليه (103) من كفيه ثم
يمسح بهما وجهه ويديه. قال أبو بكر بن الانباري: قولهم قد تيمم الرجل،
معناه: قد مسح التراب على يديه ووجهه؛ قال: وأصل تيمم: قصد،
فمعنى تيمم قصد التراب فتمسح به؛ قال الله - عز وجل: ((ولا تيمموا
الخبیث منه تنفقون (104)، ـ معناه: لا تعمدوا الخبيث فتنفقوا منه.
قال الممزق أو المثقب(105)
أريد الخير أيهما يليني
وما أدري اذا یممت (106) وجها
أم الشر الذي هو يبتغيني
أالخير الذي أنا أبتغيه
یرید: قصدت واعتمدت وجها .
وقال آخر (107):
تيمم أهلها بلدا فساروا
(وفي) (108) الاظعان آنسة لعوب
103 - عليه: ق ك، عليها: ١ - وما في ق ك - أنسب.
104 - الآية: 67 - سورة البقرة.
105 - الممزق أو المثقب: ق ك الشاعر: ا.
106 - يممت: ١، أمت: ق الممت: ك - وهو تحريف.
107 - وقال آخر: ا، وقال الشاعر: ق ك.
108 - كلمة (وفي) ساقطة في ا.
-280-