النص المفهرس
صفحات 81-100
قالوا: فالأيم كل من لا زوج لها من النساء، قالوا: وكذلك كل رجل لا
امرأة له أيم أيضا؛ الرجل أيم إذا كان لا زوجة له، والمرأة أيم إذا كانت لا
زوج لها.
واحتجوا أيضا بما حدثناه (25) عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم
ابن أُصبغ، قال حدثنا أحمد بن زهير، قال حدثنا موسی بن اسماعيل، قال
حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، قال، آمت
حفصة ابنة عمر من زوجها، وآم عثمان من رقية بنت رسول الله بَاغِ، فمر
عمر بعثمان فقال: هل لك في حفصة؟، فلم يحر إليه شيئا، فأتى عمر النبي
وَل* فقال ألم تر الى عثمان، عرضت عليه حفصة فأعرض عني - ولم يحر إلي
شيئا؟ فقال النبي وَله: فخير من ذلك أتزوج أنا حفصة، وأزوج عثمان أم
كلثوم فتزوج النبي ◌ّلهم حفصة، وزوج عثمان أم كلثوم؛ ألا ترى أن في هذا
الحديث آمت حفصة وآم عثمان، قالوا: ففي ذلك دليل على أن من لا زوج
له فهو أيم، ثيبا كان أو بكرا، رجلا كان أو امرأة.
قال أبو عمر:
ذهب إلى هذا القول طائفة ممن قال: لا نكاح إلا بولي، وکل من قال:
النكاح جائز بغير ولي؛ وسنبين اختلاف العلماء في النكاح بغير ولي بعد هذا
إن شاء الله .
ومعنى قوله ﴿: الايم أحق بنفسها من وليها عند هذه الطائفة القائلة:
لا نكاح إلا بولي، أنه من عدا الاب من الاولياء، وان الاب لم يرد بذلك؛
وممن قال بهذا: مالك وأصحابه، وجماعة.
قال إسماعيل بن إسحاق: إنكاح غير الأب لا يجوز إلا بأمر المرأة، قال:
وأما الأب، فيجوز إنكاح ابنته البکر بغير أمرها؛ لأنه غير متهم في ولده، كما
(25) حدثنا: ا، حدثناه: ق ك - ولعلها انسب.
- 81-
التمهيدج١٩
لا يتهم في نفسه وماله، لأن ولده هبة له کسائر ماله. قال الله عز وجل:
((هب لي من لدنك ذرية طيبة)) (26)، قال: ((ووهبنا له إسحاق)). (27) .
وليس غير الأب من الأولياء كذلك، فلا يجوز لغير الأب أن يزوج وليته إلا
بأمرها، (قال : الأيم أحق بنفسها من وليها) (28).
قال إسماعيل: والأيم: التي لا زوج لها - بالغا كانت أو غير بالغ، بكزا
كانت أو ثيبا؛ قال: ولم يدخل الأب في جملة الأولياء، لأن أمره في ولده أجل
من أن يدخل مع الأولياء الذين لا يشبهونه، وليست لهم أحكامه؛ ولو دخل
في جملة الأولياء، لما جاز له (29) أن ينكح ابنته الصغيرة، ثم لا يكون لها خيار
عند بلوغ ولا غيره. قال: وقد توهم قوم أن الأيم في هذا الحديث: الثيب -
وهو غلط شدید، وإنما توهموا ذلك حین خصت البکر بان (30) إذنها صماتها،
فظنوا أن الأیم هي الثیب؛ ولو کان الأمر کما توهموا، لکانت الثیب أحق
بنفسها من وليها؛ وكانت البكر ليست بأحق بنفسها، وكان الاستثمار لها إنما
هو على الترغيب في ذلك لا على الايجاب - إذا كانت ليست بأحق بنفسها
من وليها؛ وهذا الحديث إنما جاء في الأيامى جملة ، وكأنه - والله أعلم -
إعلام للناس إذا أمروا بإنكاح الأيامى في القرآن مع ما أمروا به من إنكاح
العبيد والاماء - أنهن لسن بمنزلة العبيد والاماء، وأنهن إنما ينكحهن الأولياء
بأمرهن، وأنهن أحق بأنفسهن؛ ولولا ذلك، لکان للأولیاء أُن ینکحوهن
بغير أمرهن، كما ينكح السيد أمته وعبده بغير أمرهما، إذ كان ظاهر القرآن
في اللفظ قد أجرين فيه مجرى واحدا. قال الله - تبارك وتعالى -: ((وأنكحوا
(26) الآية: 38 - سورة آل عمران.
(27) الآية: 84 - سورة الانعام.
(28) جملة (قال ص: الايم ... وليها): ساقطة في ا، ثابتة في ق ك
(29) (له) ساقطة في ق ك.
(30) بان: ا، ان: ق ك.
- 82 -
الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم» (31). فأمروا بإنكاح من لا
زوج له وهن الأيامى، ولم يؤمروا بإنكاح الثيب دون البكر.
وذكر حديث سعيد بن المسيب قال: آمت حفصة من زوجها، وآم عثمان
من رقیة - الحدیث. وذكر حديث ابن أخي الزهري عن عمه، عن سالم،
عن أبيه، عن عمر، قال: آمت حفصة من خنيس بن حذافة السهمي -
الحديث. ثم قال حدثنا الحوضي، وسليمان بن حرب، قالا حدثنا شعبة،
عن أبي إسحاق، عن هانىء بن هانىء، قال: رأيت امرأة جاءت إلى علي
رضوان الله عليه - ذات شارة، فقالت: هل لك في امرأة لا أیم ولا ذات بعل
- وذکر الحدیث. قال: وإنما يقال: آمت منه زوجته، أي صارت غير ذات
زوج، ولیس أنها صارت ثيبا بموته أو بفراقه، وإنما تصير أيما بموته أو بفراقه
إذا (32) صارت غير ذات زوج؛ قال: ويقال للرجل أيضا أيم إذا لم تكن (33)
له زوجة، وأنشد قول الشاعر:
فإن تنکحي أنکح وإن تتايمي
وإن كنت أنتی منکم ۔ أتایم
وأنشد أيضا بيتي الأسدي يوم القادسية - وقد تقدم ذكرنا لهما، ثم قال:
ويقال في بعض الحديث - وأحسبه مرفوعا - أعوذ بالله من بوار الأيم. قال:
وهذا في اللغة أشهر من أن يحتاج فيه إلى إكثار؛ ثم قال: وإنما كان في
الحدیث معنیان، أحدهما: أن الأیامی کلهن أحق بأنفسهن من أوليائهن -
وهم من عدا الأب من الأولياء، والمعنى الآخر تعليم الناس كيف تستأذن
البکر، وأن إذنها صماتها، لأنها تستحيي أن تجيب بلسانها؛ قال إسماعيل:
فهذا معنى الحديث عند مالك: أن الأيم أحق بنفسها من وليها، إنما (34)
(31) الآية: 32: سورة النور.
(32) إذا: ا، إذ: ق ك.
(33) تکن: ا، یکن: ق ك.
(34) انا: ا، وانما: ق ك.
- 83-
هو لسائر الأولياء دون الأب، وأن الأب أقوى أمرا من أن يدخل في هذه
الجملة؛ ولو كان داخلا فيها، لما جاز له أن يزوج ابنته الصغيرة، لأنها داخلة
في جملة الأيامى؛ ولو كانت أحق بنفسها، لم يجز له أن يزوجها حتى تبلغ
وتستأمر - إذا كان التزويج أمرا يلزمها في نفسها لا حيلة لها فيه؛ كما أن غير
الأب من الأولياء لا يجوز له أن يزوج صغيرة، والأب له أن يزوج الصغيرة
بإجماع من المسلمين ثم يلزمها ذلك، ولا يكون (35) لها في نفسها خيار - إذا
بلغت، هذا كله كلام إسماعيل بن إسحاق.
قال أبو عمر: فحصل أن الولي المذكور في هذا الحديث، هو الأب عند
الشافعي، وعند مالك في غير الأب من سائر الأولياء؛ وهو عند الكوفيين:
الأب وغير الأب من سائر الأولياء كلهم في النكاح؛ وسيأتي مذهبهم في ذلك
- ملخصاً في هذا الباب بعد - إن شاء الله .
قال أبو عمر:
في قول رسول الله ويله: الأيم أحق بنفسها من وليها، دليل على أن للولي
حقا في إنكاح وليته - على ما مضى في هذا الباب من القول على الفرق بين
الثيب والبكر، وعلى الجمع بينهما في المعنى المراد بالولي المذكور في الحديث
على حسبما وصفنا؛ وقد اختلف العلماء في هذا المعنى: فقال منهم
قائلون: لا نكاح إلا بولي، ولا يجوز للمرأة أن تباشر عقد نكاحها بنفسها
دون وليها، ولا أن تعقد نكاح غيرها. وممن قال هذا: مالك، والشافعي،
وسفيان، والثوري، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وابن المبارك، وعبيد الله
ابن الحسن، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد، والطبري. وروي
ذلك عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي هريرة، وهو قول
سعيد بن المسيب، والحسن، وعمر بن عبد العزيز، وجابر بن زيد أبي
الشعثاء؛ وخالف هؤلاء أهل الرأي من الكوفيين، وطائفة من التابعين،
(35) ولا یکون: ا، ولکن: ق ك.
-84 -
وسنذكر قولهم ههنا إن شاء الله؛ بعونه وفضله، وكلهم يقول: لا ينبغي أن
ينعقد نكاح بغير ولي .
قال أبو عمر:
حجة من قال: لا نكاح إلا بولي أن رسول الله پ ير قد ثبت عنه أنه قال:
لا نكاح إلا بولي. وقال الله عز وجل: «وإذا طلقتم النساء فبلغهن أجلهن
فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن)). وهذه الآية نزلت في معقل بن يسار
إذ عضل أخته عن مراجعة زوجها، ولولا أن له حقا في الانكاح ما نهي عن
العضل.
وأما افتتاح هذه الآية بذكر الأزواج ثم الميل إلى الأولياء، فذلك معروف
في لسان العرب - كما قال: ((واستشهدوا شهيدين من رجالكم)). (36)
فخاطب المتبايعين ثم قال: ممن ترضون من الشهداء(37)، فخاطب الحكام
- وهذا کثیر؛ والرواية الثابتة في معقل بن يسار تبین ما قلنا، وسنذكرها - إن
شاء الله.
وروينا عن أبي هريرة أنه قال: البغايا اللائي ينكحن أنفسهن بغير ولي.
وعن عائشة أنها كانت إذا أنكحت رجلا من قرابتها امرأة منهم ولم يبق إلا
العقد، قالت: اعقدوا، فإن النساء لا يعقدن وأمرت رجلا فأنكح :
حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد المومن، قال حدثنا محمد بن بكر، عن
عبد الرزاق، قال حدثنا سليمان بن الأشعث، قال حدثنا محمد بن کثیر، قال
أخبرنا سفيان، قال حدثنا ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن
الزهرى، عن عروة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله رَله: أيما امرأة
نکحت بغير إذن ولیھا، فنکاحها باطل ۔ ثلاث مرات، فإن دخل بها، فالمھر
لها بما أصاب منها؛ فإن تشاجروا، فالسلطان ولي من لا ولي له (38).
. (36) الآية: 282 - سورة البقرة.
(37) نفس الآية السابقة.
(38) انظر سنن أبي داود 481/1.
- 85-
وحدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم بن
أُصبغ، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل، قال حدثنا الحميدي، قال حدثنا
سفيان وعبد الله بن رجاء المزني، قالا حدثنا ابن جريج، عن سليمان بن
موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة (39) - فذكره (40) سواء.
قال أبو عمر:
روی هذا الحديث إسماعيل بن علية، عن ابن جريج، عن سليمان بن
موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة - كما رواه غيره. وزاد عن ابن
جريج قال: فسألت عنه الزهري فلم يعرفه ولم يقل هذا أحد عن ابن جريج
غير ابن علية، وقد رواه عنه جماعة لم يذكروا ذلك؛ ولو ثبت هذا عن
الزهري، لم يكن في ذلك حجة، لأنه قد نقله عنه ثقات، منهم: سليمان بن
موسى - وهو فقيه ثقة إمام، وجعفر بن ربيعة، والحجاج بن أرطاة؛ فلونسيه
الزهري، لم يضره ذلك شيء، لأن النسیان لا یعصم منه إنسان؛ قال رسول
الله ◌َلجر: نسي آدم فنسيت ذريته (41). وإذا كان (42) رسول الله (ێ ینسی،
فمن سواه أحرى أن ينسى؛ ومن حفظ، فهو حجة على من نسي؛ فإذا روی
الخبر ثقة عن ثقة، فلا يضره نسيان من نسيه؛ هذا لو صح ما حكى ابن
علية، عن ابن جريج؛ فكيف وقد أنكر أهل العلم ذلك من حكايته ولم
يعرجوا عليه (9)؟. وقد ذكرنا هذا المعنى بأوضح من ذكرنا له ههنا في باب
جعفر بن محمد من كتابنا هذا في حديث اليمين مع الشاهد: حدثنا عبد
الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن الهيثم
(39) في ق ك زیادة (عن النبي - ص).
(40) انظر مسند الحميدي 13/1 - حدیث 228.
(41) أخرجه الترمذي في التفسير، انظر عارضة الاحوذي على صحيح الترمذي 198/11 - 199.
(42) وإذا كان: ا، وكان: ق ك.
(43) عليه: ا، عليها: ق ك
- 86-
أبو الأحوص، قال حدثنا عبد الغفار بن داود، قال حدثنا ابن لهيعة وسمعه
منه عن جعفر بن ربيعة بن شرحيبل بن حسنة، عن ابن شهاب، عن
عروة، عن عائشة، أن النبي ◌َّم قال: أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها،
فنكاحها باطل - ثلاث مرات؛ فإن وطئها، فلها المهر بما استحل من فرجها،
فإن اشتجروا، فالسلطان ولي من لا ولي له.
حدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمدبن بکر، قال حدثنا أبو داود،
قال حدثنا القعنبي، قال حدثنا ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن ابن
شهاب، عن عروة، عن عائشة، عن النبي ◌َّصلفر - فذكره.
وحدثنا عبد الوراث، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن
شاذان، قال حدثنا المعلى بن منصور، قال حدثنا ابن هیعة، قال حدثنا
جعفر بن ربيعة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، عن النبي ◌َّر
فذكره سواء إلا في قوله: فإن وطئها فلها المهر - فإنه لم يذكره.
وحدثنا أحمد بن قاسم وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا قاسم بن
أصبغ، قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة، قال حدثنا إسحاق بن عيسى،
قال حدثنا هشيم، عن الحجاج، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة،
قالت: قال رسول الله له: لا نكاح إلا بولي، والسلطان ولي من لا ولي له.
حدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو داود،
قال حدثنا محمد بن قدامة بن أعين، قال حدثنا أبو عبيدة الحداد، عن يونس
وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي ◌َّ
قال: لا نكاح إلا بولي - قال أبو داود يونس لقي أبا بردة (44):
(44) انظر سنن أبي داود 1 /481.
~ 87-
حدثنا أحمد بن قاسم، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا الحرث، قال حدثنا
إسحاق بن عیسی ؛ وحدثنا عبد الوارث، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا
محمد بن شاذان، قال حدثنا المعلى بن منصور، قالا جميعا: أخبرنا أبو عوانة،
عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبيه أبي موسى، قال: قال رسول الله
حل *: لا نكاح إلا بولي.
وحدثنا عبد الوارث، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا محمد بن شاذان، قال
حدثنا المعلی بن منصور، قال حدثنا ابن أبي زائدة، قال حدثني إسرائيل،
عن أبي إسحاق، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه، قال: قال رسول
اللّه لَله: لا نكاح إلا بولي.
وحدثنا سعید بن نصر، قال حدثنا ابن أبي دليم؛ وحدثنا عبد الوارث بن
سفیان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قالا حدثنا ابن وضاح، قال حدثنا
موسی بن معاوية، قال حدثنا وکیع، عن إسرائيل وسفيان، عن أبي
إسحاق، عن أبي بردة بن موسى، عن أبيه، عن النبي ◌َّ قال: لا نكاح
إلا بولي. ۔ وليس في حدیث سفیان عن أبيه.
قال أبو عمر:
روی هذا الحدیث شعبة والثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن
النبي ** مرسلا؛ فمن يقبل المراسيل يلزمه قبوله، وقد مضى في صدر هذا
الديوان ذكر من يقبلها ويحتج بها من العلماء، ومن يأبى من قبولها (45). وأما
من لا يقبل المراسيل، فيلزمه أيضا قبول حديث أبي بردة هذا، لأن الذين
وصلوه من أهل الحفظ والثقة، وإسرائيل ومن تابعه حفاظ، والحافظ تقبل
زيادته؛ وهذه زيادة تعضدها أصول صحاح، وقد وري من حدیث یزید بن
(45) انظر التمهيدج 1 - مقدمة - ص 28، 30، 37، 38.
- 88 -
زريع، عن شعبة؛ ومن حديث بشر بن منصور، عن الثوري هذا الحديث
-مسندا، ولكن الصحيح عنهما إرساله.
وقد روي عن النبي چ: لا نكاح إلا بولي وشاهدین عدلین، من
حديث ابن عباس، وحديث أبي هريرة، وحديث ابن عمر، إلا أن في نقلة
ذلك ضعفا، فلذلك لم أذكره.
أخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبو داود،
قال حدثنا محمد بن المثنی، قال حدثنا أبو عامر، قال حدثنا عباد بن راشد،
عن الحسن، قال حدثنا معقل بن يسار، قال: كانت لي أخت تخطب إلي،
فأتاني ابن عم لي فأنكحتها إياه، ثم طلقها طلاقا له رجعة، ثم تركها حتى
انقضت عدتها؛ فلما خطبت، أتاني يخطبها، فقلت: والله لا أنكحتكها
أبدا؛ قال: ففي نزلت: ((وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن
أن ينكحن أزواجهن)). قال: فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه (46).
وذکر البخاري، قال حدثنا عبيد الله بن سعید، قال حدثنا أبو عامر
العقدي، قال حدثنا عباد بن راشد، قال حدثنا الحسن، قال حدثني معقل
ابن يسار، قال: كانت لي أخت تخطب إلي - فذكر الحديث (47). قال
البخاري وأخبرنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا يونس، عن الحسن
- أن أخت معقل بن يسار طلقها زوجها فتركها حتى انقضت عدتها، ثم
خطبها فأبى معقل، فنزلت هذه الآية: (فلا تعضلوهن أُن ینکحن
أزوجهن)» (48). قال البخاري: وقال إبراهيم: عن يونس، عن الحسن،
حدثني معقل بن يسار (49).
(46) انظر سنن أبي داود 1 /481.
(47) انظر صحيح البخاري بشرح فتح الباري 258/9.
(48) المصدر السابق.
(49) المصدر نفسه.
- 89 -
قال أبو عمر:
هذا أصح شيء وأوضحه في أن للولي حقا في الانكاح، ولا نكاح إلا به،
لأنه لولا ذلك ما نهي عن العضل، ولاستغني عنه. وقال مجاهد، وعكرمة،
وابن جريج: نزلت: ((فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن)) - في أخت
معقل بن يسار. قال ابن جريج: أخته حمل بنت يسار، كانت تحت أبي
البداح فطلقها وانقضت عدتها؛ فرغب فيها وخطبها، فعضلها معقل بن
يسار، فنزلت هذه الآية.
قال أبو عمر:
فقد صرح الكتاب والسنة بأن لا نكاح إلا بولي، فلا معنى لما خالفهما؛
ألا ترى أن الولي نهى عن العضل، فقد (50) أمر بخلاف العضل - وهو
التزويج، کما أن الذي نهي عن أن يبخس الناس قد أمر بأن یوفي الكيل
والوزن، وهذا بين كثير - وبالله التوفيق.
وقد كان الزهري والشعبي يقولان: إذا تزوجت المرأة بغير إذن وليها -
كفؤا فهو جائز، وكذلك كان أبو حنيفة يقول: إذا زوجت المرأة نفسها كفؤا
بشاهدین، فذلك نکاح جائز صحیح، وهو قول زفر؛ وإن زوجت نفسها
غیر کفءٍ فالنكاح جائز، وللأولیاء أن يفرقوا بينهما.
وقال أبو يوسف: لا يجوز النكاح إلا بولي، فإن سلم الولي جاز، وإن
أبى أن يسلم - والزوج كفء أجازه القاضي؛ وإنما يتم النكاح في قوله حین
يجيزه القاضي، وهو قول محمد بن الحسن؛ وقد كان محمد بن الحسن يقول:
يأمر القاضي الولي بإجازته، فإن لم يفعل استأنفا عقدا.
(50) فقد: ا، وقد: ق ك.
-90-
قال أبو عمر:
في اتفاقهم على أن الولي فسخ نكاح وليته إذا تزوجت غير كفء بغير
إذنه، دليل على أن له حقا في الانكاح بالكفء وغير الكفء، لأن الكفء
وغير الكفء في ذلك سواء - والله أعلم. ولا خلاف بين أبي حنيفة وأصحابه
أنه إذا أذن لها وليها، فعقدت(51) النكاح لنفسها جاز. وقال الأوزاعي: إذا
ولت أمرها رجلا فزوجها کفؤا فالنکاح جائز، وليس للولي أن یفرق بينهما،
إلا أن تكون عربية تزوجت مولى؛ وحمل القائلون بمذهب الزهري،
والشعبي، وأبي حنيفة، والأوزاعي - قوله وَي: لا نكاح إلا بولي على الكمال
لا على الوجوب، كما قال: لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد، ولا حظ
في الاسلام لمن ترك الصلاة، ونحو هذا. وهذا ليس بشيء، لأن النهي حقه
أن يمتثل الانتهاء عنه، ومعناه الزجر والابعاد؛ والوجوب لا يخرج عن ذلك
إلا بدلیل لا معارض له، ولولا ذلك لم تصح عبادة ولا فریضة، وقد أوضحنا
هذا الباب في غير موضع من هذا الكتاب والحمد لله .
وقال مالك - فيما ذكر ابن القاسم وغيره عنه: إذا كانت المرأة معتقة أو
مسکینة دنیة لا خطب لها، أو المرأة تکون في قرية لا سلطان فیھا، فلا بأس
أن تستخلف رجلا یزوجها ويجوز. قال مالك: وكل امرأة ذات نسب وغنى
وقدر، فإن ذلك لا ينبغي أن يزوجها إلا ولي أو سلطان؛ فإن فوضت أمرها
إلى رجل فزوجها فرضي الولي بعد ذلك، وقف فيه مالك لما سئل عنه؛ وإن
أراد الولي فسخه بحدثان التزويج، فله ذلك؛ وإن طال وولدت الأولاد
وكان صوابا، لم يجز الفسخ. وقال مالك في قوم من الموالى يأخذون الصبية
من الأعراب (فتربى) (52)، إنه يجوز نكاح الذي رباها عليها. قال: وأجاز
(51) فعقدت: ا، وعقدت: ق ك.
(52) كلمة (فتربى) ساقطة في ١ - والمعنى يقتضيها.
-91-
مالك للرجل أن يزوج المرأة وهو من فخذها، وإن کان ثم من هو أقعد بها
منه.
قال ابن القاسم: وإن كانت بكرا فزوجها ذو الرأي، وأصاب وجه الرأي
ولها أخ أو غيره من الأولياء، فهو - عندي - جائز؛ (53) قال مالك: تولى
العربية أمرها المولى من أهل الصلاح دون الأولياء، قال ابن القاسم: ولا
يكون عند مالك الأقرب من الأولياء أقعد، إلا إن تشاحوا في إنكاحها
وخطبت ورضيته؛ فإذا كان ذلك، كان الأقرب فالأقرب ينكحها دونهم.
قال وقال مالك: في المرأة الثيب لها الأب والأخ، فزوجها الأخ برضاها وأنكر
الأب؛ قال مالك: ليس للأب هنا قول إذا زوجها الأخ برضاها، لأنها قد
ملكت أمرها، فهذه (54) كلها روايات ابن القاسم عن مالك.
روى ابن وهب عن مالك، قال: الابن أولى بإنكاح أمه من أبيها،
وبالصلاة عليها إذا ماتت؛ (والأخ أولى بإنكاح أخته من الجد والصلاة عليها
إذا ماتت (55). قال: وسمعت مالکا یقول في الثیب ینکحها ولي دونه ولي،
قال: إن کان بأمرها، نظر في ذلك الولي، فإن رأی سداداً جاز. قال ابن
وهب: وقال مالك في الرجل يزوج المرأة من قومه - ولها ولي غائب - إن ذلك
النكاح لا يجوز، وأنه یفسخ إلا أن یری السلطان أن ذلك النكاح حسن لا
بأس به؛ فقيل لمالك: فالرجل يزوج أخته - وأبوه غائب؟ (56) فقال: لا
ینکحها حتی یکتب إلی ابیه. قال إسماعيل بن إسحاق: قال مالك في هذا
الباب أقاويل، يظن من سمعها أن بعضها يخالف بعضاً؛ وجملة هذا الباب:
أن الله تبارك وتعالى أمر بالنكاح، وحض عليه الرسول عليه السلام؛ وجعل
(53) قال: ١، وقال: ق ك.
(54) فهذا كله: ا، فهذه كلها: ق ك.
(55) ما بين القوسين ساقط في ا، ثابت في ق ك والمعنى يقتضيه.
(56) فقال: ا، وقال: ق ك.
- 92- -
الله المومنين بعضهم لبعض أولياء فقال: ((والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء
بعض)) (57). والمؤمنون في الجملة هكذا يرث بعضهم بعضا، فلو أن رجلا
مات لا وارث له، لكان ميراثه للمسلمين؛ ولو جنى جناية، لعقل عنه
المسلمون، ثم تكون ولاية أقرب من ولاية، وقرابة أقرب من قرابة؛ فإنما
يجوز النكاح على جهته، وبمن هو أولى بالمرأة ويمن لو تشاجروا وترافعوا إلى
الحاكم، لجعل أمر المرأة إلى ذلك الرجل؛ فإذا كانت المرأة بموضع لا سلطان
فيه ولا ولي ها، فإنها تصیر أمرها إلى من يوثق به من جيرانها فيزوجها ویکون
هووليها في هذه الحال؛ لأن الناس لابد لهم من التزويج، وإنما يعملون فيه
بأحسن ما يمكن؛ وعلى هذا قال مالك في المرأة الضعيفة الحال: إنه يزوجها
من تسند أمرها إليه، لأنها ممن تضعف عن السلطان، وأشبهت من لا
سلطان بحضرتها ورجعت في الجملة إلى أن المسلمين أولياؤها؛ ولذلك قال
مالك في المرأة التي لها أولياء: إنه يزوجها ذو الرأي منهم وإن كان أبعد إليها
من غيره على ما قال عمر بن الخطاب: لا تنكح المرأة إلا بإذن وليها، أو ذي
الرأي من أهلها أو السلطان. لأن ذلك وجه من وجوه إنكاحها، بل هو
أحسنه؛ لأنه لو رفع إلى الحاكم أمرها، لأسنده الى ذلك الرجل، قال
إسماعيل، وإذا صيرت المرأة أمرها إلى رجل وتركت الأولياء، فإنها أخذت
الأمر من غير وجهه، وفعلت ما ينكره الحاكم عليها وينكره المسلمون؛
فيفسخ ذلك النكاح من غير أن يعلم حقيقة أنه حرام لما وصفنا من أن
المومنين بعضهم أولياء بعض، ولما في ذلك من الاختلاف؛ ولكن لتناولها
الأمر من غير وجهه، ولأنه أحوط في الفروج وتحصينها؛ فإذا وقع الدخول
وتطاول الأمر لم يفسخ، لأن الأمور إذا تفاوتت، لم يرد منها إلا الحرام الذي
لاشك فيه؛ ويشبه ما فات من ذلك بحكم الحاكم إذا حكم بحكم لم
يفسخ، إلا أن يكون خطأ لا يشك فيه؛ فأما ما يجتهد فيه الرأي - وفيه
(57) الآية: 71 - سورة التوبة.
~ 98-
الاختلاف، فإنه لا یفسخ ولا يرد من رأي إلى رأي؛ وقد کان یشبه على
مذهب مالك - أن يكون الدخول فوتا وإن لم يتطاول، ولكني أحسبه احتاط
في ذلك، لئلا تجري الناس على التزويج بغير ولي، ويستعجلون الدخول
ليجوز لهم؛ قال: وأما ما قال مالك: إن المرأة إذا زوجها غير ولي، ففسخه
الحاكم أنها تطليقة؛ فإنها قال ذلك، لما وصفنا أنه ليس يعلم حقيقة أنه
حرام؛ ولو كان يعلم حقيقة أنه حرام، لكان فسخا بغير طلاق؛ ولم يكن
عند ابن القاسم عن مالك في المرأة إذا تزوجت بغير إذن وليها ثم مات
أحدهما - جواب في توارثهما، وقال (58): كان مالك يستحب أن لا يقام على
ذلك النكاح حتى يبتدأ النكاح جديدا، ولم يكن يحقق فساده.
قال إسماعيل: والذي يشبه عندي على مذهب مالك - أن هذين يتوارثان
إن مات أحدهما، لأن الفسخ یقع عنده بطلاق، والنكاح ثابت حتی یفرق
بينهما؛ وقد ذكر أبو ثابت أن ابن القاسم كان يرى أن بينهما الميراث لو مات
أحدهما قبل أن يفسخ النكاح. فهذه جملة مذهب مالك، ووجوهه في النكاح
بغير ولي؛ ومذهب الليث بن سعيد في هذا الباب نحو مذهب مالك. وأما
الشافعي وأصحابه، فالنكاح عندهم بغير ولي مفسوخ أبدا قبل الدخول
وبعده، ولا یتوارثان إن مات أحدهما؛ والولي عندهم من فرائض النكاح،
لقيام الدليل عندهم من الكتاب والسنة على أن لا نكاح إلا بولي. قال الله
- عز وجل -: ((وأنكحوا الأيامى منكم))، كما قال: ((فانكحوهن بإذن
أهلهن)) (59)، وقال مخاطبا الأولياء: ((فلا تعضلوهن أن ينكحن
أزواجهن)). وقال ◌َّر: لا نكاح إلى بولي. وقال: أيما امرأة نكحت بغير إذن
ولي، فنكاحها باطل. ولما قال ◌َّير: الأيم أحق بنفسها من وليها، دل على
(58) وقال كان: ا، وقد كان: ق ك.
(59) الآية: 25، سورة النساء.
- 94 -
أن غير الأيم وليها أحق بها منها؛ وكأن الفرق بينهما في الاذن عنده الأب على
ما ذكرنا من مذهب الشافعي في ذلك؛ فلهذا كله قال الشافعي وأصحابه:
إن النكاح بغيرولي باطل، مفسوخ أبدا، وفسخه بغير طلاق؛ ولم يفرقوا بين
الدنية الحال وبين الشريفة، لاجماع العلماء على أن لا فرق بينهما في الدماء؛
وقال ◌َله: المسلمون تتكافأ دماؤهم - وهذا على الحر بالحر، وسائر الأحكام
کذلك ليس في شيء منها فرق بين الوضيع والرفيع في كتاب ولا سنة.
وقال الشافعي: لا ولاية لأحد مع الأب، فإن مات فالجد، ثم أبو الجد،
ثم أبو أبي الجد كذلك، لأن كلهم أب؛ والثيب والبكر في ذلك سواء، لا
تنكح واحدة منهما بغير ولي، إلا أن الثيب لا ينكحها أب ولا غيره إلا بأمرها؛
وينكح الأب البكر من بناته بغير أمرها، لأنه أحق بها من الثيب على ما
قدمنا؛ والولاية بعد الجد - وان علا - للأخوة ثم الأقرب فالأقرب؛ قال
المزني: قال في الجديد: من انفرد بأم كان أولى بالانكاح كالميراث، وقال في
القديم: هما سواء. وقال الثوري كقول الشافعي: الأولياء العصبة، وقال
أبو ثور: كل من وقع اليه اسم ولي فله أن ينكح، وهو قول محمد بن الحسن.
حدثنا أحمد بن محمد، قال حدثنا الحسن بن سلمة، قال حدثنا ابن
الجارود، قال حدثنا إسحاق بن منصور، قال: قلت لأحمد بن حنبل: إذا
تزوجها بغیر ولي ثم طلقها؟ قال: احتاط لهذا وأجیز طلاقه. وقال إسحاق:
كلما طلقها - وقد عقد النكاح بلا ولي، لم يقع عليها طلاق، ولا يقع بينهما
ميراث؛ لأن النبي - عليه السلام - قال: فنكاحها باطل - ثلاثا. والباطل
مفسوخ، لا يحتاج إلى فسخ حاكم ولا غيره.
وأما أبو حنيفة وأصحابه، فليس الولي ۔ عندهم من أركان النكاح، ولا
من فرائضه، وإنما هو لئلا يلحقه عارها؛ فإذا تزوجت كفؤا، جاز النكاح -
بكرا كانت أو ثيبا؛ وقال أصحاب أبي حنيفة: قول رسول الله وَلـــ: الأيم
أحق بنفسها، فيه دليل على أن لها أن تزوج نفسها؛ لأنه لم يقل إنها أحق
- 95-
بنفسها في الإذن دون العقد ومن ادعى أنه أراد الإذن دون العقد، فعليه
الدليل؛ قالوا: والأيم: كل امرأة لا زوج لها بكرا كانت أو ثيبا؛ قالوا: فالمرأة
إذا كانت رشيدة، جاز لها أن تلي عقد نكاحها؛ لأنه عقد أكسبها مالا ، فجاز
أن تتولاه بنفسها كالبيع والاجارات؛ قالوا وقد أضاف الله - عز وجل -
النكاح إليها بقوله: «حتى تنكح زوجا غيره)). (60) وبقوله: ((أن ينكحن
أزواجهن)). وبقوله: ((فلا(٥٦) جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن
بالمعروف)) (62).
(قال أبو عمر: أما قوله - رَ لهــ: الأيم أحق بنفسها من وليها، فإنما ورد
للفرق بين حكم الثيب والبكر في الإِذن؛ هذا هو قول الشافعي وغيره ممن
يقول إن الولي ههنا - الأب(63)).
وأما مالك وأصحابه، فهذا الحديث - عندهم - إنما هو في اليتيمة بكرا
كانت أو ثيبا، والولي - عندهم - من عدا الأب ههنا؛ وقد مضى هذا القول
ووجهه، فلا معنى لإِعادته؛ فما تأوله أصحاب أبي حنيفة في هذا الحديث
فغير مسلم لهم.
وأما احتجاجهم بقوله حتى تنكح زوجا غيره، فإنما هذا على ما يجب من
النكاح الذي أمر الله ورسوله (به). (64) ومنه الولي، والصداق، وغير ذلك؛
وفي هذه المسألة كلام كثير واعتراض طويل لكل فريق من هؤلاء على صاحبه
يطول ذكره، ولو أتينا به، لخرجنا عن شرطنا؛ وإنما غرضنا التعريف بما في
الحديث من المعاني التي جعلها الفقهاء أصولا في أحكام الديانة، ليوقف على
(60) الآية: 230 - سورة البقرة.
(61) ثبت في النسخ الثلاث (لا) والتلاوة (فلا) - بالفاء.
(62) الآية: 234 - سورة البقرة.
(63) ما بين القوسين ساقط في ا، ثابت في ق ك.
(64) كلمة (به) ساقطة في ا، والمعنى يقتضيها.
-96-
الأصول وتضبط؛ وأما الاعتلال والفروع والجدال ، فتقصر عن حمل ذلك
الأسفار، والمصنفات الطوال.
وقال داود وأصحابه في قوله: الأيم أحق بنفسها من وليها هي الثيب،
ولها أن تزوج نفسها بغير ولي؛ والبكر يزوجها وليها، ولا تتزوج بغير ولي؛
لقوله: (65) لا نكاح إلا بولي. وهذا على الأبكار خاصة، بدليل قوله الثيب
أحق بنفسها؛ واحتج أيضا بقوله بَير: ليس للولي مع الثيب أمر (66).
وبحديث خنساء - وسنذكره في باب عبد الرحمان بن القاسم من كتابنا هذا
- إن شاء الله .
أخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبو داود،
قال حدثنا الحسن بن على، قال أخبرنا عبد الرزاق، قال أخبرنا معمر، عن
صالح بن کبسان، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن ابن عباس أن رسول
الله ◌َيُ قال: ليس للولي مع الثيب أمر، واليتيمة تستأمر وصمتها
إقرارها (67).
قال أبو عمر:
الأولى أن يحمل قوله ◌َله: لا نكاح إلا بولي - على عمومه، وكذلك قوله:
أيما امرأة نكحت بغير وليها فنكاحها باطل - على عمومه أيضا. وأما
الحديث: الأيم أحق بنفسها من وليها، - فإنما ورد للفرق بين الثيب والبكر
في الإذن - والله أعلم.
حدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان قالا حدثنا قاسم بن
أُصبغ، قال حدثنا ابن وضاح، قال حدثنا أبو بکر بن أبي شيبة، قال حدثنا
(65) لا: ا، ولا : ق ك.
(66) اخرجه الترمذي والنسائي من حديث ابن عباس.
انظر الجامع الصغير بشرح فيض القدير 379/5.
(67) انظر سنن أبي داود 1 /484.
-97 -
التمهيدج١٩
ابن إدريس، عن ابن جریج، عن ابن أبي ملیکة، عن أبي عمرو مولی
عائشة، عن عائشة، قالت: قال رسول اللّه * تستأمر النساء في
أبضاعهن، قالت: قلت يا رسول الله، إنهن يستحيين، قال: الأيم أحق
بنفسها، والبكر تستأمر، وسكوتها إقرارها.
قال أبو عمر:
أجمع العلماء على أن للأب أن يزوج ابنته الصغيرة، ولا يشاورها لتزويج
رسول الله وَل عائشة وهي بنت ست سنين، إلا أن العراقيين قالوا: لها
الخيار إذا بلغت، وأبى ذلك أهل الحجاز، ولا حجة مع من جعل لها الخيار
- عندي - والله أعلم.
قال أبو قرة: سألت مالكا عن قول النبي عليه السلام والبكر تستأذن في
نفسها، أيصيب هذا القول الأب؟ قال: لا لم يعن الأب بهذا، إنما عني به
غیر الأب. قال: وإنکاح الأب جائز على الصغار من ولده ـ ذكرا كان أو
أثى، قال: ولا ينكح الجارية الصغيرة أحد من الأولياء غير الأب. واختلفوا
في الأب: هل يجبر ابنته الكبيرة البكر على النكاح أم لا؟ فقال: مالك،
والشافعي، وابن أبي ليلى: إذا كانت المرأة بكرا، كان لأبيها أن يجبرها على
النكاح - ما لم يكن ضررا بينا، وسواء كانت صغيرة أو كبيرة، وبه قال أحمد،
وإسحاق، وجماعة؛ وحجتهم: أنه لما كان له أن يزوجها - وهي صغيرة، كان
له أن يزوجها - وهي كبيرة - إذا كانت بكرا؛ لأن العلة البكورة، ولأن الأب
ليس كسائر الأولياء؛ بدليل تصرفه في مالها، ونظره لها، وأنه غير متهم
عليها؛ ولو لم يجز له أن يزوجها - وهي بكر بالغ إلا بإذنها، ما جاز له أن
يزوجها صغيرة؛ كما أن غير الأب لما لم يكن له أن يزوجها بكرا بالغا إلا
بإذنها، لم يكن له أن يزوجها صغيرة؛ فلو احتيج إلى إذنها في الأب، ما
زوجها حتى تكون ممن لها الإِذن بالبلوغ؛ فلما أجمعوا على أن للأب أن
يزوجها صغيرة - وهي لا إذن لها، صح بذلك أن له أن يزوجها بغير إذنها -
كائنة ما كانت بكرا؛ لأن الفرق إنما ورد بين الثيب والبكر على ما قدمنا.
- 98-
ومن حجتهم أيضا: قوله {څے: لا تنكح الیتیمة إلا بإذنها. لأن فيه دليلا
على أن غير اليتيمة تنكح بغير إذنها، وهي البكر ذات الأب؛ وكذلك قوله:
الثيب أحق بنفسها، فيه دليل على أن البكر وليها أحق منها - وهو الأب.
حدثنا محمد بن عبد الملك، قال حدثنا أحمد بن محمد بن زياد، قال
حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني، قال حدثنا أسباط (68) بن محمد، عن
محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ◌َّه :
تستأمر اليتيمة، فإن سكتت، فهو رضاها؛ وإن أبت، فلا جواز عليها قال:
وحدثنا الزعفراني، قال حدثنا عفان، قال حدثنا حماد، بن سلمة، عن محمد
ابن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ◌ّ قال: تستأمر
اليتيمة في نفسها، فإن سکتت، فهو رضاها.
وأخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بکر، قال حدثنا أبو داود،
قال حدثنا موسى بن إسماعيل، قال حدثنا حماد بن سلمة؛ قال أبو داود:
وحدثنا أبو كامل، قال حدثنا يزيد بن زريع، قالا حدثنا محمد بن عمرو،
قال حدثنا أبو سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: تستأمر
اليتيمة في نفسها، فإن سكتت، فهو إذنها، وإن أبت، فلا جواز عليها (69).
قال أبو عمر:
ليس يروي هذا الحديث عن أبي سلمة بهذا اللفظ، غير محمد بن عمرو
- والله أعلم.
حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قاحدثنا إسحاق
ابن الحسن الحربي، قال حدثنا أبو نعيم، قال حدثنا يونس بن أبي
(68) أسباط ق ك، سباط: ١ - وهو تحريف، والصواب ما في ق ك.
وانظر ترجمة: اسباط بن محمد - في تهذيب التهذيب 211/1.
(69) انظر سنن أبي داود 1 / 483.
- 99 -
إسحاق، قال حدثني أبو بردة، عن أبي موسى، قال: قال رسول الله ◌ِّين:
تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت، فقد أذنت؛ وإن أنكرت، لم تكره.
قالوا: ففي قوله تستأمر اليتيمة - دليل على أن غير اليتيمة لا تستأمر - وهي
ذات الأب إذا كانت بكرا، بدليل قوله: الثيب أحق بنفسها .
وقال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري، والأوزاعي ، والحسن بن حي، وأبو
ثور، وأبو عبيد: لا يجوز للأب أن یزوج البالغ من بناته - بكرا كانت أو ثيبا
- إلا بإذنها .
ومن حجتهم: قوله ◌َله: الأيم أحق بنفسها. قالوا: والأيم هي التي
لا بعل لها، وقد تكون ثيبا وبكرا؛ فكل أيم على هذا، إلا ما خصته السنة،
ولم تخص من ذلك إلا الصغيرة - وحدها (70) يزوجها أبوها بغير إذنها، لأنه لا
إذن لمثلها، وفد تبت أن أبا بكر الصديق زوج عائشة أبنته من رسول الله وَّل
وهي صغيرة لا أمر لها في نفسها؛ فخرج الصغار من النساء بهذا الدليل،
وقالوا: الولي ههنا كل ولي - أب وغير أب، وهو حق الكلام أن يجعل على
ظاهره وعمومه - ما لم يرد ما يخصه ويخرجه عن ظاهره.
واحتجوا أيضا بقوله پێ: لا تنكح البكر حتى تستأذن. قالوا: فهذا على
عمومه في كل بكر إلا الصغيرة ذات الأب، بدليل قصة عائشة، وإجماعهم
على أن ذلك صحيح عنه (ێ﴾ .
واحتجوا أیضا بحديث ابن عباس أن رجلا زوج ابنته ۔ وھی بکر - فأبت
وجاءت النبي پڼ فرد نكاحها.
قال أبو عمر:
هذا حديث انفرد به جرير بن حازم، لم يروه غيره عن أيوب، عن عكرمة،
عن ابن عباس؛ وقد روي من حديث جابر، وابن عمر مثل ذلك، ولیس
(70) في أ: وحده - وهو تحريف ظاهر، والتصويب من ق ك.
~100=