النص المفهرس
صفحات 41-60
قال الأنباري: وتكون الصلاة الترحم، من ذلك قول الله عز وجل: (أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة)) (113). ومن ذلك قول كعب بن مالك : صلى الاله عليهم من فتية وسقى عظامهم الغمام المسبل وقال آخر: صلى على يحيى وأشياعه رب كريم وشفيع مطاع ومنه الحديث الذي يروى عن ابن أبي أوفى أنه قال: أتيت النبي ◌ِيخ بصدقتنا، فقال: اللهم صل على آل أبي أوفى . - يريد: اللهم ترحم عليهم. وتكون الصلاة الدعاء، من ذلك الصلاة على الميت معناها الدعاء، لأنه لا ركوع فيها ولا سجود؛ ومن ذلك قول النبي بَلهر: إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن كان مفطرا فليأكل، وإن كان صائما فليصل (١٦٩). - معناه: فليدع بالبركة، ومنه قوله أيضا: الصائم إذا أكل عنده، صلت عليه الملائكة، معناه: دعت له. ومنه قول الأعشى : لها حارس لا يبرح الدهر بيتها وإن ذبحت صلى عليها وزمزما (115) والأعشى (116): تقول بنتي وقد قربت مرتحلا يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا عليك مثل الذي صليت فاغتمضي نوما (117) فإن لجنب المرء مضطجعا (١١٤) (113) الآية: 157 - سورة البقرة. (114) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه. انظر الجامع الصغير بشرح فيض القدير 1 /346 . (115) انظر الديوان ص 55 - البيت: 4. (116) وللاعشى: أ، وقال الاعشى ايضا: ق، وللاعشى ايضا: ك. (117) كذا في سائر النسخ والذي في الديوان (يوما) - بالياء. (118) انظر الديوان ص 3 - البيتين 9، 12. -1- يريد: عليك مثل الذي دعوت، ويروى فاغتمضي عينا. ومن هذا عند جماعة العلماء قول الله عز وجل: ((ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها)) (115) - قالوا: أنزلت في الدعاء والمسألة، هذا قول مکحول و أبي عياض. وذكر مالك عن هشام بن عروة عن أبيه قال: أنزلت هذه الآية: ((ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا)» - في الدعاء. هكذا رواه مالك (عن هشام، عن أبيه قوله. ورواه الثوري، وحماد بن زيد، ووكيع، وأبو معاوية)، (120)عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. ورواه معمر عن هشام، عن أبيه، كما رواه مالك؛ وممن قال: إن هذه الآية نزلت في الدعاء: مجاهد، وابراهيم النخعي، وعطاء، وعبد الله بن سداد؛ وفي الآية قول ثان قاله ابن عباس، وابن مسعود، وسعيد بن جبير، وعكرمة: نزلت في القراءة؛ قالوا: كان النبي، عليه السلام، يجهر بالقراءة في صلاته بمكة، فكان ذلك يعجب المسلمين ويسوء الكفار؛ فهموا بأذاه، وسبوا القرآن ومن أنزله وقالوا: يؤذينا؛ فأنزل الله عز وجل: ((ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها)) - الآية. قال ابن مسعود: ما خافت من أسمع نفسه. وروي عن قتادة وسعيد بن جبير القولان جميعا. وقال الحسن: معنى الآية: لا تسىء صلاتك في السر وتحسنها في العلانية (121)، ولتكن سريرتك موافقة لعلانيتك. وعن الحسن أيضا قال: لا تصليها رياء ولا تدعها حياء. (119) الآية : 210 - سورة الاسراء. (120) ما بين القوسين ساقط في أ، ثابت في ق ك. (121) لا تسيء صلاتك في السر، وتحسنها في العلانية: أ، لا تحسن صلاتك في السر، وتسئها في العلانية: ق ك. -42- وروی سفیان عن زبید قال: إذا کانت سریرة العبد أفضل من علانيته، فذلك أفضل؛ وإن كانت سريرته وعلانيته سواء، فذلك النصف؛ وإن كانت علانية عند الله أفضل، فذلك الحوز (122). وقال ابن سيرين: نزلت هذه الآية في أبي بكر وعمر، وكان عمر إذا قرأ رفع صوته وقال: أطرد الشيطان، وأوقظ الوسنان؛ وكان أبو بكر يخفض صوته، فأمر أبو بكر أن يرفع صوته قليلا، وأمر عمر أن يخفض صوته قليلا، ونزلت: «ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها» روي هذا عن ابن سيرين من وجوه صحاح، وأصح شيء في معنى هذه الآية قول من قال: إنها نزلت في الدعاء - والله أعلم. ذكر ابن أبي شيبة، قال أخبرنا ابن فضيل، عن أشعث، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: (ولا تجھر بصلاتك ولا تخافت بها))، قال: كان الرجل إذا دعا في الصلاة رفع صوته، فنزلت هذه الآية؛ وكل من روي عنه أنها نزلت في القراءة، فقد روي عنه أنها نزلت في الدعاء. قال أبو عمر: هذا الحديث من أفضل ما يروى في فضل المنتظر للصلاة، لأن الملائكة تستغفر له، وفي استغفارها له دليل على أنه يغفر له - إن شاء الله؛ ألا ترى أن طلب العلم من أفضل الأعمال، وإنما صار كذلك - والله أعلم؛ لأن الملائكة تضع أجنحتها له بالدعاء والاستغفار. وأما قول مالك وتفسيره: ما لم يحدث بأنه الحدث الذي ينقض الوضوء، فقد خالفه فيه غيره وقال: هو الكلام القبيح والخوض فيما لا يصلح من (122) الحور - بفتح الحاء وسكون الواو -: العمق والفعر. - 45 - اللهو؛ والذي قاله مالك هو الصواب - إن شاء الله، لأن كل من أحدث وقعد في المسجد، فليس بمنتظر للصلاة، لأنه إنما ينتظرها من كان على وضوء؛ وغير نكير أن تترحم الملائكة على كل منتظر للصلاة، وتدعو له بالمغفرة والرحمة والتوفيق والهداية - لفضل انتظاره للصلاة - إذا لم يحبسه غيرها على ما ذكرنا - إذا كان منتظرا للصلاة، لا يمنعه أن ينصرف إلى أهله إلا الصلاة؛ وهذا أولى بأن تدعو له الملائكة بالمغفرة والرحمة، فرحمته وسعت كل شيء (123)، لا شريك له؛ وقول مالك يدل على أن کل من ! محدث حدثا ينقض الوضوء، داخل في معنی هذا الحدیث - وإن خاض في بعض ما يخاض فيه من أخبار الدنيا - والله أعلم - إذا كان أصل عقده انتظار الصلاة بعد الصلاة. ٠٫٠ (123) كل شيء: ق ك، كل مؤمن به: أ. - - 44 - حدیث تاسع وأربعون لأبي الزناد مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله الخليفي قال: يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب مكان كل عقدة: عليك ليل طويل فارقد؛ فإن استيقظ فذكر الله، انحلت عقدة؛ فإن توضأ، انحلت عقدة؛ فإن صلى، انحلت عقدة - وأصبح نشيطا طيب النفس؛ وإلا أصبح خبيث النفس (124) كسلان (125) هذا كما قال (۶ - والله أعلم کیف یعقد الشيطان رأس ابن آدم؟ قيل إنها كعقد السحر من قول الله: ((النفاثات في العقد))، وهذا لا يقف على حقيقته أحد؛ والقافية: مؤخر الرأس - وهو القذال، وقافية كل شيء آخره؛ ومنه قیل لنبينا ﴿: المقفى، لأنه آخر الأنبياء. ومن هذا أخذت قوافي الشعر، لأنها أواخر الأبيات؛ والمعنى عندي - والله أعلم - في هذا الحديث: ان الشيطان ينوم المرء ويزيده ثقلا وكسلا بسعيه - وما أعطي من الوسوسة والقدرة على الاغواء والتضليل وتزيين الباطل والعون عليه، إلا عباد الله المخلصين. وفي هذا الحديث دليل على أن ذكر الله يطرد به الشيطان، وكذلك الوضوء والصلاة؛ ويحتمل أن يكون الذكر الوضوء والصلاة، لما فيهما (124) کسلان: ق ك، کسلانا: ص. (125) الموطأ رواية يحيى ص 122 - حديث (425) - والحديث أخرجه البخاري عن مالك به، وتابعه ابن عيينة عن أبي الزناد - عند مسلم. انظر الزرقاني على الموطأ 362/1. ~ 45- (من) (126) معنى الذكر، فخص بهذا الفضل في طرد الشيطان؛ ويحتمل أن يكون كذلك سائر أعمال البر - والله أعلم، فمن قام من الليل يصلي، انحلت عقده؛ فإن لم يفعل، أصبح على ما قال ◌َلغ إلا أنه تنحل عقده بالوضوء للفريضة وصلاتها - والله أعلم. وأما طرد الشيطان بالتلاوة والذكر والاذان، فمجتمع عليه، مشهور في الآثار: حدثنا محمد بن ابراهيم، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا أحمد ابن شعیب، قال أخبرنا عبد الرحمان بن محمد، قال حدثنا شبابة، قال حدثنا المغيرة بن مسلم، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ◌َّار قال: إذا دخل الرجل بيته، أو آوى إلى فراشه، ابتدره ملك وشيطان؛ فيقول الملك: افتح بخير، ويقول الشيطان: افتح بشر؛ فإن هو قال: الحمد لله الذي رد الي نفسي بعد موتها، ولم يمتها في منامها؛ الحمد لله الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه الى آخر الآية (127)؛ فإن هو خر في فراشه فمات، كان شهيدا. ورواه حماد بن سلمة عن حجاج الصواف، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي عليه السلام - مثله؛ إلا أنه قال في آخره: فإن وقع من سریره فمات، دخل الجنة. حدثنا عبد الوارث بن سفیان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن وضاح؛ وحدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو داود، قالا حدثنا عبد الرحمان بن ابراهيم دحیم، قال حدثنا الوليد، قال حدثنا الأوزاعي، قال حدثني عمیر بن هانيء، قال حدثني جنادة بن أبي أمية، عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله مؤلفه: من تعارَّ من الليل فقال حين يستيقظ: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له (126) كلمة (من) ساقطة في أ، ثابتة في ق ك. (127) يشير إلى الآية: 65 - من سورة الحج. -46- الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير؛ سبحان الله والحمد لله، والله أکبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ ثم دعا: رب اغفر لي، غفر له. قال الوليد: أو قال: دعا استجيب له، وإن (128) قام فصلى، قبلت صلاته (129). وثبت عن النبي عليه السلام من وجوه أنه كان يقوم من الليل فيذكر الله بأنواع من الذکر ثم يتوضأ ويصلي. وفي هذا الحديث حض على قيام الليل، لأن فيه أنه يصبح طيب النفس نشيطا بعد ذكر الوضوء والصلاة؛ وقد زعم قوم أن في هذا الحديث ما يعارض قوله عليه السلام: لا يقولن أحدكم خبثت نفسي، لقوله في هذا الحدیث: والا أصبح خبيث النفس. وليس ذلك عندي كذلك، لأن النهي إنما ورد عن إضافة المرء ذلك الى نفسه - كراهية لتلك اللفظة وتشاؤما لها إذا أضافها الانسان الى نفسه؛ والحديث الثاني إنما هو خبر عن حال من لم يذكر الله في لیله، ولا توضأ ولا صلى، فأصبح (130) خبيث النفس - ذما لفعله، وعيبا له؛ ولكل واحد من الخبرين وجه، فلا معنى أن يجعلا متعارضين؛ لأن من شأن أهل العلم أن لا يجعلوا شيئا من القرآن ولا من السنن معارضا (131) لشيء منها ما وجدوا (132) إلى استعمالها وتخريج الوجوه لها سبيلا. والحديث حدثناه عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا أبو مسلم الکشی، قال حدثنا حجاج بن نمير، قال حدثنا هشام ابن أبي عبد الله، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة، أن رسول الله وَلخل قال: لا يقولن أحدكم خبثت نفسي، ولكن ليقل: لقست نفسي. (128) وان: أ، فان: ق ك. (129) انظر سنن أبي داود 609/2. (130) فاصبح: ق ك، أنه يصبح: أ. (131) معارضا: أ، متعارضا: فى ك. (132) وجدوا: أ، وجد: ق ك. - 47 - وحدثناه محمد بن ابراهيم، قال حدثنا محمد بن معاوية، قال حدثنا أحمد ابن شعيب، قال أخبرنا إسحاق بن ابراهيم؛ وحدثنا سعيد بن نصرٍ، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن اسماعیل، قال حدثنا الحميدي، قالا أخبرنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال رسول اللّه ◌َله: لا يقولن أحدكم خبثت نفسي، ولكن ليقل لقست نفسي (133) . وأخبرنا عبد الله بن محمد، قال أخبرنا حمزة بن محمد، قال أخبرنا أحمد بن شعيب، قال أخبرنا محمد بن هشام، قال أخبرنا عمر بن علي، عن سفيان ابن حسين، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله 18 : لا يقولن أحدكم خبثت نفسي، ولكن ليقل: لقست نفسي. هكذا رواه سفيان بن حسين، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة. ورواه يونس بن يزيد، وإسحاق بن راشد، عن الزهري، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه، عن النبي ◌َّهِ مثله سواء. ورواه ابن عيينة عن الزهري، عن أبي أمامة، عن النبي عليه السلام - مرسلا . قال الخليل: لقست نفسه: إذا نازعته الى الشيء، وتلاقسوا: سب بعضهم بعضا. (133) انظر مسند الحميدي 1 /128. - 48- حديث موفي خمسين لأبي الزناد مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله وَليو قال: لا یقل أحدكم إذا دعا: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني - إن شئت ليغرم المسألة، فإنه لا مكره له (134) هذا صحيح بين لا يحتاج الى تفسير، ولا الى كلام وتأويل، لأنه واضح المعنى؛ ويدخل في معنى قوله: اللهم اغفر لي إن شئت (135)، وارحمني إن شئت - كل دعوة فلا يجوز لأحد أن يقول: اللهم أعطني كذا - إن شئت، وارحمني إن شئت، وتجاوز عني وهب لي من الخير إن شئت من أمر الدين والدنيا؛ لنهي رسول الله ﴿ عن ذلك، ولأنه كلام مستحيل لا وجه له، لأنه لا يفعل إلا ما شاء لا شريك له. (134) الموطأ رواية يحيى ص: 142 - حديث (496)، والحديث أخرجه البخاري وأبو داود. انظر الزرقاني على الموطأ 34/2 . (135) في ق ك زيادة (وتجاوز عني - ان شئت) والانسب حذفها. التمهيدج١٩ - 49- حدیث حاد وخمسون لأبي الزناد مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَّفي قال: يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر؛ ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم - وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم (وهم) (136) يصلون، وأتيناهم وهم يصلون (137). في هذا الحديث شهود الملائكة للصلوات، والأظهر أن ذلك في الجماعات، وقد تحتمل الجماعات وغيرها؛ ومعنى يتعاقبون: تأتي طائفة بإثر طائفة، وبعدها طائفة؛ وإنما يكون التعاقب بين طائفتين أو بين رجلين مرة هذا، ومرة هذا؛ ومنه قولهم: الأمير يعقب البعوث، أي يرسل هؤلاء كذا شهرا أو أشهرا، وهؤلاء شهرا أو أشهرا، ثم يردهم ويعقبهم بآخرين، فهذا هو التعاقب؛ ومعنى هذا الحديث أن ملائكة النهار تنزل في صلاة الصبح فيحصون على بني آدم، ويعرج الذين باتوا فيهم ذلك الوقت أي يصعدون؛ وكل من صعد في شيء فقد عرج، ولذلك قيل للدرج المعارج؛ فإذا كانت صلاة العصر، نزلت ملائكة الليل فأحصوا على بني آدم، وعرجت ملائكة النهار، يتعاقبون هكذا أبدا والله أعلم. (136) كلمة (وهم) ساقطة في أ، ثابتة في ق ك - وهي الرواية. (137) الموطأ رواية يحيى ص 118 حديث (411) - والحديث أخرجه البخاري ومسلم. انظر الزرقاني على الموطأ 348/1. - 50- وفي هذا الحديث أنهم يجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر - وهو أكمل معنى من الحديث الذي روي أنهم يجتمعون في صلاة الفجر خاصة؛ وأظن من مال الى هذه الرواية، احتج بقول الله عز وجل ((وقرآن الفجر، إن قرآن الفجر كان مشهودا)) (138). ومعنى قرآن الفجر: القراءة في صلاة الفجر، لأن أهل العلم قالوا في تأويل هذه الآية: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، وليس في هذا دفع لاجتماعهم في صلاة العصر؛ لأن المسكوت عنه قد يكون في معنى المذكور سواء، ويكون بخلافه، وهذا باب من أصول قد بيناه في غير هذا الموضع. ذکر بقي بن مخلد، قال حدثنا سفيان بن وکیع، قال حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد - في قوله تعالى: ((وقرآن الفجر، إن قرآن الفجر كان مشهودا))، قال: صلاة الفجر يجتمع فيها ملائكة الليل وملائكة النهار. وذكر ابن ابي شيبة، عن أبي أسامة، عن زكرياء، عن أبي إسحاق، عن مسروق مثله. وذكر ابن أبي شيبة، قال حدثنا ابن فضيل، عن ضرار بن مرة، عن عبد الله بن أبي الهذيل، عن أبي عبيدة، في قوله: ((وقرآن الفجر إن قرآن الفجر کان مشهودا)». قال: یشهده حرس اللیل وحرس النهار من الملائكة في صلاة الفجر. وذكر بقي قال: حدثنا محمد بن المثنى، قال حدثنا محمد بن جعفر، قال حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، أنه قال في هذه الآية: ((وقرآن الفجر، إن قرآن الفجر كان مشهودا)). قال: تدارك (138) الآية: 78 - سورة الاسراء. - 31- ٠ الحرسان، اقرؤا إن شئتم ((وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا))؛ قال: تنزل ملائكة النهار، وتصعد ملائكة الليل. قال أبو عمر: قد يحتمل أن يكون ذكر قرآن الفجر من أجل الجهر، لأن العصر لا قراءة فيها تظهر والله أعلم؛ وقد قال رَليه: ويجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر، وهذا حديث مسند صحيح ثابت، وهو أولى من آراء الرجال وألزم في الحجة لمن قال به والله المستعان. ٠٫٠٠ ۔ -52 - حدیث ثان وخمسون لأبي الزناد مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله الخير قال: ((الصيام جنة، فإذا كان أحدکم صائما، فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه، فليقل: إني صائم، إني صائم)) (139). أما الصيام في الشريعة، فمعناه الامساك عن الأكل والشرب ووطء النساء نهارا إذا كان تارك ذلك يريد به وجه الله وينويه، هذا معنى الصيام في الشريعة عند جميع علماء الأمة؛ وأما أصله في اللغة، فالامساك مطلقا؛ وكل من أمسك عن شيء فقد صام عنه، ويسمى صائما؛ ألا ترى قول الله عز وجل: ((إني نذرت للرحمان صوما فلن أكلم اليوم إنسيا)) (140). فسمى الامساك عن الكلام صوما، وكل ممسك عن حركة أو عمل أو طعام أو شراب، فهو صائم في أصل اللسان؛ لكن الاسم الشرعي ما قدمت لك، وهو يقضي في المعنى على الاسم اللغوي؛ وقد ذكرنا شواهد الشعر على الاسم اللغوي في الصيام، واستوعبنا القول في معناه في باب ثور بن زيد (141) - والحمد لله. (139) الموطأ رواية يحيى ص: 210 - حديث (688) - والحديث أخرجه البخاري وأبو داود من طريق مالك وغيره انظر الزرقاني على الموطأ 198/2. (140) الآية: 26 - سورة مريم. (141) انظر التمهيدج 37/2 _ 40. -33- وأما قوله: الصيام جنة في هذا الحديث، فكذلك رواه القعنبي، ويحيى، وأبو مصعب، وجماعة؛ ولم يذكر ابن بكير في هذا الحديث الصيام جنة، وإنما قال عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﴿﴿ قال: إذا كان أحدكم صائما فلا يرفث - الحديث. والجنة: الوقاية والستر من النار، وحسبك بهذا فضلا للصائم. حدثنا عبد الوارث بن سفیان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا اسماعيل بن اسحاق، قال حدثنا علي بن المديني، قال حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي، قال حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، قال حدثنا عنبسة الغنوي، عن الحسن - أن عثمان بن أبي العاصي كان يحدث أن نبي الله وهو يقول: الصيام جنة يستجن بها العبد من النار. وأما قوله: فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث، فإن الرفث هنا الكلام القبيح والتشاتم والخنا والتلاعن ونحو ذلك من قبيح الكلام الذي هو سلاح اللئام؛ ومنه اللغو كله، والباطل، والزور. قال العجاج: عن اللغا ورفث الكلام قرأت على أبي عبد الله محمد بن عبد الملك، أن أبا محمد عبد الله بن مسروق، حدثهم قال حدثنا عيسى بن مسكين، قال حدثنا محمد بن عبد الله بن سنجر الجرجاني، قال حدثنا أبو نعيم، قال حدثنا فطر، قال حدثني زیاد بن الحصین، عن رفیع أبي العالية، قال خرجنا مع ابن عباس حجاجا فاحرم فأحرمنا، ثم نزل یسوق الابل - وهو يرتجز ويقول: إن تصدق الطیر تجامع لمسا وهن یمشین بنا همیسا قلت: يا أبا عباس، ألست محرما؟ قال: بلى؛ قلت: فهذا الكلام الذي تكلم به؟ قال: انه لا يكون الرفث إلا ما واجهت به النساء - وليس معي (142) نساء. (142) معى: أ، معنا: ق ك. -54- وفي غير هذه الرواية في هذا الحديث: وهن يمشين بنا هميسا ان تصدق الطیر تنك لميسا قال أبو عمر: الرفث في كلام العرب على وجهين، أحدهما: الجماع، والآخر الكلام القبيح، والفحش من المقال. واختلف العلماء في قول الله - عز وجل - : ((فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج (143)». فأكثر العلماء على أن الرفث ههنا جماع النساء وغشيانهن، والفسوق المعاصي باجماع؛ والجدال: المراء، وقيل السباب والمشاتمة، وقيل: ألا تغضب صاحبك. وقيل: ان لا جدال في الحج اليوم، لانه قد استقام في ذي الحجة، ولم يختلف العلماء في قول الله - عز وجل -: ((أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم (144)) - أن الرفث ههنا الجماع. وأما قوله: فان امرؤ قاتله أو شاتمه، فليقل: إني صائم، ففيه قولان: أحدهما أنه يقول للذي يريد مشاتمته ومقاتلته: إني صائم - وصومي يمنعني من مجاوبتك، لاني أصون صومي عن الخنا والزور من القول، بهذا امرت؛ ولولا (145) ذلك، لانتصرت لنفسي بمثل ما قلت لي سواء، ونحو ذلك (146). والمعنى حينئذ على هذا التأويل في الحديث، أن الصائم نهي عن مقاتلته بلسانه، (147) ومشاتمته وصونه صومه عن ذلك، وبهذا ورد الحديث. حدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا ابو داود، قال حدثنا أحمد بن يونس، قال حدثنا ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبيه، (143) الآية: 197 - سورة البقرة. (144) الآية: 187 - من نفس السورة. (145) ولولا : ق ك، ولو: أ. (146) ذلك: ق ك، هذا: أ. (147) مقاتلته بلسانه: أ، مقابلة من قاتله: ق ك. ~ 55- عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ريّاهير: من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه (148). وقال أحمد بن يونس: فهمت الاسناد من ابن أبي ذئب، وأفهمني الحديث رجل إلى جنبه أراه ابن أخيه؛ ورواه ابن المبارك عن ابن أبي ذئب باسناده مثله . والقول الثاني: أن الصائم يقول في نفسه لنفسه: إني صائم يانفسي (149)، فلا سبيل إلى شفاء غيظك بالمشاتمة. ولا يظهر قوله: إني صائم، لما فيه من الرياء واطلاع الناس على عمله، لان الصوم من العمل الذي لا يظهر، ولذلك مجزي الله الصائم أجره بغير حساب على حسبما نذكر في الباب بعد هذا - إن شاء الله . وللصيام (150) فرائض وسنن، وقد ذكرنا فرائضه في باب ثور بن زید؛ ومن سننه أن لا يرفث الصائم، ولا (151) يغتاب أحدا، وأن يجتنب قول الزور والعمل به على ما جاء في آثار هذا الباب وغيرها. وأما قوله وَله: من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه. فمعناه الكراهية والتغليظ، كما جاء في الحديث: من شرب الخمر، فليشقص الخنازير . - أي يذبحها أو ينحرها، أو يقتلها بالمشقص، وليس هذا على الامر بشقص الخنازير، ولكنه على تعظيم إثم شارب الخمر؛ فكذلك من اغتاب، أو شهد زورا، أو منكرا، لم يؤمر بأن يدع صيامه، ولكنه يؤمر باجتناب ذلك، ليتم له أجر صومه؛ فاتقى عبد ربه، وأمسك عن الخنا والغيبة والباطل بلسانه، صائما كان أو غير صائم، فانما يكب الناس في النار على وجوههم حصائد ألسنتهم - والله الموفق للرشاد. (148) انظر سنن أبي داود 551/2. (149) يا نفسي: أ، يا نفس: ق ك. (150) وللصيام: ق ك، وللصائم: أ - وهو تحريف. (151) ولا : أ، وان لا: ق ك. -56- حدیث ثالث وخمسون لأبي الزناد مالك، عن أبي الزناد، عن الاعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله وَ له قال: والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، إنما یذر شهوته وطعامه وشرابه من أجلي، فالصيام لي وأنا أجزي به، کل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به (152) . هذا الحديث والذي قبله رواهما عن أبي هريرة جماعة من أصحابه، منهم: سعيد بن المسيب، والاعرج، وأبو صالح، ومحمد بن سيرين، وغيرهم. ورواه ابو سعيد وغيره عن النبي ◌َّر كما رواه أبو هريرة. وخلوف فم الصائم ما يعتريه في آخر النهار من التغير، وأكثر ذلك في شدة الحر. ومعنى قوله: لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك - یرید أزکی عند الله وأقرب إليه وأرفع عنده من ريح المسك، وهذا في فضل الصيام وثواب الصائم؛ ومن أجل هذا الحديث (153)، كره جماعة من أهل العلم (154) السواك للصائم في آخر النهار من أجل الخلوف، لانه أكثر ما يعتري الصائم الخلوف في آخر النهار، لتأخر الاكل والشرب عنه. (152) الموطأ رواية يحيى ص 211 - حديث (689) - والحديث أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي. انظر الزرقاني على الموطأ 201/2. (153) كلمة (الحديث) ساقطة في ق ك. (154) أهل العلم: أ، العلماء: ق ك. -57- واختلف الفقهاء في السواك للصائم فرخص فيه مالك، وابو حنيفة وأصحابها، والثوري والأوزاعي، وابن علية؛ وهو قول ابراهيم النخعي، ومحمد بن سيرين، وعروة بن الزبير؛ ورويت الرخصة فيه عن عمر، وابن عباس، وليس عن واحد منهم فرق بين أول النهار وآخره، ولا بين السواك الرطب واليابس؛ وحجة من ذهب هذا المذهب قول رسول الله #1: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة (155) - ولم يخص رمضان ولا غيره، وقد روي عنه # أنه كان يستاك وهو صائم. وقال الشافعي: أحب السواك عند كل وضوء بالليل والنهار، وعند تغير الفم؛ إلا أني أكرهه للصائم آخر النهار، من أجل الحديث في خلوف فم الصائم؛ وبه قال أحمد بن حنبل، واسحاق بن راهويه، وأبو ثور؛ وروي ذلك عن عطاء، ومجاهد. وأما السواك الرطب، فيكرهه مالك وأصحابه، وبه قال أحمد، وإسحاق، وهو قول زياد بن حدير، وأبي ميسرة، والشعبي، والحكم بن عتيبة، وقتادة؛ ورخص فيه الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأبو حنيفة وأصحابه، وأبو ثور؛ وهو قول مجاهد، وسعيد بن جبير، وابراهيم، وعطاء، وابن سيرين، وروي ذلك عن ابن عمر؛ وقال ابن علية السواك سنة للصائم والمفطر، والرطب فيه واليابس سواء، لانه ليس بمأكول ولا مشروب. وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن السواك للصائم فقال: ما بینه وبین الظهر، ويدعه بالعشي، لأنه يستحب له أن يفطر على خلوف فيه؛ وعن مجاهد، وعطاء - أنهما كرها السواك بالعشي للصائم، لقول رسول الله : لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. (155) رواه مالك واحمد والبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة. انظر الجامع الصغير بشرح فيض القدير 338/5. - 58- وأما قوله: الصيام لي وأنا أجزي به، فإنما هي حكاية حكاها النبي والده عن ٩.٠ - عز وجل - ولم يصرح بها مالك في حديثه هذا، لانه إنما أدى ما سمع؛ وأظن ذلك إنما ترك حكايته من تركها، لانه شيء مفهوم لا يشكل علی أحد إذا کان له أدنی فهم - ان شاء الله؛ وقد روي من وجوه - هكذا كرواية مالك من حديث ابن سيرين وغيره، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َل أنه قال: الصوم لي وأنا أجزي به يذر طعامه وشرابه من أجلي. وهذا حذف من الحدیث وإضمار، إلا أن في لفظه وسیاقته (156) ما يدل عليه، وقد روي من وجوه على ما ينبغي (157) بلا حذف ولا إضمار: حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا محمد بن فضيل، عن أبي سنان، عن أبي صالح، عن أبي هريرة وأبي سعيد، قالا: قال رسول الله * ان الله يقول: الصوم لي وأنا أجزي به، إن للصائم فرحتين: إذا أفطر فرح، وإذا لقي الله فرح، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك (15). حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن الجهم، قال حدثنا عبد الوهاب، قال حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله وسلم قال: قال الله تبارك وتعالي: كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، الا الصيام فهو لي وأنا أجزي به؛ يترك الطعام لشهوته من أجلي، هو لي وأنا أجزي به، ويترك الشراب لشهوته من أجلي، هو لي وأنا أجزي به. (156) وسیاقته: أُ، وسياقه: ق ك. (157) ینبغی: أ، يجب: ق ك. (158) انظر مصنف ابن أبي شيبة 5/3. - 59- وقرأت على عبد الوارث بن سفيان، أن قاسم بن أصيغ حدثهم، قال: حدثنا محمد بن الجھم، قال حدثنا روح، قال حدثنا شعبة، قال حدثنا محمد ابن زياد، عن أبي هريرة عن النبي # أنه كان يحدث عن ربه قال: كل ما يعمله ابن آدم كفارة له إلا الصوم، يدع الصائم الطعام والشراب من أجلي، فالصوم لي وأنا أجزي به، وخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك؛ فإن قال قائل (وما) (159) معنى قوله: الصوم لي وأنا أجزي به - وقد علم أن الأعمال التي يراد بها وجه الله كلها له - وهو يجزي بها؟ فمعناه - والله أعلم - أن الصوم لا يظهر من ابن آدم في قول ولا عمل، وإنما هو (160) نية ينطوي عليها صاحبها، ولا يعلمها إلا الله؛ وليست مما تظهر فتكتبها الحفظة، كما تكتب الذكر والصلاة والصدقة وسائر الأعمال؛ لأن الصوم في الشريعة ليس بالامساك عن الطعام والشراب، لأن كل ممسك عن الطعام والشراب إذا لم ينو بذلك وجه الله، ولم يرد أداء فرضه أو التطوع الله به، فليس بصائم في الشريعة؛ فلهذا ما قلنا إنه لا تطلع عليه الحفظة ولا تكتبه، ولكن الله يعلمه ويجازي به على ما (161) شاء من التضعيف. والصوم في لسان العرب أيضا الصبر، ((إنمايوفى الصابرون أجرهم بغير حساب»(162). وقال أبو بكر بن الأنباري: الصوم یسمی صبراً، لأنه حبس النفس عن المطاعم والمشارب والمناكح والشهوات. (159) كلمة (ما) ساقطة في أ، ثابتة في ق ك. (160) هو: أ، هي: ق ك. (161) من: أ، ما: ق ك. (162) الآية: ٦٥ - سورة الزمر. - 60-