النص المفهرس

صفحات 281-300

وفي سماع ابن القاسم سئل مالك عن ابنتي العم: أتجمعان؟
قال: ما أعلمه حراماً. قيل له: أفتكرهه؟ قال: إن ناسا
ليتقونه، وقال لنا قبل ذلك: غيره أحسن منه؛ قال ابن القاسم:
وهو حلال لا بأس به .
قال أبو عمر ، على هذا القول جماعة فقهاء الامصار من
أهل الرأي والحديث، لا يختلفون في أنه جائز الجمع بين
ابنتي العم من النسب والرضاعة ، لان ابنتي العم لو كانت
إحداهما ذكراً، حل له نكاح الاخرى، وليس كذلك المرأة مع
عمتها : ومعنى هذا الحديث عندهم كراهية الجمع وتحريمه بين
كل امرأتين لو كانت احداهما رجلا لم يحل له نكاح الاخرى
من النسب خاصة دون المصاهرة . - فافهم هذا الاصل. (1) فإنه
مأخوذ من تحريم الجمع بين الاختين ، لانه (2) لا يحل لاحدهما لو
كانت رجلا نكاح أختها، فكذلك كل من كان بمنزلتهما من
ذوات المحارم وان بعدن إذا كانت إحدى المرأتين او كان
مكانها رجل، لم يجز أن يتزوج الاخرى لم يحل الجمع بينهما لاحد
وروى معتمر بن سليمان ، عن فضل بن ميسرة ، عن
أبي حريز، عن الشعبي، قال: كل امرأتين إذا جعلت موضع
1) الأصل فإنه مأخوذ من تحريم، ص، وقد زعم جماعة من أهل العلم
أن هذا المعنى موجود في تحريم: ق ك .
2) لأنه : ص ، لانهما: قى ك.
281

إحداهما ذكرا. لم يجز له أن يتزوج بالاخرى ؛ فالجمع بينهما
باطل. فقلت له : من هذا؟ فقال : عن أصحاب رسول الله
- صلى الله عليه وسلم -.
وذكر عبد الرزاق. عن الثوري، عن ابن أبي ليلي،
عن الشعبي قال: لا ينبغي لرجل ان يجمع بين المرأتين لو
كانت إحداهما، رجلا لم يحل له نكاحهما .
قال سفيان: تفسيره عندنا أن يكون من النسب ولا
يكون بمنزله امرأة وابنة زوجها، يجمع بينهما ان شاء (1).
قال أبو عمر: وعلى هذا مذهب مالك، والشافعي، وابي
حنيفة، والاوزاعي، وسائر فقهاء الأمصار (2) من أهل الحديث
وغيرهم - فيما علمت، لا يختلفون فى هذا الاصل ؛ وقد كره
قوم من السلف أن يجمع الرجل بين ابنة رجل وامرأته . من
أجل ان احداهما لو كانت رجلا، لم يحل له نكاح الاخرى :
والذي عليه الفقهاء أنه لا بأس بذلك، وان المراعى في هذا
المعنى النسب دون غيره من المصاهرة، فانه (8) لا بأس أن
يجمع بين امرأة الرجل وابنته من غيرها (4) .
١) المصنف 263/6 - حديث (10788).
(3) وسائر فقها" الامصار: ص. وسائر علما" المسلمين، ق ك.
(3) فإنه « س، وأنه ، ق ك.
4) من غيرها: ص. من غيرها فانهم - بزيادة (فافهم) ، ف ك
282

وقد فرق قوم من جهة النظر بين امرأة الرجل وابنته .
وبين المرأة وعمتها - بان قالوا : في هانين وما كان مثلهما:
ابتهما جملت ذكرا لم يحل له الاخرى .
وأما امرأة الرجل وابنته من غيرها، فإنه لو كان موضع
البنت ابن لم يحل له امرأة أبيه ؛ وبقي فيها وجه آخر. وذلك
ان يجعلوا موضع المرأة ذكرا فتحل له الانثى، لانه رجل
اجنبي تزوج ابنة رجل اجنبي ، وليس الاختان ولا العمة مع
ابنة أخيها، والخالة مع ابنة اختها كذلك؛ لان هؤلاء ابتعما
جعلت ذكرا. لم تحل له الاخرى، فقف على هذا الاصل فعليه
جماعة أئمة الفتوى - والحمد لله .
والرضاعة في هذا الباب كالنسب ، ذكر عبد الرزاق من
الثوري، عن جابر، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه كره
العمة والخالة من الرضاعة (1). ومن ابن جريج عن عطاء قال:
قلت له : أيجمع الرجل بين المرأة وعمتها من الرضاعة ؟ قال :
لا، ذلك مغل الولادة (2).
1) المصنف 383/8 - حديث (10760).
2) المصنف 262/6 - حديث (10761) .
288

اوعن معمر (1) عن قتادة ان ابن مسعود قال: واكره
عمنك من الرضاعة وخالتك (2) من الرضاعة (9) ).
١) ما بين القوسين ساقط في ص. ثابت في ق ك.
(2) جملة (من الرضاعة) ساقطة في المصنف .
8) المصنف 262/6 - حديث (10762) .
284

حديث سابع وعشرون لابي الزناد
مالك، عن أبي الزناد ، عن الاعرج دافعين أبي هريرة ،
أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: مطل الغني ظلم،
وإذا أتبع أحدكم على مليء فلمتبع (١) .
هذا يدل على أن المطل على الغني حرام ، لا يحل إذا
مطل بما عليه من الدبون - وكان قادرا على توصيل الدين
إلى صاحبه ، وكان صاحبه طالباً له؛ لان الظلم حرام قليله
وكثيره، وتختلف آثامه على قدر اختلافه ؛ لان للظلم وجوها
كثيرة. فأعظمها الشرك، وأقلها لا يكاد يعرف من خفائه .
وجملتها لا تحصى كثرة؛ وأصل الظلم فى اللغة خذك ما ليس
لك، ووضعك الشيء في غهر موضعه، ومنه قالوا :
ومن يشابه أبه فما ظلم .
أي لم يضع الشبه غير موضعه، ثم بتصرف على كل
شيء أخذ من غير وجهه .
قال الله - عز وجل -: ((إن الشرك لظلم عظيم)) (2) .
1) الموطأ رواية يحيى ص 469 - حديث (1868) والحديث أخرجه
السنة انظر الزرقاني على الموطأ 842/3 .
2) الآية : 18 سورة لقمان .
285

وقال: «ومن بظلم منكم بذله عذابا كبيرا، ١١١. «والله
لا يحب الظالمين، (2) .
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاكيا عن
ربه: يا عبادي، حرمت عليكم الظلم ، فلا تظالموا (9)
وقال : الظلم ظلمات يوم القيامة (4).
أخبرنا أبو محمد قاسم بن محمد، قال حدثنا خالد بن
سعد، قال حدثني محمد بن عمر بن لبابة ، قال حدثني عثمان
ابن أبوب ، قال : سمعت سحنون بن سعيد يقول: إذا مطل
الغني بدين عليه ، لم تجز شهادته ، لان النبي - صلى الله عليه
وسلم - قد سماء ظالما؛ والدليل على أن مطل الغني ظلم لا يحل ١٠
أبيح منه لغريمه من أخذ عوضه ، والقول فيه بما هو عليه من
الظلم وسوء الافعال؛ ولولا :مطله له. كان ذلك فيه غيبة، وقد قال
- صلى الله عليه وسلم- إن دماء كم وأموالكم وأعراضكم عليكم
حرام . - (5) بريد من بعضكم على بعض، ثم أباح لمن مطل بدينه
1) الآية : 19 - سورة الفرقان.
9) الآيتان: 67، 140 - سورة آل عمران.
9) طرف من حديث قدسي طويل أخرجه مسلم، انظر الاربعين
النووية ص 209 - 2:8 .
٤) أخرجه البخاري والترمذي .
(8) طرف من حديث طويل أخرجه البخاري ومسلم، والترمذي
والنسائي وابن ماجه.
286

أن يقول فيمن مطله، قال - صلى الله عليه وسلم -: لي الواجد
بحل عرضه وعقوبته (1). واللي: المطل والتسويف، والواجد: الغني.
حدثنا سعيد بن نصر ، وعبد الوارث بن سفيان ، قالا
حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن وضاح ، قال حدثنا
أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا وكيع ، قال حدثنا وبرة بن
أبي دليلة (2) شيخ من أهل الطائف ، (3) قال حدثني محمد بن
ميمون بن مسمكة - وأثنى عليه خيرا - عن عمرو بن الشريد .
عن أبيه. قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لي
الواجد بحل عرضه وعقوبته .
قال أبو عمر هذا - عندي - نحو معنى قول الله - عز وجل -
(لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم». (4) - وهذه
الآية نزلت في رجل تضيف قوما فلم يضيفوه، فأبيح له أن
بقول فيهم إنهم لئام لاخير فيهم. وأولا منعهم له من حق
الضيافة ، ما جاز له أن يقول فهم ما فيهم، لانها غيبة محرمة .
قال - صلى الله عليه وسلم -: اذا قلت في أخيك ما فيه، فقد افتبته،
وإذا قلت فيه ما ليس فيه، فذلك البهتان، وهكذا لما كان مطل
1) أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم.
انظر الجامع الصغير بشرح فيض القدير 400/5 .
(2
دليلة : ص . ليلة: ق ك - وهو تحريف .
9) انظر ترجمته في تعذيب التعذيب لابن حجر 110/11 .
الآية 148 - سورة النساء .
ت
287

الغنى ظلما. أبيح لغريبه عرضه ومعنى قوله في هذا الحديث
وعقوبته - والله أعلم - المعاقبة له بأخذ ماله عنده من ماله اذا
أمكنه أخذ حقه منه بغير اذنه ، وكيف أمكنه من ماله ؛ قال
الله - عز وجل -: ((وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما يعوقبتم به، (١)
وقد شكت هند إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ان زوجها
أبا سفيان لا يعطيها ما يكفيها وولدها بالمعروف، فقال لها :
خذى من ماله ما يكفيك وولدها بالمعروف . فأمرها أن تعاقبه
بأخذ مالها من حق عنده. فهذا معنى قوله - صلى الله عليه
وسلم - والله أعلم - لي الواجد يحل عرضه وعقوبته .
حدثنا قاسم بن محمد، قال حدثنا خالد بن سعد ، قال
حدثنا أحمد بن عمرو، قال حدثنا محمد بن سنجر ، قال حدثنا
أبو عاصم ، عن وبرة بن ابي داهلة ، عن محمد بن عبد الله
ابن ميمون، قال حدثني عمرو بن الشريد، عن أبيه، قال :
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لي الواجد بحل
عرضه وعقوبته . وقد استدل جماعة من أهل العلم والنظر على
جواز حبس من وجب عليه أداء الدين حتى يؤديه إلى صاحبه ، أو
تثبت عسرته بقوله - صلى الله عليه وسلم -: مطل الغني ظلم.
1) الآية : 136 - سورة النحل.
288

وبقوله. لي الواجد يحل عرضه وعقوبته قالوا ومن عقوبته (1)
الحبس، هذا إذا كان دينه بعوض حاصل بيده. إلا أن أكثر
أصحابنا لا يفرقون بين وجوب الدين عليه من أجل عوض أو
غير عوض، لان الاصل عندهم اليسار حتى يثبت العدم؛ وعند
غيرهم الاصل في الناس العدم. لان الله لم يخرج (2) خلقه إلى
الوجود الا فقراء، ثم تطرأ الاملاك عليهم بأسباب مختلفة ، فمن
ادعى ذلك فعليه البينة : وأما من أقر بالعوض، فقد أقر باليسار؛
فان ادعى الفقر لم يقبل منه بغير بينة ، ومطله ومدافعته ظلم ؛
وأما إذا صح يساره وامتنع من أداء ما وجب عليه ، فحبسه
واجب، لانه ظالم باجماع: قال الله - عز وجل -: ((انما السبيل
على الذين يظلمون الناس، (8). وهذا حديث غريب لا يجى.
إلا بهذا الاسناد .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال حدثنا قاسم بن أصبغ.
قال حدثنا بكر بن حماد ، قال حدثنا مسدد، قال حدثنا يحيى .
عن شعبة، عن سلمة بن كهول، عن أبي سلمة بن عبد
الرحمان، عن أبى هريرة، أن رجلا أتى النبي - صلى الله
1) ومن عقوبته (ص، وعقوبته - باسقاط (من): ق . ك.
2) يخرج: ص. يغلق، ق ك.
3) الآية : 42 سورة الشورى .
التمهدج١٨
289

:
عليه وسلم - يتقاضاه فأغلظ له. نعم به أصحابه : فقال رسول
الله - صلى الله عليه وسلم -: دعوه، فان لصاحب الحق مقالا.
وأما قوله، واذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع ، فمعناه
الحوالة : يقول: واذا أحيل أحدكم على مليء فليتبعه . وهذا
يبينه ويرفع الاشكال فيه. حديث يونس بن عبيد، عن نافع،
عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :
مطل الغني ظلم ، واذا أحلت على مليء فاتبعه . وهذا عند
أكثر الفقهاء ندب وارشاد لا ايجاب، وهو عند أهل الظاهر
واجب ؛ فقال ابن وهب: سألت مالكا عن تفسير حديث رسول
الله - صلى الله عليه وسلم -: من أقبع على ملي. فليتبع، قال
مالك هذا أمر ترغيب، وليس بالذي يلزمه السلطان الناس .
وينبغي له ان يطمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم.
قال: وسألت مالها عن الحول بالدين ، فقال : انظر ما
أقول لك: احل بما قد حل من دينك فيما حل وفهما لم يحل .
ولا تحل ما لم يحلل في شيء ولا فيما حل وفيما لم يحل .
واختلف الفقهاء في معنى الحوالة ، فجملة مذهب مالك
وأصحابه فيها : أن من احتال بدين له على رجل على آخر .
فقد بريء المحمل ولا يرجع المه أبداً - أفلس أو مات، الا ان
290

يغره من فلس، فإن غره انصرف عليه ؛ وهذا اذا كان له عليه
دين ، فان لم يكن له عليه دبن فهي حمالة ، ويرجع اليه
أبدا؛ فان كان له عليه دبن. فهي الحوالة؛ ولا يكون للمحتال
أن يرجع على المحيل بوجه من الوجوه - نوى المال أو لم
يتو. (1) إلا أن يغره من فلس قد علمه؛ وهذا كله مذهب
الشافعي وأصحابه أيضا. قال ابن وهب عن مالك: اذا احمل
بدين عليه فقد بريء المحيل ، ولا يرجع عليه بموت ولا إفلاس.
وقال ابن القاسم عنه: ان أحاله ولم يغره من فلس علمه
من غريمه، فلا يرجع عليه اذا كان عليه دين له ؛ فإن غره
او لم يكن له عليه شيء، فإنه يرجع عليه اذا أحاله .
وقال الشافعي : يبرأ المحيل بالحوالة ، ولا يرجع عليه
بموت ولا افلاس .
وقال أبو حنيفة وأصحابه : يبرأ المحمل بالحوالة ولا يرجع
عليه الا بعد النوى، والتوى عند أبي حنيفة: أن يموت المحال عليه -
مفلسا، أو يحلف ما له عليه من شيء، ولم يكن للمحمل بينة .
وقال أبو يوسف ومحمد: هذا نواء، وافلاس المحال عليه ايضاقوا ..
١) توى المال يتوي : ملك.
291

وقال عثمان البتي : الحوالة لا تبري المحيل الا ان
يشترط البراءة . فان اشترط البراءة، بريء المحيل اذا أحاله
على مليء: وان احاله على مفلس ولم بعلمه أنه مفلس، فإنه
يرجع عليه - وان ابرأه: وان اعلمه انه مفلس وأبرأه، لم يرجع
على المحيل .
وقال ابن المبارك من الثوري : اذا أحاله على رجل
فأقلس، فليس له أن يرجع على الآخر الا بمحضرهما؛ وان
مات وله ورنة ولم يترك شيئا. رجع - حضروا أو لم يحضروا .
وقال الليث في الحوالة : لا يرجع إذا أفلس المحتال عليه .
وقال ابن أبي ليلى: ببرأ صاحب الاصل بالحوالة .
وقال زفر والقاسم بن معن في الحوالة : له أن بأخد
كل واحد منهما بمنزلة الكفالة .
قال أبو عمر: لما قال - صلى الله عليه وسلم - : وإذا
أحمل أحدكم. أو أتبع أحدكم على ملي. فلهتبع . - دل على أن
من غر غريمه من غير ملي .. لم يكن له أن يتبعه ، وكان له
أن يرجع عليه بحقه، لانه لم يعله على مليء؛ وإذا أحاله على
مليء ثم لحقه بعد ذلك آفة الفلس، لم يكن له أن يرجع :
لانه قد فعل ما كان له فعله، ثم أتى من أمر الله غير ذلك ؛
292

وقد كان صح انتقال ذمة المحمل الى ذمة المحتال علمه . فلا
يفسخ ذلك أبدا؛ وما اعتراه بعد من الفلس. فمصيبته من
المحتال ، لانه لا ذمة له غير ذمة غريمه الذى احتال عليه وهذا
بین - ان شاء الله .
ومن حجة أبى حنيفة وأصحابه أن الملأ لما شرط فى
الحوالة ، دل على أن زوال ذلك يوجب عود المال عليه ؛ وشبهه
ببيع الذمة بالذمة في الحوالة ، كابتياع عبد بعيد ؛ فاذا مات
العبد قبل القبض، بطل البيع ؛ قالوا : فكذلك موت المحتال
عليه مفلسا، قالوا : وإفلاس المحتال عليه مثل إباق العبد من
بد البائع ، فيكون للمشتري الخيار في فسخ البيع ، وإن
كان قد يرجى رجوعه وتسليمه، كذلك إفلاس المحتال عليه ؛
(قال أبو عمر: أصح شيء في الحوالة من أقوال الفقها .. ما ذهب
اليه مالك والشافعى - والله أعلم). (1) فهذا ما للعلماء فى
الحوالة من المعانى ، والاصل فيها (2) حديث هذا الباب ؛
والحوالة أصل فى نفسها، خارجة عن الدين بالدين ، وعن بيع
ذهب بذهب، أو ورق بورق - وليس بدا بيد ؛ كما ان العرابا
أصل فى نفسها خارج عن المزابنة، وكما أن القراض والمساقاة
أصلان فى أنفسهما، خارجان عن معنى الاجارات ؛ فقف على
هذه الاصول نفقه - إن شاء الله، وليس هذا موضع ذكر الكفالة
- والله الموفق للصواب .
٠
١) ما بين الفوسين ساقط في ص. ثابت في ق ك.
2) فيها: ص . منها: قى ث.
293

حديث ثامن وعشرون لأبي الزناد
?
مالك، من أبي الزناد، عن الاعرج، عن أبي هريرة، أن
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا اشتد الحر فأبردوا
عن الصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم ( !!.
لم يختلف من مالك في إسناد هذا الحديث ولفظه . كلهم
يقول فيه: إذا اشتد الحر، فأبردوا عن الصلاة - هكذا.
وقد حدثنا خلف بن قاسم ، حدثنا أبو الحسن علي بن
العباس بن عبد الغفار البزار، قال حدثنا مقدام بن داود، وبكر
ابن سهل الدمياطى ، قالا حدثنا محمد بن مخلد الرعيني ، حدثنا
مالك، عن أبي الزناد، عن الاعرج، عن أبي هريرة، قال:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أبردوا بصلاة الظهر
في اليوم الحار ، فإن شدة الحر من فيح جهنم.
قد مضى القول في معنى هذا الحديث وما للعلماء فيه
في باب زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار - من كتابنا هذا (2)
فلا وجه لاعادة ذلك معنا.
١) الموطأ رواية يحيى ص 21 - حديث (27) - والحديث أخرجه مسلم
انظر الزرقانى على الموطأً !/89.
2) انظرج 8/5 - 4.
294

حديث تاسع وعشرون لابي الزناد
مالك، عن أبي الزناد ، عن الاعرج، عن أبي هريرة
أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إياكم والوصال.
اياكم والوصال، قالوا: فإنك تواصل يارسول الله، قال : اني
لست كهيئتكم، إني أبيت بطعمني ربي ويسقيني (1)
وقد تقدم القول في معنى هذا الحديث في باب نافع .
من ابن عمر - والحمد لله ؛ ولا يصح عن مالك في النهي عن
الوصال غير حديثه عن أبي الزناه ، وعن نافع : وقد روي عن
شجرة بن عبد الله - قاضي القيروان، عن مالك، عن الزهري.
عن أنس، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الوصال
في الصيام، وهو باطل عن الزهري، عن أنس - لمالك وغيره.
(1) الموطأ رواية يحيى ص 203 - حديث (872)، والموطأ رواية محمد
ابن الحن ص 129 - حديث (867) والحديث أخرجه الشيخان البخاري ومسلم
انظر الجامع الصغير بشرح فيض القدير 188/3 .
295

حديث موفي ثلاثين لابي الزناد
مالك، عن أبي الزناد، عن الاعرج، عن أبى هريرة .
أن رسول الله - صلى الله عليه رسلم - رأى رجلا يسوق بدنة.
فقال: اركبها، فقال: يا رسول الله إنها بدنة، فقال اركبها.
فقال: يا رسول الله إنها بدنة. فقال: اركبها، ووبلك - فى
الثانية أو الثالثة (1).
هكذا بروبه أكثر الرواة عن مالك في الموطأ في الثانية
أو في الثالثة ، وممن قال ذلك: عتيق بن يعقوب الزبيرى.
وقتيبة ؛ وقال فيه ابن عبد الحكم في الثالثة أو في الرابعة
حدثناه خلف ، حدثنا ابن الورد . حدثنا يوسف بن يزيد .
حدثنا ابن عبد الحكم، أخبرنا مالك - فذكره باسناده هكذا.
قال مالك في هذا الحديث عن أبي الزناد ، عن الادرج، عن
ابي هريرة، وخالفه ابن عيينة، فقال فيه عن أبي الزناد ، عن
موسى بن أبي عثمان، عن أبيه ، عن أبي هريرة .
حدثنا محمد بن ابراهيم بن سعيد . قال حدثنا أحمد بن
مطرف ، قال حدثنا سعيد بن عثمان الاعناقى . قال حدثنا
1) الموطأ رواية يحيى ص 260 - حديث 846 والحديث أخرجه البخاري
ومسلم وأبو داود والنسائي .
انظر الزرقاني على الموطا 324/2 .
296

اسحاق بن اسماعيل العثماني الايلي ، قال حدثنا سفيان بن
عيينة عن أبي الزناد . عن موسى بن أبي عثمان ، عن أبيه .
عن أبي هريرة، قال: مر النبي - صلى الله عليه وسلم - برجل
بسوق بدنة، فقال: اركبها. فقال: أنها بدنة بارسول الله.
فقال: ويلك اركبها.
اختلف العلماء في ركوب الهدي الواجب والتطوع، فذهب
أهل الظاهر الى ان ركوبه جائز من ضرورة، وبعضهم أوجب ذلك.
وذهبت طائفة من أهل الحديث إلى انه لابأس بركوب
الهدى على كل حال ايضا على ظاهر هذا الحديث ؛ والذى
ذهب اليه مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وأكثر الفقهاء: كراهية
ركوبه من غير ضرورة ؛ فكره مالك ركوب العدي من غير
ضرورة، وكذلك كره شرب لبن البدنة ، وان كان بعد ري
فصيلها : فان فعل شيئا من ذلك كله ، فلا شيء عليه .
وقال أبو حنيفة، والشافعي: إن نقصها الركوب، أو
شرب لبنها، فعليه قيمة ما شرب من لبنها. وقيمة ما فقمها الركوب.
وحجة من ذهب هذا المذهب أنه ما خرج له، فغير جائز
الرجوع في شيء منه، ولا الانتفاع به؛ فان اضطر إلى ذلك ،
جاز له، لحديث جابر فى ذلك، حدثناه عبد الله بن محمد،
897

قال حدثنا محمد بن بكر ، قال حدثنا أبو داود قال حدثنا أحمد
ابن حنبل . قال حدثنا يحيى بن سعيد، من ابن جريج، قال :
أخبرنا أبو الزبير قال: سألت جابر بن عبد الله عن ركوب
الهدى، فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول :
اركبها بالمعروف اذا لجأت إليها حتى تجد ظهرا (1).
وأما قوله : ويلك فمخرجه الدماء عليه إذ أبى من ركوبها
في اول مرة، وقال له انها بدنة - وقد كان رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - يعلم أنها بدنة ؛ فكأنه قال له : الويل لك في
مراجعتك ابنى فيما لا تعرف (2) - والله أعلم.
وكان الاصعي يقول: وبل كلمة عذاب، وويح كلمة رحمة
1) انظر سنن أبي داود 1 /408.
(3) تعرف والله أعلم: ص. تعرف واعرف والله أعلم بزيادة وأعرف، ق ك.
298

حديث حاد وثلاثون لابي الزناد
مالك، عن أبي الزناد ، عن الاعرج، عن أبي هريرة، أن
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: لولا أن أشق على
أمتي لأمرتهم بالسواك (١).
هكذا قال يحيى فى هذا الحديث : لولا أن أشق على
امتي - لم يزد، وتابعه جماعة من رواة الموطأ على ذلك؛ وقال
بعضهم فيه عن مالك: لولا أن اشق على أمتي أو على الناس.
وقال فيه آخرون عن مالك: لولا أن أشق على المومنين
او على الناس، لأمرتهم بالسواك .. هكذا قال القعنبى، وعبد الله
ابن يوسف، وأبوب بن صالح .
وقال فيه قتيبة : عند كل صلاة، ولم يقل: أو على
الناس : كل هذا قد روي عن مالك في حديث أبي الزناد هذا.
حدثنا خلف بن القاسم، حدثنا عبد المطلب بن العباس
العمرى ، حدثنا محمد بن يوسف بن المنذر ، حدثنا أبوب بن
1) الموطأ رواية يحمى ص 54 - حديث (112) - والحديث أخرجه
البخارى والنسائى .
انظر الزرقاني على الموطا 184/1
299

صالح. حدثنا مالك بن أنس، عن أبي الزناد ، عن الأعرج .
عن أبي هريرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
اولا أن أشق على الناس أو على المومنين، لأمرتهم بالسواك.
وقال ابن عيينة في هذا الحديث : عن أبي الزناد ، عن
الاعرج، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - :
اولا أن اشق على أمتي، لأمرتهم بتأخير العشاء والسواك عند
كل صلاة.
وقال فيه سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبي هريرة .
عن النبي - عليه السلام - لولا ان اشق على أمتي ، الأمرنهم
بالسواك مع الوضوء .
وروي هذا الحديث عن أبى هريرة من طرق شتى .
ورواه عن النبي - عليه السلام - جماعة من أصحابه ، منهم:
جابر ، وزيد بن خالد، (1) وعائشة، وأم حبيبة، وأفس؛ وقد
مضى القول في السواك في باب ابن شهاب ، عن حميد ، وعن
ابن السباق من كتابنا هذا، فلا معنى لامادة ذلك معنا .
١) زيد بن خالد: ص، زيد بن جابر - وهو تحريف.
انظر الرجمة زيد بن خالد فى كتاب الاستيعاب لابن عبد البر ص
549، والاصابة لابن حجر 8/ 27.
800