النص المفهرس

صفحات 41-60

من عباده العلماء (1)». قالوا: كل من خاف الله فقد آمن به
وعرفه، ومستحيل أن يخافه من لا يؤمن به، وهذا واضح لمن
فهم وألهم رشده .
ومثل هذا الحديث فى المعنى : ما حدثناه عبد الوارث بن
سفيان ، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا محمد بن إسماعيل.
حدثنا أبو صالح، حدثني الليث، عن ابن العجلان ، عن زيد
ابن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول اللـه
- صلى الله عليه وسلم - قال: إن رجلا لم يعمل خيراً قط، وكان
بداين الناس فيقول لرسوله: خذ ما يسر، واترك ما عسر وتجاوز،
لعل الله يتجاوز عنا؛ فلما هلك، قال الله : هل عملت خيراً
قط ؟ قال : لا - إلا أنه كان لي غلام فكنت أداين الناس ، فإذا
بعثته يتقاضى، قلت له : خذ ما يسر، واترك ما عسر وتجاوز ، .
لعل الله يتجاوز عنا؛ قال الله : قد تجاوزت عنك.
قال أبو عمر : فقول هذا الرجل الذى لم يعمل خيراً قط
غير تجاوزه عن غرمائه : لعل الله يتجاوز عنا، إيمان واقرار
بالرب ومجازاته ؛ وكذلك قوله الآخر : خشيتك يا رب، إيمان
1) الآية : 28 - سورة فاطر.
41

بالله، واعتراف له بالربوبية - والله أعلم -. وأما قوله: لئن قدر
الله علي، فقد اختلف العلماء في معناه؛ فقال منهم قائلون .
هذا رجل جعل بعض صفات الله - عز وجل - وهي
القدرة، فلم يعلم أن الله على كل ما يشاء قدير ؛ قالوا : ومن
جهل صفة من صفات الله - عز وجل -، وآمن بسائر صفاته
وعرفها. لم يكن بجهله بعض صفات الله كافراً؛ قالوا : وإنما
الكافر من عائد الحق . لا من جهله ؛ وهذا قول المتقدمين من
العلماء، ومن سلك سبيلهم من المتأخرين (1). وقال آخرون:
أراد بقوله: لئن قدر الله عليه، من القدر الذى هو القضاء،
وليس من باب القدرة والاستطاعة في شيء؛ قالوا : وهو مثل
قول الله - عز وجل - في فى النون: (( إذا ذهب مغاضباً، فظن
أن لن نقدر عليه (2)».
وللعلماء فى تأويل هذه اللفظة قولان، أحدهما : أنها من
التقدير والقضاء، والآخر أنها من التقتبر والتضييق ؛ وكل ما
قاله العلماء فى تأويل هذه الآية، فهو جائز فى تأويل هذا
١) وهذا قول المتقدمين من العلبة ومن سلك سبيلهم من المتأخرين ص.
قال ابو عمر: هذا قول يبيضه جماعة من أهل النظر وفيه ضروب من الاعتراضات
والملل - ليس هذا موضع وكرماء ى.
(2) الآية : 87 سورة الانبيا
2

الحديث في قوله : لئن قدر الله على: فأحد الوجهين تقديره :
كان الرجل قال : لئن كان قد سبق في قدر الله وقضائه أن
يعذب كل في جرم على جرمه ، ليعذبني الله على إجرامي
وذنوبي عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين غيرى. والوجه - الآخر
تقديره والله لئن ضيق الله علي وبالغ في محاسبني وجزائي
على ذنوبي ، ليكونن ذلك ؛ ثم أمر بأن يحرق بعد مونه من
إفراط خوفه ؛ قال ابن قتيبة : بلغني عن الكسائي أنه قال :
يقال هذا قدر الله وقدره، قال ولو قرئت: «أودية بقدرهما (1)، مخففاً،
أو قرئت وما ((قدروا الله حق قدره (2) - مثقلا جاز، وأنشد :
وما صب رجلي في حديد مجاشع
مع القدر إلا حاجة لى أريدها
أراد القدر قال: ويقال هذا على قدر هذا وقدره، قال
الاصمعي : أنشدفى عيسى بن عمر - لبدوي :
كل شيء حتى أراك متاع وبقدر تفرق واجتماع
ومن هذا حديث ابن عمر، عن النبى - عليه السلام - في
الهلال : فإن غم عليكم فاقدروا له . وقد ذكرته في بابه -
وموضعه من هذا الكتاب .
1) الآية : 17 سورة الرعد.
2) الآية : ٥١ سورة الأنعام.

وقد روينا عن أبى العباس أحمد بن يحيى ثعلب أنه
قال في قول الله - عز وجل؛ ((فظن أن لن نقدر عليه،، - قال:
هو من التقتير ليس من القدرة، يقال منه : قدر الله لك الخير
يقدره قدرا - بمعنى قدر الله لك الخير. وأنشد ثعلب:
ولا عائداً ذاك الزمان الذي مضى
تبار كت ما تقدر يقع - ولك الشكر
- يعني ما تقدره وتقضى به بقع، يعني ينزل وينفذ ويمفي.
قال أبو عمر : هذا البيت لابي صغر العذلي في قصيدة
له، أولها :
لليلى بذات الجيش (1) دار عرفتها
وأخرى بذات البين آياتها ، سطر
وفيها يقول :
وليس عشيات الحمى برواجع لنا أبداً ما أبرم السلم النضر
ولا عائد ذاك الزمان الذي مضى
تباركت ما نقدر يقع - ولك الشكر
١) ذات الجيش - جملها بعضهم من العقيق بالمدينة
انظر معجم البلدان (جيش) .
بهم،

السلم شجر من العضاه يدبغ به ، والنضر النضارة والتنعم ؛
وأبرم السلم أخرج برمته ، وأبرمت الامر : أحكمته . وقال غيره:
بد الله والمستنصر الله غالب
فما الناس أردوه ولكن أقاده
كفاحاً وتجلبه إليك الجوالب
فإنك ما يقدر لك الله تلقه
وقال ابن قتيبة في قول الله عز وجل : ((فظن أن لن
فقدر عليه)، (1) أى لن نضيق عليه . قال : فلان مقدر عليه -
ومقتر عليه. ومنه قوله - عز وجل - «فقدر عليه رزقه)).
أي (2، ضيق عليه في رزقه. وقوله: ((ومن قدر عليه رزقه (8))) .
أبي ضيق عليه في رزقه . وقال ثعلب في قول الله عز وجل:
((وذا النون إذا ذهب مغاضباً، قال : مغاضباً للملك.
قال أبو عمر: قد قيل ما قال ثعلب، وقيل أنه خرج
مغاضباً لنبي كان في زمانه، وهذان القولان للمتأخرين، وأما
المتقدمون ، فإنهم قالوا : خرج مغاضباً اربه ، روى ذلك عن ابن
مسعود، والشعبي ، والحسن البصري، وغيرهم؛ ولولا خروجنا عما
له قصدنا، لذكرنا خبره وقصته معنا .
1) الآية : 18 سورة الفجر.
2) أي : ك. إن : ص - وهو تحريف.
8) الآية : 7 - سورة الطلاق.
8

وأما جهل هذا الرجل المذكور في هذا الحديث بصفة
من صفات الله في علمه وقدره، فليس ذلك بمخرجه من الايمان ؛
ألا ترى أن عمر بن الخطاب ، وعمران بن حصين ، وجماعة
من الصحابة ، سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن
القدر ، ومعلوم أنهم إنما سألوه عن ذلك - وهم جاهلون به ؛
وغير جائز عند أحد من المسلمين أن يكونوا بسؤالهم عن ذلك
كافرين، أو يكونوا في حين سؤالهم عنه غير مومنين :
حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال حدثنا قاسم بن أصغ،
قال : حدثنا مضر بن محمد، قال حدثنا شيبان بن فروخ ،
قال : حدثنا عبد الوارث ، عن يزيد الرشك، قال حدثنا مطرف.
عن عمران بن حصين ، قال: قلت : يارسول الله ، أعلم أهل
الجنة من أهل النار ؟ - وذكر الحديث .
وروى الليث عن أبي قبيل (1)، عن شفي (2) الاصبحي
عن عبد الله بن عمرو بن العاص - فذكر حديثاً في القدر.
١) ابو قبيل حي بن هانئ" بن ناصر المعافري البصري. وثقه احمد
وأبو زرعة وغيرهما، (ت 128 م) .
أنظر التقريب 209/1، وتهذيب التعذيب 72/8 - 73 .
2) أبو عثمان شفى - بالفاء مصف ! - بن ماتع الاصبحي.
قال فيه المجلى: تابع نقه. (ت ٥108).
انظر التقريب 853/1، وتعذيب التعذيب 360/4 .
46

وفيه (1): فقال أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم:
فلأي شيء نعمل إن كان الامر قد فرغ منه ؟ فهؤلاء أصحاب
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم العلماء الفضلاء - سألوا
عن القدر سؤال متعلم جاهل، لا سؤال متعنت معاند : فعلمهم
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما جهلوا من ذلك، ولم
يضرهم جهلهم به - قبل أن يعلموه : ولو كان لا يسعهم جعله
وقتاً من الأوقات، لعلمهم ذلك مع الشهادة بالايمان : وأخذ ذلك
عليهم في حين اسلامهم، ولجعله عموداً سادساً للاسلام؛ فتدبر
واستعن بالله، فهذا الذي حضرني على ما فهمته من الأصول
ووعيته ، وقد أديت اجتهادي فى تأويل حديث هذا الباب كله
ولم آل. وما أبرىء نفسي، وفوق كل ذي علم عليم - وبالله التوفيق.
!) وفيه: ص . فيه : ك.
47

حديث ثامن لأبي الزناد
مالك، عن أبي الزناد ، عن الاعرج، عن أبي هريرة ، أن
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ليس المسكين بهذا
الطواف الذى يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان، والتمرة
والتمرتان ؛ قالوا : فما المسكين يا رسول الله ؟ قال : الذي لا
يجد غني يغنيه ، ولا يفطن الناس له فيتصدق عليه ، ولا يقوم
فيسأل الناس (1) :
هكذا قال يحيى فى هذا الحديث ، فما المسكين ؟
ولم يقل : فمن المسكين؟ وكان وجه الكلام أن يقول :
فما المسكين ؟ لان من وضعت لمن يعقل ، وقد تابع
يحيى على قوله: فما المسكين - جماعة ، ويحتمل وجهين ،
أحدهما أن يكون اراد بها الحال التي يكون بها السائل مسكينا،
والوجه الآخر ان تكون ما ههنا من، كما قال - عز وجل -:
((والسماء وما بناها (2))) - أراد ومن بناها، وكما قال:°" وما
1) الموطأ رواية يحيى ص 681 - حديث (1670) ورواية محمد بن
الحسن ص 380 - حديث (981) - والحديث أخرجه البخاري والنسائي. انظر
الزرقانى: على الموطأً 4 / 889.
٤) الآية ٥ - سورة والشمس.
48

خلق الذكر والانثى (1)، بمعنى (أراد ومن خلق الذكر
والانثى (2)). فأما (3) قوله: ليس المسكين بهذا الطواف،
فإنه أراد: ليس المسكين حقا على الكمال، وهو الذى بالفته
المسكنة بهذا الطواف، لان هناك مسكينا أشد مسكنة من
الطواف، وهو الذى لا يجد غنى ولا يسأل، ولا يفطن له
فيتصدق عليه ؛ هذا وجه قوله - صلى الله عليه وسلم - : ليس
المسكين بالطواف، لا وجه له غير ذلك ؛ لانه معلوم أن الطواف
مسكين، وذلك موجود في الآثار، ومعروف فى اللغة : ألا
قرى إلى قوله - صلى الله عليه وسلم - : ردوا المسكين ولو
بظلف محرق .
هكذا رواه مالك عن زيد بن أسلم، عن ابن بجيد ، عن
جدته، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (4). وقول عائشة إن
المسكين ليقف على بابى - الحديث، فقد سمته مسكينا، وهو
طواف على الابواب ؛ وقد جعل الله - عز وجل - الصدقات
للفقراء والمساكين
1) الآية 48 - سورة النجم.
2) ما بين القوسين ساقط في الأصل، ثابت في ى.
(1) أماد م. وأماء ك.
٤) الموطأ رواية يحيى ص: 681 - حديث (1071).
19

وأجمعوا ان السائل الطواف المحتاج مسكين ، وفى هذا
كله ما يدلك على ما وصفنا - وبالله توفيقنا .
واختلف العلماء وأهل اللغة في المسكين والفقير، فقال
منهم قائلون: الفقير أحسن حالا من المسكين ، قالوا : والفقمر
الذي له بعض ما يقيمه ويكفيه، والمسكين الذى لا شيء له :
واحتجوا بقول الراعي :
أما الفقير الذى كانت حلوبته وفق العمال فلم يترك له سبد
قالوا: لا ترى أنه قد أخبر أن لهذا الفقير حلوبة، وممن ذهب
الى هذا، يعقوب بن السكيت، وابن قتيبة، وهو قول بونس
ابن حبيب ؛ وذهب اليه قوم من أهل الفقه والحديث . وقال
آخرون المسكين أحسن حالا من الفقبر، واحتج قائلو هذه
المقالة بقول الله - عز وجل -: «أما السفينة فكانت لمساكين
يعملون في البحر» . (1) فأخبر أن للمسكين سفينة من سفن
البحر ، وربما ساوت جملة من المال .
واحتجوا بقول الله - عز وجل -: ((للفقراء الذين أحمروا
فى سبيل الله لا يستطيعون غرباً فى الارض، يحسبهم الجاهل
١) الآية: 76 - سورة الكهف.
50

أغنياء من التعفف. تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا (1)،
قالوا مهده الحال التي وصف الله بها الفقراء، دون الحال التي
أخبر بها عن المساكين . قالوا ولا حجة في بيت الراعي .
لانه إنما ذكر ى الفقير كانت له حلوبة في حال ما قالوا.
والفقير معناه في كلام العرب المفقور الذي نزعت فقرة من ظهره
من شدة الفقر، فلا حال أشد من هذه! واستشهدوا بقول الشاعر:
لما رأى لبد النسور تطايرت رفع القوادم كالفقير الأعزل
اي : لم يطق الطيران . فصار بمنزلة من انقطع صلبه
ولصق بالارض : قالوا : وهذا هو الشديد المسكنة، واستدلوا بقول
الله - عز وجل -: ((أو مسكينا ذا متربة، - (2) يعني مسكينة قد
لصق بالتراب من شدة الفقر ، وهذا يدل على أن ثم مسكينا
ليس ذا متربة . مثل الطواف وشبهه ممن له البلغة والسعي في
الاكتساب بالسؤال والتحرف ونحو هذا: وممن ذهب الى أن
المسكين أحسن حالا من الفقير الاصمعي ، وابو جعفر احمد
ابن عبيد. وهو قول الكوفيين من الفقهاء أبى حنيفة واصحابه .
ذكر ذلك عنهم الطحاوى : وهو احد قولى الشافعي، وللشافعي-
رحمه الله - قول آخر ان الفقير والمسكين سواء، ولا مرق
١. الآية
16 سورة لبد
2. الآية
274 سورة البقرة

بينها في المعنى، وإن افترقا في الاسم ؛ وإلى هذا ذهب ابن
القاسم وسائر أصحاب مالك فى تأويل قول الله - عز وجل؛
((إنما الصدقات للفقراء والمساكين» (!) وأما أكثر أصحاب الشافعي،
فعلى ما ذهب اليه الكوفيون فى هذا الباب، والله الموفق للصواب.
وقال أبو بكر بن الانباري : المسكين فى كلام العرب
الذي سكنه الفقر - أي : قلل حركته ، واشتقاته من السكون ؛
يقال : قد نمسكن الرجل وتسكن - اذا صار مسكينا وقمدرع
الرجل وتدرع : اذا لبس المدرعة .
وفي هذا الحديث دليل على ان الصدقة على أهل الستر
والتعفف، أفضل منها على السائلين الطوافون .
حدثنا عبد الرحمان بن يحيى، حدثنا علي بن محمد، حدثنا
أحمد بن أبى سليمان، حدثنا سحنون ، حدثنا ابن وهب ، قال
أخبرني اشعل بن حاتم، عن ابن عون ، عن محمد بن سيرين ،
قال: قال عمر: ليس الفقير الذى لا مال له، ولكن (2)
الفقير الاخلق الكسب (8) .
٤) الآية : 00 سورة التوبة .
2) هكذا ثبت في الأصل الذي اختص بهذا الحديث. ولابن الاثير
في التعاية . (انما الفقير).
3) أراد أن الفقر الأكبر انما هو نقر الآخرة، وأن فقر الدنيا أهون
النقرين ، ومعنى وصف الكسب بذلك . أنه وافر منتظم، لا يقع فيه وس.
ولا يتحيفه نقص؛ وهو مثل الرجل الذي لا يصاب في ماله ولا ينكب فيئاب.
على صبره واذا لم يصب فيه ولم ينكب. كان فقيراً من الكسب.
انظر النهاية لابن الاثبرج ٦١/8 (خلق).
82

حديث تاسع لأبي الزناد
مالك ، عن أبي الزناد ، عن الاعرج، عن أبي هريرة .
قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: المومن (1) يأكل
في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء (2).
قال أبو عمر: معى مقصور مثل غنى وسوى ومنى ، وهذا
الحديث خرج على غير مقصوده بالحديث ، والاشارة فيه إلى
كافر بعينه، لا إلى جنس الكافر ؛ ولا سبيل إلى حمله على
العموم ، لان المشاهدة تدفعه وتكذبه - وقد جل رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - عن ذلك؛ ألا ترى أنه قد يوجد كافر
أقل أكلا من مومن، ويسلم الكافر فلا ينتقص أكله ولا يزيد ؛
وفي حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن
النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يدل على أن هذا الحديث
كان في رجل بعينه ، ولذلك جعله مالك في موطئه بعده مفسراً
1) عذ في النحتين، ومثله في التجريد، والفي في سائر نسخ الموطأ،
(ياعل المسلم في معي واحد).
(2) الموطأ رواية يحيى ص 861 - حديث (1872) - والحديث أخرجه
البخاري ومسلم
انظر الزرقاني على الموطأ 4 /291 .
53

له، وقد قيل فيه غير هذا مما قد ذكرته في حديث سهيل .
وسيأتي حديث سهيل في بابه من كتابنا هذا - إن شاء الله
ويروى أن الرجل الذي قال فيه رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - هذه المقالة هو جهجاه بن سعيد الغفاري، وقد
ذكرناه وذكرنا خبره في كتاب الصحابة (1). حدثني سعيد
ابن نصر، قال حدثني قاسم بن أصبغ . قال حدثنا محمد بن
وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال حدثنا زيد بن
الحباب ، قال حدثنا موسى بن عبيدة، قال حدثنا عبيد الله بن
سلمان الاغر، عن عطاء بن يسار . عن جهجاه الغفارى أنه قدم
في نفر من قومه بريدون الاسلام، فحضروا مع رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - المغرب، فلما سلم، قال: ليأخذ كل رجل
منكم بيد جليسه . قال: فلم يبق مي المسجد عير رسول اله
- صلى الله عليه وسلم - وغيري؛ وكنت رجلا عظيماً طوالا .
لا يقدم على أحد: فذهب بي رسول الله - صلى الله عليه وسلم-
إلى منزله ، فحلب لي عنزاً وأتهت عليها حتى حلب لي سبعة
أعنز، فأتيت عليها - وذكر الحديث. وفيه فلما أسلمت دعاني
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى منزله، فحلب لي عنزا
١) انظر الاستيعاب 1 /68 : - ٢٢"
54

مرويت وشبعت، فقالت أم أيمن. يا رسول الله ، أليس هذا
ضيفنا؟ («فقال: بلى، ولكنه أكل في معى مومن الليلة، وأكل
قبل ذلك في معى كافر : والكافر يأكل في سبعة أمعاء.
والمؤمن يأكل في معى واحد .
قال أبو عمر : وهذا أيضاً لفظ عموم، والمراد به - الخصوص؛
فكأنه قال هذا إذ كان كافرا كان يأكل في سبعة أمعاء ،
فلما آمن . عوفي وبورك له في نفسه، فكفاه جزء من سبعة
أجزاء مما كان يكفيه إذ كان كافرا خصوصاً له - والله أعلم :
مكان قوله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث : الكافر
يأكل في سبعة أمعاء - إشارة إليه، كأنه قال هذا الكافر ،
وكذلك المومن يأكل في معى واحد - يعني هذا المومن -
والله أعلم. وقد قال الله - عز وجل: ((الذين قال لهم الناس»
- وهو يريد رجلا فيما (1) قال أهل العلم بتأويل القرآن، وقيل
رجلان: «إن الناس قد جمعوا لكم (2) - يعني قريشاً، فجاء بلفظ
عموم، ومعناه الخصوص: ومثله «تدمر كل شيء (8)» « وما تذر
۔۔
١) رجلا فيما قال٠٠٠ ص" رجلا او نداء ك
(2) الآية ، 173 -ورة آل عمران
3) الآية : 25 - سورة الأحقاف
55

من شيء (1)»، كل هذا عموم يراد به الخصوص؛ ومثل هذا
كثير في القرآن ولسان العرب. وفي هذا الحديث دليل على
ذم الأكول الذى لا يشبع، وأنها خلة مذمومة ، وصفة غير
محودة . وان القلة (2) من الاكل أحمد وأفضل (3)، وصاحبها
عليها ممدوح - وإن كان الامر كله لله ، وبيده وخلقه وصنعه،
لا شريك له ((والحمد لله رب العالمين) (١).
٥
١) الآية: 62 - سورة الذاريات.
2) القلة: ك، القل: ص - ونسخة ك هنا أنسب.
18 وأفضل وصا حبها: ص، وأفضل واعود وصاحبها بزيادة، (واعود): ك
4) ما بين القوسين ساقط في صن ٠ ثابت في ك
56

حديث عاشر لأبي الزناد
مالك، عن أبي الزناد ، عن الاعرج، عن أبي هريرة ،
أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: كل مولود يولد
على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه، كما تناتج (1) الابل من
بهيمة جمعاء (2)، هل تحس من جدعاء (8)؟ قالوا يا رسول الله،
أرأيت الذي يموت وهو صغير؟ قال الله أعلم بما كانوا عاملين(4).
قال أبو عمر : روى هذا الحديث عن النبي - صلى الله
عليه وسلم - من وجوه صحاح، (كلها)، (5) ثابتة من حديث أبي
هريرة وغيره ؛ فممن (6) رواه عن أبي هريرة : - عبد الرحمان
الاعرج، وسعيد بن المسيب، وأبو سلمة، وحميد ابنا عبد الرحمان
ابن عوف، وأبو صالح السمان ، وسعيد بن أبى سعيد ، ومحمد
١) تولد.
2) تامة الخلق .
(3) مقطوعة الأذن - كما يأتى شرحه للمؤلف.
4) الموطأ رواية يحيى ص 160، حديث (871) والحديث متفق عليه.
انظر الزرقاني على الموظأ 89/2 -90.
صحاح ثابتة: ص، صحاح كلها ثابتة - بزادة (كلها): ك.
15
6) فيمن: ص . •من : ك.
:57

ابن سيرين؛ ورواه ابن شهاب، فاختلف أصحابه عليه في إسناده:
فرواه معمر، والزبيدي، (1) عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة
ورواه يونس، وابن أبي ذئب. عن الزهري ، عن أبي سلمة ،
عن أبي هريرة ؛ ورواه الاوزاعي عن الزهري، عن حميد بن
ابن عبد الرحمان، عن أبي هريرة: وزعم (2) محمد بن يحيى
الذعلي (النيسابوري) (9) - أن هذه الطرق كلها صحاح، عن ابن
شهاب محفوظة .
قال أبو عمر : ليس هذا الحديث عند مالك عن ابن شهاب
في الموطأ ، وهو عنده عن أبي الزناد ، عن أبي هريرة ؛ وقد
روى هذا الحديث - عبد الله بن الفضل الهاشمي شيخ مالك،
عن أبي الزناد ، عن الاعرج، عن أبي هريرة، عن النبي -
صلى الله عليه وسلم - قال: كل مولد يولد على الفطرة، فأبواه
يهودانه وينصرانه ويمجسانه كالبهيمة تنتج (4) البهيمة، هل تحسون
فيها من جدعاء حتى تكونوا انتم تجدعونها . - إلى معنا انتهى
حديثه، ولم يذكر ما (5) فى حديث مالك: قوله : أرأيت من
!) والزبيدي: ص. والزبيري: ك - وهوتحريف - وقد مرت ترجمته آنفا
(٤) وزعم : ص، زعم : ك.
(٥) يحمى الذعلي: مر، يحيى الذهلي النيسابوري - بزيادة (النيموري) ك.
4) تنتج، ص● تولد: ٥.
8) علية (ما) ساقطة في : ك.
58

بموت وهو صغير إلى آخر الحديث، وزاد فيه ويمجسانه. وهكذا
رواية ابن شهاب لهذا الحديث ليس فيها قوله: أرأيت س يموت
وهو صغير ؟ قال : الله أعلم بما كانوا عاملين - عند (1) ابن
شهاب عن عطاء بن يزيد، عن أبي هريرة ، (2) عن النبي
-عليه السلام- أنه سئل عن أولاد المشركين فقال: الله أعلم
بما كانوا عاملين. وسنذكر حديث ابن شهاب هذا عن عطاء
ابن يزيد في باب مفرد من هذا الكتاب - إن شاء الله
أما قوله فى حديث مالك وغيره : كل مولود يولد على
الفطرة، فأبواه يهودانه - الحديث ، فإن أهل العلم من أصحابنا
وغيرهم اختلفوا في معنى قوله : كل مولود : فقالت طائفة :
ليس في قوله كل مولود ما يقتضي العموم.
قالوا : والمعنى في ذلك : أن كل من ولد على الفطرة
وكان له أبوان على غيز الاسلام - هوداء أو نصراه أو عنّاه؛
قالوا : وليس المعنى أن جميع المولودين من بني آدم أجمعين
يولدون على الفطرة، بل المعنى أن المولود على الفطرة هن
الابوين : الكافرين يكفرانه ؛ وكذلك من لم يولد على الفطرة -
1) وعند ابن شهاب: ص. وهذا اللفظ عند ابن شهاب - بر.ادة
(وهذا اللفظ) : ك .
2) عر النبي - عليه السلام. ص. مرفوعا ك.
59
:

- وكان أبواه مومنین- حكم له بحكمهما في صغره - إن کانا
يهوديين- فهو يهودي برئهما وبرثانه، وكذلك لو كانا نصرانيين
٥
أو مجوسيين حتى يعبر عنه لسانه، ويبلغ الحنث فيكون له
حكم نفسه حينئذ لا حكم أبويه؛ واحتج قائلو هذه المقالة بحديث
أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبي
ابن كعب، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: الغلام
الذي قتله الخضر، طبعه الله يوم طبعه كافراً. ويقوله
- عليه السلام -: ألا إن بني آدم خلقوا طبقات ، فمنهم من
بولد مومناً ويحيى ((ومنا، ويموت مومنا؛ ومنهم من يولد كافراً.
ويحيى كافراً؛ ويموت كافراً: ومنهم من يولد مومناً ويحبى
مومناً ويموت كافراً؛ ومنهم من يولد كافراً ويحبى كافراً
ويموت مومناً.
وهذا الحديث حدثناه خلف بن القاسم ، قراءة مني عليه.
أن أحمد بن محمد بن أبي الموت المكي حدثهم ، قال: حدثنا
محمد بن على بن زيد الصائغ ، قال : حدثنا سعيد بن منصور ،
قال حدثنا حماد بن زيد، قال حدثنا علي بن زيد، عن أبي
نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: صلى بنا رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - العصر بنهار، ثم قام وخطبنا إلى مغرب
60