النص المفهرس

صفحات 301-320

أن ابن عباس قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
يخرج ما بين مكة والمدينة لا يخاف الا اللـه بقصر الصلاة (1) .
ومما يدل على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان
بقصر وهو آمن غير خائف، قصره الصلاة فى حجته حجة الوداع
وهو يومئذ قد أمن، وهذا ما لا يجهله أحد من أهل العلم .
حدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوراث بن سفيان، قالا حدثنا
قاسم بن أصبغ، قال حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي ، قال
حدثنا سليمان بن حرب، وعارم بن الفضل، قالا حدثنا حماد
ابن زيد، عن أبوب، من أبي قلابة، عن أنس بن مالك، قال:
صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر بالمدينة أربعاً،
والعصر بذي الحليفة ركعتين (2) - زاد عارم: وبينهما ستة أميال.
قال أنس: وسمعتهم يصرخون بهما جميعا: الحج والعمرة.
وحدثنا عبد الوراث، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا بكر بن حماد.
قال حدثنا مسدد، قال حدثنا يحيى، عن سفيان، قال حدثني محمد
ابن المنكدر، وإبراهيم بن ميسرة، سمعا أنس بن مالك يحدث.
قال: صلينا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة
الظهر أربعاً، وصلينا العصر بذي الحليفة ركعتين (8). فاستدلوا
1) المرجع السابق 516/2، حديث (4270) .
(2) أخرجه مسلم فى صحيحه 265/1. وابو داود في السنن 1 /274 ،
عبد الوراق فى المصنف 617/2 - حديث (4278) .
3) انظر مصنف عبد الرزاق 2/ 517 - حديث (1274)
301

بهذه الآثار على أن القصر فى السفر سنة سنها رسول اللـه
- صلى الله عليه وسلم - وليس بفريضة. واحتجوا أيضاً بما حدثنا
عبد الوارث بن سفيان، وسعيد بن نصر، قالا حدثنا قاسم، قال
حدثنا عبد الله بن روح، حدثنا عثمان بن عمر، قال أخبرنا
مالك بن مغول، عن أبى حنظلة الحذاء. قال: قلت لابن عمر:
أصلي في السفر ركعتين - والله يقول: ((ان خفتم» - ونحن
نجد الزاه والمزاد؟ فقال: كذلك من رسول الله - صلى اللـه
عليه وسلم . فهذا ابن عمر قد صرح بأن القصر سنة من رسول
الله، لا فريضة من الله ولا من رسوله؛ ولو فرضها رسول الله ،
لقال ابن عمر فرضها - كما قال في زكاة الفطر، وقد مضى في
هذا المعنى ما فيه كفاية فى باب ابن شهاب عن رجل من آل
خالد بن أسيد من كتابنا هذا (1).
وقد جاء في هذا الباب عن ابن عباس نحو ما جاء عن
ابن عمر : ذكر عبد الرزاق ، أخبرنا ابن جريج، قال سأل حميد
الضمري ابن عباس فقال: إني أسافر، أنأقصر الصلاة فى السفر
أم أتمها؟، فقال ابن عباس: ليس بقصرها ولكنه تمامها وسنة
النبي صلى الله عليه وسلم: خرج - رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - آمنا لا يخاف إلا الله، فصلى اثنتين - حتى رجع ، ثم
خرج أبو بكر آمنا (2) لا يخاف إلا الله ، فصلى ركعتين حتى
1) انظر ح 7 / 74.
2) كلمة (آمنا) ساقطة في المصنف .
308

رجع ؛ ثم خرج عمر آمنا لا يخاف إلا الله ، فصلى اثنتين - حتى
وجع؛ ثم فعل ذلك عثمان ثلثي إمارته أو شطرها، ثم صلاها اربعاء
ثم أخذ بها بنو أمية . قال ابن جريج: وبلغني إنما أوفاها عثمان
أربعا بمنى - من أجل أن أعرابها ناداه فى مسجد الخيف بمنى
فقال: يا أمير المؤمنين ، مما زلت أصليها ركعتين مذ رأيتك
عام أول (1) - صليتها ركعتين ، فخشى عثمان أن يظن جهال
الناس أن الصلاة ركعتان ، وانما كان أوفاها بمنى فقط (2).
قال أبو عمر : قد اختلف في المعنى الذي من أجله أقم
عثمان الصلاة فى سفره الى مكة وبمكة ، فقال قوم : أخذ
بالمباح في ذلك ، إذ للمسافر أن يقصر وان يتم كما كان له
له أن بصوم وأن يفطر .
ومن ذهب إلى هذا المذهب، احتج - بما قدمنا ذكره من
ظاهر الكتاب والسنة ، وبما حدثنا عبد الوارث بن سفيان ،
وسعيد بن نصر، قالا حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا ابن وضاح،
قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا وكيع ، قال حدثنا
المغيرة بن زياد ، عن عطاء، عن عائشة ، أن رسول اللـه
- صلى الله عليه وسلم - كان يتم في السفر ويقصر (8) .
1) في الاصل (الاول) والتصويب من المصنف.
2) انظر المصنف ص 518 - حديث (4277).
8) انظر مصنف ابن أبي شيبة 452/2 .
803

وأخبرنا أحمد بن قاسم، وعبد الوارث بن سفيان ، قالا
حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة، قال حدثنا
أبو نعيم ، قال حدثنا طلحة بن عمرو، عن عطاء ، من عائشة ،
قالت : كل قد فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم: قد مام
وأفطر. وأنم وقصر في السفر .
حدثنا أحمد بن سعيد ، حدثنا مسلمة بن قاسم. حدثنا جعفر
ابن محمد بن الحسن الاصبعانى ، حدثنا يونس بن حبيب ،
حدثنا سليمان بن داود الطبالسي، حدثنا حبيب بن يزيد الانماطي،
حدثنا عمرو بن هرم ، عن جابر بن زيد ، قال: قالت عائشة :
كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي ركعتين - يعني
الفرائض ، فلما قدم المدينة وفرضت عليه الصلاة أربعا وثلاثا ،
صلى وترك الركعتين اللتين كان يصلهما بمكة تماما المسافر.
فهذه عائشة قد اضطربت الآثار عنها فى هذا الباب ، واتمامها
في السفر يقضى بصحة ما وافق معناه منها .
وروى زيد العمي (1) عن أنس، قال: كنا أصحاب رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - نسافر فيتم بعضنا، ويقصر بعضنا،
ويصوم بعضنا، ويفطر بعضنا ، ولا يعيب أحد على أحد .
وقال آخرون : إن عثمان إنما أتم في السفر ، لانه كان
له في تلك المناهل أهل ومال؛ وهذا موجود في حديث رواه
1) العمي بفتح العين وكسر الميم المشددة.
انظر ترجمته في التقريب 278/1
804

عكرمة بن ابراهيم الازدي المرطي ، عن عبد اللـه بن الحرث
ابن أبي ذباب، عن أبيه ، عن عثمان بن عفان، أنه صلى بأهل
منى أربع ركعات ، فلما سلم ، اقبل على الناس فقال : إني
تأهلت بمكة ، وقد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
يقول : من تأهل في بلدة، فهو من أهلها ، فليصل أربعاء (1)
فلذلك صليت أربعا . -ذكره الطحاوي، عن يحيى بن عثمان بن
صالح، عن عمرو بن الربيع بن طارق الهلالي ؛ وعن اسماعيل
ابن حمدويه ، عن الحميدي ، عن عبد الله بن عبد الرحمان
مولى بني هاشم، قالا جميعا: اخبرنا عكرمة بن ابراهيم - باسناده -
كما ذكرناه (2). والحرث بن أبي ذباب قد عمل لعمر بن
الخطاب على الصدقة . وقال آخرون : اتمامه إنما كان على نحو
إتمام عائشة ، وقد ذكرنا الوجوه التي تؤولت على عائشة في
اتمامها - في باب ابن شهاب عن رجل من آل خالد بن أسيد .
وذكر عبد الرزاق عن معمر ، عن الزهري ، عن سالم ،
من ابن عمر، قال: صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
بمنى ركعتين، ومع أبي بكر ركعتين، ومع عمر ركعتين،
ومع عثمان صدرا من خلافته ، ثم علاها أربعا.
1) رواه أحمد بلفظ: من تأمل فى بلد فليصلها صلاة المقيم
انظر الجامع الصغير بشرح فيض القدير 98/6 .
2) انظر مسند الحميدى 81/1 حديث (86)
805
م٢٠ - ج١٦

قال ابن شهاب: فبلغنى أن عثمان أيضا صلاها أربعا، لانه
أزمع أن يقيم بعد الحج .
قال أبو عمر: هذا وجه صحيح مجتمع عليه فيمن نوى
الاقامة أنه يلزمه الانمام ، وقال وهيب من عبيد الله بن عمر ،
عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي - صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر،
وعمر - صلوا بمنى ركعتين، وعثمان شطر إمارته ، ثم اتمها عثمان
(أربعا بمنى). (1) قال: لانه اتخذ اموالا بالطائف، فأجمع المقام فاتم
الصلاة . أما قوله بالطائف فليس بشىء لانه بلد آخر، وقال معمر
عن قتادة إن عثمان لما على أربعا، بلغ ذلك ابن مسعود، فاسترجع
ثم قام أربعا، فقيل له: استرجعت ثم صليت اربعا؟ قال الخلاف شر(2).
وروى أبو معاوية من الاعمش، عن ابراهيم ، عن عبد
الرحمان بن يزيد، عن عبد الله، قال : صلى عثمان بمنى أربعا.
قال: فقال عبد الله: صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم -
ركعتين، ومع أبي بكر ركعتين، ومع عمر ركعتين، ثم تفرقت
بكم الطرق، ولوددت أن لي من أربع ركعات ركعتين متقبلتين.
قال الاعمش : فحدثني معاوية بن قرة أن عبد الله صلاها بعد
أربعا ، فقيل له عبت على عثمان ونصلي اربعا؟ قال: الخلاف شر.
1) كلمتان فى الاصل غير واضحتين. ولعل الانسب ما إثبتناه
م
2) المصنف 510/2 - حديث (1269).
806

حدثناه عبد الوارث ، قال حدثنا قاسم، قال حدثنا أحمد
ابن زهير ، قال حدثنى أبى ، قال حدثنا أبو معاوية محمد بن
حازم. قال حدثنا الاعمش، عن ابراهيم، عن عبد الرحمان بن يزيد،
عن عبد الله، قال: صلى عثمان - فذكره. قال: وحدثنا أبي
قال حدثنا جربر، عن مغيرة، عن أصحابه ، من ابراهيم، عن
الاسود، قال: كنت مع عبد الله بمنى ، فلما صلى عثمان
أربعا، قال عبد الله: صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم-
في هذا المكان ركعتين ، وصلى أبو بكر ركعتين ، وصى عمر
ركعتين؛ قال الأسود: فقلت: يا أبا عبد الرحمان: ألا سلمت في
ركعتين وجعلت الركعتين الاخريين تسبيحا ؟ قال الخلاف شر .
قال أبو عمر : فهذا بدلك على أن القصر عند ابن مسعود
ليس بفرض ، وانما اذكر لمخالفة عثمان الافضل عنده ؛ لان
الافضل عنده اتباع السنة ، ثم رأى اتباع إمامه فيما أبيح له اولى
من اتبان الافضل فى القصر ؛ لان مخالفة الائمة لا تجوز الا فيما
لا يحل، وأما فيما أبيح، فلا يجوز فيه مخالفة الائمة - إذا حملهم
على ذلك الاجتهاد؛ ولعل عثمان ذهب إلى أن اختيار رسول اللـه
- صلى الله عليه وسلم - فى سفره القصر، كان لانه ايسر على
أمته ، فاختاره لذلك ؛ وقالت عائشة : ما خير رسول الله - على
الله عليه وسلم- بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن اثما -
الحديث . وهذا لا حجة فيه ، لان ما اختاره رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - لامته وسنه وواظب عليه، كان أفضل مما
سواء. ومثل حديث ابن مسعود هذا حديث سلمان :
307

ذكر عبد الرزاق، عن اسرائيل، عن أبي إسحاق ، عن
أبي ليلى الكندي ، عن سلمان ، أنه كان مع قوم في السفر
فحضرت الصلاة ، فقالوا له : صل بنا ؛ فقال: انا لا نؤمڪم، ولا
تنكح نساءكم ؛ فأبى؛ فتقدم رجل من القوم ، فصلى بهم أربع
ركعات ؛ فلما سلم، قال سلمان: ما لنا وللمربعة ؟ وانما كان
يكفينا نصف المربعة - ونحن إلى الرخصة أحوج (1). الا قرى ان
سلمان أم بعد الصلاة، بل تمادى مع امامه فصلى أربعا - وان كان
لم يحمد ذلك له ؛ فهذا يدل على أن القصر عند سلمان رخصة
وسنة ، وقد نقدم عن ابن عباس وابن عمر - أن ذلك سنة .
وحدثنا قاسم بن محمد ، قال حدثنا خالد بن سعد ، قال
حدثنا أحمد بن عمرو، قال حدثنا محمد بن سنجر ، قال حدثنا
هشام بن عبد الملك ، قال حدثنا شعبة ، عن قتادة، عن موسى
ابن سلمة ، قال: سألت ابن عباس قلت: أكون بمكة فكيف
أصلي ؟ قال : ركعتين - سنة أبي القاسم - صلى الله عليه وسلم .
فحسبك بهذا عن ابن عباس ، وفيه تصريح أن ذلك سنة .
وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج، عن عطاء، قال: قلت
له: فهم (8) جعل القصر في الخوف - وقد امن الناس ؟ قال :
1) أنظر المصنف 520/2 حديث (4283).
(2) في الاصل (ما)، وفي المصنف (فيما) ولعل الانسب ( نيم ) على
وجه الاستفهام .
808

السنة ، قلت: ورخصة؟ قال: نعم (1). قال: وقال لي عمرو بن
دينار مثله . قال : وحدثنا ابن جريج، عن عطاء، قال : كان سعد
ابن أبي وقاص وعائشة بوفيان الصلاة في السفر ويصومان، قال
وسافر نفر من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فأوفى سعد
الصلاة ، وصالم وقصر القوم وافطروا؛ فقالوا : لسعد: كيف نفطر
ونقصر الصلاة وأنت تتمها ونصوم؟ فقال: دونكم أمركم ، فاني
أعلم بشأني ؛ قال: فلم يحرمه سعد عليهم ، ولم ينههم عنه ؛
قال ابن جريج: فقلت لعطاء : فاي ذلك أحب اليك؟ قال قصرها،
قال : وكل ذلك قد فعله الصالحون والاخيار .
قال أبو عمر : حديث عطاء هذا وما حكاه من سعد ،
وعائشة - أعرف من رواية جوبرية عن مالك ، عن الزهري، من
رجل ، عن عبد الرحمان بن المسور بن مخرمة - أن سعد بن
أبي وقاص، والمسمور بن مخرمة ، وعبد الرحمان بن عبد يغوث،
كانوا جميعا؛ فكان سعد بقصر الصلاة ويفطر، وكانا بتمان
الصلاة ويصومان ؛ فقيل لسعد فى ذلك ؟ فقال سعد: نحن أعلم .
المشهور عن سعد ما ذكره عطاء، وعلى أن حال كان ، ففيه
دليل على إباحة القصر والتمام ؛ وعلى هذا يخرج - اختلاف
الرواية عن سعد، كأنه كان يتم مرة، ويقصر أخرى ؛ وكذلك
كل من روى عنه مثل ذلك من الصحابة - والله أعلم .
1) المصنف 816/2 - حديث (4272).
809
٠

وروى ابن وهب عز، ابن لهيعة ، من بكير بن الاشج ،
من القاسم بن محمد، أن رجلا قال له : عجبت من عائشة حين
كانت تصلي أربعا في السفر - ورسول الله صلى الله عليه وسلم-
كان يصلي ركعتين! فقال له القاسم: عليك بسنة رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - فان من الناس من لا يعاب.
وذكر عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن الزهري ، من
عروة، عن عائشة، أنها كانت تتم فى السفر ؛ قال: واخبرنا
الثوري من هشام بن عروة، من أبيه عروة ، عن عائشة - انها
كانت تتم في السفر .
قال أبو عمر : رد الذين ذهبوا إلى أن القصر في السفر
مع الامن سنة مسنونة غير فريضة - حديث عائشة حيث قالت:
فرضت الصلاة ركعتين ركعتين ، فزيد فى صلاة الحضر ، وأقرت
صلاة السفر. فردوه بأن قالوا قد مح عنها أنها كانت تتم في
السفر ، وهذا من فعلها برد قولها ذلك ؛ وان صح قولها ذلك
منها- ولم يدخله الوهم من جهة النقل، فهو على غير ظاهره؛ وفيه
معنى مضمر باطن ، وذلك - والله أعلم - كأنها قالت : فأثرت
صلاة السفر لمن شاء، أو نحو هذا ؛ قالوا : ولا يجوز على
عائشة أن تقر بأن القصر فرض في السفر ، وتخالف الفرض ،
هذا ما لا يجوز لمسلم أن ينسبه اليها ؛ قالوا : وغير جائز تأويل
من تأول عليها أن اتمامها كان من أجل أنها كانت أم المؤمنين،
810

فكانت حيثما نزلت على بنيها فلم تقصر ؛ لأن ذلك كان منها
كأنها كانت فى بيتها، وهذا لا يجوز لاحد أن يعتقده؛ لان
النبي - عليه السلام - به صارت عائشة وسائر أزواجه أمهات
المومنين، وكان - صلى الله عليه وسلم - للمؤمنين أبا رؤوفا
رحيما؛ وكان يقصر فى أسفاره علها في غزاونه وعمره وحجته
- صلى الله عليه وسلم .
وفي قراءة أبي بن كعب: « النبي أولى بالمؤمنين من
أنفسهم وأزواجه أمهاتهم». (1) - وهو أب لهم ، فمما يرد حديث
عائشة : إتمامها في أسفارها ؛ ومما برده أيضا حديث ابن عباس،
وغيره، أن الصلاة فرضت في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين.
وما روي علها مما قدمنا ذكره في هذا الباب، أن رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - أتم في السفر، وقصر وصام وأفطر. ومما
يعارضه أيضا، حديث القشيري من النبي - صلى الله عليه
وسلم - أنه قال: وضع الله عن المسافر الصوم وشطر الصلاة (2).
والوضع (8) لا يكون في الاغلب إلا مما قد ثبت فوضع منه .
وفي اجماع الجمهور من الفقهاء على أن المسافر إذا دخل
في صلاة المقيمين فأدرك منها ركعة ، أنه يلزمه ان يصلي
1) الآية : 6 صورة الاحزاب .
(2) انظر النسائي 1 /18% .
3) فى الاصل (ووضع) - وامل الصواب ما أثبتناه.
811

أربعا ، فلو كان فرض المسافر ركعتين لم ينتقل فرضه الى
أربع، كما أن المقيم إذا دخل خلف المسافر، لم ينتقل فرضه إلى
اثنين ، وهذا واضح لمن تدبر وأنصف؛ قالوا: وكيف بجوز
للمسافر أن يكون مخيرا - إن شاء دخل خلف الامام المقيم
فعلى أربعا، وان شاء على وحده ركمتين ، ولا يكون
مخيرا في حال انفراده - إن شاء صلى ركعتين ، وان شاء أربعا؛
قالوا : ولو كان فرض المسافر ركعتين ، ما جاز له تغيير فرضه
بالدخول مع المقيم في صلاته ، وابطلت صلاته ، كما أو صلى
الصبح خلف امام بعلي الظهر إلى آخرها؛ وهذا بين واضح -
والحمد لله .
أخبرنا محمد بن ابراهيم، قال حدثنا محمد بن معاوية،
قال حدثنا أحمد بن شعيب ، قال أخبرنا محمد بن حاتم ، قال
أخبرنا حبان ، قال حدثنا عبد الله ، عن ابن عيينة ، عن أبوب،
عن شيخ من بني قشير، من عمه ، أنه انتهى إلى النبي - صلى
الله عليه وسلم - وهو بأكل أو قال بطعم ؛ فقال : اذن فكل ،
فقلت : إني صائم. فقال : أن الله وضع من المسافر شطر الصلاة
والصيام، وعن الحبلى والمرضع (1).
ورواه عبد الله بن الشخير، وعمرو بن أمية الضمري ،
عن النبي عليه السلام. فأما حديث ابن الشخير ، فرواه ابو
عوانة، عن أبي بشر، عن هانيء بن عبد الله بن الشخير، عن
1) الحديث - بمعناه - في سنن الدارمي 10/2.
812

أبيه ، عن النبي - عليه السلام - أنه قدم عليه - فذكر مثل
حديث القشيرى ؛ وأما حديث عمرو بن أمية ، فرواه الاوزاعي،
من يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة ، عن جعفر بن عمرو
ابن أمية ، عن أبيه، عن النبي - عليه السلام . - هكذا حدث
به الوليد بن مسلم عن الاوزاعي .
ورواه أبو المغيرة، ومحمد بن حرب ، عن الاوزاعي ، عن
يحيى، عن أبي قلابة، من أبي المهاجر، من ابي امية الغمري -
يعني عمرو بن أمية؛ وكذلك رواه معاوية بن سلام، من
يحيى بن أبي كثير - باسناده مثله .
وأخبرنا محمد بن ابراهيم، قال حدثنا محمد بن معاوية ،
قال أخبرنا أحمد بن شعيب ، قال أخبرنا عبدة بن عبد الرحيم ،
عن محمد بن شعيب، قال أخبرنا الاوزاعي . من يحبى ، عن
أبي سلمة ، قال حدثني عمرو بن أمية الضمري ، قال: قدمت
على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من سفر. فقال:
انتظر الغداء با أبا أمية، فقلت: إني صائم. قال: ادن منسي
حتى أخبرك من المسافر، إن الله وضع عله الصيام
ونصف الصلاة (١).
حدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان ، قالا
حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال حدثنا محمد بن وضاح ، قال حدثنا
١) المرجع السابق
313

أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا ابن علية، عن علي بن زيد،
عن أبي نضرة ، قال : مر عمران بن حصين فى مجلسما فقال:
غزوت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يصل إلا
ركعتين حتى رجع إلى المدينة؛ وحججت معه ، فلم يصل إلا
ركعتين حتى رجع إلى المدينة؛ وشهدت معه الفتح ، فأقام
بمكة ثمان عشرة لا يصلي إلا ركعتين ، ثم يقول لاهل البلد :
صلوا اربعا فإنا قوم سفر؛ واعتمرت معه ثلاث عمر لا يصلي إلا ركعتين.
فهذا بدلك على أن الامامة لا تنقل فرضا عن حاله ،
ألا ترى إلى قوله - صلى الله عليه وسلم - لمن خلفه من أهل
الحضر: صلوا أربعا، فإنا قوم سفر. وكذلك قال عمر لاهل
مكة أيضا حين صلى بهم ثم سلم من ركعتين، وقال لهم :
أنموا صلاتكم ، فإنا قوم سفر (١).
فلما لم يكن الباع الامام يحمل المقيم إذا صلى
خلف المسافر على أن يجتزي بركعتين ويقتصر على السلام
معه ، لان كلا على فرضه ؛ وكان المسافر - إذا أدرك
ركعة من صلاة المقيم ، انتقل حكمه إلى حكم المقيم ، ولزمه
أن يصلي أربعا؛ علمنا بذلك أن قصر الصلاة ليس بفرض واجب،
لانه لو كان فرضا، لاضاف المسافر إلى ركمته التي أدركها
من صلاة المقيم - ركمة أخرى، واستجزى بذلك ؛ فلما أجمعوا
على غير ذلك، علم أن القصر المسافر سنة لا فرض؛ ألا قرى
1) الموطأ رواية يحيى ص 105 - حديث (44%) ورواية محمد بن
الحسن 818 حديث (195) .
314

أنهم قد أجمعوا أنه جائز المسافر أن يصلى خلف المقيم - من
كره ذلك منهم ومن استحسنه كلهم يجيزه ؛ وقد أجمعوا على
أن المسافر إذا أدرك ركعة من صلاة المقيم، لزمه الاتمام ، بل
قد قال أكثرهم إنه إذا أحرم المسافر خلف المقيم قبل سلامه، أنه
فلزمه صلاة المقيم، وعليه الانمام ؛ فلو كان القصر فرضا واجبا.
ما دخل المسافر مع المقيم في صلاته ، والامر في هذا واضح بين
لمن لم يعاند وألهم رشده .
أخبرنا محمد بن عبد الملك، وعبيد بن محمد ، فالا حدثنا
عبد الله بن مسرور ، قال حدثنا عيسى بن مسكين، قال حدثنا
محمد بن سنجر، قال حدثنا الفضل بن دكين، قال حدثنا شريك،
عن جابر، عن عامر ، عن ابن عباس، وابن عمر ، قالا : سن
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للمسافر ركعتين - وهما تمام
قالا: والوفر فى السفر من السنة . فهذا ابن عمر، وابن عباس
قد قالا: إن صلاة المسافر سنة ، كما قالا : ان الوتر في السفر
من السنة ؛ وقد مضى فى هذا الباب عن ابن عمر أيضا ، وابن
عباس ، مثل ذلك .
وعن عطاء، وعمرو بن دينار، والقاسم بن محمد - مثل
ذلك ؛ وقد أشبعنا هذا المعنى عند ذكر حديث ابن شهاب ،
عن رجل من آل خالد بن أسيد في كتابنا هذا - والحمد لله .

وأما اختلاف الفقهاء فى هذا الباب ، فروى عن مالك أنه
قال مرة في مسافر أم مقيمين فأتم بهم الصلاة - جاهلا، ومنهم
المسافر والمقيم ؛ قال: أرى أن يعيدوا الصلاة جميعا وروى عنه
أيضا أنه قال: بعيد ما كان في الوقت، وما مضى وقته فلا
إمادة عليه .
وقال ابن المواز فيمن على اربعا ناسيا لسفر، أو ناسها
لاقصاره، أو ذاكرا، فليعد فى الوقت ؛ وكذلك قال سعنون
فيمن صلى في السفر ناسيا أو ذاكرا ؛ وزاد : أو جاهلا أربعا،
أنه بعيد فى الوقت. وقال ابن المواز: لو افتتح على ركعتين
فأتمهما أربعا تعمدا ، أماد أبدا؛ وان كان سهوا ، سجد لسهوه
وأجزاء. وقال سحنون: بل بعيد أبدا لكثرة السهو. وقال
ابن المواز : ليس كسهو مجتمع عليه .
وذكر أبو الفرج عن مالك قال : ومن اتم فى السفر أعادها
مقصورة - ما دام في وقتها إلى أن ينوي مقاما فيعيدها كاملة .
ما دام في وقتها . قال: ولو صلى مسافر بمسافرين فسها فقام
ليتم ، فليجلس من وراءه حتى يسلموا بسلامه، وعليه إعادة الصلاة
- ما دام في الوقت. قال القاضي أبو الفرج -: أحسبه أنه ألزم
هذا الاعادة ، لانه سبح به فتمادى في صلاته - عامدا عالما بذلك؛
وأما إن كان ساهيا، فلا وجه لامره بالاعادة ؛ لانه بمنزلة مقيم
916

صلى الظهر خمسا ساهيا، فلم يكن عليه إعادة ؛ وذكر ابن
خواز منداد ان مالكا بقول: إن القصر في السفر مسئون غير
واجب ، وهو قول الشافعي .
قال أبو عمر : في قول مالك إن من أقم الصلاة في السفر
لم تلزمه الاعادة إلا في الوقت، دليل على أن القصر عنده ليس بفرض.
وقد حكى أبو الفرج - في كتابه من أبي المصعب ، عن
مالك ، القصر في السفر للرجال والنساء سنة .
قال أبو الفرج : فلا معنى الاشتغال بالاستدلال على مذهب
مالك مع ما ذكره أبو المصعب : ان القصر عنده سنة لا فرض ،
قال: ومما يدل على ذلك من مذهبه ، انه لا يرى الاعادة على
من أتم في السفر إلا في الوقت .
قال أبو عمر : فهذا أصح ما فى هذه المسألة ، وذلك أصح
الاقاويل فيها من جهة النظر والاثر - وبالله التوفيق .
وأما الشافعي ، وأبو ثور، فكانا يقولان: إن شاء المسافر
قصر، وان شاء أنم؛ وذكر أبو سعد القزويني المالكي أن
الصحيح في مذهب مالك التخيير المسافر في الانمام والقصر .
كما قال الشافعي ، إلا أنه يستحب له القصر ، ولذك يرى عليه
الاعادة في الوقت - إن أتم .
317

وقال أبو حنيفة وأصحابه : إذا صلى المسافر أربعا، فان
كان قعد في كل ركعتين قدر التشهد، فصلاته نامة؛ وان
لم يكن قعد في الركعتين الأوليين قدر التشهد، فعليه أن يعيد.
قال أبو عمر : هذا على أصولهم في ان التشهد والسلام
ليسا بواجبين، والجلوس مقدار التشهد عندهم واجب ، وبه يخرج
عندهم من الصلاة ؛ والرد عليهم في ذلك موضع غير هذا .
وقال حماد بن أبي سليمان : من أتم فى السفر أعاد ،
والاعادة - عنده وعند أبي حنيفة - على ما قدمنا من أصولهم أبدا.
وجاء عن عمر بن عبد العزيز مايدل على أن القصر في
السفر واجب ، لانه قال: الركعتان للمسافر حتم لا يصلح غيرهما.
واختلف فى هذه المسألة عن أحمد بن حنبل، فقال مرة:
أنا أحب العافية من هذه المسألة، وقال مرة أخرى: لا يعجبني
أن يصلي أربعاً، السنة ركعتان، وقد مضى القول في كثير
من مسائل هذا الباب فى باب ابن شهاب عن رجل من آل
خالد بن أسيد من كتابنا هذا، فلا وجه لاعادة ذلك معنا.
318

باب الضاد
مالك عن ضمرة بن سعيد المازني
وهو ضمرة بن سعيد المازني النجاري، من بني مازن
ابن النجار من الانصار، مدني ثقة، روى عنه مالك، وابن عيينة.
وأبو أويس، وسليمان بن بلال، وغيرهم، لمالك عنه حديثان
مسندان .
319