النص المفهرس

صفحات 261-280

بالمدينة أسلموا، فإذا رأيتم أحدا منهم فحذروه ثلاثة أيام، ثم
إن بدا لكم أن نقتلوه فاقتلوه (1).
قال أبو عمر : رواية الليث لهذا الحديث عن ابن عجلان،
كرواية مالك في إسناده ومعناه ؛ ولا يضر اختلافهما في ولاء
أبي سعيد صيفي إذ قال مالك: مولى ابن افلح ، وقال فيه
الليث عن ابن عجلان، عن صيفي مولى الانصار ؛ وكذلك هو
مولى الانصار، إلا أنه لم يحفظ لمن ولاؤه من الانصار - وقد
جوده مالك في قوله مولى ابن أفلح؛ وكذلك من قال فيه مولى
أفلح ، لان أفلح مولى أبي أيوب الانصاري؛ وأما قول ابن عيينة
عن ابن عجلان، عن صيفي مولى أبي السائب، فلم يصنع شيئا.
ولم يقم الاسناد؛ أذ جعله مولى أبي السائب عن رجل، وانما
هو مولى ابن أفلح عن أبي السائب؛ كذلك قال مالك عن صيفي،
عن أبي السائب ؛ وكذلك قال الليث ويحيى القطان ، عن
ابن عجلان ، عن صيفي ، عن أبى السائب ؛ ومن قال في هذا
الحديث من ابن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد، عن صيفي،
فقد أفرط فى التصحيف والخطأ ؛ كذلك رواه على بن حرب،
عن ابن عيينة، من ابن عجلان ؛ وهذا لا خفاء به عند
أهل العلم بالحديث ، وانما هو عن أبي سعيد صيفي ، ولا معنى
لذكر سعيد بن أبى سعيد - هنا ؛ ومن رواه أيضا عن صيفى ،
من أبي سعيد الخدري، فليس بشيء - وقد قطعه ؛ لان صيفيا لم
1) في الاصل (يقل) والصواب ما اثبتناه .
261

بسمعه من أبي سعيد، وانما يرويه عن أبي السائب، عن
أبي سعيد الخدري؛ وقد روى هذا الحديث عن أبي سعيد
الخدري من غير رواية صيفي ، إلا أنه مختصر ، نحو رواية
القطان عن ابن عجلان ، عن صيفي :
حدثنا خلف بن قاسم ، قال حدثنا بكر بن عبد الرحمان،
قال حدثنا يحيى بن عثمان ، قال حدثنا عمرو بن خالد ، قال
حدثنا ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن عبد الله
ابن أبي سلمة ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله.
صلى الله عليه وسلم -: إذا أذاكم شيء من الحيات في مساكنكم،
فحرجوا عليهن ثلاث مرات ، فان عاد بعد ثلاث فاقتلوه ، فإنما
هو شيطان .
وقد روي مثل حديث أبي سعيد الخدري - هذا من حديث
سهل بن سعد الساعدي ، حدثناه عبد الوارث بن سفيان ، قال
حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال حدثنا محمد بن غالب ، وزكريا.
ابن يحيى الناقد - واللفظ لمحمد بن غالب، قال حدثنا خالد
ابن خداش ، قال حدثنا حماد بن زيد، عن أبي حازم ، عن
سهل بن سعد، أن فتى من الانصار - كان حديث عهد بعرس،
وأنه خرج مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزاة، فرجع
من الطريق، فإذا هو بامرأته قائمة في الحجرة، فمد إليها (1)
الرمح ، فقالت: ادخل فانظر ما في البيت ؛ فدخل فإذا هو بحبة
1) حلة ممحرة في الأصل، وأعل الانسب ما أثبتناه
262

منطوية على فراشه ، فانتظمها برمحه، وركز الرمح في الدار؛
فانتفضت الحية وماقت ، ومات الرجل؛ قال: فذكروا ذلك للنبي
- صلى الله عليه وسلم - فقال: إنه قد نزل في المدينة جن
مسلمون، أو قال: إن لهذه البيوت عوامر - شك خالد ، فإذا
رأيتم شيئا منها فتعوذوا، فإن عاد فاقتلوه .
قال أبو عمر: قال قوم: لا يلزم أن توذن الحيات ولا
تناشدن ولا يحرج عليهن - إلا بالمدينة خاصة، لهذا الحديث وما
كان مثله ، لانه خص المدينة بالذكر؛ وممن قال ذلك عبد الله
ابن نافع الزبيري، قال : لا تنذر عوامر البيوت الا بالمدينة
خاصة ؛ قال : وهو الذي يدل عليه حديث النبي - صلى الله عليه
وسلم، لقوله: إن بالمدينة جنا قد أسلموا. وقال آخرون :
المدينة وغيرها في ذلك سواء، لان من الحيات جنا ؛ وجائز
ان يكن بالمدينة وغيرها، وان يسلم من شاء الله منهن .
قال مالك : أحب إلى أن تنذر عوامر البيوت بالمدينة
وغيرها - ثلاثة أيام ، ولا تنذرن في الصحاري .
قال أبو عمر : العلة الظاهرة في الحديث إسلام الجن .
والله أعلم، إلا أن ذلك شيء لا يوصل إلى شيء من معرفته،
والاولى (1) ان تنذر عوامر البيوت كلها كما قال مالك؛
1) في الاصل (والاول) وهو تحريف ظاهر .
263

والانذار ان بقول الذي يرى الحية في بيته : احرج (1) عليك
ابتها الحية بالله واليوم الآخر ان تظهر لنا أو تؤذينا.
وقد روى عباد بن اسحاق، عن ابراهيم بن محمد بن طلحة،
عن سعد بن أبي وقاص، قال : بينا أنا بعبادان ، اذ جاءني
رسول زوجتي فقال: أجب فلانة، واستنكرت ذلك ثم قمت
فدخلت، فقالت لي: إن (ههنا) (2) الحية - واشارت اليها؛ كنت
أراها بالبادية إذا خلوت ، ثم مكثت لا أراها حتى رأيتها الآن
وهي هي أعرفها بعينها؛ قال : فخطب سعد خطبة حمد الله
وأثنى عليه، ثم قال: انك قد آذيتني، واني اقسم بالله لئن
رأيتك بعد هذه لاقتلنك ؛ فخرجت الحية، انسابت من باب البيت
ثم من باب الدار ؛ فأرسل معها سعد إنسانا ، فقال : انظر أين
تذهب ؛ فتبعها حتى جاءت المسجد ، ثم جاءت منبر رسول الله-
صلى الله عليه وسلم - علته فرقته، ثم صعدت إلى السماء حتى غابت.
حدثنا محمد بن ابراهيم ، قال حدثنا محمد بن معاوية ؛
وحدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا حمزة بن محمد بن علي ،
قال حدثنا أحمد بن شعيب ، قال حدثنا الحسين بن منصور
النيسابوري ، قال حدثنا مالك بن سعير بن الخمس ، قال حدثنا
ابن أبي ليلى ، عن ثابت البناني ، عن عبد الرحمان بن أبي
1) من التحريج بمعنى التضييق.
(2) كلمة ممحوة في الأصل، ولعل الانسب ما أثبتناه.
264

ليلى ، أنه ذكر عنده حيات البيوت ، فقال : إذا رأيتم منها شيئا
في مساكنكم، فقولوا: انشدكم بالعهد الذي أخذ عليكم نوح -
عليه السلام ، وأنشدكم بالعهد الذي أخذ عليكم سليمان - عليه
السلام ، فإذا رأيتم منهن شيئا بعد ذلك فاقتلوه .
حدثنا أحمد بن عمر ، قال حدثنا عبد الله بن محمد ،
قال حدثنا محمد بن فطيس، قال حدثنا بحر بن نصر ، قال
حدثنا ابن وهب ، قال حدثنا معاوية بن صالح ، عن أبي الزاهربة ،
عن جبير بن نفير ، عن أبي ثعلبة الخشني، أن رسول الله - على
الله عليه وسلم - قال: الجن على ثلاثة أثلاث ، فثلث لهم أجنحة
يطيرون في الهواء، وثلث حيات وكلاب، وثلث بحلون ويظعنون(1).
حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد، قال حدثنا أحمد
ابن ابراهيم بن جامع ، قال حدثنا علي بن عبد العزيز، قال
حدثنا حجاج، قال حدثنا يزيد بن زربع ، قال حدثنا داود ، قال
حدثنا أبو نضرة ان عبد الرحمان بن أبي ليلى حدثه أن رجلا
من الانصار خرج عشاء من أهله - يريد مسجد قومه فاستطير ،
فالتمس فلم يوجد؛ فانطلقت امرأته إلى عمر بن الخطاب، فذكرت
ذلك له ؛ فدعا بقومه فسألهم عنه ، فحدثوه بمثل ما حدثته امرأته؛
فقال لهم: اما سمعتم منه ذكر بعد؟ قالوا: لا ، فأمرها أن
1) أخرجه الطبراني في الكبير، والبيهقي في الاسماً.
انظر الجامع الصغير بشرح فيض القدير 864/9 .
265

تتربص أربع سنين ففعلت ، ثم انته فأخبرته أنها لم يذكر لها
منه ذكر ؛ فدعا قومه فسألهم عن ذلك ، فقالوا : ما ذكر لنا منه
ذكر؛ فأمرها أن تعتد منه، فاعتدت ثم جاءته، فأمرها أن
أن تتزوج - إن (شاءت)- (1) فتزوجت؛ ثم جاء زوجها الاول بعد
ذلك ، فقال: زوجت امرأتي؛ فقال عمر: لم أفعل، ودعاها عمر
فقالت : أنا المرأة التي أخبرتك بذهاب زوجي ، فأمرتني أن
أتربص أربع سنين ففعلت ؛ ثم أتيتك فأمرتني أن أعند، فاعددت؛
ثم جئتك فأمرتني أن اتزوج ، ففعلت ؛ فقال عمر: ينطلق أحدكم
فيغيب عن أهله أربع سنين ليس بغاز ولا ناجر؛ فقال له الرجل:
إني خرجت عشاء من أهلي - أريد مسجد قومي، فاستبتني
الجن ، فكنت فيهم حتى غزاهم جن مسلمون؛ فأصابوني في
السبي، فسألوني عن دبني فأخبرتهم أني مسلم ، فخيروني بين
أن بردوني إلى قومي ، وبين أن أمكث معهم وبواسوني ؛
فاخترت أن بردوني إلى قومي ، فبعثوا معي نفرا: أما الليل ،
فرجال بحدثوني ، وأما النهار فأعصار ربح اتبعها حتى هبطت
إليكم؛ فقال له عمر: فما كان طعامك فيهم؟ فقال: ما لم
يذكر اسم الله عليه وهذا الفول؛ فخيره عمر بين المهر والمرأة.
حدثنا خلف بن القاسم ، قال حدثنا بكير بن الحسن
ابن عبد الله بن سلمة الرازي، قال حدثنا أبي، قال حدثنا العباس
ابن عبد الله الترقفي الباكسالي، قال حدثنا أبو أسامة ، عن
1) كلمة ممحوة فى الاصل، ولعل الانسب ما أثبتناه .
266

أبي سنان ، عن أبي منيب ، عن يحيى بن أبي كثير، عن
أبي سلمة ، عن أبي الدراء، قال قال رسول الله - صلى الله عليه
وسلم -: خلق الله الجن ثلاثة اثلاث ، فثلث كلاب وحيات
وخشاش الأرض ، وثلث ريح هفافة، وثلث عبني آدم لهم الثواب
وعليهم العقاب ؛ وخلق الله الانس ثلاثة اثلاث، فثلث لهم قلوب
لا يفقهون بها، وأعين لا يبصرون بها، وآذان لا يسمعون بها :
إن هم الا كالانعام ، بل هم أضل سبيلا؛ وثلث أجسادهم اجساد
بني آدم ، وقلوبهم قلوب شياطين؛ وثلث في ظل الله يوم القيامة.
وروينا من وجوه ان عائشة زوج النبي - صلى الله عليه
وسلم - قتلت جنانا. فأريت في المنام ان قائلا يقول لها قد قتلت
مسلما. فقالت: أو كان مسلما لم يدخل على أزواج النبي - صلى
الله عليه وسلم؛ قال: ما دخل عليك إلا عليك ثيابك، فأصبحت
فأمرت باثني عشر ألف درهم ، فجعلت في سبيل الله .
قال أبو عمر : الغول وجمعها أغوال والسعلاة وجمعها
السعالى (1) - ضربان من الجن ، ونوع من شياطينهن ؛ قالوا انها
تتصور صورا كثيرة في القفار - امام الرفاق وغيرها ، فتطول مرة.
وتصغر أخرى، وتقبح مرة، وتحسن أخرى ؛ مرة في صورة
بنات آدم وبني آدم ، ومرة في صورة الدواب ، وغير ذلك .
كيف شاءت ؛ قال كعب بن زهير :
فما قدوم على حال تكون بها كما تغول (١) في أثوابها الغول
١) هكذا في الاصل، ولعل هنا سقطا تضمن مثل حديث، ولا غول
ولكن السعالي، فاحتاج المؤلف الى شرحه والحديث عنه) انظر النعاية (سعل).
2) في بعض الروايات (عما تلون).
267

وفي الحديث المرفوع: إذا تغولت الغيلان ، فأذنوا بالصلاة،
أي إذا شبهت (1) عليكم الطريق فأذنوا تعتدوا .
وحدثنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمان، قال حدثنا
حمزة بن محمد بن على ، قال حدثنا أحمد بن شعيب النسوي،
قال أخبرنا أحمد بن سليمان ، قال حدثنا بزيد ، قال حدثنا
هشام، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله ، قال: قال رسول
الله - صلى الله عليه وسلم: عليكم بالداجة فان الارض تطوى
بالليل، وإذا تغولت الغيلان ، فنادوا بالاذان - مختصرا .
وأما قوله فى حديث عائشة: قتلت جنانا، فروي عن
ابن عباس أنه قال: الجنان مسخ الجن - كما مسخت القردة
من بني اسرائيل (2). وقد روي عن ابن عمر - مثله .
وقال الخليل : الجنان الحية. وقال نفطوبه: الجنان الحبات -
وأنشد الخطفي جد جرير :
أعناق جنان وهاما رجفا (8) .
وقال غيره :
تبدل حال بعد حال عهدنها تناوح جنان بهن وخيل
1) أي ليست عليكم .
2) أخرجه عبد الرزاق في المصنف 434/10 .
8) قال ذلك يصف ابلا .
انظر اللسان والتاح (جنن) .
268

قال ابن أبي ليلى : الجنان الذين لا يعرضون الناس ،
والخيل الذين يتخيلون للناس ويؤذونهم .
أخبرنا عبد الله ، حدثنا حمزة، حدثنا أحمد بن شعيب ،
قال أخبرني ابراهيم بن يعقوب ، قال حدثنا الحسن بن موسى،
قال حدثنا شيبان ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن الحضرمي
ابن لاحق ، عن محمد قال: وكان أبي بن كعب جد محمد،
قال: كان لابي بن كعب جون (1) من طعام .
وحدثنا عبد الله، حدثنا حمزة، حدثنا أحمد بن شعيب ،
حدثنا أبو داود ، قال حدثنا معاذ بن هانيء، قال حدثني حرب
ابن شداد ، قال حدثني يحيى بن أبي كثير، قال حدثني
الحضرمي بن لاحق التميمي ، قال حدثني محمد بن أبي بن
كعب ، قال : كان لجدي جون من طعام ، وكان يتعاهده
فوجده ينقص ؛ فحرسه ذات ليلة ، فاذا هو بدابة تشبه الغلام
المحتلم ، فسلم فرد عليه السلام؛ فقال: من أنت، أجن أم انس؟
قال: بل جن . قال : أعطني بدك ، فأعطاه فاذا بد علب
وشعر كلب. قال: هكذا خلق الجن؟ قال : قد علمت الجن
أنه ما فيهم أشد منى . قال: ما شأنك؟ قال: أنبئت أنك رجل
نحب الصدقة، (فأحببنا) (2) ان نصيب من طعامك ، قال: ما يجير
1) الجرن: موضع تجفيف التمر. انظر النهاية (جرن).
2) كلمة ممحوة فى الأصل ، وامل الانسب ما اثبتناه .
269

منكم ؟ قال: هذه الآية في سورة البقرة : آية الكرسي :
(((الله لا اله الا هو الحى القيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم)) - (١)
اذا قلتها حين تصبح، أجرت منا حتى نمسى ؛ وإذا قلتها حين
نمسي، أجرت منا حتى تصبح؛ فغدا أبي إلى النبي - صلى
الله عليه وسلم - فأخبره خبره، فقال النبي - صلى الله عليه
وسلم - : صدق الخبيث .
ورواه الأوزاعي ، من يحيى بن أبي كثير ، عن ابن أبي
أبن كعب، أن اباه أخبره أنه كان لهم جرن من نمر - وساق
الحديث بمثل ما تقدم، ولم يذكر فى اسناده الحضرمي ابن لاحق.
١) الآية : 258 - سورة البقرة.
270

مالك عن صدقة بن يسار- حديث واحد
وصدقة بن يسار هذا يعد في أهل مكة ، وكان من
ساكنيها ، وأصله الجزيرة؛ يقال : صدقة بن يسار الجزري .
ويقال : صدقة بن يسار المكى ، وهو ثقة مأمون ، سمع ابن
عمر، وله عنه أحاديث صالحة ، فهو من التابعين الثقات ، وقد
روى عن رجل ، عن ابن عمر ، وروى عن الزهري أيضا .
روى عنه شعبة ، ومالك، وابن عيينة ، وموسى بن عبيدة ،
وغيرهم ؛ قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثني أبي قال
حدثنا سفيان ، قال : قلت لصدقة بن يسار إن أناسا يزعمون
أنكم خوارج، قال: كنت منهم، ثم إن الله عافاني (1). قال
سفيان: وكان من أهل الجزيرة ، قال عبد الله : وسمعت أبى
بقول: صدقة بن يسار من الثقات، روى عنه شعبة .
مالك ، من صدقة بن يسار، عن المغيرة بن حكيم ، أنه
رأى عبد الله بن عمر يرجع في السجدتين في الصلاة على
1) فى تهذيب التعذيب (عافاني منه) بزيادة (منه) .
271

صدور قدميه ، فلما انصرف، ذكر له ذلك ؛ فقال : إنها ليست
سنة الصلاة ، وإنما أفعل ذلك من أجل أني أشتكي (1).
المغيرة بن حكيم هذا أحد الفضلاء الجلة، كان عمر
ابن عبد العزيز بفضله ، وقد عمل لعمر بن عبد العزيز - أيام
خلافته ، وهو الذى قال فيه عمر بن عبد العزيز النافع مولى
ابن عمر - إذ أخرجه -: المح المغيرة بن حكيم .
وقرأت على عبد الوارث بن سفيان، أن قاسم بن أصبغ
حدثهم ، قال: حدثنا ابن وضاح ، قال حدثنا محمد بن عمرو
العزمي (2) ، قال حدثنا مصعب بن مهان ، قال حدثنا سفيان
الثوري، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، قال : بعثني عمر
ابن عبد العزيز إلى اليمن، فأردت أن آخذ من العسل الصدقة؛
فقال المغيرة بن حكيم الصنعاني: ليس فيه شيء. فكتبت الى
عمر بن عبد العزيز، فقال: المغهرة عدل رضى ، لا تأخذ من
العسل شيئا .
وفي هذا الحديث من الفقه أن الرجوع بين السجدتين
في الصلاة على صدور القدمين خطأ ليس بسنة ، وفيه أن من
عجز من الاتيان ، بما يجب في الصلاة لعلة منعته من ذلك ،
أن عليه أن يأتي بما يقدر ، لا شيء عليه غير ذلك، ولا بكلف
الله نفسا إلا وسعها؛ والفرائض تسقط لعدم القدرة عليها؛ فكيف
السنن ، والامر في هذا واضح يغني عن الاكثار فيه .
1) الموطأ رواية يحيى ص 69 - حديث (197).
2) في الاصل (الغربى) وهو تحريف، والتصويب من جذوة المقتبس ص 87.
272

واختلف العلماء فى هذه المسألة - أعني الانصراف على
صدور القدمين فى الصلاة بين السجدتين، فكره ذلك منهم جماعة
ورأوه من الفعل (1) المكروه المنهي عنه ؛ ورخص فيه آخرون
ولم يروه من الاقعاء، بل جعلوه سنة ؛ ونحن نذكر الوجهين
جميعا والقائلين بهما، ونذكر ما العلماء فى تفسير الاقعاء هنا
وبالله التوفيق .
فأما مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، واصحابهم، فانهم يكرهون
الاقعاء فى الصلاة، وبه قال أحمد بن حنبل، واسحاق ، وأبو عبيد.
وقال أبو عبيد: قال أبو عبيدة: الاقماء جلوس الرجل
على أليتيه - ناصبا فخذيه مثل إقعام الكلب والسبع . قال أبو
عبيد: وأما تفسير أصحاب الحديث : فإنهم بجعلون الاقعاء
أن يجعل أليتيه على عقبيه بين السجدتين .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال حدثنا قاسم بن أصبغ.
قال حدثنا مضر بن محمد، قال حدثنا عبد الله بن محمد الأذمري،
قال حدثنا محمد بن الحسن الهمذاني ، قال حدثنا عباد المنقري.
عن علي بن زيد بن جعدان ، عن سعيد بن المسيب ، عن أنس
ابن مالك، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
يا بني، واذا سجدت فأمكن كفيك وجبهتك من الارض، ولا
1) في الاصل (الافعال) - وهو تحريف ظاهر
273
م ١٨ - جـ ١٦

تنقر نقر الديك، ولا نقع إقعاء الكلب ، ولا نلتفت التفات الثعلب؛
يقال : أفعى الكلب، ولا يقال قعد ولا جلس، وقعوده اقعاؤه؛
ويقال إنه ليس شيء يكون إذا قام أقصر منه - إذا قعد إلا
الكلب - إذا أقعى .
أخبرنا ابراهيم بن شاكر، قال حدثنا محمد بن أحمد ،
قال حدثنا محمد بن أبوب ، قال حدثنا أحمد بن عمرو، قال
حدثنا هارون بن سفيان ، قال حدثنا يحيى بن اسحاق، قال
حدثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أنس، أن النبي - صلى
الله عليه وسلم - نهى عن الاقعاء والتورك. وعن أبي هريرة
أنه قال: نهاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أقعي
في صلاتي إقعاء الكلب . وعن أبى إسحاق ، عن الحرث ، عن
علي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لا نقعين على
عقبيك في الصلاة . وصح من أبي هريرة أنه كره الاقعاء في
الصلاة ، ومن قتادة مثله .
وقال آخرون: لا بأس بالاقعاء في الصلاة .
وروينا عن ابن عباس أنه قال : من السنة أن تمس عقبيك.
ألهتيك. وقال طاوس: رأيت العبادلة يفعلونه : ابن عمر،
وابن عباس، وابن الزبير . وكذلك روى الاعمش عن عطية
العوفي ، قال : رأيت العبادلة يقعون فى الصلاة : عبد الله بن
274

عباس ، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير ؛ وفعل
ذلك سالم بن عبد الله، ونافع مولى ابن عمر، وطاوس،
وعطاء ومجاهد.
وذكر عبد الرزاق عن معمر، عن ابن طاوس ، من
ابيه، أنه رأى ابن عمر، وابن الزبير، وابن عباس، يقعون بين
السجدتين (1).
قال أبو عمر: لا أدرى كيف هذا الاتعام ؟ وأما عبد الـله
ابن عمر ، فقد صح عنه أنه لم يكن يقصي إلا من أجل أنه
كان يشتكي على ما في حديثنا المذكور فى هذا الباب .
وقال انها ليست سنة الصلاة ، وحسبك بهذا؛ ولهذه اللفظة
أدخلنا حديثه هذا فى هذا الكتاب . وقد جاء عنه أنه قال : إن
وجلي لا تحملاني ، ويمكن أن يكون الالعاء من ابن الزبير
كان أيضا لعذر؛ وقد ذكر حبيب بن أبى ثابت ان ابن عمر
كان بقعي بعد ما كبر، وهذا يدل على أن ذلك كان منه
لعذر ، ويمكن أن يكون ذلك من أجل أن اليهود كانوا قد
قدموا (2) يديه ورجليه بخيبر، فلم تعد كما كانت. والله أعلم.
(1) انظر المصنف 01/2. حديث (3029).
(2) الفدع - بالتحريك - زبغ بين القدم وبين عظم الساق، وحذلك فى
اليد: أن تزول المفاصل من أماكنها.
انظر النهاية لابن الاثير (فدع) .
275

وأما ابن عباس وأصحابه ، فالاقعاء عندهم سنة ، وذلك ثابت
عنهم : أخبرنا عبد الله بن محمد ، قال حدثنا محمد بن بكر ،
قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا يحيى بن معين ، قال حدثنا
الحجاج بن محمد، عن ابن جريج ، قال : أخبرني أبو الزبير
أنه سمع طاوسا يقول : قلنا لابن عباس: الاقعاء على القدمين في
السجود؟ قال: هى السنة. قال: قلنا: إنا لنراه جفاء بالرجل ،
فقال ابن عباس : هو سنة نبيك - صلى الله عليه وسلم.
وذكره عبد الرزاق ، قال أخبرنا ابن جريج ، قال أخبرني
أبو الزبير أنه سمع ثلوسا يقول : قلت لابن عباس في الاقعاء .
فذكره إلى آخره سواء (1) .
وعبد الرزاق من ابن عيينة ، من ابراهيم بن ميسرة، من
طاوس ، قال : سمعت ابن عباس يقول: من السنة أن تمس
عقبيك أليتيك. قال ** وس: ورأيت العبادلة يقعون: ابن عمر
وابن عباس، وابن الزبير (2).
وعن عمر بن حوشب قال : أخبرني مكرمة أنه سمع ابن
عباس يقول: الاقماء فى الصلاة السنة .
1) المصنف 193/2 - حديث (8035) .
(2) المصدر نفسه 191/2 - حديث (3033)
276

قال أبو عمر : من حمل الافعاء على ما قاله أبو عبيدة
معمر بن المثنى ، خرج من الاختلاف، وهو أولى ما حمل عليه
الحديث من المعنى - والله أعلم؛ لانهم لم يختلفوا أن الذي
فسر عليه أبو عبيدة الاقعاء لا يجوز لاحد مثله فى الصلاة من
غير عذر، وفي قول ابن عمر في حديثه المذكور في هذا الباب:
إنما أفعل ذلك من أجل أني اشتكي ، وأخبر أن ذلك ليس من
سنة الصلاة ؛ دليل على أنه كان بكره ذلك لو لم بشتك ،
ومعلوم أن ما كان عنده من سنة الصلاة، لا يجوز خلافه عنده
لغير عذر؛ فكذلك ما لم يكن من سنة الصلاة لا يجوز عمله
فيها من غير عذر ؛ فدل على أن ابن عمر كان ممن بكره
الاقعاء ، فهو معدود فيمن كرهه ؛ كما روي عن علي ، وابي
هريرة، وأنس؛ الا أن الاقعاء عن هؤلاء غير مفسر وهو مفسر
عن ابن عمر - انه الانصراف على العقبين وصدور القدمين بين
السجدتين ؛ وهذا هو الذى يستحسنه ابن عباس ويقول إنه سنة
فصار ابن عمر مخالفا لابن عباس في ذلك، وأما النظر في هذا
الباب ، فيوجب ألا تفسد صلاة من فعل ذلك ، لان إفسادها
يوجب إعادتها ، وإيجاب إعادتها ايجاب فرض ، والفروض - لا
تثبت الا بما لا معارض - له من أصل أو نظير أصل .
ومن جهة النظر أيضا قول ابن عباس إن كذا وكذا
سلة - إثبات ، وقول ابن عمر ليس بسنة - نفي ؛ وقول المثبت
277

فى هذا الباب وما كان مثله ، أولى من النافي ؛ لافه قد علم
ما جهله النافي. وعلى أن الاقعام قد فسره أهل اللغة على غير
المعنى الذي تنازع فيه هؤلاء ، وهذا كله يشهد لقول ابن عباس.
وقد مضى القول في نوع من أنواع الجلوس في الصلاة
في باب مسلم بن أبي مريم، وسيأتي تمام القول في كيفية
الجلوس في الصلاة وبين السجدتين، وما للعلماء في ذلك في
باب عبد الرحمان بن القاسم من كتابنا هذا - ان شاء
الله عز وجل.
278

مالك عن صالح بن كيسان - حديثان
وصالح بن كيسان هذا يكنى أبا محمد، وقيل بكنى
أبا الحرث ؛ واختلف في نسبه وولائه : فقيل هو من خزاعة،
وقيل هو مولى لبني عامر، أو بني غفار، وقيل مولى (لاصبح)، (!)
وقيل مولى لدوس .
وقال الواقدي : حدثني عبد الله بن جعفر، قال: دخلت
على صالح بن كيسان - وهو يوصي، فقال: أشهد أن ولائي
لامرأة مولاة لآل معيقيب الدوسي ، فقال له سعيد بن عبد الله
ابن هرمز: ينبغي أن تكتبه، فقال إنى لاشهدك، أنت شكاك-
وكان سعيد صاحب وضوء وشك فيه .
قال أبو عمر: كان صالح بن كيسان - هذا من أهل
العلم والحفظ والفهم، وكان كثير الحديث ، ثقة ، حجة فيما
نقل ؛ كان مع عمر بن عبد العزيز - وهو أمير على المدينة ،
ثم بعث إليه الوليد بن عبد الملك فضمه إلى ابنه عبد العزيز
1) فى الأصل كلمة غير واضحة، وأمل الانسب ما اثبتناه.
279

ابن الوليد ؛ وكان مسنا أدرك عبد الله بن عمر، وعبد الله
ابن الزبير ، وسمع منهما ؛ ثم روى عن نافع ، وعن ابن
شهاب - كثيرا .
قال يحيى بن معين: صالح بن كيسان أكبر من الزهري.
قال : وقد سمع من ابن عمر، وابن الزبير .
وقال البخارى : أخبرنا ابراهيم بن موسى ، حدثنا بشر
ابن المفضل، عن عبد الرحمان بن اسحاق، عن صالح بن كيسان
سمع ابن عمر في الصرف .
وقال ابن عيينة عن عمرو بن دينار: كان صالح بن
كيسان ، من رجالنا عند الحسن بن محمد - يعني بالمدينة .
وروى معمر ، وعمرو بن دينار ، عن صالح بن كيسان ،
قال: اجتمعت أنا والزهري ونحن نطلب العلم ، فقلنا : نكتب
السنن ، فكتبنا ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم ؛ ثم
قال الزهرى : نكتب ما جاء من أصحابه فإنه سنة ، قال : قلت:
أنا ليس بسنة فلا نكتبه، قال: فكتب ولم أكتب، فأنجح وضعت.
وذكر الحسن بن علي الحلواني قال : حدثنا عبد الله
ابن صالح ، قال: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمان ، عن أبيه ،
قال: كنت أخرج مع صالح بن كيسان إلى الحج والعمرة ،
280