النص المفهرس

صفحات 161-180

وأداء الزكاة ، وحج البيت - وذكر تمام الحديث . وعلى هذا
أكثر العلماء أن أعمدة الدين التي بني عليها خمس على ما
في خبر ابن عمر هذا ، إلا انه جاء عن حذيفة - رحمه الله -
خبر يخالف ظاهره خبر ابن عمر هذا في الاسلام ، رواه شعبة
وغيره عن ابى اسحاق، عن صلة بن زفر، عن حذيفة ، قال:
الاسلام ثمانية اسهم . الشهادة سهم، والصلاة سهم، والزكاة سهم،
وحج البيت سهم، وصوم رمضان سهم، والجهاد سهم، والامر
بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم. وقد خاب من لاسهم له.
وقد ذكرنا فرض الجهاد وما يتعين منه على كل
مكلف ، وما منه فرض على الكفاية، وأنه لا يجري مجرى الصلاة
والصوم في غير هذا الموضع ، فلا معنى لاعادته ههنا .
واما الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، فليس يجري ايضا مجرى
الخمس المذكورة فى حديث ابن عمر، لقول الله - عز وجل: ((يا أيها
الذين آمنوا عليكم أنفسكم، لا يضركم من غل إذا اهتديتم». (1)
ولقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اذا رأيت شحا مطاعا،
وهوى متبعا ، واعجاب كل في رأي برأيه ، فعليك بخاصة نفسك.
وروي عن ابن مسعود وجماعة من الصحابة والتابعين -
رحمهم الله - انهم كانوا يقولون في تأويل قول الله - عز وجل:
«عليكم أنفسكم، - الآية ، قالوا: إذا اختلفت القلوب في آخر
الزمن ، وألبس الناس شيما، واذيق بعضهم بأس بعض ، وكان
1) الآية : 106 - سورة المائدة.
م١١ - جـ ١٦
161

الهوى متبعا، والشح مطاعا، وأعجب كل ذى رأى برأيه.
فحينئذ تأويل هذه الآية ، وقد قبل فى تأويل الآية : لا يضركم
من ضل من غير اهل دينكم - إذا ادى الجزية البكم. وهذا
الاختلاف في تأويل الآية بخرجها من أن نجرى مجرى الخمس
التي بني الاسلام عليها ، وقد روي عن ابن عباس أن اعمدة
الاسلام ثلاثة : الشهادة ، والصلاة . وصوم رمضان .
حدثنا أبو محمد اسماعيل بن عبد الرحمان بن علي -
رحمه الله ، قال : حدثنا أبو اسحاق محمد بن القاسم بن شعبان،
قال حدثنا علي بن سعيد ، قال حدثنا أبو رجاء، وسعيد بن
حفص النجاري ، قال حدثنا مؤمل بن اسماعيل ، قال حدثنا حماد
ابن زيد، قال حدثنا عمرو بن مالك الفكري، عن أبي الجوزاء ،
عن ابن عباس، قال حماد: لا أظنه الا رفعه . . قال: عرى
الاسلام وقواعد الدين ثلاثة ، بني الاسلام عليها ، من ذرك منهن
واحدة فهو حلال الدم: شهادة أن لا إله إلا الله ، والصلاة ،
وصيام رمضان. قال ابن عباس: نجده كثير المال ولا بزعي ،
فلا نقول له بذلك كافر، ولا حلال دمه ؛ ونجده كثير المال
ولا يحج، فلا نراه بذاك عافرا ولا حل دمه (1) .
قال أبو عمر: فى حديث مالك من الفقه ، انه لا فرض
من الصلاة الا الخمس صلوات في اليوم والليلة ، وانه لا فرض
من الصيام الا صوم شهر رمضان ، وفيه أن الزكاة فريضة على
!) أخرجه أبو يعلى في مسنده.
انظر الجامع الصغير بشرح فيض القدير 4 /311 .
162

حسب سننها المعلومة ، وقد بينا ذلك في غير موضع من كتابنا
هذا وفي سائر كتبنا؛ ولم يذكر في حديث مالك الحج ،
وقد قال بعض من تكلم في الموطأ من أصحابنا ومن قبله منهم -
ان الحج لم يكن حينئذ مفترضا، وانه بعد ذلك نزل فرضه ؛
ومن قال هذا القول، زعم أن فرض الحج على من استطاع السبيل
اليه يجب فى فور الاستطاعة على حسب الممكن ؛ وهذه مسألة
ليس فيها لمالك جواب - وقد اختلف فيها المالكبون ، طائفة
منهم قالت وجوب الحج على الفور ولا يجوز تأخيره مع القدرة
عليه ، وإلى هذا ذهب بعض البغداديين المتأخرين من المالكيين،
وهو قول داود. وقالت طائفة منهم: بل ذلك على التراخي .
وعلى هذا القول أكثر المالكيين من أهل المغرب وبعض
العراقيين منهم ؛ واليه ذهب أبو عبد الله محمد بن أحمد بن
خواز بنداد البصري المالكي ، وله احتج في كتاب الخلاف ؛
وجاءت الرواية عن مالك - رحمه الله - انه سئل من المرأة تكون
صرورة مستطيعة على الحج ، تستأذن زوجها في ذلك فيأبى ان
بأذن لها ، هل بجبر على اذن لها؟ قال: نعم ، ولكن لا بعجل
عليه وبؤخر العام بعد العام . وهذه الرواية عن مالك تدل على
أن الحج عنده ليس على الفور، بل على التراخي - والله أعلم.
واختلف قول أبي يوسف في هذه المسألة ، فروي عنه انه
على الفور ، وروي عنه انه في سعة من تأخيره أعواما ، وهــو
قول محمد بن الحسن ، والشافعي .
163

قال الشافعي: يجوز تأخير الحج بعد الاستطاعة العام بعد العام - وام
بحد . وقال سحنون - وسئل عن الرجل يجد ما يحج به فيؤخر
ذلك سنين كثيرة مع قدرته على ذلك ، هل يفسق بتأخيره الحج
وترد شهادته ؟ قال: لا يفسق ولا ترد شهادنه - وان مضى من
عمره ستون سنة ، فإن زاد على الستين، فسق وردت شهادته .
قال ابو عمر : لا أعلم أحدا قال انه يفسق وفرد شهادته -
اذا جاوز الستين غير سحنون ، وهذا توقيت لا يجب إلا بتوقيف
ممن يجب التسليم له ، وكل من قال بالتراخي في هذه المسألة
لا يحد في ذلك حدا ، والحدود في الشرع لا تؤخذ الا عمن
له أن يشرع - والله أعلم .
وقد اختلف فى هذين الوجهين اصحاب مالك واصحاب
أبي حنيفة واصحاب الشافعى ، الا ان جمهور اصحاب الشافعي
انه على التراخي وهو تحصيل مذهبه .
وقال ابو العباس احمد بن عمر بن شريح محتجاً لقول
الشافعي ومن تابعه على ان الحج ليس على الفوز عند الاستطاعة،
قال : وجه الامر في ذلك، انا وجدنا المسلمين في مشارق الارض
ومغاربها لا يفسقون من تأخر عاما او عامين بعد بلوغه
مع استطاعته على الحج، ولا يسقطون شهادته ، ولا بزعمون انه
قد ترك أداء الحج فى وقته ؛ وانه ليس ڪتارك الصلاة حتى
خرج وقتها فيكون قاضيا لها بعد خروج وقتها، ووجدنا هذا
164

من شأنهم ليس مما يحدث في عصر دون مصر ، فعلمنا ان ذلك
ميراث الخلف من السلف ، ووجدنا فرائض كثيرة سبيلها
سبيل الحج في ذلك؛ منها: قضاء الصوم والصلاة، فلم نرهم ضيقوا
على الحائض إذا طهرت في قضاء الصلاة في أول وقتها ، ولها
أن تؤخره ما دام في وقتها سعة ، ولا في قضاء ما عليها من
الصوم؛ ولا على المسافر إذا انصرف من سفره، وكلهم لا يؤمن
عليه هجمة الموت .
وقالت عائشة انه ليكون علي الصوم من رمضان فما
اقضيه حتى بدخل شعبان ، فتبين بذلك ان هذه أمور لم يضيقها
المسلمون ، فبطل بذلك قول من شذ فضيقها ؛ ثم نظرنا في امر
الحج اذا اخره المرء المدة الطويلة ، كرجل ترك ان بحج خمسين
سنة - وهو مستطيع في ذلك كله. فوجدنا ذلك مستنكرا لا بأمر
بذلك أحد من أهل العلم ؛ غير انه اذا حج بعد المدة الطويلة لم
يكن قاضيا للحج ، كقضاء من ترك الصلاة حتى خرج وقتها ؛
فقلنا الوقت ممدود بعد - وان كان قد اخر تأخيرا مستنكرا ،
فاذا مات، علمنا أنه قد أخر الغرض حتى فات بموته، ومار الموت
علامة لتفريطه حين فات وقت حجه ؛ فإن قال قائل : فمتى
يكون عاصيا؟ وبماذا عصى ؟ قلنا: اما المعصية ، فتأخيره الفرض
حتى خرج وقته ، ويقع عصيانه بالحال التي عجز فيها من النعوض
الى الحج، وبان ذلك بالموت ؛ وكذلك قال عمر بن الخطاب :
من مات ولم يحج ، فليمت يهوديا - إن شاء أو نصرانيا . فعلق
165

"أوقت بالموت، اي بموت كما يموت اليهودي والنصراني دون
أن يحج، والنصراني واليهودي يموت كافرا بكفره، وهذا يموت
عاصيا بتركه الحج مستطيعاً له .
قال ابو عمر: الذي عندي في ذلك - والله اعلم - انه اذا
جاز له التأخير وكان مباحا له وهو مغيب عنه موته ، فلم يمت
عاصيا اذا كانت نيته منعقدة على أداء ما وجب من ذلك عليه،
وهو كمن مات في آخر وقت صلاة لم يظن انه بفوته كل
الوقت - والله أعلم .
وقد احتج بعض الناس اسحنون بما روى فى الحديث
المأثور عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: معترك امتى
من الستين الى السبعين، وقل من يجاوز ذلك. وهذا لا حجة
فيه، لانه كلام خرج على الاغلب من اعمار امته - لو صح
الحديث (1). وفيه دليل على التوسعة الى السبعين ، لانه من
الاغلب ايضا، ولا ينبغي أن يقطع بتفسيق من صحت عدالته
ودينه وأمانته بمثل هذا من التأويل الضعيف - وبالله التوفيق .
1) ولا ندري لماذا هذا التعليق - وقه أخرجه الترمذي وابن ماجه من
حديث أبى هريرة مرفوعا، وصححه ابن حبان والحاكم . وقال انه على شرط
مسلم، وهم يروونه بلفظ: أعمار أمتي ... وقال فيه الترمذي: حديث حسن
غريب - من حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة، لا نعرفه الا من هذا
الوجه . وقد روي عن أبي هريرة من غير هذا الوجه.
انظر عارضة الأحوذي على جامع الترمذي لابي بكر بن العربي
65/13 وتمييز الطيب من الخبيث لابن الدبيع ص !! .
166

ومما احتج به ابن خواز بنداد فى جواز تأخير الحج، وانه
ليس على الفور؛- حديث ضمام بن ثعلبة السعدي من بني سعد
ابن بكر، قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله عن
الاسلام، فذكر الشهادة والصلاة والزكاة وصوم رمضان والحج ،
وقال في آخر الحديث: هل علي غيرها؟ قال: لا، الا ان تطوع -
الحديث على نحو ما ذكره مالك من حديث طلحة بن عبيد
الله في الاعرابي من أهل نجد ، إلا أنه ليس فى حديث مالك
ذكر الحج .
وقد روى حديث ضمام هذا - عبد الله بن عباس، وابو
هريرة ، وانس بن مالك ، وفيها كلها ذكر الحج ، وحديث
انس احسنها سياقة واتمها، ونحوه حديث ابن عباس؛ واختلف في
وقت قدومه ، فقيل : قدم ضمام بن ثعلبة على رسول الله .
صلى الله عليه وسلم - في سنة خمس، وقيل في سنة سبع،
وقال ابن هشام عن أبي عبيدة في سنة تسع : سنة وفد
اكثر العرب .
وذكر ابن اسحاق قدوم ضمام بن ثعلبة على النبي - صلى
الله عليه وسلم - ولم يذكر العام الذي قدم فيه .
وقال الواقدي : قدم ضمام بن ثعلبة وافد بني سعد بن
بكر عام الخندق بعد انصراف الاحزاب ، فأسلم فكان اول من
قدم من وفد العرب؛ ويقال: أول من قدم وافدا على النبي -
صلى الله عليه وسلم - بلال بن الحرث المزني من وفد مزينة .
167

أخبرنا عبد الوارث بن سفيان - قراءة منى عليه، قال
حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال حدثنا أحمد بن زهير بن حرب ،
وعبيد بن عبد الواحد البزار ؛ قالا حدثنا أحمد بن محمد بن
ابوب ، قال حدثنا إبراهيم بن سعد بن ابراهيم ، عن محمد بن
محمد بن اسحاق ، قال حدثنى محمد بن الوليد بن نويفع مولى
الزبير ، من ڪريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس، ان
ضمام بن ثعلبة أخا بنى سعد بن بكر - لما أسلم، سأل رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - عن فرائض الاسلام، فعد عليه
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلوات الخمس، فلم يزد
عليهن ، ثم الزكاة ، ثم صيام رمضان ، ثم حج البيت ، ثم أعلمه
بما حرم الله عليه ؛ فلما فرغ، قال: أشهد أن لا إله إلا الله
وأنك رسول الله، وسأفعل ما أمرتنى به ولا أزيد ولا أنقص،
ثم ولى؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن يصدق
بدخل الجنة (١) .
حدثنا محمد بن إبراهيم ، حدثنا محمد بن معاوية ، حدثنا
أحمد بن شعيب ؛ وحدثنا عبد اللـه بن محمد، حدثنا حمزة ،
حدثنا أحمد بن شعيب .
وحدثنا عبد الله، حدثنا حمزة، حدثنا علي بن سعيد بن
بشير ، قالا حدثنا إسحاق بن ابى اسرائيل ، حدثنا أبو عمارة حمزة
ابن الحرث بن عمير ، قال سمعت ابى يذكر عن عبيد اللـه بن
1
1) رواه الجماعة الا ابن ماجه.
168

عمر ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة؛ قال: بينما
النبي - صلى الله عليه وسلم - مع اصحابه ، جاءهم رجل من أهل
البادية فقال : ابكم ابن عبد المطلب ؟ قالوا : هذا الامغر المرنفق،
قال : اني سائلك فمشتد عليك في المسألة ؛ قال : سل عما بدا لك.
قال : أنشدك برب من قبلك ورب من بعدك ، آلله أرسلك ؟ قال:
اللهم نعم . قال : فانشدك بالله ، آلله امرك أن نعطى خمس صلوات
في كل يوم وليلة ؟ قال: اللهم نعم. قال: أنشدك بالله، آلله
امرك ان تأخذ من اموال افنيائنا فترده على فقرائنا ؟ قال :
اللهم نعم. قال : وانشدك بالله ، آلله أمرك ان نصوم هذا الشهر
من اثني عشر شهرا؟ قال: اللهم نعم. قال: وانشدك بالله،
آلله أمرك ان نحج هذا البيت من استطاع إليه سبيلا؟ قال :
اللهم نعم. قال: فاني آمنت وصدقت، وأنا ضمام بن ثعلبة (1) .
قال أبو عمر: قوله فى هذا الحديث : الامغر المرتفق ،
بريد: الابيض المتكىء، والامغر هو الذى يشوب بياضه حمرة، »
واصل الامغر : الابيض الوجه والثوب ، وقد يكون الاحمر عنابة
عن الابيض - كما قال - صلى الله عليه وسلم: بعثت الى الاحمر
والاسود . - يريد الابيض والاسود. وفي خبر ضمام هذا دليل على
ان فرض الحج قد كان تقدم قبل وقت وفادته على النبي - عليه
السلام ، وان ذلك قد عان اشتهر وانتشر في قبائل العرب ،
وظهر ظهور الصلاة والزكاة التي كان يخرج فيها السعادة اليهم
1) أخرجه النسائي في سنته .
انظر ج 124/4 .
169
١

ويأخذونها منهم على مياههم ، وكظهور صوم شهر رمضان ؛ لانه
على ذلك كله وقفه وسأله عنه، لتقدم علم ضمام بأن ذلك كله
دينه الذي بعث به إليه بدءو، وانه الاسلام ومعانيه وشرائعه التي
كان يقاتل من أبى منها؛ وقد روى هذا الحديث أنس بن مالك،
وعبد الله بن العباس - باكمل سياقة من حديث طلحة ، ومن
حديث أبي هريرة أيضا .
حدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال
حدثنا محمد بن وضاح ، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة .
قال حدثنا شبابة ، عن سليمان بن المغيرة ، عن ثابت ، عن
انس، قال: كنا قد نهينا ان نسأل رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - وكان بعجبنا ان يأتي الرجل من أهل البادية العاقل -
فيسأله - ونحن نسمع؛ فجاءه رجل من أهل البادية فقال: يا محمد،
أذانا رسولك فزعم لنا انك تزعم ان الله أرسلك ، فقال له رسول
الله - صلى الله عليه وسلم: صدق. فقال: من خلق السماوات؟
قال: الله. قال: فمن خلق الأرض؟ قال الله . قال : فمن
نصب الجبال؟ قال: الله. قال: فبالذى خلق السماوات وخلق
الارض ، ونصب الجبال، آلله ارسلك؟ قال: نعم . قال : وزعم
رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا ؟ قال : صدق . قال:
فبالذي خلق السماء وخلق الارض ونصب الجبال، آلله أمرك بهذا؟
قال: نعم. قال: وزعم رسولك ان علينا صوم شهر في سنتنا ؟
قال: صدق. قال فبالذى خلق السماء وخلق الارض ، ونصب
الجبال، آلله أمرك بهذا ؟، قال نعم. قال: وزعم رسولك ان علينا الحج
من استطاع إليه سبيلا؟ قال : صدق. قال : فبالذى خلق السماء
170

وخلق الارض ونصب الجبال ، آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم . فقال:
والذي بعثك بالحق لا ازيد عليها شيئا ولا انقص منها . فقال
رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ان صدق، دخل الجنة (1) .
وحدثنا سعيد بن نصر ، قال حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال
حدثنا محمد بن وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ،
قال: حدثنا محمد بن فضيل، عن عطاء بن السائب ، من سالم
ابن أبي الجعد، عن ابن عباس ، قال : جاء أعرابي إلى النبي -
صلى الله عليه وسلم - فقال السلام عليك يا غلام بني عبد المطلب،
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: وعليك فقال: إني
رجل من أخوالك من بني سعد بن بكر، وأنا رسول قومي
إليك ووافدهم، وأنا سائلك فمشتدة مسألتي إياك، وناشدك فمشتدة
مناشدتي إياك؛ قال: قل يا أخا بني سعد. قال : من خلقك ؟
وهو خالق من قبلك وخالق من بعدك ؟ قال: الله. قال: فنشدنك
بذلك، أهو أرسلك ؟ قال : نعم. قال: من خلق السماوات السبع.
والأرضين السبع، وأجرى بينعن الرزق؟ قال الله. قال: فانشدك بذلك أهو
ارسلك؟ قال : نعم قال . وانا قد وجدخا فى كتابك وانتنا رسلك
أن نصلي في اليوم والليلة خمس صلوات لمواقيتها، فانشدك
بذلك، أهو أمرك به ؟ قال: نعم. فإنا قد وجدنا فى كتابك
وانتنا رسلك أن نأخذ من حواشي أموالنا فترد على فقرائنا .
١) أخرجه الترمذي في جامعه .
انظر عارضة الاحودي على جامع الترمذي 78/3
171

فنشدتك بذلك أهو امرك بذلك؟ قال : نعم. قال : ووجدنا فى
كتابك وآنتنا رسلك أن نصوم شهرا من السنة شهر رمضان ،
فنشدتك بذلك آلله أمرك به ؟ قال نعم: ثم قال: وأما الخامسة - بعنى
الحج ، فلست أسألك عنها ، قال: ثم قال: أما والذي بعثك بالحق
لا عملن بها، ولآمرن من اطاعني من قومي، ثم رجع. فضحك رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت نواجذه، ثم قال: والذي
نفسي بيده، لئن صدق ايدخلن الجنة .
قال أبو عمر: فى هذه الأحاديث كلها ذكر الحج ، وهي
أحاديث ثابتة حسان صحيحة . وقوله في حديث ابن عباس :
واما الخامسة فلا أسالك عنها - يعنى الحج - بعد ان جعلها خامسة،
ففيه دليل على أن الاسلام ودينه على خمسة أعمدة عنده، فمنها
الحج. والمعنى فى قوله ذلك، ان العرب كانت تعرف الحج
وتحج كل عام في الأغلب، فلم ير في ذلك ما يحتاج فيه إلى
المناشدة ؛ وكان ذلك مما ترغب فيه العرب لا سواقها وتبررها
ونحنفها ، فلم يحتج في الحج إلى ما احتاج في فهره من السؤال
والمناشدة - والله أعلم؛ واظن سقوط ذكر الحج من حديث
مالك - حديث طلحة بن عبيد الله، كان على ما فى حديث ابن
عباس، فلم يذكره أحد رواته فيه - والله أعلم .
ومن الدليل على جواز تأخير الحج، اجماع العلماء على ذرك نفسيق
القادر على الحج اذا أخره العام والعامين ونحوهما، وأنه إذا حج بعد
أعوام من حين استطاعته، فقد ادى الحج الواجب عليه في وقته، وليس
عند الجميع كمن فاتته الصلاة حتى خرج وقتها فقضاها بعد خروج
172

وقتها ، ولا كمن فاته صيام رمضان لمرض أو سفر فقضاه ،
ولا عمن افسد حجه فلزمه قضاؤه ؛ فلما اجمعوا أنه لا يقال لمن
بعد أعوام من وقت استطاعته: انت قاض لما كان وجب عليك ،
ولم بات بالحج وفي وقته ؛ علمنا ان وقت الحج موسع فيه ،
وانه على التأخير والتراخي، لا على الفور - وبالله التوفيق.
ومما نزع به من رآه على التراخي ، ما ذكر الله فى
كتابه من امر الحج في سورة الحج وهي مكية ؛ ومن ذلك
أيضا أن قول الله عز وجل: ((ولله على الناس حج البيت
من استطاع إليه سبيلا (1) ، - في سورة آل عمران، ونزلت في
عام احد وذلك سنة ثلاث من الهجرة، ولم يحج رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - إلا سنة عشر؛ فإن قبل ان مكة كانت
ممنوعة منه ومن المسلمين ، قيل : قد افتتحها سنة ثمان في
رمضان - ولم يحج حجته التي لم يحج بعد فرض الحج عليه
غيرها الا في سنة عشر ؛ وأمر عتاب بن أسيد اذ ولاء مكة
سنة ثمان ان يقيم الحج للناس ، وبعث ابا بكر الصديق - رضي
الله عنه - سنة تسع، فاقام للناس الحج، وحج هو - صلى الله عليه
وسلم - سنة عشر من الهجرة ، فصادف الحج - في ذى الحجة ؛
وأخبر أن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات
والارض، وان الحج في فى الحجة الى يوم القيامة - ابطالا لما
كانت العرب فى جاهليتها عليه في تأخير الحج - المنسي الذي
1) الآية : 37 - سورة آل عمران.
178

كانوا ينسونه له عاما بعد عام ؛ فانزل الله تعالى: («انما النسي
زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا بحلونه عاما وبحرمونه
عاما، (1) - الآية .
نقلت ذلك كله الكافة لم يختلفوا فيه ، واستقر الحج
من حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذى الحجة الى يوم
القيامة - ان شاء الله.
وأما قوله في حديث مالك - : والله لا أزيد على هذا ولا
انقص منه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أفلح
أن صدق. ففيه دليل - والله أعلم - على ان من ادى فرائض الله،
وجبت له الجنة إذا اجتنب محارمه ؛ لان الفلاح معناه البقاء
في نعيم الجنة التي أكلها دائم وظلها، وفاكهتها لا مقطوعة
ولا ممنوعة ؛ وعلى اداء فرائض الله واجتناب محارمه ، وعد
الله المومنين بالجنة - والله لا يخلف الميعاد.
كان عمر بن عبد العزير - رحمه الله - يقول في خطبته:
ألا إن أفضل الفضائل أداء الفرائض، واجتناب المحارم .
وشكا رجل إلى سلمان الفارسي أنه لا يقدر على القيام
بالليل ، فقال له: يا ابن أخى لا تعص اللـه بالنهار ، تستغن
عن القيام بالليل .
2) الآية : 87 - سورة التوبة .
174

وأصل الفلاح فى اللغة: البقاء والدوام ، قال الشاعر :
لكل هم من الامور سعه والمسي والصبح لا فلاح معه
أى لا بقاء معه .
وقال لبيد .
واقد أفلح من كان عقل
اعقلي ان كنت لما نعقلي
وقال الراجز (1) .
أدركه ملاعب الرماح (2)
لو كان حي مدرك الفلاح
أي لو كان احد يبقى ولا بموت، لكان ذلك ملاعب
الاسنة - وهو أبو البراء عامر بن مالك .
ومن المعنى الذي ذكرنا ، قول المؤذن : حي على الفلاح،
ومنه قول الله - عز وجل -: ((قد أفلح من تزكى)) (9). وقوله:
, أولئك هم المفلحون (4) ،.
1) هو لبيد السالف الذكر كما في اللسان (لعب)؛ وعبارة المؤلف
توهم أنه غيره .
2) المعروف انه ملاعب الاسنة، وإنما جعل لبيد ملاعب الرماح لحاجته
الى القنافية .
انظر اللسان (لعب).
9) الآية : 14 - سورة الأعلى.
٤) الآية : ٥ سورة البقرة.
175

مالك، عن نعيم بن عبد اللـه المجمر
وهو نعيم بن عبد الله المجمر (1) مولى عمر بن الخطاب،
كان أبوه عبد الله بجمر المسجد إذا قعد عمر على المنبر، وقد
قيل إنه كان من الذين كانوا بجمرون الكعبة ، والاول اصح-
والله أعلم ؛ لانه كان مولى عمر، وكان يجمر له مسجد رسول
الله - صلى الله عليه وسلم.
ونعيم أحد ثقات أهل المدينة ، وأحد خيار التابعين بها ؛
قال مالك: جالس نعيم المجمر أبا هريرة عشرين سنة - ذكره
الحلواني في كتاب المعرفة، عن سعيد بن أبي مريم، عن مالك .
لمالك عن نعيم هذا فى الموطأ ثلاثة أحاديث مسندة ، ومن
الموقوفات حديثان تتمة خمسة ، وهي كلها عندنا صحاح مسندة ،
وكان نعيم بوقف كثيرا من حديث أبى هريرة مما برفعه
غيره من الثقات .
1) المجمر - بضم الميم الاولى وكسر الثانية بينهما جيم ساكنة آخر را".
انظر التقريب 2 / 805.
م١٢ - جـ ١٦
177

.
..
1
-ช้อ
At

حديث أول لنعيم المجمر
مالك، عن نعيم بن عبد الله المجمر ، عن أبى هريرة أنه
قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: على أنقاب المدينة
ملائكة ، لا يدخلها الطاعون ولا الدجال (1) .
هكذا روى هذا الحديث عن مالك - جماعة رواة الموطأ
وغيرهم ، وقد روى فطر بن حماد بن واقد الصفار قال : دخلت
أنا وأبى على مالك بن أنس، فقال له أبى: يا أبا عبد الله،
أيهما أحب اليك : المقام هنا أو بمكة ؟ فقال: ههنا ، وذلك
ان الله اختارها لنبيه - صلى الله عليه وسلم - من جميع بقاع
الارض ؛ ثم قال : حدثنا نعيم بن عبد اللـه المجمر ، عن أبى
هريرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: من خرج -
منها رغبة عنها ، أبدلها الله من هو خير منه؛ وإنها لتنفي خبث
الرجال ، كما ينفى الكير خبث الحديد. وهذا الحديث خطأ
بهذا الاسناد ، والصواب فيه ما فى الموطأ .
1) الموطأ رواية يحيى ص 648 حديث (1607)، والحديث أخرجه
الشيخان، انظر الزرقاني على الموطأ 282/4 .
179

وأما قوله أنقاب المدينة ، فإنه أراد طرقها ومحاجها،
والواحد نقب ؛ ومن ذلك قول الله - عز وجل: «فنقبوا في
البلاد ، (1) - أي جعلوا فيها طرقا ومسالك. قال امرؤ القيس:
وقد نقبت في الآفاق حتى رضيت من الغنية بالاباب (2)
والمنكب أيضا الطريق مثل المنقب. وفى هذا الحديث
دليل على فضل المدينة ، إذ لا يدخلها الطاعون ولا الدجال، وأنه
بطأ الأرض كلها ، ويدخلها حاشى المدينة . ويروى في غيرها
حديث حاشى مكة والمدينة . روي ذلك من حديث جابر وغيره:
حدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان ، قالا حدثنا
قاسم بن أصبغ ، قال حدثنا جعفر بن محمد الصائغ ، قال حدثنا
محمد بن سابق ، قال حدثنا ابراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير،
عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه
وسلم -: يخرج الدجال في خفقة من الدين ، وإدبار من العلم؛
له أربعون ليلة بسيحها في الارض، اليوم منها كالسنة ، واليوم
منها كالشهر، واليوم منها كالجمعة ، ثم سائر أيامه عأيامكم
هذه ؛ وله حمار يركبه ، عربض ما بين أذنيه أربعون ذراعا؛
فيقول للناس : أنا ربكم - وهو أعور، وان ربكم ليس بأعور ؛
1) الآية : 36 - دورة قق .
2) انظر الديوان المطبوع ص 78 - وفيه (وقد طوقت) ط دار صادر .
180