النص المفهرس

صفحات 301-320

عنده من حديث حفصة هذا. ومنها أنه الثابت في حديث جابر عن
النبي - صلى الله عليه وسلم - ومنها أنه إختيار أبي بكر وعمر
وعثمان. ومنها أن ذلك أتم، ولذلك لم يحتج فيه إلى جبر
شيء بدم ، ومنها من جهة النظر حجج لمخالفة معارضها بمثلها
من جهة النظر أيضا، ليس بنا حاجة ههنا إلى ذكر شيء منها؛
وذهب غيره إلى أن التمتع أفضل، لآثار رووها عن النبي - صلى
· الله عليه وسلم - أنه تمتع، وكان ابن عمر يذهب إلى التمتع
ويزعم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تمتع في حجته،
وكان ابن عمر من أعلم الصحابة بالحج؛ وذهب آخرون إلى
أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرن بين الحج والعمرة
في حجته، لآثار رووها صحاح عندهم أيضا بذلك؛ والآثار في التمتع
والقران كثيرة جداً، وقد ذكرنا منها في باب ابن شهاب عن
عروة من كتابنا هذا ما فيه كفاية . وفي باب نافع أيضا ما
فيه شفاء ؛ وما أعلم أحدا في قديم الدهر ولا حديثه ، رد حديث
حفصة هذا بأن قال إن مالكا انفرد منه بقوله : ولم تحل أنت
من عمرتك إلا هذا الرجل - والله يغفر لنا وله برحمته .
أخبرنا عبد الله بن محمد بن يحيى، قال حدثنا محمد بن
بكر ، قال حدثنا أبو داود ؛ وحدثنا عبد الله بن محمد
301

ابن أسد ، قال حدثنا أحمد بن محمد المكي ، قال حدثنا علي
ابن عبد العزيز، قالا حدثنا القعنبى، عن مالك، عن نافع ، عن
ابن عمر ، عن حفصة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -
أنها قالت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما شأن الناس
حلوا ولم تحل أنت من عمرتك؟ قال : إني لبدت رأسي ،
وقلدت هدبي . فلا احل حتى أنحر (1).
وحدثنا سعيد بن نصر ، وعبد الوارث بن سفيان ، قالا
حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال حدثنا بكر بن حماد ، قال حدثنا
مسدد ، قال حدثنا يحيى - يعنى ابن سعيد القطان، عن عبيد
الله، قال: حدثنى نافع، عن ابن عمر، عن حفصة ، قالت :
قلت للنبي - صلى الله عليه وسلم - ما شأن الناس حلوا ولم
تحل من عمرتك؟ قال : إني قلدت هديي ولبدت رأسي ، فلا
أحل من الحج. فهذا عبيد الله بن عمر - وهو من أثبت الناس
في نافع ، قد قال كما قال مالك سواء، وهو أمر مجتمع عليه في
القارن أنه لا يحل حتى يحل منهما جميعاً بآخر عمل الحج؛ وزعم بعض
أصحابنا أن حديث حفصة هذا ليس فيه ما يدل على أن رسول
١) انظر سنن أبي داود 1 420 .
302

الله - صلى الله عليه وسلم - كان يومئذ متمتعاً ولا قارناً؛
وقال في جوابه لها ما يدل على أنه كان مفردا، لقوله : لبدت
رأسي وقلدت هدبي . - ولم يعرف أن هدي المفرد تطوع لا يمنع
من إحلال لمن أمر بفسخ حجه في عمرة - كما أمر رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - يومئذ أصحابه، وسنبين هذ المعنى فيما
بعد من هذا الباب - إن شاء الله ، وإنما حمله على ذلك - والله
أعلم - تقصير البخاري عنه في رواية عبيد الله .
حدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان، قالا حدثنا
قاسم بن أصبغ ؛ وأخبرنا أحمد بن محمد ، وأحمد بن سعيد ،
وأحمد بن قاسم، قالوا حدثنا وهب بن مسرة، قالا جميعاً: حدثنا
ابن وضاح، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال حدثنا أبو
أسامة ، قال حدثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر،
أن حفصة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: قلت
يا رسول الله ، ما شأن الناس حلوا ولم تحل أنت من عمرتك ؟
قال: إني لبدت رأسي وقلدت هدبي، فلا أحل حتى أحل من الحج.
حدثنا عبد الله بن محمد، وعبد الرحمان بن عبد الله ،
قالا حدثنا أحمد بن جعفر بن مالك ، قال حدثنا عبد الله بن
803

أحمد بن حنبل ، قال حدثني أبي، قال حدثنا يحيى بن سعيد،
عن عبيد الله، قال حدثني نافع ، عن ابن عمر ، عن حفصة ،
قالت : قلت يا رسول الله، ما شأن الناس حلوا ولم نحل من
عمرتك ؟ - فذكره حرفاً بحرف إلى آخره .
قال أبو عمر: معلوم أن النبي - صلى الله عليه وسلم -
أمر أصحابه في حجته أنه من لم يكن منهم معه هدي أن يفسخ
حجه في عمرة، وهذا ما لم يختلف في نقله ، وإنما اختلف
في خصوصه وعلته : وعلى هذا خرج سؤال حفصة وقولها ما شأن
الناس حلوا ولم تحل أنت من عمرتك ؟ فجاوبها بما جرى
ذكره ؛ ولم يختلف عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه لما قدم
مكة أمر أصحابه أن يحلوا إلا من كان قد ساق هدياً ، وثبت
هو على إحرامه فلم يحل منه إلا وقت ما يحل الحاج من حجه؛
قال : ولو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما سقت الهدي ولجعلتها
عمرة؛ فمن كان ليس معه هدى فليحل وليجعلها عمرة. وهذا عندنا
خصوص - والله أعلم، لانه - صلى الله عليه وسلم - علم أنه لا يحج
بعدها ، وكان قد عرف من أمر جاهليتهم أنهم لا يرون العمرة
في أشهر الحج إلا فجورا : ونسخ الله ذلك من أمرهم، فأراد
304

- صلى الله عليه وسلم - أن يربهم أن العمرة في أشهر الحج -
ليس بها بأس، فأمر أصحابه أن يحلوا بعمرة يتمتعون بها؛ ومما
استدل بها من فضل القرآن والتمتع على الافراد، أن قال أن
حديث حفصة هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله إني قلدت
هدبي ولبدت رأسي فلا أحل حتى أنحر الهدي ، يدل أنه كان
قارنا - صلى الله عليه وسلم - بقوله حتى أحل من الحج؛ كذلك
رواه الحفاظ عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن
ابن عمر ، عن حفصة .
وقال أحمد بن حنبل : عبيد الله بن عمر أقعد بنافع من
أيوب ومالك، وكلهم ثبت ؛ لانه لو كان - مفرداً لحجه ، لكان
هديه تطوعا: والهدي التطوع لا يمنع من الاحلال الذي يحله الرجل-
إذا لم يكن معه هدي. ولو كان هديه تطوعا، لكان حكمه
كحكم من لم يسق هديا، ولجعلها عمرة على حرصه على
ذلك ؛ بدليل قوله : لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما سقت
الهدي ؛ والهدي الذي يمنع من ذلك هدي قران، أو هدي متعة؛
هذا ما لا شك فيه عند أهل العلم، ألا ترى لو أن رجلا خرج
بربد التمتع وأحرم بعمرة، أنه إذا طاف لها، وسعى وحلق ،
حل منها باجماع، إلا أن يكون معه هدي لمتعته ؛ فان كان
م٢٠ - ج ١٥
30,5

ساق هديا لمتعته، لم يحل حتى يرم النحر ؛ ولو ساق هديا نطوعا،
حل قبل يوم النحر بعد فراغه من العمرة؛ قالوا : فثبت بذلك
أن هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - لما كان قد منعه من
الاحلال، وأوجب ثبوته على الاحرام إلى يوم النحر؛ لم يكن هدي
تطوع، وإنما كان هديا لسبب عمرة يراد بها قران أو تمتع؛ هذا
كله قول من نفى أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - يومئذ
مفرداً ، وعول على حديث حفصة وما كان في معناه؛ قالوا :
ونظرنا في حديث حفصة هذا ، فإذا حديثها قد دلنا على أن
ذلك القول من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان منه
بعدما حل الناس ؛ ألا ترى إلى قول حفصة : ما شأن الناس
حلوا ولم نحل أنت من عمرتك؟ ولا يخلو النبي - عليه السلام -
حين قال لحفصة - مجاوبا لها عن قولها : إني قلدت هديي ،
ولبدت رأسي، فلا أحل حتى أنحر الهدي؛ من ان يكون قال ذلك
قبل أن يطوف أوبعد الطواف، فان كان قد طاف قبل ذلك ثم أحرم
بالحج من بعد، فإما كان متمتعاً ولم يكن قارناً - إذا أحرم
بالحج بعد فراغه من الطواف للعمرة ؛ وإن كان قد أحرم بالحج
قبل طوافه للعمرة ، فإنما كان قارناً، وهذا أشبه - إن شاء الله.
800

وعلى أي الوجهين كان، فإن حديث حفصة هذا ينفي أن
يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مفرداً لحجة لم
تتقدمها عمرة، ولم يكن معها عمرة ؛ وإذا كان ذلك كذلك ،
فحكم حديث حفصة هذا ، كحكم سائر الاحاديث المأثورة عنه
- صلى الله عليه وسلم - أنه قرن، أو كحكم الاحاديث عنه أنه
تمتع ؛ ومالك رحمه الله لا ينكرها، ولكنه قال: إن المصير
إلى رواية من روى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفرد
الحج أولى ؛ لانه قد صح عنه ذلك من طريق النقل ، كما صحت
تلك الوجوه ؛ ورجحنا اختيارنا الافراد بأنه عمل أبي بكر وعمر
وعثمان ؛ وحسبك بقول عمر : افصطوا بين حجڪم وعمرتكم ،
وكان لا يزيد على الافراد ؛ ومحال أن يجهل هؤلاء الخلفاء
الافضل والاصح مما روى في ذلك، مع موضعهم من العلم والجلالة
والفهم؛ وقد صح عن عائشة عن وجوه، أن رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - أفرد الحج ؛ وصح مثل ذلك عن جابر ، وجابر ساق
الحديث في الحج سياقة من حفظه من أول الاهلال به إلى آخره
عنه - صلى الله عليه وسلم -.
روى الأوزاعى عن ابن جريج عن عطاء، قال : حدثني
جابر بن عبد الله ، قال: أهللنا مع رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - بالحج خالصاً لا يخالطه شيء .
807

وحدثنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر.
قال حدثنا أبو داود، قال حدثنا قتيبة، قال : حدثنا الليث ، عن
أبي الزبير، عن جابر ، قال: أقبلنا مهلين مع رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - بالحج مفرداً، وأقبلت عائشة مهلة بعمرة - وذكر
الحديث (1). والآثار في الافراد كثيرة أيضاً، وكل ذلك مجتمع على
جوازه ، وبالله العون والتوفيق والتسديد ، لا شريك له .
١) انظر سنن أبي داود ١١٥/٤.
908

حديث ثان وستون لنافع عن
ابن عمر
مالك، عن نافع ، عن ابن عمر، أن حفصة زوج النبي
- صلى الله عليه وسلم - أخبرته أن رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - كان إذا سكت المؤذن من الاذان لصلاة الصبح وبدأ
الصبح ، صلى ركعتين خفيفتين قبل أن تقام الصلاة (1).
في هذا الحديث مع رواية الصاحب عن الصاحب، والمثل
عن المثل ؛ - من الفقه: الاذان للصبح مع انفجار الصبح. وفيه
تخفيف ركعتي الفجر ، وكذلك قال عبيد الله بن عمر عن
نافع ، عن ابن عمر، عن حفصة، قالت : كان رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - يخفف ركعتي الفجر حتى إني لأقول:
أقرأ فيهما بأم القرآن أم لا (2)؟ وسيأتي ذكر القراءة فيهما
عند ذكر ذلك الحديث في كتابنا هذا - إن شاء الله .
(١) الموطأ رواية يحيى ص 92 - حديث (280) والحديث أخرجه مــ لم
انظر الزرقاني على الموطأ 201/1 .
2) الموطأ رواية يحيى ص 98 - حديث (281).
809

حدثنا سعيد بن نصر ، وعبد الوارث بن سفيان ، قالا حدثنا
قاسم بن أصبغ ، قال حدثنا محمد بن اسماعيل ، قال حدثنا
الحميدي، قال حدثنا سفيان، قال حدثني من لا أحصي من
أصحاب نافع، عن نافع ، عن ابن عمر . قال : أخبرتني حفصة
أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا طلع الفجر
صلى ركعتين (1) .
حدثنا سعيد، وعبد الوارث ، قالا حدثنا قاسم ، قال حدثنا
اسماعيل بن اسحاق ، قال حدثنا حجاج بن المنهال ، قال حدثنا
حماد بن سلمة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة،
قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخفف ركعتي الفجر.
وحدثني عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن أصغ،
قال حدثنا محمد بن شاذان ، قال حدثنا زكرياء بن عدي ، قال
حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم - يعني الجزري، عن
نافع ، عن ابن عمر ، عن حفصة ، قالت : كان رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - إذا سمع أذان الصبح، صلى ركعتين، ثم
خرج إلى المسجد وحرم الطعام، وكان لا يؤذن له حتى يصبح.
1) انظر مسند الحميدي 138/1 - حديث (288)
310

وفي هذه الاحاديث ما يدل على أن ركعتي الفجر من
السنن المؤكدة، لان السنة لا يعرف منها مؤكدها الا بمواظبة
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليها، وكان رسول الله
يواظب على ركعتي الفجر ويندب إليهما؛ وقد قال بعض أصحابنا
إنهما من الرغائب وليستا من السنن ، وهذا قول ضعيف .
حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، قال حدثنا قاسم، قال
حدثنا بكر بن حماد ، قال حدثنا مسدد ، قال حدثنا يحيى، عن
ابن جرير، قال حدثنا عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عائشة قالت:
إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن على شيء من
النوافل أشد معاهدة منه على الركعتين قبل الصبح .
قال أبو عمر : كل ما ليس بفريضة فهو نافلة وفضيلة
إذا سن ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله أو فعله،
وسنته طريقته التي كان عليها، عاملا بها، ناديا واليها .
311

حديث ثالث وستون لنافع عن
ابن عمر
مالك، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ، أن رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - دخل الكعبة (1) هو وأسامة بن زيد،
وعثمان بن طلة الحجبي، (2) وبلال، فأغلقها عليه ومكث فيها .
قال عبد الله بن عمر، فسألت بلال حين خرج : ماذا صنع
رسول الله - صلى الله عليه وسلم؟ فقال: جعل عموداً عن
يمينه ، وعمودين عن يساره ، وثلاثة أعمدة وراءه ؛ وكان
البيت يومئذ على ستة اعمدة، ثم صلى (3) .
هكذا رواه جماعة من رواة الموطأ عن مالك، قالوا فيه: عمودا
عن يمينه، وعمودين عن يساره ، منهم: يحيى بن يحيى
النيسابوري ، وبشر بن عمر الزهراني ؛ وكذلك رواه الربيع
عن الشافعي، عن مالك .
1) يعني عام فتح مكة عما في البخاري.
(2) نسبة إلى حجابة الكعبة. لذا يقال لاهله: الحجبة، ويعرفون الآن
بيني شيبة .
3) الموطأ رواية يحيى ص: 257 - حديث (906)، والحديث أخرجه
البخاري ومسلم .
انظر الزرقاني على الموطأ 2 / 66 . .
318

ورواه عثمان بن عمر، عن مالك، فقال فيه: جعل عمودين
عن يمينه ، وعمودين عن يساره ؛ وروى أبو قلابة ، عن بشر
ابن عمر عن مالك : عموداً عن يمينه ، وعموداً عن يساره ؛
وكذلك رواه إسحاق بن الطباع عن مالك ، وقد روي
ذلك عن ابن مهدي، عن مالك في هذا الحديث : وجعل
عمودين عن يمينه، وعموداً عن يساره ، كذلك رواه بندار عنه ؛
وكذلك رواه الزعفراني عن الشافعي ، عن مالك ؛ وكذلك رواه
القعنبي، وأبو مصعب ، وأبن بكير، وابن القاسم ، ومحمد بن
الحسن الفقيه، عن مالك. وروت طائفة من رواة الموطأ عن مالك
هذا الحديث، وانتهى حديثهم إلي: ثم صلى .
وزاد ابن القاسم في هذا الحديث عن مالك بإسناده هذا :
وجعل بينه وبين الجدار نحو ثلاثة أُخرع .
ورواه ابن عفير، وابن وهب، وأبن مهدي، عن مالك .
كما رواه ابن القاسم، إلا أنهم قالوا: ثلاثة أذرع - ولم يقولوا نحو.
حدثنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا محمد بن بكر.
قال حدثنا أبو داود ، قال حدثنا عبد الله بن محمد بن اسحاق
الاذرمي ، قال حدثنا عبد الرحمان بن مهدى، عن مالك، عن
314

نافع ، عن ابن عمر - بهذا الحديث - لم يذكر السواري، قال :
ثم صلى بينه وبين القبلة ثلاثة أذرع (1) .
وحدثنا خلف بن قاسم . حدثنا علي بن الحسن بن علال
الحراني ، حدثنا محمد بن جعفر بن عيسى بن رزين العطار ،
حدثنا إسحاق بن الجراح ، حدثنا شبابة بن سوار ، حدثنا مالك
ابن أنس، عن نافع، عن ابن عمر ، قال : على رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - في الكعبة وبينه وبين الحائط ثلاثة أذرع.
وروى هشيم هذا الخبر عن ابن عون، عن نافع، عن
ابن عمر ، فزاد فيه - الفضل بن عباس، حدثناه محمد بن ابراهيم،
قال حدثنا محمد بن معاوية ، قال حدثنا أحمد بن شعيب، قال :
حدثنا يعقوب بن ابراهيم، قال أخبرنا هشيم، أخبرنا ابن عون،
عن نافع ، عن ابن عمر، قال: دخل رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - البيت ومعه الفضل بن عباس، وأسامة بن زيد، وعثمان بن
طلحة، وبلال؛ فأجافوا عليهم الباب، فمكث فيه ماشاء الله ثم خرج.
قال ابن عمر : فكان أول من لقيت بلال، فقلت : أين
صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال: بين الاسطوانتين.
1) انظر سنن أبي داود 1 /407.
315

ورواه خالد بن الحرث، عن ابن عون ، عن نافع ، عن
ابن عمر - مثله بمعناه - ولم يذكر الفضل بن عباس ، وقال
فيه : فقلت : أين على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟
فقالوا : هنا ، ونسيت أن أسأله كم صلى .
وروى هذا الخبر ابن أبي مليكة، عن ابن عمر، قال
فيه : فسألت بلالا هل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
في الكعبة ؟ فقال : نعم، ركعتين بين الساريتين. ففي هذا
الحديث أنه صلى فيهما ركعتين، وهذا خلاف ما تقدم .
ورواه يحيى القطان، عن السائب بن عمر، عن ابن أبي
مليكة ؛ وفي هذا الحديث أيضا رواية الصاحب عن الصاحب ؛
وروى عبد الله بن عباس، عن أسامة بن زيد، قال : دخل
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكعبة فسبح أو كبر في
نواحيها - ولم يصل فيها ، ثم خرج فصلى خلف المقام قبل
الكعبة ركعتين ، ثم قال : هذه القبلة .
قال أبو عمر : رواية ابن عمر عن بلال، عن النبي
- صلى الله عليه وسلم - أنه على في الكعبة، أولى من رواية
: ابن عباس عن أسامة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
316

لم يصل فيها ، لانها زيادة مقبولة ؛ وليس قول من قال : لم يفعل
بشهادة، وهذا أصل من أصول الفقه في الشهادة إذا تعارضت في
نحو هذا، فأثبت قوم شيئا ونفاه آخرون: كان القول قول المثبت
دون النافي ، لأن النافي ليس بشاهد ؛ هذا اذا استويا في العدالة
والاتقان، والقول في قبول زيادة الزائد في أخبار على نحو هذا،
لان الزيادة كشهادة مستأنفة .
أخبرنا عبد الله بن محمد بن أسد ، قال حدثنا حمزة
ابن محمد ؛ وأخبرنا محمد بن ابراهيم، قال حدثنا محمد بن
معاوية، قالا حدثنا أحمد بن شعيب ، قال أخبرنا أحمد بن سليمان،
قال حدثنا أبو نعيم، قال حدثنا سيف بن سليمان، قال
سمعت مجاهدا يقول : أوذن ابن عمر في منزله ، فقيل هذا
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد دخل الكعبة، قال: فأقبلت
فأجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد خرج، وأجد بلالا
على الباب قائما؛ فقلت : يا بلال، على رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - في الكعبة ؟ قال : نعم . قلت أين ؟ قال : ما بين
هاتين الاسطوانتين : ركعتين، ثم خرج فصلى ركعتين في وجه
الكعبة . وعند مجاهد في هذا حديث آخر حدثناه عبد الله بن
317

محمد ، قال حدثنا محمد بن بكر ، قال حدثنا أبو داود ، قال
حدثنا زهير بن حرب، قال حدثنا جرير، عن يزيد بن أبي
زياد، عن مجاهد ، عن عبد الله بن صفوان ، قال قلت لعمر
ابن الخطاب: كيف صنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين
دخل الكعبة؟ قال : صلى ركعتين (1).
فهذه آثار تشهد لصحة قول ابن عمر عن بلال أن رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - على فيها الصلاة المعهودة لا الدعاء.
واختلف الفقهاء في الصلاة في الكعبة : الفريضة والنافلة ،
فقال مالك : لا يصلي فيها الفرض، ولا الوتر ، ولا ركعتا الفجر ،
ولا ركعتا الطواف، ويصلي فيها التطوع ؛ وذكر ابن خواز
بنداد عن مالك وأصحابه فيمن على في الكعبة الفريضة، أو على
على ظهرها ؛ أعاد ما دام في الوقت في المسألتين جميعاً .
وقال الشافعي ، وأبو حنيفة والثوري: يعلي في الكعبة
الفرض والنوافل كلها .
وقال الشافعي : إن صلى في جوفها مستقبلا حائطا من
حيطانها ، فصلاته جائزة : وأن على نحو الباب والباب مفتوح ،
فصلاته باطل ، لانه لم يستقبل منها شيئا .
.....
1) انظر سنن أبي داود 467/1.
318

وقال مالك : من حلى على ظهر الكعبة مكتوبة أعاد في
الوقت ، وقد روي عن بعض أصحاب مالك : يعيد أبدا .
وقال أبو حنيفة : من صلى على ظهر الكعبة فلا شيء عليه.
واختلف أهل الظاهر فيمن صلى في الكعبة : فقال بعضهم
صلاته جائزة. وقال بعضهم : لا صلاة له في نافلة ولا فريضة ؛
لانه قد استدبر بعض الكعبة ، واحتج قائل هذه المقالة بقول ابن
عباس: أمر الناس أن يصلوا إلى الكعبة، ولم يؤمروا أن يصلوا فيها.
قال أبو عمر : لا يصح في هذه المسألة إلا أحد قولين :
إما أن يكون من صلى في الكعبة صلاته تامة - فريضة كانت
أو نافلة ، لانه قد استقبل بعضها وليس عليه إلا ذلك ؛ أو تكون
صلاته فاسدة فريضة كانت أو نافلة؛ من أجل أنه لم يحصل له
استقبال بعضها إذا صلى داخلها إلا باستدبار بعضها، ولا يجوز
ذلك عند من ذهب إلى أن الامر بالشيء نهى عن جميع أضداده
في كل باب ؛ والصواب من القول في هذا الباب - عندي -
قول من أجاز الصلاة كلها في الصعبة إذا استقبل شيئا منها ،
لانه قد فعل ما أمر به، ولم يأت ما نهى عنه ؛ لان استدبارها
ههنا ليس بضد استقبالها، لانه ثابت معه في بعضها، والضد لا
819

يثبت مع ضده؛ ومعلوم أن المأمور باستقبال الكعبة لم يؤمر
باستقبال جميعها ، وانما توجه الخطاب اليه باستقبال بعضها :
والمصلي في جوفها قد استقبل جهة منها وقطعة وناحية ، فهو
مستقبل لها بذلك ؛ وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -
أنه صلى فيها ركعتين ، وهو المبين عن الله مراده؛ وكل
موضع يجوز فيه صلاة النافلة، جازت فيه صلاة الفريضة قياسا
ونظراً، إلا أن يمنع من ذلك ما يجب التسليم له ؛ على أنه لا
يجب لاحد أن يتعمد صلاة الفريضة فيها، ولو صلى فيها ركعتين
نافلة ، لم يكن بذلك بأس؛ فإن على أحد فيها فريضة ، فلا حرج
ولا إعادة؛ فإن قيل إن النافلة قد تجوز على الدابة للمسافر إلى
غير القبلة ، ولا تجوز كذلك الفريضة ؛ فلم قيست النافلة على
الفريضة ؟ قيل له ذلك موضع خصوص بالسنة لضرورة السفر ،
كما تجوز صلاة الفريضة للخائف المطلوب - راكباً مستقبل القبلة
وغير مستقبلها لضرورة الخوف ؛ وليس ذلك بمبيح له الصلاة
المفروضة على الدابة في حال الامن من غير ضرورة، ولا بمبيح ذلك
له ترك استقبال القبلة من غير ضرورة: وكذلك الصلاة على الدابة
للمتطوع المسافر ليس ذلك بمبيح له الصلاة النافلة ولا الفريضة
على الارض إلى غير القبلة في الحضر ؛ لانها في السفر حال
ضرورة، خصت بالسنة والإجماع ؛ وأما غير ذلك مما تنازع فيه
320