النص المفهرس

صفحات 221-240

فرضاً ؛ ولما أجمعوا أن من لم يطف للدخول وطاف للافاضة
وسعى، أنه يجزئه الدم ؛ كان بذلك مع فعل ابن عمر هذا
معلوماً أن فرض الحج طواف واحد، ويعتبر هذا بالمكي أنه
ليس عليه إلا طواف واحد، وينوب أيضاً عند مالك وأصحابه في
الحج الطواف التطوع عن الواجب، لانه عمل بعمل في زمن واحد.
وأما سائر الفقهاء، فطواف الإفاضة يوم النحر واجب عندهم
فرضاً ، لقول الله عز وجل: ((وليقضوا تفتهم وليوفوا نذورهم
وليطوفوا بالبيت العتيق (1)) . - فلم يوجب الطواف إلا بعد قضاء
البيت، وذلك إنما يتم برمي جمرة العقبة .
وقد قال في الشعائر: «ثم محلها إلى البيت العتيق، - فجعله بعدها.
قالوا : وأما طواف الدخول ، فسنة ساقطة عن المكي
والمراهق ، كسقوط طواف الوداع عن الحائض .
وفي هذا الحديث أيضاً حجة لمالك ومن قال بقوله في
القارن أنه يجزئه طواف واحد لحجه وعمرته، وهذا موضع اختلف
فيه لعلماء قديماً وحديثاً، وقد ذكرناه في باب ابن شهاب عن
عروة، ونعيد منه ههنا طرفاً كافياً بعون الله .
1) الآية 291 - سورة الحج.
221

قال مالك: من أهل بحجة وعمرة، أو أدخل الحج على
العمرة ، طاف لهما طوافاً واحداً بالبيت ؛ وسعى لهما بين الصفا
والمروة سعياً واحداً، وهو قول الشافعي ؛ وبه قال أحمد بن
حنبل ، وإسحاق، وأبو ثور ؛ والحجة لمن ذهب هذا المذهب:
حديث مالك، عن ابن شهاب ، عن عروة، عن عائشة - الحديث.
قالت: وأما الذين أهلوا بالحج، أو جمعوا الحج والعمرة (1):
فإنما طافوا طوافً واحدا، وقد ذكرنا هذا الخبر في باب ابن
شعاب عن عروة - والحمد لله .
وما حدثنا سعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان ، قالا
حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا محمد بن وضاح ، قال حدثنا
أبو بكر بن أبي شيبة ، قال حدثنا أبو معاوية ، عن حجاج ،
عن أبي الزبير، عن جابر، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرن
بين الحج والعمرة ، وطاف لهما طوافاً واحداً .
وروى رباح بن أبي معروف ، عن عطاء، عن جابر ، أن
أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يزيدوا على طواف واحد.
وأخبرنا محمد بن إبراهيم ، قال حدثنا محمد بن معاوية .
قال حدثنا أحمد بن شعيب ، قال أخبرنا محمد بن منصور ، قال
1) أهلوا بالحج أو جمعوا الحج والعمرة: ص، أعطوا بالحج والعمرة.
بإسقاط ( أو جمعوا السيا ظ.
222

حدثنا سفيان ، عن أيوب بن موسى ، عن نافع ، أن ابن عمر
قرن بين الحج والعمرة ، وطاف لهما طوافاً واحداً، ثم قال :
هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل؛ وقد
تقدم في هذا الباب حديث ابن عمر هذا من طرق .
وروى الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن
ابن عمر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: من
قرن بين الحج والعمرة، كفاه لهما طواف واحد ، وسعي واحد.
ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعاً .
وروى يحيى بن يمان، عن سفيان، عن عبيد الله بن عمر
عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - عليه السلام - مثله بمعناه (1).
وأخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر ،
قال حدثنا أبو داود ، قال حدثنا الربيع بن سليمان المؤذن ،
قال حدثنا الشافعي ، عن ابن عيينة ، عن ابن أبي نجيح ، عن
عطاء ، عن عائشة، أن النبي - عليه السلام - قال لها : طوافك
بالبيت وبين الصفا والمروة، يكفيك لحجك وعمرتك (2) .
١) بمعناه: ص ـ ظـ
2) انظر سنن أبي داود ١ /497
223

قال أبو عمر : هذا قول ابن عمر ، وابن عباس ، وجابر ،
وعائشة؛ وقال سفيان الثوري ، وأبو حنيفة ، وأصحابه ، وابن
أبي ليلى، والحسن بن حي، والاوزاعي، على القارن طوافان
وسعيان ؛ ومن حجتهم أن قالوا في حديث عائشة وقولها فيه :
وأما الذين جمعوا الحج والعمرة ، فإنما طافوا لهما طوافاً واحداً؛
قالوا أرادت جمع متعة لا جمع قران، يعني أنهم طافوا طوافا واحداً
بعد جمعهم بين الحج والعمرة التي قد كانوا طافوا لها ، لان
حجتهم تلك كانت مكية، والحجة المكية لا يطاف لها قبل عرفة،
وإنما يطاف لها بعد عرفة - طوافاً واحداً (١).
واحتجوا بما ذكره أبو داود ، قال حدثنا قتيبة، قال حدثنا
مالك ، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، أن أصحاب النبي
- عليه السلام- الذين كانوا معه لم يطوفوا حتى رموا الجمرة (2).
ودفعوا حديث أبي معاوية عن الحجاج بن أرطاة ، عن أبي
الزبير، عن جابر، بأن ابن جريج، والاوزاعي ، وعمرو بن دينار،
وقيس بن سعد ، رووه عن عطاء، عن جابر ، أن رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - أمر أصحابه بفسخ الحج في العمرة - وهم
على الصفا في آخر الطواف؛ فهذا تمتع لا قران، لانهم حجوا يومئذ
1) طوافاً واحداً: صن - ظ.
2) انظر سنن أبي داود 497/1
'224

بعد ذلك ، والطواف للحج بعد ذلك، إنما يكون طوافا واحدا ؛
ودفعوه أيضا بأن جعفر بن محمد روى عن أبيه، عن جابر، أن
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفرد الحج ؛ قالوا: فكيف
يقبل حديث حجاج بن أرطاة عن أبي الزبير ، عن جابر ، أن
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرن بين الحج والعمرة ،
وطاف لهما طوافا واحداً؛ والحجاج ضعيف عندهم ، ليس بحجة .
ودفعوا أيضا حديث الحجاج عن أبي الزبير ، عن جابر، بأن
قالوا: رواه ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر ، قال: لم
يطف النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أصحابه بين الصفا
والمروة إلا طوافاً واحداً؛ قالوا: وإنما معنى هذا أن السعي
بين الصفا والمروة لا يصنع الا في طواف القدوم خاصة مرة
واحدة ؛ واعتلوا في حديث الدراورتي عن عبيد الله بن عمر ،
عن نافع ، عن ابن عمر ، بأن قالوا : أخطأ فيه الدراوردي ،
لان الجماعة رووه عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن
عمر - قوله - ولم يرفعوه ؛ قالوا : وأما قول ابن عمر حين
طاف طوافاً واحداً وقال: هكذا صنع رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - فانه أراد هكذا صنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
في حجته طاف طوافاً واحداً بعد رجوعه من منى، ورمي الجمرة؛
لانه كان في حجته متمتعاً عند ابن عمر ، وقد كان طاف
225
م١٥ - جـ ١٥

لعمرته عند الدخول ، وأمر من لم يكن معه هدي أن يحل ولم
يحل هو، لانه (كان) (1) ساق الهدي" قالوا: فإن كان ابن عمر
جعل طواف القارن كطواف المتمتع ، فقد خالفه في ذلك علي،
وابن مسعود ؛ وذكروا (2) ما حدثناه عبد الوارث ، قال حدثنا
قاسم ، قال حدثنا أحمد بن زهير ، قال حدثنا أبي ، قال حدثنا
عبد الرحمان ، عن سفيان ، عن الأعمش، عن إبراهيم ، عن
عبد الرحمان بن أذينة ، أنه سأل علياً عمن جمع بين الحج
والعمرة ، فقال : إذا قدمت مكة قطف طوافين بالبيت، وطوافين
بين الصفا والمروة، ولا تحل حتى تنحر، أو قال حتى يوم النحر،
وقد ذكرنا خبر علي وابن مسعود من طرق في باب ابن شهاب.
قال أبو عمر: أما قولهم إن عائشة أرادت بقولها : وأما
الذين جمعوا الحج مع العمرة، فإنما طافوا لهما (8) طوافاً واحداً،
أرادت جمع متعة لا جمع قران ، فدعوى لا برهان عليها: وظاهر
حديث عائشة وسياقه ، يدل على أنها أرادت الذين قرنوا الحج
١) كلمة (عان) ساقطة فى الاصل.
12 وذكروا ما حدثناه: ص. وأما رسول الله - ص - فلم يكن جمعه
جمع قران، انما كان جمع متعة - والله أعلم - : ظ .
8) لهما : ص ، لها : ظ .
226

والعمرة ، لانها فصلت بالواو بين من أهل بحج، (1) وبين من
أهل بعمرة فتمتع بها ، وبين من جمع الحج والعمرة ؛ ثم قالت:
فأما الذين أهلوا بعمرة، فإنهم طافوا بالبيت وبين الصفا والمروة،
ثم حلوا، ثم طافوا طوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى بحجهم؛
وأما الذين كانوا أهلوا بالحج أو جمعوا الحج والعمرة ، فإنما
طافوا لهما طوافاً واحداً - ولم تقل: وأما الذين أهلوا بعمرة
- تعني من تمتع؛ فدل على أنها أرادت من قرن - والله أعلم.
وقد رفع الاشكال في ذلك، ما أوردنا من الآثار عن نافع ،
عن ابن عمر ، أنه قرن بين الحج والعمرة ، وطاف لهما طوافاً
واحداً - ولم يزد على ذلك؛ وقال: هكذا صنع رسول الله - صلى
الله عليه وسلم -، وليس حملهم على الدراوردي بشيء، لانه قد
تابع الدراوردي يحيى بن يمان، عن الثوري ؛ عن عبيد الله
- بمعنى روايته : والدليل على صحة ما رواه الدراوردي، أن
أيوب السختياني، وأيوب بن موسى، وموسى بن عقبة، واسماعيل
ابن أمية، رووا عن نافع، عن ابن عمر - معنى ما رواه الدراوردي
وقد ذكرنا أحاديثهم فيما مضى من هذا الباب ؛ وأما قولهم إن
عائشة وابن عمر أرادا بقولهما ذلك جمع متعة ، لا جمع قران،
١) أهل بحج وبين: ظ، أهل بحج وعمرة وبين : ص
227

فقد مضى القول عن عائشة في ذلك ؛ وكيف يجوز أن يتأولوا
ذلك في حديث ابن عمر - وهم يزعمون أن رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - كان قارناً لا متمتعاً، فإن اعتلوا بأن حديث
ابن عمر في حجة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مختلف،
قد روي عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تمتع في
حجة الوداع، رواه عقيل، عن ابن شهاب، عن سالم ، عن
أبيه ؛ وروى عنه أنه أهل هو وأصحابه بالحج، رواه حميد، عن
بكر المزني، عنه؛ قيل لهم: لما اضطربت الآثار عنه في ذلك، قضيا
برواية جابر، وعائشة - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفراد
الحج، وتركنا ما سوى ذلك، فإن ذكروا (1) أن علي بن أبي طالب،
·وعبد الله بن مسعود، كانا يقولان: القارن يطوف طوافين، ويسعى
سعيين ؛ قيل لهم (2): قد خالفهما ابن عمر، وجابر، وابن عباس ،
وعائشة؛ فوجب النظر، فإن ذكروا ما رواه الحكم عن ابن أبي ليلي،
عن علي ، قال : أهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعمرة
وحجة ، فطاف بالبيت لعمرته ، ثم عاد فطاف بحجته؛ قيل لهم :
هذا حديث منكر، إنما رواه الحسن بن عمارة عن الحكم فرفعه
1) ذكروا: ص، أنكروا : ظ .
2) لهم : ظ، لهما : ص.
228

والحسن بن عمارة متروك الحديث ، لايحتج بمثله ؛ ومن جهة
النظر؛ قد أجمعوا أن المحرم إذا قتل الصيد في الحرم، لم يجب
عليه إلا جزاء واحد ؛ وهو قد اجتمع عليه حرمتان : حرمة
الاحرام ، وحرمة الحرم ؛ فكذلك الطواف للقارن ، وكذلك
اجمعوا أن القارن يحل بحلق واحد، فكذلك الطواف أيضاً
قياسا - والله أعلم .
قال أبو عمر : أما الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه
وسلم - في الحج، ففي تهذيبها وتلخيصها وتمهيدها ، ما يحتمل ان
يفرد لها كتاب كبير، لا يذكر فيه غير ذلك؛ ولا سبيل إلى
اجتلابها في كتابنا هذا، وقد مضى من ذلك في باب ابن شهاب
عن عروة - ما فيه هداية ؛ وانما الغرض في هذا الكتاب ، أن
نذكر ما للعلماء في معنى الحديث من الاقوال والوجوه والاصول
التي بها فزعوا، ومنها قالوا ؛ وأما الاعتلال والادخال والمرافعات،
فتطويل وتكثير، وخروج عن تأليفنا وشرطنا - لو تعرضنا له، وبالله
التوفيق والعصمة والرشاد .
وأما قوله في حديثنا المذكور في هذا الباب : وأهدى ،
فإن أهل العلم اختلفوا فيما على القارن من الهدي والصيام ،
فروي عن ابن عمر أن القارن والمتمتع على كل واحد منهما
229

هدي بدنة أو بقرة؛ وكان يقول: ما استيسر من العدي: بدنة
أو بقرة ؛ وقد روي عن عمر ، وعلي ، وابن عباس - في قوله
((ما استيسر من الهدي» : شاة ، وعليه جمهور العلماء وجماعة
الفقهاء ؛ وكان مالك يقول في القارن : فإن لم يجد . صام ثلاثة
أيام في الحج ، وسبعة إذا رجع - هو والمتمتع في ذلك سواء ؛
وكذلك قال الشافعي، وأبو ثور؛ قال الشافعي: يجزىء القارن شاة
قياساً على المتمتع ، قال: وهو أخف شأناً من المتمتع ؛ وقال
أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد تجزيه شاة - والبقرة أفضل ، ولا
يجزىء عندهم إلا الدم عن المعسر وغيره ؛ ولا مدخل عندهم
للصيام في هذا الموضع - قياساً على من جاوز الميقات غير محرم.
أو ترك رمي الجمار حتى مضت أيامها .
قال أبو عمر: هذا بعيد من القياس، والقران بالتمتع
أشبه وأولى أن يقاس بعضها على بعض ؛ وقد نص الله في
المتمتع: الصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع - إن لم يجد
هدياً ؛ والقارن مثله، وله حكمه قياساً ونظراً - وبالله التوفيق.
وقال مالك: من حصره العدو بمكة تحلل بعمل عمرة، إلا
أن يكون مكياً فيخرج إلى الحل ثم يتحلل بعمرة .
230
ء

وقال الشافعي : الاحصار بمكة وغيرها سواء .
وقال أبو حنيفة إذا أتى مكة محرماً بالحج فلا يكون محمراً.
وقال مالك : من وقف بعرفة ، فليس بمحصر، ويقيم على
إحرامه حتى يطوف بالبيت ويهدي؛ ونحو ذلك قول أبي حنيفة.
وهو أحد قولي الشافعي ؛ وله قول آخر: أنه يكون محصراً -
وهو قول الحسن ، وقد تكرر هذا المعنى ، ومضى كثير من
معاني هذا الباب في باب ابن شهاب - والحمد لله .
231

حديث ثالث وخمسون لنافع عن
ابن عمر
مالك، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - قال: اللهم ارحم المحلقين، قالوا: والمقصرين
يارسول الله ، قال: اللهم ارحم المحلقين، قالوا : والمقصرين
يارسول الله (١) ؟ قالوا: والمقصرين (2).
هكذا هذا الحديث عندهم جميعا عن مالك، عن نافع ،
عن ابن عمر: وكذلك رواه سائر أصحاب نافع - لم يذكر واحد
من رواته فيه أنه كان يوم الحديبية ، وهو تقصير وحذف ؛
والمحفوظ في هذا الحديث، أن دعاء رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - للمحلقين - ثلاثا ، وللمقصرين مرة، إنما جرى
يوم الحديبية حين صد عن البيت، فنحر وحلق ودعا للمحلقين؛
١) وكذا ثبت فى النسختين الدعا" للمحلقين مرتين، وللمقصرين مرة :
وفى التجريد: الدعة" للمحلقين ثلاث مرات، وهي رواية يحيى بن بكير -
دون سائر رواة الموطأ .
انظر الزرقاني على الموطأ 148/2 .
2) الموطأ رواية يحيى ص 278 - حديث (896)، ورواية محمد بن
الحسن ص : 188 - حديث (462)، والحديث أخرجه البخاري ومسلم .
انظر الزرقانى 349/2 .
233

وهذا معروف مشهور محفوظ من حديث ابن عمر، وابن عباس.
وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وحبشي بن جنادة، وغيرهم:
أخبرنا أحمد بن عبد الله بن محمد، قال حدثنا الميمون
ابن حمزة ، قال حدثنا أبو جعفر الطحاوي ، قال حدثنا محمد بن
عبد الله بن ميمون، قال حدثنا الوليد ، قال حدثنا الاوزاعي ،
عن يحبى بن أبي كثير، عن أبي ابراهيم الانصاري، قال حدثنا
أبو سعيد الخدري ، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - يستغفر يوم الحديبية - للمحلقين ثلاثا ، وللمقصرين مرة :
أخبرنا أحمد بن سعيد بن بشر، حدثنا مسلمة بن قاسم ،
حدثنا جعفر بن محمد الاصبعاني، حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا
أبو داود الطيالسي ، قال حدثنا هشام، عن يحيى بن أبي كثير،
عن أبي إبراهيم الانصاري، عن أبي سعيد الخدري ؛ أن رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه حلقوا رؤوسهم يوم الحديبية،
إلا عثمان بن عفان، وأبا قتادة ؛ واستغفر رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - للمحلقين - ثلاثا، وللمقصرين مرة .
ووجدت في أصل سماع أبي بخطه - رحمه الله - أن
محمد بن أحمد بن قاسم بن هلال حدثهم، قال : حدثنا سعيد
ابن عثمان الاعناقي، قال حدثنا نصر بن مرزوق، قال حدثنا أسد
284

ابن موسى ، قال حدثنا يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة ، قال
حدثنا ابن إسحاق ، قال حدثني عبد الله بن أبي نجيح، عن
مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : حلق رجال يوم الحديبية ، وقصر
آخرون ؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: رحم الله
المحلقين، قالوا : يا رسول الله والمقصرين؟ قال : رحم الله
المحلقين ، قالوا : يا رسول الله والمقصرين؟ (قال رحم الله
المحلقين ) (1) قال: والمقصرين قالوا: (يا رسول الله) (2) فما بال
المحلقين ظاهرت لهم بالترحم ؟ قال : لم يشكوا .
وأخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف ، قال حدثنا محمد
ابن أحمد بن يحيى، (قال حدثنا أحمد بن محمد بن زيان)، (3)
قال حدثنا أحمد بن عبد الجبار العطاردي، قال حدثنا يونس بن
بكير ، قال أخبرنا ابن اسحاق - فذكر بإسناده مثله .
وحدثنا سعيد بن نصر، قال حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال
حدثنا ابن وضاح ، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال حدثنا
محمد بن فضيل، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن
١) ما بين القوسين ساقط في الاصل، ثابت في ظ، والمعنى يقتضيه
2) جملة (يا رسول الله) ساقطة في الاصل. ثابتة في ظ .
(3) ما بين القوسين ساقط في الاصل. ثابت في ظ .
235

أبي هريرة، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
فذكره بمعناه . فقد (1) ثبت أن ذلك كان عام الحديبية حين
حصر النبي - صلى الله عليه وسلم - ومنع من النهوض إلى
البيت وصد عنه ؛ وهذا موضع اختلف فيه العلماء : فقال منهم
قائلون : إذا نحر المحصر هديه ، فليس عليه أن يحلق رأسه ،
لانه قد ذهب عنه النسك كله .
واحتجوا بأنه لما سقط عنه بالاحصار جميع المناسك كالطواف
بالبيت ، والسعى بين الصفا والمروة ، وذلك مما يحل به المحرم
من إحرامه؛ لأنه إذا طاف بالبيت حل له أن يحلق ،
فيحل له بذلك الطيب واللباس ؛ فلما سقط عنه ذلك
كله بالإحصار ، سقط عنه سائر ما يحل به المحرم من أجل
أنه محصر؛ وممن قال بهذا القول، واحتج بهذه الحجة. أبو حنيفة،
ومحمد الحسن ، قالا : ليس على المحصر تقصير ولا حلاق. وقال
أبو يوسف: يحلق المحصر ، فإن لم يحلق، فلا شيء عليه .
وخالفهما آخرون فقالوا: يحلق المحص رأسه بعد أن ينحر
هديه، وذلك واجب عليه كما يجب على الحاج والمعتمر - سواء
١) فقد : ظ، وقد : ص
236

ومن الحجة لهم أن الطواف بالبيت والسعي بين الصفا
والمروة ورمي الجمار، قد منع من ذلك كله المحص وقد صد
عنه ، فسقط عنه ما قد حيل بينه وبينه .
وأما الحلاق فلم يحل بينه وبينه وهو قادر على أن يفعله،
وما كان قادرا على أن يفعله فهو غير ساقط عنه ، وانما يسقط
عنه ما حيل بينه وبين عمله ؛ وقد روي عن النبي - صلى الله
عليه وسلم - في الحديث المذكور في هذا الباب - ما يدل على
أن حكم الحلق باق على المحصرين - كما هو على من قد وصل
الى البيت سواء ؛ لدعائه للمحلقين ثلاثا ، وللمقصرين واحدة ؛
وهو الحجة القاطعة، ((والنظر الصحيح)؛ (1) وإلى هذا ذهب مالك
وأصحابه، فالحلاق عندهم نسك يجب على الحاج الذي قد أتم حجه،
وعلى من فاته الحج ؛ (وعلى) (2) المحصر بعدو، والمحصر بمرض.
وقد حكى ابن أبي عمران ، عن ابن سماعة ، عن أبي
يوسف في نوادره - أن عليه الحلاق أو التقصير لابد له منه .
واختلف قول الشافعي في هذه المسألة على قولين ،
أحدهما: أن الحلاق للمحصر من النسك، والآخر ليس من النسك؛
١) ما بين القوسين ساقط في الاصل. ثابت في ظ .
2) علبة (وعلى) ساقطة في الاصل. ثابتة في ظ .
237

واختلف العلماء في المحص: هل له أن يحلق، أو يحل بشيء في
الحل قبل أن ينحر ما استيسر من العدي ؟ فقال مالك : السنة
الثابتة التي لا اختلاف فيها - عندنا - أنه لايجوز لاحد ان يأخذ
من شعره حتى ينحر هديه، قال - عز وجل - في كتابه :
«ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله، (١) . - ومعنى هذا
من قوله فيمن اقم حجه لا في المحص، لانه قد تقدم قوله في
المحصر انه لا هدي عليه- إن لم يكن ساقه معه؛ والحلاق عنده للحج
وللمعتمر سنة، وعلى تاركه الدم؛ والتحلل في مذهبه عند اصحابه
لايتعلق بالحلاق، وانما التحلل الرمى او ذهاب زمانه ، او طواف
الافاضة ؛ فمن تحلل في الحل من المحصرين، كان حلاقه فيه :
ومن تحلل في الحرم ، كان حلاقه فيه ؛ والاختيار أن يكون
الحلاق بمنى ، فان لم يكن، فبمكة ؛ وحيثما حلق، أجزأه من
حل وحرم؛ ويجب حلاق جميع الرأس، او تقصير جميعه - والحلاق
أفضل ؛ إلا أن النساء لايجوز لهن غير التقصير ، وحلاقهن معصية
عنده- إن لم يكن لضرورة؛ ويجوز للمريض أن يحلق ويفتدي،
وينقص ذلك احرامه؛ وجميع محرمات الحج، لا يفسدها إلا الجماع:
وقد ذكرنا أحكام الفدية على من حلق رأسه من مرض وغيره
في باب حميد بن قيس - والحمد لله .
1) الآية : 196 - سورة البقرة .
288

وقال أبو حنيفة وأصحابه : إذا حل المحصر قبل أن ينحر هديه،
فعليه دم ويعود حراماً كما كان حتى ينحر هديه ؛ وإن أصاب
صيداً قبل أن ينحر الهدي، فعليه الجزاء؛ قالوا: وهو الموسر في
ذلك ، والمعسر لا يحل أبداً حتى ينحر أو ينحر عنه؛ قالوا:
وأقل ما يهديه شاة لا عمياء ولا مقطوعة الأذنين ، وليس هذا
عندهم موضع صيام ولا إطعام .
وقال الشافعي في المحص : إذا أعسر بالهدي فيه قولان :
(أحدهما) (1) لايحل أبدا الا بهدي، والقول الآخر أنه مأمور بأن يأتي بما
قدر عليه ؛ فان لم يقدر على شيء، خرج مما عليه، وكان عليه
أن يأتي به إذا قدر عليه ؛ قال: ومن قال هذا قال يحل
مكانه، ويذبح إذا قدر ؛ فان قدر على ان يكون الذبح بمكة ،
لم يجزه أن يذبح إلا بها؛ وان لم يقدر، ذبح حيث قدر ؛ قال: ويقال
لا يجزيه إلا هدى، ويقال: إذا لم يجد هديا كان عليه الاطعام
أو الصيام ؛ وان لم يجد واحدا من هذه الثلاث ، أتى بواحد
منها (2) اذا قدر .
!) علمة (أحدهما) ساقطة في الاصل. ثابتة في ظ .
2) منها: ظ. منهما: ص.
239

وقال في العبد: لايجزيه الا الصوم اذا أحصر ، تقوم له
الشاة دراهم ثم الدراهم طعاماً ، ثم يصوم عن كل مد يوما؛
قال: والقول في إحلاله قبل الصوم واحد من قولين ، أحدهما
يحل ، والآخر لايحل حتى يصوم ؛ والاول أشبههما بالقياس، لانه
أمر بالاحلال للخوف ، فلا يؤمر بالاقامة على خوف ، والصوم
يجزئه : هذا كله قوله بمصر ، رواه المزني والربيع عنه ؛ وقال
ببغداد في العبد يعطيه سيده في التمتع والقران هديا، ذكر فيها
الوجهين ؛ قال : وفيها قول آخر إن أذن له بالتمتع ليس يلزمه
الدم، رواه الحسن بن محمد الزعفراني عنه ؛ وذكر الربيع عنه
في المحصر أنه لو ذبح ولم يحلق حتى زال خوف العدو ، لم
يكن له الحلاق، وكان عليه الاتمام ، لانه لم يحل حتى صار
غير محصور ؛ قال: وهذا قول من قال : لا يكمل إحلال المحرم
إلا بحلاق ، قال : ومن قال يكمل احلاله قبل الحلاق - والحلاق
اول الاحلال ؛ فإنه يقول : إذا ذبح ، فقد فقد حل - وليس عليه
ان يمضي إلى وجهه إذا ذبح .
240