النص المفهرس

صفحات 121-140

قال أبو عمر : من لم ير على اللابس الناسي والجاهل -
شيئاً ، استدل بحديث يعلى بن أمية في الاعرابي الذي احرم -
وعليه حبة وصفرة خلوق، فأمره رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - بنزع الجبة ، وغسل الخلوق، ولم يأمره بفدية ؛ وقد
ذكرنا هذا الخبر وأحكامه في باب حميد بن قيس من كتابنا
هذا (1) ، ومن أوجب الفدية على الناسي وغيره، فحجته أن
الفدية إنما وردت فيمن فعلها من ضرورة ، وذلك محفوظ في
قصة كعب بن عجرة ؛ فالضرورة وغير الضرورة والنسيان وغيره
في ذلك سواء، لانه إذا وجبت على من فعل ذلك من ضرورة،
فأحرى أن تجب على من فعل ذلك من غير ضرورة ؛ والناسي
قياس على المضطر ، والعامد أحرى بذلك وأولى .
واختلفوا فيمن لبس أو تطيب في مواطن ، فقال مالك :
إن لبس القميص والسراويل والعمامة والقلنسوة وما أشبه ذلك
من الثياب - في فور واحد، وكانت حاجته إلى ذلك كله في
فور واحد، فعليه كفارة واحدة ؛ وكذلك إن تطيب مراراً في
موطن واحد، وفور واحد ، فعليه فدية واحدة ؛ وإن كان
ذلك في أحوال مختلفة ، فعليه لكل مرة فدية ، فدية ؛ وبه قال
1) انظر ج 249/2 - 258.
121

أبو حنيفة، والثوري، والليث، وهو أحد قولي الشافعي ؛ (وقال
محمد بن الحسن، والأوزاعي - وهو أحد قولي الشافعي) (1)
أيضاً: ليس عليه إلا كفارة واحدة - ما لم يكفر، فان كفر ثم
صنع شيئاً من ذلك، فعليه كفارة أخرى ؛ وقد روي عن مالك
أنه عليه في كل ما يلبس أو يتطيب فدية بعد فدية أبداً . وأما
الثوب المصبوغ بالورس والزعفران ، فلا خلاف بين العلماء أن
لباس ذلك لا يجور للمحرم على ما جاء في حديث ابن عمر
هذا ، فان غسل ذلك الثوب حتى تذهب ريح الزعفران منه
وخرج عنه ، فلا بأس به عند جميعهم أيضاً .
وكان مالك - فيما ذكر ابن القاسم عنه - يكره الثوب
الغسيل من الزعفران والورس إذا بقي فيه من لونه شيء ،
وقال: لا يلبسه المحرم - وإن غسله إذا بقي فيه شيءٍ من
لونه، إلا أن لا يجد غيره؛ فان لم يجد غيره، صبغه بالمشق وأحرم فيه.
وقد روى يحيى بن عبد الحميد عن أبي معاوية ، عن
عبيد الله، عن نافع ، عن ابن عمر، عن النبي - صلى الله
عليه وسلم -: هذا الحديث ، فقال فيه : ولا تلبسوا ثوبا مسه
ورس أو زعفران ، إلا أن يكون غسيلا .
٤) ما بين القوسين ساقط في الاصل، ثابت ظ.
182

وقال الطحاوي عن ابن أبي عمران : رأيت يحيى بن
معين - وهو يتعجب من الحماني - كيف يحدث بهذا الحديث؟!
فقال له عبد الرحمان بن مهدي : هذا - عندي ، ثم وثب من
فوره فجاء بأصله ، فأخرج منه هذا الحديث عن أبي معاوية -
كما قال الحماني : والورس نبات يكون باليمن كشبه العصفر ،
صبغه ما بين الصفرة والحمرة ، ورائحته طيبة .
واختلفوا في العصفر، فجملة مذهب مالك وأصحابه : أن
العصفر ليس بطيب ، ويكرهون للحاج استعمال الثوب الذي
ينتفض في جلده ، فان فعل ، فقد أساء ولا فدية عليه عندهم -
وهو قول الشافعي .
وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري (1) : العصفر (2) طيب،
وفيه الفدية على من استعمل شيئاً منه في اللباس وغيره إذا
استعمله - وهو محرم ؛ فهذه جمل ما في هذا الحديث من
الاحكام - والحمد لله على عونه ، لا شريك له .
١) كلمة (والثوري) ساقطة في الاصل، ثابتة في ظ .
2) العصفر، ظ، والمصفر : ص .
123

حديث تاسع وأربعون النافع عن
ابن عمر
مالك، عن عبد الله بن عمر ، أن تلبية رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن
الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. قال وقال عبد الله
ابن عمر يزيد فيها: لبيك لبيك ، لبيك وسعديك والخير بيديك.
والرغباء والعمل (١).
يقال: إنه لم يسمع أبو الربيع الزهراني من مالك غير هذا الحديث :
حدثنا خلف بن قاسم، حدثنا أبو حذيفة أحمد بن محمد
ابن علي الدينوري، حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز
البغوي ؛ وحدثنا خلف، حدثنا أبو الطاهر محمد بن عبد الله
القاضي ، حدثنا موسى بن هارون الحمال ، قالا حدثنا سليمان
ابن داود أبو الربيع الزهراني، حدثنا مالك، عن نافع، عن ابن
١) الموطأ رواية يحيى ص، 226 - 227: حديث (786). والموطأ رواية
محمد بن الحسن ص 134 - حديث (186)، والحديث أخرجه الستة .
انظر الزرقاني على الموطأ 244/2.
125

عمر ، قال ؛ كانت تلبية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :
لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة
لك والملك ، لا شريك لك .
هكذا روى هذا الحديث أبو الربيع الزهراني - لم يذكر
زيادة ابن عمر، وكل من روى الموطأ ذكرها فيه ، وذكرها
أيضاً جماعة من غير رواة الموطأ :
حدثنا خلف بن قاسم ، حدثنا علي بن الحسن بن غيلان،
حدثنا أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي، قال حدثنا
أبو الربيع الزهراني ، وعبد الاعلى بن حماد النرسي ؛ قال
أبو الربيع : حدثنا مالك، وقال عبد الاعلى: قرأت على مالك
ابن أنس، عن نافع عن ابن عمر ، أن تلبية رسول الله - صلى
الله عليه وسلم -: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك،
إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، ـ وزاد عبد الاعلى:
وكان ابن عمر يزيد فيها. لبيك، لبيك وسعديك، والخير في
يديك ، والرغباء إليك والعمل .
هكذا رواه جماعة الرواة عن مالك، وكذلك رواه أصحاب
نافع أيضاً؛ ورواه ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه ، عن النبي
- عليه السلام - مثله سواء .
126

ورواه عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن
النبي - عليه السلام - مثله بمعناه .
وروى عبد الله بن مسعود، وجابر بن عبد الله ، عن
النبي - عليه السلام - مثل حديث ابن عمر هذا في تلبيته
- صلى الله عليه وسلم - سواء، دون زيادة ابن عمر من قوله .
وفي حديث أبي هريرة زيادة لبيك إله الحق .
ومن حديث عمرو بن معدي كرب، قال: لقد رأيتنا ونحن
إذا حججنا نقول :
هذي زبيد قد أتتك قسرا
لبيك تعظيماً إليك عذراً
يقطعن خبتاً وجبالا وعرا
تعدو بها مضمرات شزرا
قد خلفوا الاوثان خلوا صفرا
ونحن نقول اليوم كما علمنا رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - فذكر التلبية على حسبما في حديث ابن عمر،
واختلفت الرواية في فتح إن وكسرها في قوله: إن الحمد
والنعمة لك، وأهل العربية يختارون في ذلك الكسر؛ وأجمع
العلماء على القول بهذه التلبية ، واختلفوا في الزيادة فيها؛ فقال
127

مالك: أكره أن يزيد على تلبية رسول الله - صلى الله عليه
وسلم-، وهو أحد قولي الشافعي .
وقد روي عن مالك أنه لا بأس أن يزاد فيها ما كان
ابن عمر يزيده في هذا الحديث .
وقال الشافعي : لا أحب أن يزيد على تلبية رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - إلا أن يرى شيئاً يعجبه فيقول لبيك،
إن العيش عيش الآخرة .
وقال الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه ، وأحمد بن حنبل ،
وأبو ثور : لا بأس بالزيادة في التلبية على تلبية رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - يزيد فيها ما شاء.
قال أبو عمر : من حجة من ذهب إلى هذا ، ما حدثناه
عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو داود،
قال حدثنا أحمد بن حنبل، قال حدثنا يحيى بن سعيد، قال حدثنا
جعفر - يعني ابن محمد، قال حدثني أبي، عن جابر بن عبد الله،
قال أهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر التلبية بمثل
حديث ابن عمر؛ قال والناس يزيدون : لبيك ذا المعارج، ونحوه
من الكلام، والنبي - عليه السلام - يسمع فلا يقول لهم شيئاً (1).
1. انظر سنن أبي داود 1 / 42
128

واحتجوا أيضاً بأن ابن عمر كان يزيد فيها (1) ما ذكر
مالك وغيره: عن نافع في هذا الحديث . وما روي عن عمر
ابن الخطاب أنه كان يقول بعد التلبية: لبيك ذا النعماء والفضل
الحسن ، لبيك مرهوناً منك ومرغوباً إليك .
وعن أنس بن مالك أنه كان يقول في تلبيته :
تعبداً وزقاً
لبيك حقاً حقا
ومن كره الزيادة في التلبية ، احتج بأن سعد
ابن أبي وقاص أنكر على من سمعه يزيد في التلبية ما
لم يعرفه، وقال ما كنا نقول هذا على عهد رسول الله - صلى
الله عليه وسلم، وحديث سعد في ذلك: حدثنا عبد الوارث
ابن سفيان ، قال حدثنا قاسم بن أصبغ، قال حدثنا بكر بن
حماد ، قال حدثنا مسدد ، قال حدثنا يحيى بن سعيد ، عن ابن
عجلان ، قال حدثني عبد الله بن أبي سلمة ، أن سعداً سمع
رجلا يقول: لبيك ذا المعارج، فقال: إنه لذو المعارج، ولكن
لم يكن يقول هذا - ونحن مع نبينا صلى الله عليه وسلم .
قال أبو عمر : من زاد في التلبية ما يحمل ويحسن من
الذكر ، فلا بأس: ومن اقتصر على تلبية رسول الله - صلى الله
١) فيها ما ظ٠ فيما: ص
م٩ - جـ ١٥
129

عليه وسلم - فهو أفضل عندي، وكل ذلك حسن إن شاء
الله عز وجل؛ وسنذكر ما للعلماء في رفع الصوت بالتلبية
في باب عبد الله بن أبي بكر من كتابنا هذا - إن شاء الله ؛
ومعنى التلبية : إجابة الله فيما فرض عليهم من حج بيته ،
والاقامة على طاعته ؛ فالمحرم بتلبيته مستجيب لدعاء الله إياه في
إيجاب الحج عليه، ومن أجل الاستجابة - والله أعلم - لبى ؛ لان
من دعي فقال لبيك، فقد استجاب ؛ وقد قيل إن أصل التلبية
الاقامة على الطاعة، يقال منه : ألب فلان بالمكان إذا أقام به .
وأنشد ابن الانباري في ذلك
محل الهجر أنت به مقيم ملب ما تزول ولا تريم
وقال آخر :
لب بأرض ما تخطاها النعم (1).
قال: والى هذا المعنى كان يذهب الخليل والاحمر .
قال أبو عمر : وقال جماعة من اهل العلم إن معنى التلبية
إجابة إبراهيم - عليه السلام - حين أذن بالحج في الناس ، ذكر
سنيد قال: حدثنا جرير)، (2) عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه،
١) النعم: ص. الغنم : ظ .
(2) جرير: ظ، يزيد: ص - وهو تحريف، والمراد به جرير بن عبد
الحميد بن قرط الضبي. أبو عبد الله الرازي القاضي.
انظر ترجمته في تهذيب التعذيب 76/2 .
180

عن ابن عباس ، قال : لما فرغ ابراهيم من بناء البيت ، قيل له:
أذن في الناس بالحج، قال: رب وما يبلغ صوتي؟ قال أذن وعلي
البلاغ . فنادى ابراهيم: أيها الناس، كتب عليكم الحج إلى البيت
العتيق ، قال : فسمعه ما بين السماء والأرض، أفلا ترون الناس
يجيبون من اقطار البلاد (1) يلبون، قال: وحدثنا حجاج، عن
ابن جريج، عن مجاهد - في قوله: ((وأذن في الناس بالحج» (2)،
قال : قام ابراهيم على مقامه فقال: يا أيها الناس ، أجيبوا ربكم،
فقالوا : لبيك اللهم لبيك. فمن حج اليوم فهو ممن أجاب
ابراهيم يومئذ .
قال أبو عمر : معنى لبيك اللهم لبيك عند العلماء : أى
إجابتي إياك إجابة بعد إجابة ، ومعنى قول ابن عمر وغيره :
لبيك وسعديك، أى اسعدنا سعادة بعد سعادة، وإسعاداً بعد إسعاد؛
وقد قيل : معنى سعديك مساعدة لك .
وأما قولهم: لبيك، إن الحمد والنعمة لك. فيروى - بفتح
الهمزة وكسرها ؛ وكان أحمد بن يحيى ثعلب يقول : الكسر
١) البلاد: ص، الارض : ظ .
2) الآية : 27 - سورة الحج .
181

مي ذلك احب إلي : لان الدي يكسرها يذهب إلى أن الحمد
والنعمة لك على كل حال، والذي يفتح يذهب إلى أن المعنى
لبيك ، لان الحمد لك أي لبيك لهذا السبب .
قال أبو عمر : المعنى - عندي - واحد، لانه يحتمل أن
يكون من فتح الهمزة أراد لبيك، لان الحمد لك على كل
حال ، والملك لك والنعمة وحدك دون غيرك حقيقة ، لا شريك
لك ؛ واستجب الجميع أن يكون ابتداء المحرم بالتلبية بائر صلاة
يصليها نافلة أو فريضة من ميقاته - إذا كانت صلاة لا يتنفل
بعدها ، فإن كان في غير وقت صلاة ، لم يبرح حتى يحل وقت
صلاة فيصلي ثم يحرم اذا استوت به راحلته ؛ وان كان ممن
يمشي ، فاذا خرج من المسجد أحرم ؛ وقال أهل العلم بتأويل
القرآن في قول الله - عز وجل ((فمن فرض فيهن الحج)» (١) -
قالوا : الفرض التلبية ، كذلك قال عطاء، وعكرمة، (2) وطاوس،
وغيرهم؛ وقال ابن عباس : الفرض الاهلال، وهو ذلك بعينه،
والاهلال التلبية ؛ وقد ذكرنا معنى الاهلال في اللغة في باب
موسى بن عقبة من كتابنا هذا، بما يغني عن أعادته ههنا ؛
وذكرنا هناك مسألة من معاني هذا الباب يجب الوقوف عليها .
1) الآية : 197 - سورة البقرة .
2) شطب على كلمة عكرمة في نسخة ، ظ.
182

وقال ابن مسعود: الفرض : الاحرام ، وهو ذلك المعنى
أيضاً ، وكذلك قال ابن الزبير ؛ وقالت عائشة : لا إحرام إلا
لمن أهل ولبى .
وقال الثوري : الفرض الاحرام ، قال : والاحرام التلبية .
قال : والتلبية في الحج مثل التكبير في الصلاة .
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن كبر أو هلل أو سبح -
ينوي بذلك الاحرام ، فهو محرم ؛ فعلى هذا القول التلبية عند
الثوري، وأبي حنيفة: ركن من أركان الحج، والحج إليها مفتقر،
ولا يجزيء منها شيء - عندهم غيرها: ولم أجد في هذه المسألة
نصاً عن الشافعي ، وأصوله تدل على أن التلبية ليست من
أركان الحج عنده (١).
وقال الشافعي : تكفي النية في الإحرام بالحج من أن
يسمى حجاً أو عمرة، قال: وإن لبى بحج - يريد عمرة - فهي
عمرة ، وإن لبى بعمرة يريد حجاً فهو حج ؛ وإن لبى لا يريد
حجاً ولا عمرة، فليس بحج ولا عمرة ؛ وإن لبى ينوي الاحرام
ولا ينوي حجاً ولا عمرة ، فله الخيار يجعله أينما شاء؛ وإن لبى
١) عنده: ص، عندهم: ظ .
133

فقد نوى احدهما منسي ، فهو قارن لا يجزيه غير ذلك، هذا
كله قول الشافعي - رحمه الله.
وذكر ابن خواز بنداد (1) قال قال مالك: النية بالاحرام
في الحج تجزيء، وإن نسي فذلك واسع ؛ قال : وهو قول أبي
حنيفة أنه إن نوى فكبر ولم يسم حجاً ولا عمرة، أجزته النية؛
غير أن الاحرام - عنده - من شرطه التلبية ، ولا يصح عنده إلا
بتلبية ؛ قال : وكذلك قال الثوري، قال وقال الحسن بن حي،
والشافعي : التلبية إن فعلها فحسن ، وإن تركها فلا شيء عليه.
قال أبو عمر : وذكر اسماعيل بن اسحاق عن أبي ثابت
قال قيل لابن القاسم: أرأيت المحرم من مسجد ذي الحليفة
إذا توجه من فناء المسجد بعد أن صلى، فتوجه - وهو ناس- (2)
أيكون في توجهه محرماً؟ فقال ابن القاسم: أراه محرماً. فإِن
ذكر من قريب، لبى ولا شيء عليه ؛ وإن تطاول ذلك عليه .
ولم يذكر حتى خرج من حجه ، رأيت أن يعريق دماً؛ قال
إسماعيل بن اسحاق : وهذا يدل من قوله على أن الاهلال
للاحرام ليس عنده بمنزلة التكبير للدخول في الصلاة ، لان
1) وذكر: ص. وقد ذكر: ظ .
2) أيكون : صن، أن يكون : ظ .
134

الرجل لا يكون داخلا في الصلاة إلا بالتكبير ، ويكون داخلا
في الاحرام بالتلبية وبغير التلبية من الاعمال التي توجب
الاحرام بها على نفسه، مثل أن يقول: قد أحرمت بالحج والعمرة،
أو يشعر الهدى - وهو يريد بإشعاره الاحرام؛ أو يتوجه نحو البيت-
وهو يريد بتوجهه الاحرام، فيكون بذلك كله وما أشبهه محرماً:
وقد مضى القول في الحين الذي يقطع فيه التلبية الحاج والمعتمر،
وإلى أين تنتهي تلبيته في باب محمد بن أبي بكر (1) - والحمد لله.
١) انظر ج 18' 72 _ 82 .
135

..
....

حديث موفي خمسين لنافع عن
ابن عمر
مالك، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ، أن رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - قال: يهل أهل المدينة من ذي الحليفة،
وأهل الشام من الجحفة ، وأهل نجد من قرن . قال عبد الله :
وبلغني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ويهل
أهل اليمن من يلملم (1) .
هكذا روى هذا الحديث جماعة رواة الموطأ عن مالك -
فيما علمت ، وكذلك رواه أصحاب نافع كلهم عن نافع ، عن
ابن عمر: وكذلك رواه عبد الله بن دينار، عن ابن
عمر ؛ وكذلك رواه ابن شهاب ، عن سالم، عن أبيه ، عن
النبي - عليه السلام - مثله سواء. اتفقوا كلهم على ان ابن عمر لم
يسمع من النبي - عليه السلام - قوله: ويهل أهل اليمن من يلملم.
٦
1) الموطأ رواية يحيى ص: 226، حديث (730) ، والموطأ رواية محمد
بن الحسن ص 138، حديث (800)، والحديث أخرجه البخاري ومسلم وابو داود،
انظر الزرقاني على الموطأً 122/5 .
137

ورواه صدقة بن يسار، قال : سمعت ابن عمر يقول :
وقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لاهل المدينة ذا
الحليفة ، ولاهل الشام الجحفة، ولإهل نجد قرنا ؛ قال : فقيل له
والمعراق ؟ قال: لا عراق يومئذ .
أخبرنا محمد بن ابراهيم بن سعيد ، قال حدثنا محمد
أبن معاوية بن عبد الرحمان ، قال حدثنا أحمد بن شعيب بن
سنان، قال : أخبرنا قتيبة بن سعيد ، قال حدثنا الليث بن سعد ،
قال حدثنا نافع ، عن عبد الله بن عمر ، أن رجلا قام في
المسجد ، فقال: يا رسول الله، من أين تأمرنا أن نهل؟ فقال
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يهل أهل المدينة من ذي
الحليفة ، ويعل أهل الشام من الجحفة ، ويعل أهل نجد من
قرن . قال ابن عمر: ويزعمون أن رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - قال: ويعلى أهل اليمن من يلملم. وكان ابن عمر
يقول: لم افقه هذا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (١).
وأخبرنا محمد بن ابراهيم ، قال حدثنا محمد بن معاوية ،
قال حدثنا أحمد بن شعيب ، قال أخبرنا قتيبة بن سعيد ، قال
١) انظر سنن النسائي 122/6
198

حدثنا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أن النبي - على
الله عليه وسلم - قال: يهل أهل المدينة من ذي الحليفة ،
وأهل الشام من الجحفة ، وأهل نجد من قرن . وذكر لي :
ولم أسمع أنه قال: ويهل أهل اليمن من يلملم . (1) ولا خلاف
بين العلماء أن مرسل الصاحب عن الصاحب، أو عن الصحابة -
وإن لم يسمهم - صحيح حجة .
وقد روى ابن عباس مثل حديث ابن عمر هذا كله
عن النبي - عليه السلام :
أخبرنا عبد الله بن محمد، قال حدثنا محمد بن بكر ،
قال حدثنا أبو داود ، قال حدثنا سليمان بن حرب ، قال حدثنا
حماد ، عن عمرو ، عن طاوس ، عن ابن عباس ؛ وعن ابن
طاوس، عن أبيه، قالا: وقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم-
لأهل المدينة ذا الحليفة ، ولاهل الشام الجحفة ، ولاهل نجد قرنا،
ولاهل اليمن يلملم؛ وقال: هي لهم ولمن أتى عليهن من
سواهم ممن أراد الحج والعمرة، قال: ومن كان دون ذلك، فمن حيث
أنشأ ؛ قال : وكذلك حتى يبلغ ذلك أهل مكة فيهلون منها (2) .
1) انظر سنن النسائي 185/5
2) انظر سنن أبي داود 409/1.
189

وذكر عبد الرزاق ، عن معمر، عن ابن طاوس، عن
أبيه ، عن ابن عباس - مثله سواء بمعناه؛ وأخبرنا محمد بن
ابراهيم ، قال أخبرنا محمد بن معاوية ، قال حدثنا أحمد بن
شعيب ، قال أخبرنا قتيبة بن سعيد ، قال حدثنا حماد ، عن
عمرو، عن طاوس ، عن ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه
وسلم - وقت لاهل المدينة ذا الحليفة ، ولاهل الشام الجحفة .
ولاهل اليمن يلملم، ولاهل نجد قرنا ؛ فهي لهم ولمن اتى
عليهن من غير أهلهن ممن كان يريد الحج والعمرة ، ومن
كان دونهن (1) فمن اهله ، حتى أن أهل مكة يهلون منها.
قال أبو عمر : اجمع اهل العلم بالحجاز ، والعراق، والشام،
وسائر أمصار المسلمين - فيما علمت - على القول بهذه الاحاديث
واستعمالها ، لا يخالفون شيئا منها ؛ واختلفوا في ميقات أهل
العراق وفيمن وقته، فقال مالك، والشافعي، والثوري، وأبو حنيفة .
وأصحابهم: ميقات أهل العراق وناحية المشرق كلها: ذات عرق .
وقال الثوري والشافعي: إن اهلوا من العقيق ، فهو أحب
الينا ؛ وقال منهم قائلون : عمر بن الخطاب - رضي الله عنه .
١) دونهن: ص. دونهم. ظ.
140