النص المفهرس

صفحات 81-100

بكر بن أبى شيبة ، قال حدثنا وكيع، عن سفيان ، عن محمد
ابن عبد الرحمان - مولى لطلحة ، عن سالم ، عن ابن عمر، انه
طلق امرأته - وهي حائض، فذكر ذلك عمر للنبي - عليه
السلام - فقال: مره فليراجعها ، ثم ليطلقها طاهراً أو حاملا (1) .
قال أبو عمر : لا يجوز عند العلماء طلاق من لم يستبن
حملها - على ما قدمنا ذكره عن ابن عباس فى أول هذا
الباب ، فإذا استبان حملها طلقها - متى شاء على عموم هذا
الخبر ؛ وأجمع العلماء أن المطلقة الحامل ، عدتها وضع حملها ،
واختلفوا إذا كان في بطنها ولدان فوضعت احدهما ، هل
تنقضي بذلك عدتها ؟ فقال مالك، والشافعي ، وأبو حنيفة ،
والثوري ، والاوزاعي ، واكثر اهل العلم : لا تنقضي عدتها حتى
تضع جميع حملها، وان وضعت ولدا وبقي في بطنها آخر ،
فلزوجها عليها الرجعة - إذا لم يبت طلاقها ثلاثا حتى تضع
الولد الثاني .
وقال آخرون : إذا وضعت أحدهما ، فقد انقضت عدتها ،
وروي ذلك عن عكرمة ، والحسن ، وابراهيم ، وقد روي عن
1) انظر المصنف 3/5 .
81
م٦ - ٠ ١٥

الحسن وابراهيم خلاف ذلك : أن زوجها أحق بها - ما لم تضع
الآخر، وعلى هذا القول الناس ، وقد أجمعوا على (1) أنها لا
تنكح وفي بطنها ولد ؛ فبان بإجماعهم هذا - خطأ قول من قال:
إنها تنقضي عدتها بوضع أحدهما .
وذكر أبو بكر بن أبي شيبة : حدثنا عبد الاعلى، عن
سعيد، عن قتادة، عن عكرمة ، قال : إذا وضعت أحدهما، فقد
انتفت عدتها؛ قيل له: فتزوج؟ قال: لا، قال قتادة خصم العبد (2) .
قال: وحدثنا أبو داود، عن هشام، عن حماد ، عن
ابراهيم - في رجل طلق امرأته - وفي بطنها ولدان ، قال هو
أحق برجعتها - ما لم تضع الآخر ، وتلا: « وأولات الأحمال
أجلهن أن يضعن حملهن ، .
وذكر المعلى حدثنا هشيم، (عن يونس ، عن الحسن ،
قالا : اذا طلقها - وفى بطنها ولدان - فوضعت احدهما فقد انقضت
عدتها؛ قال حدثنا هشيم) (3) ، أخبرنا شعبة عن حماد، عن
ابراهيم - مثله .
1) علة (على) ساقطة في ظ .
2) المصنف 176/5 .
9) ما بين القوسين ساقط في الاصل، ثابت في ظ
82

أخبرنا عبد الوارث ، قال حدثنا قاسم ، قال حدثنا محمد
ابن شاذان ، قال حدثنا المعلى ، قال حدثنا عباد بن العوام ،
أخبرنا سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب ، والحسن ،
وعطاء، قالوا: هو أحق بها - ما لم تضع الآخر، وهذا هو الصواب
الظاهر (1) قول الله - عز وجل: ((وأولات الاحمال أجلهن أن
يضعن حملهن)» ، ومن بقي في بطنها ولد، فلم تضع حملها؛
والاصل أنه املك بها ، فلا يزول ماله من ذلك الا بيقين ، ولا
يقين الا بوضع جميع الحمل ؛ وما وضعته الحامل من مضغة أو
علقة ، فقد حلت به عند مالك وأصحابه ، وهو قول ابراهيم
وغيره ؛ وقال الشافعي وأصحابه ، وأحمد بن حنبل : لا تحل إلا
بوضع ما يتبين فيه شيء من خلق الانسان ، وهو قول الحسن
البصري ، وغيره ؛ وطلاق السنة عند مالك وأصحابه في الحامل
والصغيرة التي لم تحض، واليائسة من المحيض أن يطلقن واحدة
متى شاء ، وتحل الحامل بآخر ولد في بطنها ؛ والصغيرة واليائسة
بتمام ثلاثة أشهر ، ومن كانت في عدتها بالشهور كاليائسة،
1) اظاهر: ص . بظاهر : ظـ
83

والصغيرة ، فطلقت في بعض اليوم ، لم تعتد بها في ذلك اليوم
- عند مالك وأصحابه ؛ وأما سائر العلماء فتعند به عندهم الى
مثله من اليوم الذي تتم به عدتها ، فان طلقت الصغيرة أو
اليائسة عند استهلال الهلال ، اعتدت بالأهلة - تسعا وعشرين
كان الهلال أوثلاثين ؛ وان طلقت في بعض الشهر، أتمت بقية
الشعر ، واعتدت بالأهلة الشعرين ، وتبني على بقية ذلك الشهر
تمام الثلاثين يوما ؛ والمستحاضة عند مالك وأصحابه أيضا يطلقها
زوجها للسنة متى شاء، وعدتها سنة ، الا ان نرتاب فتقيم إلى
زوال الريبة: وهذا إذا كانت المستحاضة لا تميز دم حيضتها
من دم استحافتها ، فإن ميزته ، لم يطلقها زوجها للسنة إلا في
طهرها المعروف، وتعتد به قرءاً - إذا كان دم حيضتها بعده -
معروفا؛ هذا قول مالك، والشافعي، واكثر أهل العلم ؛ وقد قال
مالك أيضا ان المستحاضة لا يبرئها إلا السنة أبدا ميزت دمها
أو لم تميزه، لان الاستحاضة ريبة، وهذا أشهر في مذهبه عند
أصحابه ؛ وعند الشافعي إذا كانت متشبعة الدم ، لا تدري دم
حيفتها من دم استحاضتها ، وكان حيضها قبل الاستحاضة وبعدها
سواء، فإنها تعتد بقدر أيام حيضتها ؛ وأما إذا ميزت، فهو قرؤها
لعدتها وصلاتها ؛ وفروع هذا الباب تطول ، وقد ذكرنا من
84

اصوله ، ما يشرف الناظر فيه على المراد منه ، وسنذكر مسائل
الحيض واختلافهم فيها في باب نافع عن سليمان بن يسار من
كتابنا هذا - ان شاء الله .
وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث : ثم
تطهر، (ثم تحيض ، ثم تطهر) (1) ؛ ثم ان شاء طلق، وإن شاء
أمسك ، فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن تطلق لها النساء ؛
ففيه دليل بين على أن الاقراء التي تعتد بها المطلقة ، هي
الأطهار - والله أعلم ، لان الله تبارك وتعالى جعل المطلقات
يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ؛ فلما نهى رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - عن الطلاق في الحيض، وقال : إن الطلاق في
الطهور ، هو الطلاق الذي أذن الله - عز وجل فيه للعدة -
بقوله : فطلقوهن لعدتهن، ، أو لقبل عدتهن؛ علم ان الاقراء
التي تعتد بها المطلقة هي الاطهار ، لان الطلاق للعدة انما
يكون فيها ؛ وليس للطلاق في الحيض للعدة ، وفي ذلك بيان
ان الاقراء الاطهار - والله أعلم .
!) ما بين القوسين ساقط في الاصل، ثابت في ظ .
85

وهذا موضع اختلف فيه العلماء من الصحابة والتابعين ،
ومن بعدهم من الخالفين ؛ لأنه موضع اشتباه وإشكال ، لان
الحيض في كلام العرب يسمى قرءا، والطهر أيضا في كلام
العرب يسمى قرءا؛ وأصل القرء - في اللغة - الوقت، والطهور،
والجمع ، والحمل أيضا ؛ فقد يكون لقر، وقت جمع الشيء .
وقد يكون وقت طهوره ، ووقت حبسه والحمل به .
قال أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب القروء الاوقات.
الواحد (1) قرء- وهو الوقت (قال) (2) وقد يكون حيضاً ، ويكون
طهرا ؛ وقال الخليل أقرأت المرأة - إذا دنا حيضها، وأقرأت - إذا
استقر الماء في رحمها ؛ وقعدت المرأة أيام إقرائها - أي ايام حيفتها.
وقال قطرب: تقول العرب: ما أقرأت (3) هذه الناقة -
سلا قط، أى لم ترم به . وقالوا: قرأت (4) الناقة أقرءاً وذلك
معاودة الفحل اياها - أوان كل ضراب (5) ، وقالوا ايضا : قرأت
المراة قرءا - إذا حاضت أو طهرت ، وقرأت أيضا إذا حملت .
1) الواحد: ظ، والواحد : ص .
2) كلمة (قال) ساقطة في ص . ثابتة في ظـ
(3) أفرأت : ظ ، قرأت : ص .
4) قرأت: ص : أقرأت : ظ .
5) وقالوا: ظ، وقال وقالوا - بزيادة (وقال) : ص .
86

قال أبو عمر : في الاقراء شواهد من أشعار العرب الفصحاء،
معانيها متقاربة ، فمنها قول عمرو بن كلثوم :
ذارعي عيظل اذا ما بكر هجان اللون لم تقرأ جنينا
وقال حميد بن ثور :
أراها غلاماها الحمى فتشذرت مراحا ولم تقرأ جنينا ولا دما
اي لم تجتمع ولم تضم في رحمها جنينا في وقت الجمع .
وقال الهذلى :
كرهت العقر عقر بني شليل اذا هبت لقارئها الرياح
اي لوقتها، (والعقر ههنا: موقف الابل (1) اذا وردت
الماء ) (2) .
وقال الاعشى - فجعل الاقراء الأطهار -:
أفي كل عام أنت جاشم غزوة تشد لاقصاها عزيم عرائكا
لما ضاع فيها من قروء نسائكا
مورثة مالا وفي الحي رفعة
فالقروء في هذا البيت : الاطهار ، قال ابن قتيبة : لانه لما
خرج الى الغزو لم يقرب نساءه أيام قروئهن - أى أطهارهن .
١) هذا عند المؤلف، وفى اللسان: العقر: موضع بعينه.
2) ما بين القوسين ساقط في الأصل، ثابت في ظـ .
87

قال أبو عمر : يدلك على ان الاقراء في بيت الاعشى
الاطهار - وان كان ذلك فيه بينا والحمد لله - قول الاخطل :
قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم دون النساء ولو باتت بأطهار
وقال آخر - فجعل القرء الحيض :
يا رب ذي ضب على فارض له قرء كقرء الحائض
قالوا : القرء في هذا البيت الحيض ، يريد ان عداوته
تهيج في اوقات معلومة ، كما تحيض المرأة في اوقات معلومة.
وقال القتبي (1) في قول الله - عز وجل- «ثلاثة قروء))،
هي الحيض، وهي الأطهار ايضا ، واحدها قرء، وتجمع أقراء ؛
(قال) (2) وانما جعل الحيض قرءا، والطهر قرءا، لان أصل القرء
فى كلام العرب الوقت ، يقال رجع فلان لقروئه ، ولقارئه -
أي لوقته ، وانشد بيت الهذلي المذكور .
قال أبو عمر : فهذا أصل القرء في اللغة ، وأما معناه في
الشريعة ، فاختلف العلماء في مراد الله عز وجل من قوله :
1) قالوا ص . قال ابن قتيبة: ظ .
2) وقال القتبى في قول الله: ص، وقال الله عز وجل - باسقاط.
(وق ل القتبى) : ظ .
5) كلمة (قال) ساقطة في الاصل. ثابتة في ظ .
88

«والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء»، فقال منهم قائلون :
الاقراء : الحيض ههنا ؛ واستدلوا بأشياء كثيرة ، منها قول الله -
عز وجل «ثلاثة قروء))؛ قالوا: والمطلق في الطهر إذا مضى
بعضه واعتدت به امرأته ، فلم تعتد ولم تتربص ثلاثة قرء ،
وانما تربصت قرءين وبعض الثالث إذا كانت الاقراء الاطهار ؛
قالوا والله - عز وجل - يقول: ((ثلاثة قروء» ، فلا بد أن
تكون كاملة، وفرقوا بين قوله - عز وجل - «ثلاثة قروء»، فلا
تكون إلا ثلاثة كاملة عندهم ؛ وبين قوله: «الحج أشهر
معلومات)) (1) ، وإنما هي اشهر ان ، وبعض الثالث عند الجميع؛
فقالوا : ذكر الله في القرء ثلاثة عدداً، ولم يذكر في أشهر
الحج عدداً ؛ وما ذكر فيه عدد، فلا بد من اكمال ذلك العدد .
واحتجوا أيضاً بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
للمستحاضة : اتركي الصلاة أيام اقرائك - أي أيام حيفك.
:
وبما حدثناه عبد الوارث بن سفيان، قال حدثنا قاسم بن اصبغ،
قال أخبرنا مطلب بن شعيب، قال حدثنا عبد الله بن صالح، قال (2)
1) الآية : 197 - سورة البقرة .
2) كلمة (قال) ساقطة في الاصل، ثابتة في ظ .
:
89

حدثنا الليث، عن - يزيد بن أبي حبيب، عن بكير بن عبد الله
بن الاشج، عن المندر بن المغيرة، عن عروة بن الزبير، ان فاطمة
ابنة أبي حبيش، حدثته أنها أتت النبي - صلى الله عليه وسلم
- فشكت إليه الدم، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم
- إنما ذلك عرق ، فانظري إذا أناك قرؤك فلا تصلي ، وإذا مر
القرء فتطهري ، ثم صلي ما بين القرء الى القرء .
واحتجوا ايضا بالاجماع على ان عدة ام الولد حيضة ،
وباشياء يطول ذكرها هذه جملتها؛ وممن ذهب إلى هذا :
سفيان الثوري ، والاوزاعي ، وأبو حنيفة ، واصحابه ، وسائر
الكوفيين ، واكثر العراقيين ؛ وهو الذي استقر عليه احمد بن
حنبل - فيما ذكر الخرقي عنه (١)، خلاف ما حكى الاثرم
عنه ؛ قال : إذا طلق الرجل امرأته - وقد دخل بها، فعدتها ثلاث
حيض غير الحيضة التي طلقها فيها - إن طلقها حائضا ؛ فإذا
اغتسلت من الحيضة الثالثة أبيحت للازواج ، حكى ذلك عنه
عمر بن الحسين الخرقي - في مختصره - على مذهب أحمد
ابن حنبل (2)؛ وهذا مذهب الفقهاء الذين ذكرناهم، وهو المروي
1) انظر المغني لقدامة 479/8 .
(2) المرجع السابق .
90

عن أبي بكر الصديق ، وعمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي
طالب ، وعبد الله بن مسعود، وأبي موسى الاشعري ، ومعاذ
ابن جبل ، وأبي الدرداء، وعبادة بن الصامت ، وابن عباس ،
وجماعة من التابعين - بالحجاز ، والشام ، والعراق ؛ وقولهم
كلهم : ان المطلقة لا تحل للازواج حتى تغتسل من الحيضة الثالثة.
وقال آخرون : الاقراء التي عنى الله عز وجل وأرادها
بقوله في المطلقات : «يتربص بأنفسهن ثلاثة قروء)» - هي
الاطهار ، ما بين الحيضة والحيضة قرء، قالوا : وهو المعروف
من لسان العرب على (1) ما ذكرنا من أهل العلم باللغة في
هذا الباب ، قالوا: وانما هو جمع الرحم الدم ، لا طهوره (2) ؛
ومنه قرأت الماء في الحوض - أي جمعته (٤)، وقرأت القرآن -
أي ضممت بعضه إلى بعض - بلسانك ؛ قالوا : والدليل على أن
الاطهار هي الاقراء التي أمر الله المطلقة ان تتربحها ، أمر رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - بالطلاق في الطهر لمن شاء ان يطلق .
.
1) لان القرْ، الحبس، تقول العرب هو مقري" الماً في حوضه
وفي سقايته، وتقول: هو يقري" الطعام في شدقه، ظ، على ما ذكرنا عن
أهل العلم بالغة فى هذا الباب : ص .
2) طهوره : ص. طهور الدم: ظ .
3) قرأت الما" في الحوض أي جمعته: ص، قرأت الصنف أي ضمته اليك.
91

وقوله في العدة التي أمر الله - عز وجل - أن يطلق لها
النساء، فبين مراد الله عز وجل من قوله: «فطلقوهن لعدتهن))
أو لقبل عدتهن ، وهو المبين عن الله مراده - صلى الله
عليه وسلم .
وسنزيد هذا الوجه حجة وبيانا فيما بعد من هذا الباب .
اذ أتينا على نقض ما احتج به القائلون بالقول الاول - إن شاء الله.
وممن ذهب إلى أن الاقراء الاطهار : مالك، والشافعي ،
وداود بن علي ، واصحابهم ؛ وهو قول عائشة ، وزيد بن ثابت،
وعبد الله بن عمر .
وروي أيضا عن ابن عباس ، وبه قال القاسم، وسالم ،
وأبان بن عثمان ، وأبو بكر بن عبد الرحمان ، وسليمان
ابن يسار وعروة بن الزبير ، وعمر بن عبد العزيز ،
وابن شهاب ، وربيعة ، ويحيى بن سعيد : كل هؤلاء يقولون
الاقراء : الاطهار، فالمطلقة عندهم تحل للازواج وتخرج من عدتها
بدخولها في الدم من الحيضة الثالثة : وسواء بقي من الظهر
الذي طلقت فيه المرأة يوم واحد ، أو اقل أو أكثر، أو ساعة
واحدة ؛ فإنها تحتسب به المرأة قرما، لان المبتغى من الطهر
.
٠
92

دخول الدم عليه ، وهو الذي ينبي، عن سلامة الرحم، وليست
استدامة الطهر بشيء ؛ وهذا كله قول مالك، والشافعي ، وسائر
الفقهاء القائلين بأن الاقراء الاطهار ؛ إلا الزهرى وحده ، فانه
قال في امرأة طلقت في بعض طهرها ، أنها تعتد ثلاثة أطهار
سوى بقية ذلك الطهر ، فعلى قوله : لا تحل المطلقة حتى تدخل
في الحيضة الرابعة ؛ والحجة لمالك ، والشافعي، ومن قال بقولهما
أن النبي - عليه السلام - اذن في طلاق الطاهر من غير جماع،
ولم يقل أول الطهر ولا آخره .
وذكر أبو بكر الأثرم أن أحمد بن حنبل كان يذهب
إلى قول عمر، وعلي ، وعبد الله ، وأبي موسى : ثم رجع عن
ذلك وقال : رأيت حديث عمر وعبد الله يختلف في اسناده إلا
الاعمش ، ومنصور ، والحكم ؛ وحديث علي ، رواه سعيد بن
المسيب عن علي ، وليس هو - عندي - سماع أرسله سعيد عن
علي ؛ وحديث الحسن عن أبي موسى الاشعري منقطع ، لان
الحسن لم يسمع من أبي موسى، وسائر الاحاديث عن الصحابة
في هذا مرسلة ؛ قال : والاحاديث عمن قال أنه أحق بها حتى
93

· تدخل في الحيضة الثالثة، أسانيدها صحاح قوية ، قال : ثم ذهب
بعد احمد الى هذا .
قال ابو عمر : الاختلاف الذي حكاه احمد بن حنبل في
حديث عمر وعبد الله ، هو ان الأعمش برويه عن ابراهيم ،
عن عمر وعبد الله، انهما قالا: هو احق بها - ما لم تغتسل
من الحيضة الثالثة ؛ وكذلك رواه حماد ، عن ابراهيم مرسلا
عن عمر وعبد الله - كما رواه الاعمش : وكذلك رواه ابو
معشر ايضا، ورواه الحكم ، عن ابراهيم ، عن الأسود ، عن عمر
وعبد الله، قالا: هو احق بها - ما لم تغتسل من الثالثة ؛ فهذا
هو الاختلاف الذي عنى احمد بن حنبل - والله اعلم .
ومن خالفنا يقول إن مراسيل ابراهيم عن ابن مسعود
وعمر صحاح كلها ، وما ارسل منها اقوى من الذي اسند ،
حكى هذا القول يحيى القطان وغيره ؛ وقد ذكرنا في صدر
هذا الديوان ما يشفي في هذا المعنى عن ابراهيم وغيره .
واما حديث علي ، فرواه قتادة، عن سعيد بن المسيب ،
عن علي ؛ ورواه جعفر بن محمد، عن أبيه ، عن علي ، انه
قال : له الرجعة حتى تغتسل من الحيضة الثالثة .
94

ورواه الزهري ايضا عن سعيد، عن علي، ذكره الحميدي،
عن سفيان ، عن الزهري، قال أخبرني سعيد، عن علي ، انه
احق بها ما لم تغتسل من الثالثة ، وهو قول سعيد .
واما حديث أبي موسى ، فإنما يرويه الحسن عن أبي
موسى - ولم يسمع منه كما قال احمد .
وأما حديث ابن عباس ، فرواه ابن أبي يحيى ، عن داود
ابن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ؛ ورواه جعفر بن
محمد أيضا عن أبيه ، عن ابن عباس .
وأما سائر الاحاديث عن الصحابة الذين روي عنهم أنه
أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة ، فإنما هي من مراسيل
مكحول؛ والشعبي ، وكل هؤلاء يقولون الاقراء : الحيض .
وأما الاحاديث عن الصحابة القائلين بأن القراء الاطهار ،
فأسانيدها صحاح ، روى حديث عائشة - ابن شهاب ، عن عروة
وغيره ، عن عائشة ، ان الاقراء الاطهار .
وحديث زيد بن ثابت انه قال : إذا دخلت في الدم من
الحيضة الثالثة ، فقد برئت منه ويريء منها ، ولا ترئه ولا يرثها؛
95

وحديث ابن عمر رواه مالك. عن نافع، عن ابن عمر ، قال اذا
طلق امرأته فدخلت في الدم من الحيضة الثالثة ، فقد برئت منه
وبريء منها ، ولا ترثه ولا يرثها ؛ وابن عمر روى الحديث عن
النبي - عليه السلام - أنه قال : فتلك العدة التي أمر الله أن
يطلق لها النساء، وله عرضت القصة إذ طلق امرأته حائضا
وهو اعلم بهذا ؛ ومعه زيد بن ثابت، وعائشة ، وجمهور
التابعين بالمدينة ؛ ومعه دليل حديث النبي - عليه السلام - وهو
الحجة القاطعة عند التنازع في مثل هذا - وبالله التوفيق .
وقد روينا عن ابن عباس خلاف ما روى المخالفون عنه .
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان ، قال حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال
حدثنا اسماعيل بن اسحاق القاضي ، حدثنا ابراهيم بن حمزة ،
حدثنا عبد العزيز بن محمد ، عن ثور بن زيد الديلي ، عن
عكرمة، أن ابن عباس كان يقول : إذا حاضت الثالثة ، فقد
بانت من زوجها .
وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان ، قال حدثنا قاسم ، قال
حدثنا محمد بن شاذان ، قال حدثنا المعلى ، قال أخبرني عبد
العزيز بن محمد ، أن ثور بن زيد الكناني، حدثه عن عكرمة،
96

عن ابن عباس ، قال: إذا حاضت المطلقة الحيضة الثالثة ، فقد
بانت من زوجها، إلا أنها لا تتزوج حتى تطهر ؛ وهذه الزيادة :
قوله : إلا أنها لا تتزوج حتى تطهر - ضعيفة في النظر ؛ فإن
صحت احتمل أن يكون استحباباً من ابن عباس أن لا يعقد على
الحائض أحد خوف أن تدعوه الشهوة الى الوطء في حيضها؛
وهي - عندي - زيادة منكرة، وحسبه أنه قد أخرجها من العدة
بقوله : فقد بانت من زوجها ، وإذا خرجت من العدة ، فالنكاح
لها مباح في الاصول كلها .
وأما حجة من احتج بأن (الله) (1) قال «ثلاثة قروء»، فوجب
أن تكون ثلاثة كاملة ؛ وقال في قوله «الحج أشهر معلومات»،
فجائز أن تكون شهرين وبعض الثالث ؛ وفرق بين ذلك بذكر
العدد، فلا وجه لما قال ؛ لان المبتغى من الاقراء ما يبرأ به
الرحم ، وهو خروج المرأة من الطهر إلى الدم ، فذلك الوقت
هو المبتغى والمراعى - وقد حصل منه ثلاثة أوقات كاملة بدخولها
في الدم من الحيضة الثالثة ؛ ودليل آخر ، وهو أن الطهر مذكر
فهو أشبه بقول الله -عز وجل -: «ثلاثة قروء»، لادخاله الهاء في
١) لم يذكر لفظ الجلالة في: ص. وهو ثابت في ظ.
97
م٧ - = ١٥

ثلاثة ، وهي لا تدخل إلا في العدد المذكر ، والحيضة مؤنثة .
فلو أرادها لقال ثلاث قروء؛ وقد احتج أصحابنا بهذا ، وهذا
-عندي- ليس بشيء، لان التذكير في العدد إنما جاء على لفظ
القرء - وهي مذكرة؛ وأما احتجاجهم بقوله - صلى الله عليه
وسلم - للمستحاضة : قعدي أيام اقرائك، وانظري إذا أتاك
قرؤك فلا تصلي ونحو هذا ؛ فليس فيه حجة ، لان الحيض قد
يسمى قرءاً؛ ولسنا ننازعهم في ذلك، ولكنا ننازعهم أن يكون
الله - عز وجل - أراده بقوله: «يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء)) . -
على أن هذا الحديث قد ضعفه أهل العلم، لأنه يروى عن
عائشة - وعائشة لم يختلف عنها في ان الاقراء الاطهار ، فيبعد
عن عائشة أن تروي عن النبي - عليه السلام - أنه قال للمستحاضة:
دعي الصلاة أيام اقرائك . وتقول: الاقراء الاطهار ؛ فان صح عن
عائشة ، فهو حجة عليهم ؛ لان عائشة تكون حينئذ أخبرت بأن
القرء الذي يمنع من الصلاة ليس هو القرء الذى تعتد به من
الطلاق ، وكفى بتفرقة عائشة بين هذين حجة .
وأما حديث فاطمة ابنة أبي حبيش، فلم يذكر فيه هشام
ابن عروة من رواية مالك وغيره - القرء، إنما قال فيه : إذا
98

أقبلت الحيضة فدعي الصلاة ، لم يقل : إذا أتاك قرؤك ، وهشام
أحفظ من الذي خالفه في ذلك ؛ ولو صح ، كان الوجه فيه ما
ذكرنا عن عائشة - والله اعلم .
وقد أجمعوا على أن الطلاق للعدة ، أن يطلقها طاهرا من
غير جماع لا حائضا ؛ وأجمعوا على ان كل معتدة من طلاق
او وفاة تحسب عدتها من ساعة طلاقها، او وفاة زوجها ؛ وذلك
دليل على ان الاقراء الاطهار لا الحيض، لان القائلين بأنها
الحيض يقولون إنها لا تعتد الا بالحيض المقبلة بعد الطهر الذي
طلقت فيه ؛ فجعلوا عليها ثلاثة قروء وشيئا آخر ، وذلك خلاف
الكتاب والسنة ؛ ويلزمهم ان يقولوا إنها قبل الحيضة في غير
عدة، وحسبك بهذا خلافا لظاهر قول الله - عز وجل - «فطلقوهن
لعدتهن)» ، ولقول النبي - عليه السلام - : فتلك العدة التي أمر
الله أن يطلق لها النساء.
وأما حجتهم بأن أم الولد عدتها حيضة بإجماع ، وأنها لا
يحل لها النكاح حتى تطهر من حيضتها ، وذلك دليل على أن
القرء الحيضة ، فليس هو كما ظنوا؛ وجائز لها عندنا أن تنكح
إذا دخلت في الحيضة ، واستيقنت ان دمها دم حيض ؛ وقد قال
99

هذا اسماعيل بن اسحاق ليحيى بن أكثم - حين ادخل عليه في
مناظرته إياه ، ما أدخله محمد بن الحسن على مناظرة عن أهل
المدينة في كتابه، فقال له: أتحل أم الولد للازواج - إذا دخلت
في الدم من الحيضة ، فقال له اسماعيل نعم تحل للازواج ،
لان ظهور الدم براءة لرحمها في الاغلب المعمول به .
قال أبو عمر : الاصل في هذا الباب والمعتمد عليه فيه :
حديث ابن عمر عن النبي - عليه السلام - في قوله : إذا
طهرت، إن شاء طلق، وإن شاء أمسك - لم يخص أول الطهر
من آخره ؛ ولو كان بينهما فرق لبينه ، لانه المبين عن الله
مراده ، وقد بلغ وما كتم - صلى الله عليه وسلم.
قرأت على عبد الوارث بن سفيان ، ان قاسم بن أصبغ
حدثهم ، قال حدثنا محمد بن عبد السلام ، قال حدثنا محمد
ابن المثنى ، قال حدثنا مؤمل بن اسماعيل ، قال حدثنا سفيان،
عن منصور ، عن ابراهيم، عن علقمة ، ان ابن عمر طلق
امرأته - وهي حائض ، فسأل عمر النبي - صلى الله عليه وسلم -
عن ذلك، فقال : مره فليراجعها حتى تطهر، ثم تحيض ، ثم
تطهر ؛ فإن شاء طلق، وإن شاء أمسك .
100