النص المفهرس
صفحات 41-60
وسلم - فجعله لعصبة أمه ، وقال : لولا الأيمان التي مضت - يعني اللعان - لكان فيه كذا وكذا (١). قال أبو عمر في هذا الحديث : رأيت المرأة تدرأ عن نفسها العذاب ، وهو حجة على أبي حنيفة في قوله إنها تسجن، وقد مضى القول في ذلك ؛ وأما قوله فيه أصيفر، أحيمش ، فالاصيفر - تصغير أصفر ، والاحيمش تصغير أحمش، والاحمش الدقيق القوائم . وفي حديث ابن عباس من رواية عباد بن منصور عن عكرمة ، عن ابن عباس . وفي رواية هشام : عن عكرمة ، عن ابن عباس . ومن رواية جرير بن حازم ، عن أيوب، عن عكرمة ، عن ابن عباس . ومن رواية ابن أبي الزناد ، عن أبيه ، عن القاسم بن محمد، عن ابن عباس ؛ وسليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، ومخرمة بن بكير ، عن أبيه جميعا عن عبد الرحمان بن !) رواه أحمد وأبو داود . أنظر منتقى الأخبار بشرح نيل الأوطار 291/6 . 41 القاسم ، عن أبيه ، عن ابن عباس ؛ - ما يدل على ان الملاعنة، كانت على الحمل؛ وحديث عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس - حديث طويل في اللعان ، ذكر فيه كلام سعد بن عبادة، وقصة تلاعن هلال بن أمية وزوجته - إذ رماها بشريك بن سحماء - حديثا طويلا، حدثناه عبد الوارث بن سفيان، وسعيد بن نصر ، قالا حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال حدثنا محمد ابن وضاح ، قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال حدثنا يزيد ابن هارون ، أخبرنا عباد بن منصور . وذكره أبو داود ، حدثنا الحسن بن علي ، حدثنا يزيد ابن هارون ، أخبرنا عباد بن منصور - ولم يسقه بتمامه (1) . وفيه عند جميعهم : ففرق رسول الله بينهما - يعني بعد تمام التعانهما ، وقضى ألا يدعى ولدها لاب ، ولا ترمى هي ولا يرمى ولدها ؛ ومن رماها أو رمى ولدها ، فعليه الحد ؛ وقضى أن لا بيت عليها ولا قوت ، من أجل أنهما مفترقان من غير طلاق ، ولا هي متوفى عنها ؛ وقال : إن جاءت به أصيهب، أتيبج ، احمش الساقين ، فهو لهلال ؛ وإن جاءت به اورق، جعدا ١) انظر سنن أبي داود 629/1 42 جمالياً ، خدلج الساقين ، سابغ الاليتين ، فهو للذي رميت به ؛ فجاءت به أورق، جعدا، جماليا ، خدلج الساقين ، سابغ الاليتين؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لولا الأيمان، لكان لي ولها شأن ! قال عكرمة فكان بعد ذلك أميرا على مصر ، ويدعى للاب . قال أبو عمر في هذا الحديث: وقضى أن من رماها ، أو رمى ولدها ، فعليه الحد؛ وهو حجة لمالك ومن قال بقوله أن من قذف الملاعنة ، أو ولدها ، حد إن لم يأت بأربعة شهداء، وعليه أكثر الناس ، وهذا الحديث حجة في ذلك . وفيه أيضا أن لا بيت عليها ولا قوت . - يعني لا سكنى لها ولا نفقة ، وهذا موضع اختلف فيه العلماء ؛ فأما مالك ، فإنه لم يذهب إلى هذا - ورأى أن السكنى لكل مطلقة - وجبت لها النفقة أو لم تجب ، مختلعة كانت أو ملاعنة ، أو مبتوتة ؛ ولا نفقة - عنده - إلا لمن يملك رجعتها خاصة، أو حامل بعد تحملها؛ فسقوطها من أجل الحمل ، وللمبتوتات والمختلعات كلهن عنده السكنى دون النفقة ؛ وهذا كله أيضا قول الشافعي، لا خلاف بينهما في شيء من ذلك كله وذهب أبو حنيفة وجماعة من السلف إلى إيجاب النفقة لكل معتدة مبتوتة وغير مبتوتة - مع السكنى . 43 وذهب أحمد بن حنبل، وأبو ثور ، وجماعة من أهل الحديث - وهو قول داود أيضا - إلى أن لا سكنى ولا نفقة لمن لا رجعة عليها ؛ فلا سكنى - عندهم - للملاعنة ، والمختلعة ، ولا لغيرها ، ولا نفقة ) . وهذا الحديث حجة لمن ذهب إلى هذا، وروى عن جماعة من السلف ايضا ؛ وسنذكر اختلاف العلماء في إيجاب السكنى والنفقة للمبتوتة ومن جرى مجراها في باب عبد الله بن يزيد مولى الاسود بن سفيان من كتابنا هذا ، ونذكر وجوه أقاويلهم ومعانيها - هناك - إن شاء الله . وأما قوله في هذا الحديث اصيعب، فهو تصغير اصغب ، والصهبة حمرة في الشعر ؛ والائيبج تصغير اتبج، والاثبج : العالي الظهر؛ يقال وجل اثبج؛ ناقيء الثبج، وثبج كل شيء وسطه واعلاه ، ورجل مثبج مضطرب الخلق في طول ؛ والاحمش الساقين دقيقهما (1)، والاورق الرمادي اللون ، ويقال الاورق للرماد ايضا، ومنه قيل حمامة ورقاء ؛ واصل الورق سواد في 1) دقیقهما: س، رقيقهما: ظـ . غيره : والجمالي: العظيم الخلق ، يقال ناقة جمالية - إذا كانت في خلق الجمل : والخدلج : الضخم الساقين، يقال : امرأة خداجة - اذا كانت ضخمة الساق . وهذه الآثار كلها تدل على أن المرأة الملاعنة كانت في حين التلاعن حبلى ، فلما نفاه في لعانه ، نفاه عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وألحقه بأمه. وفي حديث مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله - على الله عليه وسلم - ألحق الولد بأمه (1)؛ وهو أولى وأصح من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعله لعصبة أمه . واختلف العلماء في ميراث ولد الملاعنة ، فقال قائلون أمه عصبته : وممن قال ذلك : عبد الله بن مسعود، وجماعة؛ قال ابن مسعود أمه عصبته، فان لم تكن ، فعصبتها . وقال آخرون عصبته عصبة أمه ، قال ذلك جماعة ، واليه ذهب أحمد ابن حنبل، قال: ابن الملاعنة ترثه أمه وعصبتها. والقائلون بهذين القولين، يقولون بتوريث ذوي الأرحام: وقال علي بن ابي طالب ، وزيد بن ثابت : لا عصبة لابن 1) يعنى حديث الباب . 45 الملاعنة - وهو عندهما - كمروث لم يخلف ابا ولا عصبة ؛ فان كان له إخوة لام، ورثوا فرضهم ، وورثت امه سهمها ، وما بقي فلبيت المال . هذه رواية قتادة ، عن جلاس، عن علي ، وزيد ؛ والمشهور عن على أن عصبته عصبة أمه ، الا أن مذهبه ان ذا السهم أحق ممن لا سهم له ؛ وبه قال أبو حنيفة وأصحابه. وقال ابن مسعود عصبته عصبة امه - وهو قول الحسن ، وابن سيرين ، وجابر بن زيد، وعطاء، والشعبي ، والنخعي ، وحماد، والحكم ، وسفيان، والحسن بن صالح ، وشريك، ويحيى بن آدم، واحمد بن حنبل ، وأبي عبيد ؛ إلا أنهم اختلفوا ، فمنهم من لم يجعل عصبة امه عصبته إلا عند عدم امه، ومنهم من اعطاها فرضها وجعل الباقي لعصبتها - ابنا كان لها، او اخا لابنها، أو غيره من عصبتها ؛ والذين جعلوا أمه عصبته ، فإذا لم تكن ، فعصبتها ؛ احتجوا بحديث واثلة بن الاسقع، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال المرأة تحرز ثلاثة مواريث: عنيقها، ولقيطها ، وابنها الذي لاعنت عليه (١) . وبحديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه عن جده ، ان النبي - صلى الله عليه وسلم - قال، ميراث ابن الملاعنة لامه . ولورثتها من بعدها . 1) رواه أحمد في مسنده، انظر ح 490/8 46 وقد أوضحنا ذلك في غير هذا الموضع . وذهب مالك والشافعي واصحابهما إلى قول زيد بن ثابت في ذلك. قال مالك إنه بلغه عن عروة بن الزبير . وسليمان ابن يسار ، انهما ستلا عن ولد الملاعنة، وولد الزنا : من يرثهما ؟ فقالا ترث أمه حقها ، واخوته لامه حقوقهم ، ويرث ما بقي من ماله - مواني امه - إن كانت مولاة ؛ وان كانت عربية ، ورثت حقها ، وورث إخوته لامه حقوقهم ، وورث ما بقي من ماله المسلمون ؛ قال مالك وذلك الامر الذى لا اختلاف فيه عندنا، والذي ادركت عليه أهل العلم (1). قال أبو عمر وهو قول الشافعي سواء، ولاهل العراق - والقائلين بالرد ، وتوريث ذوي الأرحام - ضروب من التنازع في توريث عصبة ام ولد الملاعنة منه مع الام ودونها ، ليس هذا موضع ذكر ذلك : ولا خلاف بين العلماء ان الملاعن اذا اقر بالولد جلد الحد ، ولحق به وورثه : وابن الزانية عند جمائة العلماء. كابن الملاحة (2) سواء. وكل فيه على اصله ٤) فى ظ زيادة كلمة (ببلدنا) وانظر الموطأ ص 889 - حديث (1197) ?) هذا في الأصل، وفي ظ: المتلاعنة. 47 الذي ذكرناه (1) عنهم؛ وأجمعوا في تومي الزانية انهما يتوارثان على انهما لام، واختلفوا في تومي الملاعنة : فذهب مالك، والشافعي - وهو قول أهل المدينة - إلى ان توارثهما كتوارث الاخوة للأب والام ؛ ويحتجون بان الملاعن اذا استلحقهما، جلد الحد ، ولحق به النسب؛ وذهب الكوفيون إلى ان توءمي الملاعنة ، كتومي الزانية، لا يتوارثان إلا على أنهما لام ؛ وان مات ابن الملاعنة ، فاستلحقه الملاعن - بعد موته ، فان مالكا وابا حنيفة واصحابهما يقولون إن خلف ولداً ، لحق به نسبه وورث؛ وان لم يخلف ولدا، لم يرئه ويجلد الحد على كل حال. وقال الشافعي يجلد الحد ويلحق به الولد ونسبه، ويرث - خلف ولدا او لم (2) يخلف ؛ وان مات الملاعن - بعد أن التعن وقبل ان تلتعن المرأة ، فان التعنت بعده لم ترث ، وان نكلت عن الالتعان ، حدت وورثت في قول مالك؛ وقال الشافعي لا يتوارثان ابداً إذا التعن الرجل وتم التعانه ، لان الفراش قد زال بالتعانه ، وانما التعان المراة لدفع الحد عنها 1) ذكرناه : ص. ذكرنا: ظـ (د) أولم : ص، أم لم : ظ. 48 قال أبو حنيفة لا ينقطع التوارث بينهما ابدا حتى يغرق الحاكم بينهما، فأيهما مات قبل ذلك ورثه الآخر، واليه ذهب أحمد بن حنبل ؛ ولكل واحد منهم في هذه المسائل اعتلالات يطول ذكرها ، ولو تعرضنا لها، خرجنا عن شرطنا في كتابنا - وبالله توفيقنا - . م٤ - ج١٥ 49 حديث سابع وأربعون النافع عن ابن عمر مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر، انه طلق امرأته - وهي حائض - على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم ؛ فسأل عمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مره فليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ، ثم تطهر: ثم إن شاء امسك، وإن شاء طلق قبل ان يمس ؛ فتلك العدة التي امر الله ان يطلق لها النساء (١) . هذا حديث مجتمع على صحته من جهة النقل، ولم يختلف ايضاً في الفاظه عن نافع (2)؛ وقد (8) رواه عنه جماعة اصحابه، كما رواه مالك سواء ؛ قالوا فيه ، حتى تطهر ثم تحيض، ثم تطهر، ثم 1) الموطأ رواية يحيى ص 384 - حديث (1214) - وهو حديث متفق عليه انظر الزرقاني على الموطأ 208/2 . 2) هكذا في ص. وفي ظ: (واختلفوا في تأويل بعض معانيه، ولم يختلف عن نافع فيه). 9) وقد رواه: ص، ورواه - باسقاط (قد) : ظ. .51 إن شاء طلق قبل أن يجامع ، وإن شاء امسك، فتلك العدة التي امر الله أن تطلق لها النساء . وممن قال ذلك - أيوب ، وعبيد الله بن عمر ، وابن جريج، والليث بن سعد ، ومحمد بن اسحاق ، ويحيى بن سعيد ؛ كلهم عن نافع (1) ، عن ابن عمر ؛ وكذلك رواه الزهري، عن سالم، عن ابن عمر ؛ لم يختلفوا ايضا عليه فيه مثل رواية نافع سواء حتى تطهر ، ثم تحيض ، ثم تطهر - الحديث . وكذلك رواه عطاء الخراساني ، عن الحسن ، عن ابن عمر - سواء مثل رواية نافع ، والزهري - قاله ابو داود . (قال ابو عمر، وكذلك رواه علقمة ، عن ابن عمر)؛ (2) ورواه يونس بن جبير، وعبد الرحمان بن أيمن ، وأنس بن سيرين، وسعيد بن جبير ، وزيد بن اسلم، وابو الزبير، كلهم عن ابن عمر - بمعنى واحد - ان النبي - عليه السلام - امره ان يراجعها، حتى تطهر ؛ ثم إن شاء طلق ، وان شاء أمسك - لم يذكروا : ثم تحيض، ثم تطهر . قال أبو داود، وكذلك رواه عن أبي وائل، عن ابن عمر 1) وبحمى بن سعيد كلهم من نامع: ص. وغيرهم لم يختلفوا في ذلك من نافع : ظـ . (2) ما بين القوسين ساقط في ص. ثابت في ظ . 52 وكذلك أيضا رواه محمد بن عبد الرحمان ، عن سالم ، عن ابن عمر ، لا انه زاد ذكر العامل: وذهب إلى هذا طائفة من أهل العلم ، منهم أبو حنيفة ، وبه قال المزني ؛ قالو : انما امر المطلق في الحيض بالمراجعة ، لانه كان طلاقا خطأ ؛ فأمر ان يراجعها ، ليخرجها من أسباب الطلاق الخطأ، ثم يتركها حتى تطهر من تلك الحيضة، ثم يطلقها طلاقا صوابا - ان شاء طلاقها: ولم يروا للحيفة الاخرى بعد ذلك معنى ـ على ظاهر ما روى هؤلاء. قال أبو عمر : للحيضة الثانية والطهر الثاني وجوه عند أهل العلم ، منها ان المراجعة لا تكاد تعلم صحتها إلا بالوطء. لانه المبتغى من النكاح في الاغلب : فكان ذلك الطهر موضعا "للوط، (الذي) (1) تستيقن به المراجعة، فإذا مسها، لم يكن له سبيل إلى طلاقها في طهر قد مسها فيه ؛ لقول رسول الله - على الله عليه وسلم -: وان شاء طلق قبل أن يمس ، ولاجماعهم على أن المطلق في طهر قد مس فيه، ليس بمطلق للعدة - كما أمر الله سبحانه : فقيل له : دعها حتى تحيض أخرى ثم تطهر ، ثم طلق (2) - إن شئت قبل أن تمس؛ وقد جاء هذا المعنى ١) كلمة (الذي ) ساقطة في ص، ثابتة في ظ، والمعنى يقتضيها. 2) طلق : ص ، تطلق : ظـ . 53 منصوصا في هذا الحديث ، حدثناه عبد الوارث بن سفيان ، قال حدثنا قاسم بن اصبغ ، قال حدثنا إبراهيم بن عبد الرحيم ، قال حدثنا معلى بن عبد الرحمان الواسطي ، قال حدثنا عبد الحميد ابن جعفر، قال حدثني نافع ، ومحمد بن قيس ، عن عبد الله ابن عمر، انه طلق امرأته - وهي في دمها حائض ، فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يراجعها؛ فإذا طهرت، مسها؛ حتى اذا طهرت أخرى، فان شاء طلقها ، وإن شاء أمسكها ؛ وقد قال بعض أصحابنا : ان الذي يمس في الطهر ، انما نهي عن الطلاق فيه ، لانها لا تدرى أعدة حامل تعتد أم عدة حائل ؟ قال أبو عمر : قد جاء في هذا خبر كفانا انتحال التعليل والنظر، ذكره عبد الرزاق، عن عمه وهب بن نافع، قال حدثني عكرمة ، عن ابن عباس ، انه سمعه يقول الطلاق الحلال : أن يطلقها طاهرا من غير جماع، أو يطلقها حاملا مستبين حملها؛ وأما الطلاق الحرام ، فأن يطلقها حائضا، او يطلقها حين يجامعها، فلا تدري أيشتمل الرحم على ولد أم لا (1) ؟ وأما الطلاق ، فقد قيل فيه ما ذكرنا؛ وقيل إن المطلق في الحيض ، إنما أمر 1) انظر المصنف 6 / 808 - حديث (10930) 54 بالمراجعة ليستباح (1) بالرحمة طلاق السنة؛ فاذا لم يحقق الرجعة بالوطء، لم يكن لها معنى ؛ وقيل إنما نهي عن الطلاق في الحيض ، لئلا تطول عدة المرأة : وأمره بمراجعتها ، لوقوع طلاقه فاسدا ؛ ثم لم يجز أن يباح له طلاقها في الشهر الذي يلي تلك الحيضة ، لانه لو أبيح له أن يطلقها إذا طهرت من تلك الحيضة ، كانت في معنى المطلقة قبل الدخول ، وكانت تبني على عدتها الأولى ؛ فأراد الله أن ينقطع حكم الطلاق الاول بالوطء ، فاذا وطئها في الطهر، لم يتهيأ له أن يطلقها فيه حتى تحيض ثم تطهر : فإذا طلقها بعد ذلك ، استأنفت عدتها من ذلك الوقت - ولم تبن : وقيل إنه لما طلق في وقت لم يكن له أن يطلق فيه أدب، بأن منع الطلاق في وقت كان له ان يوقعه فيه؛ وقد قيل إن الطهر الثاني جعل للاصلاح الذي قال الله عز وجل -: ((وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا» (2). لان حق المرتجع أن لا يرتجع رجعة ضرر، لقوله : « ولا تمسكوهن ضرارا (3))). 1) ليستباح : ظ ، ليستفتح، ص 2) الآية : 228 سورة البقرة 3) الآية : 231 نفس السورة 55 قالوا: فالطهر الاول جعل للاصلاح - وهو الوطء ، ثم لم يجز أن يطلق في طهر وطىء فيه لما ذكرنا ؛ وقد قيل إنه لو أبيح له أن يطلقها - بعد الطهر من تلك الحيضة، كان كأنه قد أمر بأن يراجعها ليطلقها ؛ فأشبه النكاح إلى أجل ، ونكاح المتعة ، فلم يجعل له ذلك حتى يطأ: (هذا كله مذهب الحجازيين الذين يذهبون إلى أن الأقراء، الاطهار)، (1) وفى هذه المسألة وجوه كثيرة، واعتلالات للمخالفين يطول ذكرها . واستدل قوم على أن الطلاق للعدة والسنة يكون ثلاثا مفترقات - بهذا الحديث، قالوا : طلاق السنة أن يكون بين كل تطليقتين حيضة ؛ لقوله : ثم تحيض ثم تطهر، ثم ان شاء طلق؛ وكانوا يستحبون ان يطلق الرجل امرأته في كل طهر تطليقة، وسنذكر ما للعلماء في كيفية الطلاق للسنة ، وما أجمعوا عليه من ذلك، وما اختلفوا فيه منه في هذا الباب - ان شاء الله . وفي هذا الحديث من الفقه ان الطلاق مباح ، لان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما كره له ذلك الطلاق، لانه (2) طلق امرأته في الحيض ، فأمره بمراجعتها من ذلك ؛ والمطلق !) ما بين القوسين ساقط في الاصل. ثابت فى ظ . 2) لانه : ظ ، أنه : ص . 56 في الحيض، مطلق لغير العدة - والله عز وجل - يقول: (( إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهم (1)،. وقرىء « فطلقوهن لقبل عدتهن)، ، وكذلك كان يقرأ ابن عمر وغيره (2) ؛ ولو طلقها لعدتها في طهر لم يمسها فيه ، لم يكره له ذلك ؛ ألا ترى إلى قوله في هذا الحديث: ثم إن شاء طلق، وان شاء أمسك؛ وهذا غاية فى الاباحة (3) ، والقرآن ورد بإباحة الطلاق؛ وطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعض نسائه - وهو أمر لا خلاف فيه. وفيه ان الطلاق في الحيض مكروه، وفاعله عاص لله - عز وجل - اذا كان عالما بالنهي عنه ؛ والدليل على أنه مكروه - وان كان شيئا لا خلاف فيه ايضا والحمد لله ، تغيظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ابن عمر حين طلق امرأته حائضا: أخبرنا عبد الله بن محمد، حدثنا محمد بن بكر، حدثنا ابو داود ، حدثنا أحمد بن صالح ، حدثنا عنبسة ، حدثنا يونس ، عن ابن شهاب، قال اخبرني سالم بن عبد الله، عن أبيه ، أنه طلق امرأته - وهي حائض ، فذكر ذلك عمر لرسول الله - صلى 1) الآية : 4 سورة الطلاق. 2) رواه عبد الرزاق في المصنف ج 6/ 304 حديث (10931) 8) غاية فى الاباحة: ص، غاية الاباحة - باسقاط (في) ، ظ . 57 الله عليه وسلم - فتغيظ رسول الله ، ثم قال : مره فليراجعها: ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر ، ثم ان شاء طلقها طاهرا قبل أن يمسها ، فذلك الطلاق للعدة - كما أمره الله . وفيه أن الطلاق في الحيض لازم لمن أوقعه - وان ضان فاعله قد فعل ما كره له، اذ ترك وجه الطلاق وسنته؛ والدليل على ان الطلاق لازم في الحيض ، أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابن عمر بمراجعة امرأته - إذ طلقها حائضا، والمراجعة لا تكون إلا بعد لزوم الطلاق ؛ ولو لم يكن الطلاق في الحيض واقعا ولا لازما ، ما قال له : راجعها ؛ لان من لم يطلق ولم يقع عليها طلاق، لا يقال فيه (1) راجعها ؛ لانه محال أن يقال الرجل امرأته في عصمته لم يفارقها - : راجعها: ألا ترى إلى قول الله عز وجل: في المطلقات، وبعولتهن أحق بردهن في ذلك ،، - ولم يقل هذا في الزوجات اللاتي لم يلحقهن الطلاق؛ وعلى هذا جماعة فقهاء (2) الأمصار ، وجمهور علماء المسلمين - وان كان الطلاق عند جميعهم في الحيض بدعة غير سنة ، فهو لازم عند جميعهم ؛ ولا مخالف في ذلك الا أهل البدع ١) فيه : ص . فيها؛ ظ . 2) جماعة فقهاً (، ظ ، فقها" جماعة: ص 68 والضلال والجهل، فانهم يقولون : إن الطلاق لغير السنة غير واقع ولا لازم ؛ وروي مثل ذلك عن بعض التابعين ، وهو شذوذ لم يعرج عليه أهل العلم من أهل الفقه والاثر في شيء من امصار المسلمين - لما ذكرنا ؛ ولان ابن عمر الذي عرضت له القضية، احتسب بذلك الطلاق وافتى بذلك، وهو ممن لا يدفع علمه بقصة نفسه ؛ ومن جهة النظر ، قد علمنا أن الطلاق ليس من الاعمال التي يتقرب بها إلى الله - عز وجل ، فلا تقع الا على حسب سنتها ، وانما هو زوال عصمة فيها حق لآدمي ، فكيفما أوقعه وقع ؛ فان أوقعه لسنة ، هدي ولم يأثم ؛ وان أوقعه على غير ذلك، أثم ولزمه ذلك، ومحال أن يلزم المطيع ولا يلزم العاصي ؛ ولو لزم المطيع الموقع له الا على سنته - ولم يلزم العاصي ، لكان العاصي اخف حالا من المطيع؛ وقد احتج قوم من أهل العلم بأن الطلاق في الحيض لازم، لقول الله - عز وجل -: ((ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه (1))) . - يريد أنه عصى ربه ، وفارق امرأته ؛ وحسبك بابن عمر ! فقد أنكر على من ظن أنه لا يحتسب بالطلاق في الحيض : حدثنا سعيد بن نصر ، وعبد الوارث بن سفيان ، قالا حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال ؛ 1) الآية : 1 سورة الطلاق. 59 حدثنا اسماعيل بن اسحاق ، ومحمد بن الهيثم أبو الاحوص . قالا حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد، عن أيوب ، وسلمة ابن علقمة، عن محمد، عن أبي غلاب، قال سألت ابن عمر عن رجل طلق امرأته - وهي حائض- فقال: تعرف عبد الله بن عمر؟ فإنه طلق امرأته - وهي حائض، فسأل عمر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فأمره أن يراجعها ؛ قلت : اتحتسب بها؟ قال فمه - ان عجز واستحمق؟ ومحمد هذا، هو محمد بن سيرين. وأبو غلاب هذا ، هو يونس بن جبير : حدثنا عبد الوارث بن سفيان - قراءة مني عليه - أن قاسم بن أصبغ حدثهم ، قال بكر ابن حماد ، قال حدثنا مسدد ، قال حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن محمد بن سيرين ، عن يونس بن جبير ، قال : سألت ابن عمر : قلت رجل طلق امرأته - وهي حائض ، فقال : تعرف ابن عمر ؟ فإنه طلق امرأنه - وهي حائض ، فسأل عمر النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمره أن يراجعها؛ قلت : فتعتد بتلك الطلقة ؟ قال: فمه ! أرأيت إن عجز واستحمق ؟ - هكذا قال مسدد : عن حماد ، عن أيوب، عن محمد بن سيرين - لم يذكر سلمة بن علقمة. 60