النص المفهرس
صفحات 1-20
ـيد التمر لما في الموطأُ مِ المَعَانِي وَالأسانيد تأليف القسم وفي نظر أبي حمر توسف بن عَبْد الي ابن محمّد بن عبدة البرّ النجرى القرطبي (368 - 463 م) تحقيق عبد الله بن الصديق 1399 هـ - 1979 م الجزء السابع ننبيه القراء الكرام إلى أن الجزء السادس من كتاب التمهيد كان بتحقيق الأستاذين : محمد الفلاح سعيد أعراب رقم الإيداع القانوني : 1981/172 بسم الله الرحمن الرحيم تقديم الحمد لله حمدا يليق بكماله، والشكر له على تواتر أفضاله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله. وبعد فقد عهدت إلي وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بتحقيق الجزء السابع من كتاب التمهيد. فقمت به على النحو الآتي : 1 - عزو متون الموطأ الى من أخرجها من صاحبي الصحيحين، أو غيرهما من أصحاب الكتب الستة. 2 - تخريج الأحاديث التي يذكرها المؤلف - مندة أو معلقة - ليعرف من أخرجها من أصحاب الكتب المعروفة، كالصحاح والسنن والمصنفات والمسانيد. والمؤلف كان واسع الحفظ، يسند عن طريق كتب غريبة، غير معروفة لكثير من أهل العلم، مثل كتب بقى بن مخلد، وقاسم بن أصبغ، وابن سنجر، والحن بن رشيق. 3 - تصحيح الأسماء المحرفة والمصحفة، وضبط ما يشتبه منها. 4 - شرح كلمات لغوية. 5 - تراجم بعض الرواة وبيان رتبتهم من حيث العدالة والجرح. ٥ - تعليقات أوضحت فيها استدلالا أشار إليه المؤلف ، أو بسطت بحثا أوجزء. أو أتممت موضوعا اختصره. ولست بحاجة الى وصف ما لقيت من تعب ومشقة في تحقيق هذا الجزء . لأنه لم يكن لدي نخ متعددة أستعين بها، وإنما كان عندي نسخة واحدة، جرى عليها التحقيق من أول الجزء الى نهاية حديث ثان لابن شهاب عن حميد، وهي نسخة كثيرة التصحيف، وفيها نقص. ومن أول حديث ثالث لابن شهاب عن حميد، الى الآخر، وهو أقل من النصف، كانت معها نخة أخرى، جيدة صحيحة في الغالب، وفيها جمل أكملت بها النقص الموجود في النسخة السابقة. وجعلتها بين قوسين ( ) ونبهت عليها في أسفل الصفحة. وما كان من نقص في النسخة المنفردة، أكملته من الاستذكار تارة، ومن فتح البارى تارة أخرى، لأنه نقل عن المؤلف كثيرا بعض عباراته. وكاتب هذه النسخة كان يعلم على النقص بثلاث نقط في الهامش هكذا .. كأنه كان يريد أن يكمله، ثم ني، أو لم يجد أصلا يكمل منه. وسيجد القارئ تكرارا في بعض التعاليق، سببه تطاول العهد، وطروء النسيان. ذلك أني حققت القسم الأخير وأتممته، وتأخر القسم الأول الذي كان يطبع على الآلة الكاتبة، لظروف وأسباب، فلم أتوصل به الا بعد مرور سنة أو قريب منها، منذ أتممت القسم السابق. هذا وإني أروي كتاب التمهيد عن أبي حفص عمر بن حمدان المحرسي المدني، قال : أنبأنا نصر الله بن عبد القادر الخطيب الدمشقي، أنبأنا المعمر عبد الله التل، أنبأنا عبد الغني بن اسمعيل النابلسي أنبأنا نجم الدين محمد ابن بدر الدين محمد بن رضى الدين الغزي أنبأنا أبي انبأنا شيخ الإسلام زكريا بن محمد الأنصاري أنبأنا عز الدين عبد الرحيم بن الفرات أنبأنا 4 عبد العزيز بن جماعة، أنبأنا أبو جعفر أحمد بن ابراهيم بن الزبيو أنا أحمد ابن محمد الراج، أنبأنا خالي أبو بكر محمد بن خير الحافظ، أخبرني الشيخ أبو محمد بن عتاب، والشيخ أبو الحن على بن عبد الله ابن وهب، عن الحافظ أبي عمر بن عبد البر، رحمه الله تعالى. وأرويه عن شيخنا عبد الباقي الأنصاري المدني، أنبأنا فضل الرحمن ابن أهل الله أنبأنا عبد العزيز بن أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي أنبأنا أبي، عن محمد بن ابراهيم بن حن الكردي أنبأنا أبي أنبأنا النجم الغزي عن والده البدر الغزي، أنبأنا أبو الفتح الكندري أنبأنا الشهاب الرسام وعلي ابن صالح عن أبي العباس أحمد بن أبي طالب الحجار، عن جعفر بن علي الهمداني عن الحافظ أبي طاهر أحمد بن محمد السلفي عن أبي عمران موسى بن عبد الرحمن بن أبي تليد عن ابن عبد البر. وأرويه أيضاً عن شيوخنا المغاربة، منهم العلامة المحدث أبو عبد الله محمد بن ادريس القادري، والعلامة المحقق الأديب الشيخ محمد المكي البطاوري، والعلامة القاضي عبد الحفيظ الفاسي. واقتصرت على الطريقين المذكورين لعلوهما نسبياً. ومما ينبغي أن نلفت الأنظار اليه ، أن علم الحديث ينقسم عند أهله الى قسمين : 1 - علم الحديث رواية، وهو علم المصطلح. إذ يبحث فيه عن الند والمتن من حيث الصفات التي تعرض لهما ، وتقتضي قبولهما أوردهما، كالصحة والضعف، والوصل والانقطاع والإرسال ، والشذوذ والنكارة، والرفع والوقف، والتعديل والتجريح، ونحو ذلك ، وفيه ألف الحافظ الخطيب كتاب الكفاية في علم الرواية. 2 - علم الحديث دراية، وهو علم يبحث في معنى الحديث، وفهم ما يدل عليه من أحكام وآداب وفضائل وأخلاق، ويسمى أيضاً : فقه الحديث. 5 والكتب المؤلفة فيه كثيرة، تتمثل فيما كتب على الموطأ والصحيحين والننن وغيرها. وليس فيما كتب على الموطأ من شروح، ما يضاهي كتاب التمهيد، أو يوازيه، لاشتماله على خصائص، لم تجتمع في غيره : منها : إشباع الكلام على طرق الحديث ورواياته المحفوظ منها وغير المحفوظ، مع التنبيه على ذلك. ومنها : حكاية مذاهب الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب. ومنها : ترجيح ما يراه راجحا، والاستدلال عليه. ومنها التنبيه على الأقوال الضعيفة، وبيان وجه ضعفها. ومنها : التعرض لما في الحديث من بحوث لغوية، وفوائد تتعلق بمكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال. ومنها : اسناد أحاديث، لم توجد في غيره مندة، بحيث أن الحفاظ يعزونها اليه ، كما يعزون الى الدار قطني أو البيهقي. ومنها : بسط العبارة، ونصوع لفظها، ووضوح معناها. كله كلام سلس عذب، خال من الحشو والتعقيد، سالم من الخلل والاضطراب. ومن أجمل مافيه - وكله جميل - أنه حين يرد القول الضعيف، أو الرأي الشاذ لا يخدش صاحبه بكلمة نابية، أو لفظة قاسية . ويمكن أن نقول : أن شرح الموطأ كان دينا على المالكية، أداء عنهم الحافظ ابن عبد البر بكتاب التمهيد. وإذا قال الشافعية في حق البيهقي : ان له منة على الإمام الشافعي، لأنه خدم كتبه، وخرج أحاديثها، وأيد مذهبه. فلنا أن نقول : لابن عبد البر منة على الإمام مالك ، لأنه خدم موطأه، ووصل منقطعاته ومرسلاته، وأسند بلاغاته، وعين مبهماته، وعدد طرق موصولاته. 6 حتى أظهره بالوجه اللائق بمقام الإمام مالك، وعلو رتبته .. ومن أجل ذلك. كان طبع هذا الكتاب ، من مفاخر عهد جلالة الحسن الثاني الملك الرائد، والقائد الملهم، موحد بلاد المغرب، وجامع أطرافه، من أدناه لاقصاه. أطال الله عمره، وجعل اليمن قديمه، والنصر حليفه، والتوفيق رفيقه. وأقر عينه بولي عهده الأمير المحبوب سيدي محمد، وصنوه الأمير مولاي رشيد، والأميرات الكريمات، وبقية الأسرة العلوية الشريفة. د . عبد الله بن الصديق خريج جامعة القرويين ومن علماء الأزهر 7 حديث أول لابن شهاب عن سعيد وأبي سلمة مند مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عيد الرحمن ، أنهما أخبراه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((اذا أمن الامام فأمنوا فانه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه ». قال ابن شهاب وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ((آمين» .. لا خلاف بين الرواة للموطا فى اسناد هذا الحديث ومنته. فيما علمت كلهم يجعل قوله ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول آمين. من كلام ابن شهاب. وقد رواه حقص من عمر المدني (1) عن ملك عن الزهرى عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: آمين، ولم يتابع حقص على هذا اللفظ بهذا الاسناد (2) وروى اسحاق بن سليمان عن ملك عن الزهرى عن سعيد ابن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا آمين فانه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» ولم يتابع على هذا اللفظ أيضا في هذا الاسناد. وأنما هذا لفظ حديث ٦) كذا با الأصل. وهو تصحيف. والصواب: المدني بالعين. إذ هو حقص بن عمر بن ميمون العدني. أبو المعيل الملقب بالفرخ، ويقال له الصنعاني، ضيف كما في التقريب 2) هكذا رواه الدارقطني في غرائب مالك. وفي العلل، وقال: تفرد به حفص بن عمر. وهو ضعيف. وروى الدارقطني في السنن من طريق الزبيدي عن الزهري عن أبي سلمة وسعيد عن أبي هريرة. قال، كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من قراءة أم القرآن. رفع صوته وقال، آمين قال الدارقطني: هنا اسناد حسن وقال الحاكم: صحيح على شرطهما. 8 سمى وسيأتي في بابه ان شاء الله. ورواه الغداني (3) عن ملك، عن الزهرى عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، ولم يذكر أبا سلمة . ورواه جويرة (4) عن ملك عن الزهرى عن أبي سلمة عن أبي هريرة. ولم يذكر سعيدا. والصواب مافي الموطأ عن سعيد وأبي سلمة جميعا عن أبي هريرة. وفي هذا الحديث من الفقه قرأة أم القرآن في الصلاة، ومعناه عندنا في كل ركعة، لدلائل سنذكرها في بأب العلاء بن عبد الرحمن من كتابنا هذا عند قوله صلى الله عليه وسلم ((كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج)» ان شاء الله. وانما قلنا ان فيه دليلا على قرأة فاتحة الكتاب لقوله صلى الله عليه وسلم ((اذا أمن الامام فأمنوا)) ومعلوم أن التأمين هو قول الانسان ، آمين عند دعائه أو دعاء غيره اذا سمعه، ومعنى آمين عند العلماء : اللهم استجب لنا دعاءنا. وهو خارج على قول القارىء (( اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم الى قوله ولا الضالين )» فهذا هو الدعاء الذي يقع عليه التأمين. ألا ترى الى قوله صلى الله عليه وسلم في حديث سمى عن أبي صالح عن أبي هريرة «اذا قال الامام غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين» فكأن القارىء يقول : اللهم اهدنا الصراط - 3) الغداني بضم الغين المعجمة وتخفيف الدال المهملة، عبد الله بن رجاء أبو عمران البصري ثم المكي لكناه بها. من ولد غدانة بن يربوع بن حنظلة. بطن من تميم. روى عن مالك والثوري وجعفر الصادق وعبيد الله بن عمر، وثقه ابن معين وابن سعد وابن حبان. 4) كذا بالأصل. وهو تصحيف والصواب جويرية بصيغة تصغير جارية. اذ هو جويرية بن أسماء بن عبيد بن مخارق الضبعي بضم الضاد المعجمة وفتح الموحدة، البصري. أبو مخارق ثقة من رجال الشيخين توفى سنة 173. 9 المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين اللهم آمين، وهذا بين واضح. يغني عن الاكثار فيه . وقد أجمع العلماء على أن لا تأمين في شيء من قراءة الصلاة الا عند خاتمة فاتحة الكتاب. ولم يختلفوا في معنى ماذكرنا. فنحتاج فيه الى القول . ولما كان قول الله عز وجل ( اذا نودى للصلاة من يوم الجمعة ) (5) دليلا على أنه لا بد من الأذان يوم الجمعة، وان كان ذلك خبرا فكذلك قوله صلى الله عليه وسلم ((إذا أمن الإمام)» يعني عند قوله ((ولا الضالين فأمنوا)) دليل على أنه لا بد من قراءة فاتحة الكتاب في كل صلاة. وفي هذا. مع قوله صلى الله عليه وسلم ((لا صلاة لمن لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب)) دليل على فساد قول من قال : ان الصلاة تجزى بغيرها وسنذكر الاختلاف في هذه المسألة، ونأتي بالحجة لاختيارنا من ذلك في كتابنا هذا عند ذكر حديث العلاء بن عبد الرحمن ان شاء الله وقد قيل ان معنى آمين اشهد لله وقيل بل معناها (6) كذلك فعل الله. سورة الجمعة . أية 9. (5 روى جويبر في تفسيره عن الضحاك عن ابن عباس. قال، قلت: يارسول الله ما معنى ي آمین ؟ قال « رب افعل )» جويبر ضعيف جدا. ورواء الثعلبي في تغيره من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. والكلبي أشد ضعفا من جويبر. وروى عبد الرزاق باسناد ضعيف عن أبي هريرة قال : أمين اسم من أسماء الله عز وجل. وروى مثله عن هلال بن ياف. وروى ابن أبي شيبة عن مجاهد، وحكيم بن جبير مثله أيضاً وأسماء الله توقيفية. لا تثبت الا بحديث مرفوع صحيح. وكان الحسن يقول في معنى أمين: اللهم استجب . وجاء في حديث مرفوع ضعيف ( أمين خاتم رب العالمين على عباده المؤمنين)) رواه الطبراني في الدعاء من حديث أبي هريرة . وقال أبو زهير النميري الصحابي : أمين مثل الطابع على الصحيفة وأبعد من قال ، أمين درجة في الجنة. 10 وفي آمين لغتان المد والقصر. مثل أوه وأوه (7). قال الشاعر ويرحم الله عبدا قال أمين وقال آخر. فقصر : (8) أمین فزاد الله ما بيننا بعدا تباعد منى فحطل أذ دعوته وفي هذا الحديث أيضا، أن الامام يقول آمين. لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ((اذا أمن الامام فأمنوا.)) ومعلوم أن تأمين الثأموم قوله آمين، فكذلك يجب أن يكون قول الامام سواء. لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سوى بينهما في اللفظ، ولم يقل اذا دعا الامام فأمنوا. وهذا موضع اختلف فيه العلماء فروى ابن القاسم عن ملك أن الامام لا يقول آمين. وانما يقول ذلك من خلفه دونه، وهو قول ابن القاسم والمصريين من أصحاب ملك. وحجتهم ظاهر حديث سمى عن أبي صالح عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((إذا قال الامام غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين » وسيأتي القول في حديث سمى في بابه من هذا الكتاب ان شاء الله تعالى، ومثل حديث سمى، حديث أبي موسى الأشعرى. قالوا ففي هذا الحديث دليل على أن الامام يقتصر على قراءة ولا الضالين، ولا يزيد على ذلك، وإنما المأموم يؤمن. قالوا ، وكما يجوز أن يسمى التأمين دعاء في اللغة. فكذلك يسمى الدعاء تأمينا. واحتجوا بقول الله عز وجل ( قد أجيبت 7) أوه، بفتح الهمزة وسكون الواو، والهاء مثلثة. وآه. بالمد وكر الهاء بالتنوين وعدمه. وزيادة الواو خطأ من الناسخ 8) هذا البيت أنشده ثعلب شاهدا على قصر أمين في الشعر. للضرورة. لامطلقا. والبيت الجبير بن الأضبط. كما في شرح القاموس. وفحطل بوزن جعفر وقنفذ اسم رجل . وقوله. اذ دعوته. كذا وقع في الصحاح أيضاً. وفي شرح القاموس، اذ سألته. 11 إعوتكما فاستقيما ) (9) لموسى وهرون. ولا يختلف المفسرون أن موسى كان يدعو، وهرون يؤمن ، فقال الله عز وجل ( قد اجيبت دعوتكما ). قال أبو عمر : ما قالوه من هذا كله، فليس فيه حجة. فليس في شيء من اللغات أن الدعاء يسمى تأمينا. ولو صح لهم ما ادعوه. وسلم لهم ماتأولوه. لم يكن فيه الا أن التأمين يسمى دعاء. وأما أن الدعاء يقال له تأمين فلا وانما قال الله عز وجل ( قد أجيبت دعوتكما ) ولم يقل قد أجيب تأمينكما، فمن قال الدعاء تأمين فمغفل لا روية له. على أن قوله عز وجل ( قد أجيبت دعوتكما انما قيل، لأن الدعوة كانت لهما، وكان نفعها عائدا عليهما بالانتقام من أعدائهما. فلذلك قيل ، أجيبت دعوتكما، ولم يقل دعوتاكما، ولو كان التأمين دعاء لقال قد أجيبت دعوتاكما. وجائز أن يسمى المؤمن داعيا. لأن المعنى في آمين ، اللهم استجب لنا. على ما قدمنا ذكره، وهذا دعاء . وغير جائز أن يسمى الدعاء تأمينا. والله أعلم. ومعلوم أن قوله صلى الله عليه وسلم (( إذا أمن الامام فأمنوا)) لم يرد به فادعوا مثل دعاء الامام ، اهدنا الصراط المستقيم، إلى آخر السورة. وهذا ما لا يختلف فيه، وانما أراد من المأموم قول آمين. لا غير. وهذا اجماع من العلماء، فكذلك أراد من الامام قول آمين. لا الدعاء بالتلاوة. لأنه قد سوى بينهما في لفظه صلى الله عليه وسلم بقوله «اذا أمن الامام فأمنوا)) فالتأمين من الامام كهومن المأموم سواء. وهو قول آمين. هذا ما يوجبه ظاهر الحديث فكيف وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه ٩) سورة يونس. أية، (89). 12 وسلم أنه كان يقول ، أمين. اذا فرغ من قراءة فاتحة الكتاب . وهذا نص يرفع الاشكال ويقطع الخلاف، وهو قول جمهور علماء المسلمين ، وممن قال ذلك ملك في رواية المدنيين عنه، منهم عبد الملك بن الماجشون. ومطرف بن عبد الله. وأبو المصعب الزهرى، وعبد الله بن نافع، وهو قولهم. قالوا: يقول آمين الامام ومن خلفه، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وأصحابهما، والثورى والحسن بن حي وابن المبارك وأحمد بن حنبل واسحاق وأبي عبيد وأبي ثور وداود والطبرى وجماعة أهل الأثر، لصحته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة ووائل بن حجر. وقال الكوفيون وبعض المدنيين لا يجهر بها. وهو قول الطبرى. وقال الشافعي وأصحابه وأبو ثور وأحمد بن حنبل وأهل الحديث يجهر بها. حدثنا عبد الله بن محمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن بكر. قال حدثنا أبو داود. قال حدثنا نصر بن على. قال حدثنا صفوان بن عيسى. عن بشر بن رافع عن أبي (10) عبد الله ابن عم أبي هريرة عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا تلا غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: آمين حتى يسمع من يليه من الصف الأول. وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قالا (11) حدثنا الحسن بن رشيق قال حدثنا أبو زكريا يحيى بن محمد بن عمروس 10) أبو عبد الله الدوسي. قال ابن أبي حاتم اسمه عبد الرحمن بن هضاض مكر الهاء وسماه مسلم في الكنى وابن حبان في الثقات عبد الرحمن بن الصامت قال ابن القطان: لا يعرف. وفي التقريب، مقبول. 11) كذا بالأصل. ولعل الصواب، وحدثنا أحمد بن فتح وخلف بن قاسم قالا: حدثنا الحى ابن رشيق 13 المعدل قالا (12) جميعا حدثنا إسحاق بن ابراهيم بن زريق، (13) قال حدثنا عمرو بن الحارث قال حدثنا عبد الله بن سالم الاشعرى. قال حدثنا الزبيدى (14) قال حدثنا محمد بن مسلم الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من قرأة أم القرآن رفع صوته. وقال، آمين. وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا محمد بن بكر، قال حدثنا أبو داود. قال: حدثنا محمد بن كثير. قال حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل عن حجر بن (15) العنبس الحضرمي، عن وائل بن حجر، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا قرأ ولا الضالين قال: آمين، ورفع بها صوته ورواه أبو اسحاق (16) عن عبد الجبار بن وائل بن حجر عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله. وحدثنا عبد الوارث بن سفيان 12) قالا أي يحيى بن عمروس ، وشيخ قاسم بن أصبغ الساقط من الأصل، والظاهر أنه محمد ابن وضاح . 13) كذا بالأصل، وهو تصحيف. والصواب، زبريق بكر الزاي والراء. بينهما موحدة ساكنة. وهو اسحق بن ابراهيم بن العلاء أبو يعقوب الحمصي الزبيدي بضم الزاي. يعرف بابن زبريق. اسم أحد أجداده. صدوق يهم كثيرا. وأطلق محمد بن عوف أنه يكذب . توفى. بمصر سنة 238 وهو آخر أصحاب يحيى بن عمروس المصري. 14) الزبيدي بصيغة التصغير، هو محمد بن الوليد بن عامر أبو الهذيل الحمصي القاضي . ثقة من الطبقة الأولى من أصحاب الزهري، توفى سنة 148 وزيد بضم الزاي، بطن من مذحج رهط عمر وبن معد يكرب الزبيدي. وزبيد بالفتح، مدينة باليمن معروفة. 15) حجر. بضم الحاء ، وسكون الجيم، والعنب بفتح العين المهملة والباء الموحدة. بينهما نون ساكنة. وحجر هذا ثقة، روى عن علي عليه السلام. وشهد معه الجمل وصفين. 16) أبو اسحق هو عمرو بن عبد الله الكوفي، السبيعي، بفتح السين، وهذا الطريق رواه ابن ماجه في سننه، ولفظ متنه، صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم. فلما قال ، ولا الضالين قال، أمين فمعناها. وعبد الجبار. لم يسمع من أبيه. لكن الطريق الذي أسنده المؤلف من جهة أبي داود. صححه ابن حبان والدارقطني والحافظ. واعلال ابن القطان له بجهالة حجر بن العنبس خطأ، لأنه ثقة معروف، بل قيل بصحبته. 14 قال: حدثنا قاسم بن أصبغ قال: حدثنا ابن وضاح. قال، حدثنا موسى ابن معاوية قال، حدثنا وكيع قال، حدثنا سفيان. عن عاصم الأحول عن أبي عثمان أن بلالا قال يارسول الله، لا تسبقني بآمين. وذكره أبو داود. حدثنا اسحاق بن راهويه حدثنا وكيع عن سفيان عن عاصم عن أبي عثمان عن بلال مثله (17). وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج قال، قلت لعطاء، كان ابن الزبير يقول آمين ومن خلفه حتى ان للمسجد للجة ؟ (18) قال : نعم. وكان احمد بن حنبل يغلظ على من كره الجهر بها. قال ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم ((ماحدنا اليهود على شيء ماحدونا على آمين)). (19) وأما قوله في هذا الحديث «من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه، » ففيه أقوال. منها ، أنه يحتمل أن يكون أراد فمن أخلص في قوله آمين. بنية صادقة. وقلب صاف ليس بساه، ولا لاه. فيوافق الملائكة الذين في الماء الذين يستغفرون لمن في الأرض، ويدعون لهم بنيات صادقة، ليس عن قلوب لاهية. غفر له إذا أخلص في دعائه. واحتجوا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إذا دعا أحدكم فليجتهد وليخلص فان الله لا يقبل الدعاء من قلب 17) واسناده صحيح. 18) لجة. بفتح اللام وتشديد الجيب الأصوات المرتفعة. 19) روى أحمد وابن ماجه والبيهقي عن عائشة قالت قال النبي صلى الله عليه وسلم ·ماحدتكم اليهود على شيء ماحدتكم على السلام والتأمين، والطبراني في الأوسط بإسناد حسن عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((أن اليهود قوم حد ولم يحدوا المسلمين على أفضل من ثلاث رد السلام واقامة الصف وقولهم خلف أمامهم فى المكتوبة آمين» 15 لاه» (20) وقال ((اجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم)) فكأنه أراد بقوله صلى الله عليه وسلم ((فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة)» الذين يخلصون في الدعاء غفر له. وهذا تأويل فيه بعد. وقال آخرون، انما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله «فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة)» الحث على الدعاء للمؤمنين والمؤمنات في الصلاة فإن الملائكة تستغفر للمؤمنين في الأرض. فمن دعا في صلاته للمؤمنين غفر له. لانه يكون دعاؤه حينئذ موافقا لدعاء الملائكة المستغفرين لمن في الأرض من المؤمنين. وفي قوله ( اهدنا ) دعاء للداعي وأهل دينه ان شاء الله. والتأمين على ذلك. فلذلك ندب اليه. والله اعلم. وقال آخرون: ان الملائكة من الحفظة الكاتبين والملائكة المتعاقبين لشهود الصلاة مع المؤمنين يؤمنون عند قول القارىء ( ولا الضالين ) فمن فعل مثل فعلهم، وأمن غفر له فحضهم بذلك على التأمين. قال الله عز وجل ( وان عليكم لحافظين (21) كراما كاتبين ) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((يتعاقب فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون عند صلاة العصر وصلاة الفجر)» الحديث. (22) 20) روى الحاكم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه)) ورواه الترمذي أيضا، وإسناده ضعيف. 21) أية 10 و 11 سورة الانفطار. 22) رواه مالك والشيخان من حديث أبي هريرة ، وبقيته «ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيألهم وهو أعلم كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون ، تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم • يصلون، زاد ابن خزيمة في صحيحه من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة فاغفر لهم يوم الدين .. فان قيل حديث ملك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ((إذا قال أحدكم أمين فقالت الملائكة في السماء آمين فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه)) وهذا دليل على أنه لم يرد الملائكة الحافظين، ولا المتعاقبين. لأنهم حاضرون معهم في الأرض لا في السماء. قيل له، لِنا نعرف موقف الملائكة منهم، ولا نكيف ذلك، وجائز أن يكونوا فوقهم وعليهم وعلى رؤوسهم، فاذا كان كذلك فكل ما علاك فهو سماء. وقد تسمى العرب المطر سماء لأنه ينزل من السماء. ويسمى الربيع سماء، لأنه تولد من مطر السماء، وتسمى الشيء باسم ما قرب منه وجاوره قال الشاعر : اذا نزل السماء بأرض قوم رعيناه وان كانوا غضابا فسمى الماء النازل من السماء والمتولد منه. سماء ، فالله أعلم بما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله ((في السماء)» ان كان قاله. ١ فان أخبار الآحاد، لا يقطع عليهاُ وكذلك هو العالم لا شريك له بمعنى قوله حقيقة ((فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه » ولا يدفع ان يكون المؤمنون ملائكة السماء فقد روى ابن جريج عن الحكم بن أبان ، أنه سمع عكرمة، يقول ، اذا أقيمت الصلاة فصف أهل الأرض صف أهل السماء. فإذا قال أهل الأرض ، ولا الضالين. قالت الملائكة، آمين، فاذا وافقت أمين أهل الأرض أمين أهل السماء، غفر لأهل الأرض ما تقدم من ذنوبهم. و کل ماذكرنا قد قيل فيما وصفنا. وفيما 17 قالوه من ذلك نظر، وبالله عصمتنا وتوفيقنا. وفي هذا الحديث أيضا دليل على أن أعمال البر تغفر بها الذنوب، وفي قول الله عز وجل ( ان الحسنات يذهبن السيئات ) (23) كفاية. وقد مضى القول في هذا المعنى مستوعبا في باب زيد بن أسلم، من كتابنا هذا، فأغنى عن اعادته مهنا. (2) آية 114 سورة هود. 18 حديث ثان لابن شهاب عن سعيد وأبي سلمة متصل مسند ، مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((جرح العجماء جبار وفي الركاز الخمس)) (1) قال ملك، وتفسير الجبار أنه لا دية فيه. قال أبو عمر : لا يختلفون أن الجبار ، الهدر الذي لا أرش فيه، ولا دية على ما قال ملك رحمه الله قال الشاعر: کم ملك نزع الملك عنه وجبار بها (2) دمه جبار هكذا روى هذا الحديث جمهور الرواة عن ملك كما رواه يحيى، ورواه القعنبي عن ملك عن ابن شهاب عن ابن المسيب عن أبي هريرة، لم يذكر أبا سلمة هكذا ذكره اسماعيل القاضي عن القعنبي، وهو عندنا في الموطا للتعنبي من رواية على بن عبد العزيز وغيره عن القعنبي . 1) في الحديث سقط، وقع من الناسخ. ولفظ المتن في الموطأ . .جرح العجماه جبار والبئر جبار والمعدن جبار وفي الركاز الخمس ، وهكذا رواه البخاري في كتاب الزكاة عن عبد الله بن يوسف عن مالك به. ورواء فى الديات عن عبد الله بن يوسف عن الليث بن سعد عن ابن شهاب به ورواه مسلم من طرق عن الليث وابن عيينة ومالك عن ابن شهاب به ورواه مسلم والنسائي من طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وعبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة به. ورواه علم من طريق الأسود بن العلاء عن أبي سلمة عن أبي هريرة. ورواه البخاري ومسلم من طريق محمد بن زياد عن أبي هريرة به. وللحديث طرق ضعيفة، لا داعي لذكرها. وجبار. بضم الجيم. وتخفيف الموحدة. 2) جبار . بفتح الجيم وتشديد الموحدة العاتي المتمرد. نزع بالبناء للمجهول. وبها أي بالدنيا أو بالأرض . دمه جبار أي حدر. 19 ملك عن ابن شهاب عن سعيد وأبي سلمة جميعا عن أبي هريرة مسندا كما رواه يحيى وغيره في الموطا، هكذا ذكره القعنبي في كتاب الديات في الموطا. وذكره في كتاب الزكاة فقال فيه ، ملك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((في الركاز الخمس)» هكذا ذكره القعنبي في كتاب الزكاة اختصر اسناده ولفظه. وذكره يحيى في كتاب الزكاة مختصرا للفظ. وجاء باسناده كاملا. فقال عن ملك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((وفي الركاز الخمس)». وأما ابن القاسم في رواية سحنون. فرواه عن ملك عن ابن شهاب عن ابن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرسلا هكذا. وأما اختلاف أصحاب ابن شهاب في اسناد هذا الحديث فرواه ابن عيينة عن الزهرى عن ابن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر أبا سلمة، هكذا حدث عنه ابن أبي شيبة وغيره. ورواه الليث بن سعد كما رواه ملك سواء، عن ابن شهاب عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((العجماء جرحها جبار)) الحديث بتمامه سواء. وكذلك رواه معمر وابن جريج، ذكر عبد الرزاق عن معمر وابن جريج عن ابن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((العجماء جبار والبئر جرحها جبار والمعدن جرحه جبار وفي الركاز الخمس » والعجماء عند العرب كل بهيمة وسبع وحيوان غير ناطق مغصح . قال الشاعر يصف كلبا 20