النص المفهرس

صفحات 321-340

- 338 -
سلك به سبيل النجاسات، فى الانقاء من غير تحديد (721، واما قول من قال:
انه ليس فى حديث أبي قتادة ما يدل ، من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
على طهارة الهر، وزعم أن أبا قتادة هو القائل انها ليست بنجس، ثم قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم «انها من الطوافين عليكم"، فانه شبهه (!)
عليه برواية من روى هذا الحديث ، من اسحاق وغيره فقال فيه ، عن أبى
قتادة انها ليست بنجس ، وقال: قال أبو قتادة، قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم لاهى من الطوافين عليكم؟ قال : ويكون الطوافون علينا ، ينجسون
الماء ، قال: فقول أبى قتادة انها ليست بنجس، لم يضفه الى رسول الله،
وانيا أضاف إلى رسول الله قوله انها من الطرافين .
قال أبو عمر: هذا اعتلال لا معنى له، لأن حديث مالك، وهو اصح
الناس له نقلا عن اسحاق، فيه أن رسول الله صلى الله عليه، قال: انها ليست
بنجس، انها من الطوافين عليكم . وفى هذا بيان جهله بحديث مالك، ثم يقول:
ان ذلك لو كان كما ذكر، من قول أبى قتادة ، ولم يكن مرفوعا ، لكنا أسعد
(١) فانه حسبهه١٠، شبه: ب. وأمل الصواب قافه اشتبه عليه برواية من ووى الح.
721) هذا هو أهم تعاليم الإسلام فى ميدان المحافظة على الأبدان. فهو تحذير
من مخالطة الكلاب ومن استعمال الآنية التى يشرب أو بأكل منها. وقد ظل سر غسل الآنية من
سؤر الكلب سبما احداهن بالتراب أمرا تعبديا لم يكشفه الا علم الطب الحديث، فكان ذلك من
معجزات الإسلام الكبرى ، فقد ثبت أن جميع أجناس الكلاب تصاب بعودة شريطية تنتقل منها الى
الإنسان وغيره فششأ عنها أمراض قائلة واثبت الدكتور الجراح (نوثثر) الألمانى فى الاصابات
بقروح دودة الكلاب لا تقل عن ٪ ١ من المرضى وفى هولاندة ترتفع الاصابات فى بعض الاقاليم الى
٪ 12. وفى السلائدة / 13. وفى استراليا ٪ 19. كما أثبت أن الحيوانات أكثر تعرضا للعدوى
من الإنسان ومن ثم فيه الى خطورة آكل لحوم الحيوانات قبل عرضها على الطبيب؟ وأخيرا يحدر من
مداعبة الاطفال للكلاب ومخالطتهم لها جرينصح بإبعادها عن منتزهات الأطفال وأماكن مرحهـ
ورياضته. ومن متاجر المأكولات والاسواق العامة والمطاعم وكل ما له صلة بالإنسان وماكله
ومشربه . انتهى باختصار عن كتاب زوج الدير الإسلامي صر ١١٥ نقلا عن سجله كرسيوس الألباب
حميه ١

- 322 -
بالتأويل منه ، لأن أبا قتادة انما خاطبها بما فهمه عن رسول الله صلى الله عليه
(84 - ط) وسلم، فى الهر، ومن شهد القول، وعرف مخرجه ، سلم له فى التأويل (٥).
والنجاسة فى الحيوان، أصلها مأخوذ من التوقيف ، لا من جهة الرأى، فاستحال
أن يكون ذلك رأى أبى قتادة ، مع أن رواية مالك فى طهارة الهر مرفوعة ، ومن
خالف مالكا فوقفها، ليس بحجة فيما قصر عنه على مالك ، ومالك عليه حجة.
عند جميع أهل النقل ، ان شاء الله .
وما أعلم أحدا قط أسقط من حديث أبى قتادة هذا قوله عن النبى عليه
السلام انها ليست بنجس،الا ما ذكره أسد بن موسى عن حماد بن سلمة، عن اسحاق
ابن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أبى قتادة، أنه كان يصغى الاناء للسنور ، فيلغ
فيه، ثم يتوضأ منه ، ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه، *هى من الطوافين
والطوافات عليكم®، وما رواه أيضا أسد ، عن قيس بن الربيع (722) ، عن
كعب بن عبد الرحمن (723) ، عن جده أبى قتادة ، نحوه ، وهذان لا يحنج
بهما، لانقطاعهما، وفسادهما ، وتقصير رواتهما عن الاتقان ، فى
الاسناد ، والمتن .
٠٠٠٠
وقد روى هذا الحديث جماعة عن اسحاق ، كما رواه مالك ، منهم
همام بن يحيى ، وحسين المعلم ، وهشام بن عروة ، وابن عيينة ، وان كان
هشام ، وابن عيينة ، لم يقيما اسناده ، وهؤلاء كلهم ، يقولون فى هذا الحديث ،
عن النبى صلى اللّه عليه وسلم ، أنه قال : انها ليست بنجس. وان كان بعضهم
يخالف فى اسناده ، فمالك ومن تابعه ، قد أقام اسناده ، وجوده ، وقد روى
. 722) قيس بن الربيع الأسدى أبو محمد الكوفى صدوق من الطبقة السابعة تغير فى كبره
وادخل عليه ابنه ما ليس من حديثه، مات سنة بضع وستين ومائة انظر التقريب ص 171 والتذكرة
من 226 والجرح والتعديل 3/2/ ص 96 .
723) كعب بن عبد الرحمان بن كعب بن مالك روى عن أبيه عن ابن قتادة ، روى عنه محمد
ابن درهم المدائنى انظر الجرح والتعديل 2/3/ ص 162 .

~ 323 -
اسحاق بن راهوية (724) ، عن الدراوردى ، عن أسيد (١) بن أبى أسيد ، عن
أمه ، عن أبى قتادة ، عن النبى صلى الله عليه ، مثله قال: انها ليست بنجس،
انها من الطوافين عليكم .
ومن أسقط من حديث أبى قتادة ، عن النبى عليه السلام ، قوله انها
ليست بنجس﴾، فلم يحفظ ، وقد ثبت ذلك بنقل الحفاظ الثقات ، وبالله
التوفيق ، وقد روى عن عائشة، عن النبى صلى الله عليه وسلم ، أنه كان يمر
به الهر ، فيصغى لها الاناء ، فتشرب ، ثم يتوضأ بفضلها .
وممن روينا عنه أن الهر ليس بنجس ، وأنه لا بأس بفضل سؤره
للوضوء، والشرب، العباس بن عبد المطلب، وعلى ابن أبى طالب ، وابن عباس،
وابن عمر، وعائشة، وأبو قتادة ، والحسن ، والحسين، وعلقمة ، وابراهيم،
وعكرمة ، وعطاء بن يسار (725) .
واختلف فى ذلك عن أبى هريرة ، والحسن البصرى ، فروى عطاء ،
عن أبى هريرة ، أن الهر كالكلب ، يغسل منه الاناء سبعا ، وروى أبو صالح
ذكوان (*) عن أبى هريرة ، قال : السنور من أهل البيت .
(85 - و)
أنه كان لا یری بأسا بسؤر السنور ،
وروى أشعت عن الحسن
وروى يونس ، عن الحسن ، أنه (ب) قال : يغسل الاناء من ولوغه مرة ، وهذا
١) أسيد : ا، أسد: ب (ب) انه : ١ - ب .
724) اسحاق بن راهوية، هو اسحاق بن ابراهيم بن مخلد الحنظل أبو محمد بن راهوية
المروزى ثقة حافظ مجتهد تغير قبل موته بيسير توفى سنة 38 هـ عن 72 سنة انظر التقريب
ص 13 والتذكرة ص 433 .
725) عطاء بن يسار الهلالي أبو محمد المدني مولى ميمونة أم المؤمنين ثقة فاضل صاحب
مواعظ من صغار الثالثة توفى سنة 94 هـ انظر التقريب 145 والتذكرة 90 .

- 324 -
يحتمل أن يكون رأى فى فمه أذى ، ليصح مخرج الروايتين عنه ، ولا نعلم
أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، روى عنه فى الهر، أنه لا
يتوضأ بسؤره ، الا أبا هريرة ، على اختلاف عنه .
واما التابعون ، فروينا عن عطاء بن أبى رباح ، وسعيد بن المسيب ،
ومحمد بن سيرين ، أنهم أمروا باراقة ماء ولغ فيه الهر ، وغسل الإناء منه ،
وسائر التابعين ، بالحجاز ، والعراق ، يقولون فى الهر ، انه طاهر ، لا بأس
بالوضوء بسؤره .
وروى الوليد بن مسلم ، قال : أخبر نى سعيد، عن قتادة ، عن ابن المسيب
والحسن أنهما كرها الوضوء بفضل الهر ، قال الوليد : فذكرت ذلك لأبى
عمرو الأوزاعى ، ومالك بن أنس ، فقالا توضأ به ، فلا بأس به ، وان
وجدت غيره .
قال أبو عمر : الحجة عند التنازع والاختلاف ، سنة رسول الله صلى
الله عليه وسلم ، وقد صح عنه ، من حديث أبى قتادة ، فى هذا الباب ، ما
ذكرنا . وعليه اعتماد الفقهاء فى كل مصر ، الا أبا حنيفة ، ومن قال بقوله ،
قال أبو عبد الله محمد بن نصر المروزى (726) ، الذى صار اليه جل أهل
الفتوى ، من علماء الأمصار ، من أهل الأثر ، والرأى جميعا: انه لا بأس بسؤر
السنور اتباعاً للحديث الذى روينا. يعنى عن أبى قتادة، عن النبى صلى الله عليه .
قال : وممن ذهب الى ذلك ، مالك بن أنس ، وأهل المدينة ، والليث
ابن سعد ، فيمن وافقه ، من أهل مصر ، والمغرب ، والأوزاعى فى أهل الشام ،
وسفيان الثورى فيمن وافقه من أهل العراق ، قال : وكذلك قول الشافعى
726) أبو عبد الله محمد بن نصر المروزى الفقيه ثقة حافظ أمام جليل من كبار الطبقة
الثانية عشرة توفى سنة 294 هـ انظر التذكرة ص 650 والتقريب ص 197 .

- 325 -
وأصحابه ، واحمد بن حنبل ، واسحاق، وابى ثور ، وابى عبيدة ، وجماعة.
أصحاب الحديث ، قال : وكان النعمان يكره سؤره، وقال : ان كان توضأ (!)
به اجزأه ، وخالفه أصحابه ، فقالوا لا بأس به
قال أبو عمر : ما حكاه المروزى ، عن أصحاب أبى حنيفة ، فليس
كما حكاه عندنا، وانما خالفه من اصحابه ، أبو يوسف وحده ، وأما محمد ،
وزفر، والحسن بن زياد ، فيقولون بقوله ، وأكثرهم يروون عنه ، أنه لا
يجزىء الوضوء بفضل الهر ، ويحتجون لذلك ويروون عن أبى هريرةٍ، وإين
عمر، أنهما كرها (*) الوضوء بشؤر الهر، وهو قول ابن ابى ليلى . .. (85 - ظ)
وأما الثورى، فقد اختلف عنه ، فى سؤر الهر ، فذكر فى جامعه أنه
كان يكره سؤر ما لا يؤكل لحمه وما يؤكل لحمه فلا بأس بسؤره، وهو ممن
يكره أكل الهر ، وذكر المروزى ، قال: حدثنا عمرو بن زرارة ، قال : حدثنا
أبو النضر ، قال: حدثنى الأشجعى عن سفيان ، قال : لا بأس بفضل السنور .
قال أبو عمر : لا أعلم لمن كره سؤر الهر حجة أحسن من أنه لم
يبلغه حديث أبى قتادة ، وبلغه حديث أبى هريرة فى الكلب ، فقاس الهر على
الكلب ، وقد فرقت السنة بين الهر والكلب ، فى باب التعبد ، وجمعت بينهما
على حسب ما قدمنا ذكره ، من باب الاعتبار والنظر ، ومن حجته السنة
خصمته، وما خالفها مطروح (ب) وبالله التوفيق .
١) ان ترضاً: ١، ان كان ترضاً: ب (ب) مطروح: ١، مطرح: ب.

- 326 -
ومن حجتهم أيضا ، ما رواه قرة بن خالد (727) ، عن محمد بن سيرين عن أبى
هريرة ، عن النبى ، صلى الله عليه ، أنه قال: ظهور الاناء اذا ولغ فيه الهر،
أن يغسل مرة او مرتين ؟ شك قرة .
وهذا الحديث ، لم يرفعه الا قرة بن خالد ، وقرة بن خالد ثقة ثبت ،
واما غيره ، فيرويه عن ابن سيرين ، عن أبى هريرة ، قوله . وفى هذا الحديث
من رأى أبى قتادة ، دليل على أن الماء اليسير تلحقه النجاسة ، ألا ترى الى
قوله ؟ أتعجبين يا ابنة أخى ؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول :
«ليست بنجس » فدل هذا أن الهر لو كان عنده من باب النجاسات ، لأفسد
الماء ، وانما حمله على أن يصغى لها الاناء ، طهارتها ، ولو كانت مما تنجس
لم يفعل ، فدل هذا على ان الماء عنده تفسده النجاسة ، وان لم تظهر فيه ، لأن
شرب الهر وغيره من الحيوان فى الاناء ، اذا لم يكن فى فمه أذى من غيره ،
ليس ترى (١) معه نجاسة فى الاناء .
وهذا المعنى اختلف فيه أصحابنا، وسائر العلماء ، فذهب المصريون
من أصحاب مالك الى أن قليل (ب) الماء يفسده قليل النجاسة ، وأن الكثير لا
يفسده الا ما غير لونه ، أو طعمه ، أو ريحه ، من المحرمات ، وما غلب عليه
من الاشياء الطاهرة ، أخرجه من باب التطهير، وأبقاء على طهارته ، ولم يحدوا
بين القليل من الماء ، الذى يفسده قليل النجاسة ، وبين الكثير الذى لا يفسده
الا ما غلب عليه حدا يوقف عنده ، الا أن ابن القاسم ، روى عن مالك ، فى
الجنب يغتسل، فى حوض من الحياض التى تسقى فيها الدواب ، ولم يكن غسل
١) ترى: ١، يرى: ب (ب) قليل: ب ، قيل : ١ وهو تصحيف .
727) قرة بن خالد السدوسى البصرى ثقة ضابط من السادسة توفى سنة 155 هـ انظر
التقريب ص 173 .

- 327 -
(86 - و)
ما به من الأذى ، أنه قد (١) أفسد الماء، وروى عن مالك (*) فى الجنب يغتسل
فى الماء الدائم الكثير ، مثل الحياض التى تكون بين مكة والمدينة ، ولم يكن
غسل ما به من الاذى ، أن ذلك لا يفسد الماء ، وهذا مذهب ابن القاسم ،
واشهب وابن عبد الحكم ، ومن اتبعهم من أصحابهم ، المصريين (ب) الا ابن
وهب ، فانه قال فى الماء بقول المدنيين من أصحاب مالك ، وقولهم ما حكاه
أبو المصعب عنهم ، وعن أهل المدينة أن الماء لا تفسده النجاسة الحالة فيه
قليلا كان أو كثيرا الا أن تظهر فيه النجاسة ، وتغير منه طعما ، أو ريحا أو
لونا ، وكذلك ذكر احمد بن المعذل أن هذا قول مالك بن أنس فى الماء .
وذكر ابن وهب عن ابن لهيعة ، عن خالد بن أبى عمران (728) أنه
سأل القاسم بن محمد ، وسالم بن عبد الله ، عن الماء الراكد ، الذى لا يجرى ،
تموت فيه الدابة أيشرب منه ؟ ويغسل منه الثياب ؟ فقالا : انظر بعينك ، فان
رأيت ماء لا يدنسه ما وقع فيه ، فنرجو أن لا يكون بأس .
قال : واخبر نى يونس ، عن ابن شهاب ، قال : كل ماء فيه فضل عما
يصيبه من الأذى ، حتى لا يغير ذلك طعمه ، ولا لونه ، ولا ريحه ، فهو طاهر ،
يتوضا به .
قال : واخبر نى عبد الجبار بن عمر (729) ، عن ربيعة ، قال : اذا
وقعت الميتة فى البئر ، فلم يتغير طعمها ، ولا لونها ، ولا ريحها ، فلا بأس
أن يتوضأ منها ، وإن رأى فيه الميتة .
١) قد : ب - ١ (ب) المصريين : ١ - ب .
-
728) خالد بن أبي عمران التجيبي أبو عمرو قاضي أفريقية فقيه صدوق من الخامسة
توفى سنة 125 وقبل 129 هـ ، انظر التقريب ص 51 .
729) عبد الجبار بن عمر الأيلى بفتح الهمزة وسكون التحتاميه الأموى مواهم صعيف من
السابعة توفى بعد 160 هـ انظر التقريب ص 116 .

- 328 -
قال : فان تغيرت ، نزع منها قدر ما يذهب الرائحة عنها ، وهو قول
ابن وهب ، وإلى هذا ذهب اسماعيل بن اسحاق ، ومحمد بن بكير ، وابو
الفرج ، والابهرى ، وسائر المنتحلين لمذهب مالك ، من البغداديين .
وروى هذا المعنى ، عن عبد الله بن عباس ، وابن مسعود ، وسعيد
ابن المسيب ، على اختلاف عنه ، وسعيد بن جبير ، وهو قول الأوزاعى ،
والليث بن سعد ، والحسن بن صالح ، وداود بن على ، وهو مذهب أهل البصرة
أيضا ، وهو الصحيح فى النظر ، وجيد الأثر .
واما الكوفيون ، فالنجاسة عندهم تفسد قليل الماء ، و کثیره ، اذا
حلت فيه ، الا الماء المستجد الكثير ، الذى لا يقدر آدمى على تحريك جميعه ،
قياسا على البحر، الذى قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو الطهور
ماؤه ، الحل ميتته .
واما الشافعى ، فمذهبه فى الماء نحو مذهب المصريين من أصحاب
مالك ، وروايتهم فى ذلك عن مالك ، أن قليل الماء يفسده قليل النجاسة ، ولا
(86 - ظ) يفسد كثيره الا ما غلب عليه ، فغير طعمه، أو رائحته ، أو لونه (*) الا أن مالكا
فى هذه الرواية عنه ، لا يحد حدا بين قليل الماء ، الذى تلحقه النجاسة ،
وبين كثيره ، الذى لا تلحقه النجاسة ، الا بالغلبة عليه ، الا ما غلب على النفوس
أنه قليل، وما الأغلب عند الناس انه كثير ، وهذا لا يضبط لاختلاف آراء
الناس ، وما يقع فى نفوسهم .
واما الشافعى فحد فى ذلك حدا ، بين القليل والكثير ، لحديث ابن
عمر، عن النبى، صلى الله عليه: "إذا كان الماء قلتين لم تلحقه نجاسة؟ أولم
يحمل خبثا ◌ً.

- 329 -
وهو حديث يرويه محمد بن اسحاق ، والوليد بن كثير جميعا ، عن
محمد بن جعفر بن الزبير ، وبعض رواة الوليد بن كثير ، يقول فيه عنه عن
محمد بن عباد بن جعفر (730) ، ولم يختلف عن الوليد بن كثير ، أنه قال
فيه عن عبد الله بن عبد الله بن عمر ، عن أبيه يرفعه ، ومحمد بن اسحاق يقول
فيه ، عن محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه .
وعاصم أيضاء فالوليد يجعله عن عبد الله بن عبد الله، ومحمد بن اسحاق
يجعله عن عبيد الله بن عبد الله، ورواه عاصم بن المندر (731) عن عبيد الله بن
عبد الله بن عمر عن أبيه (١)، فاختلف فيه عليه أيضا، فقال حماد بن سلمة ، عن
عاصم ابن المنذر، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر ، عن أبيه ، وقال فيه حماد
بن زيد ، عن عاصم بن المنذر، عن أبى بكر ابن عبيد الله عن عبد الله بن عمر،
وقال حماد بن سلمة فيه اذا كان الماء قلتين أو ثلاثا، لم ينجسه شىء .
وبعضهم يقول فيه ، اذا كان الماء قلتين ، لم يحصل الخبث ، وهذا
اللفظ محتمل للتأويل ، ومثل هذا الاضطراب فى الاسناد ، يوجب التوقف عن
القول بهذا الحديث ، الى أن القلتين غير معروفتين ، ومحال أن يتعبد الله عباده
بما لا يعرفونه .
وأما حديث ولوغ الكلب فى الاناء ، وحديث النهى عن ادخال اليد فى
الاناء قبل غسلها ، لمن انتبه من نومه ، وحديث النهى عن البول فى الماء
الدائم الراكد ، فقد عارضها ما هو أقوى منها ، والاصل فى الماء الطهارة ،
١) عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه: ب - ١.
730) محمد بن عباد بن جعفر بن رفاعة بن أمية بن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخزوم
المخزومى المكى ثقة من الثالثة انظر التقريب ص 186 .
731) عاصم بن المنذر بن الزبير بن العوام الاسدى المدنى صدوق من الرابعة أنظر
التقريب ص 93 .

- 330 -
فالواجب أن لا یقضی بنجاسته ، الا بدلیل ، لا تنازع فيه ، ولا مدفع له ، و نحن
نذكر ما نختاره من المذاهب فى الماء ها هنا، ونذكر معنى حديث ولوغ الكلب
وغسل اليد ، فى باب أبى الزناد ، ان شاء الله عز وجل .
قال أبو عمر : الدليل على أن الماء لا يفسد الا بما ظهر فيه من النجاسة،
أن الله عز وجل، سماه طهورا، فقال : وانزلنا من السماء ماء طهوراً، وفى
(87 - و) طهور، معنيان: أحدهما أن (*) يكون طهور، بمعنى طاهر، مثل صبور وصابر،
وشكور وشاكر ، وما كان مثله. والآخر أن يكون بمعنى فعول ، مثل قتول ،
وضروب ، فيكون فيه معنى التعدى ، والتكثير ، يدل على ذلك قوله عز وجل ؛
وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم .
وقد اجمعت الأمة أن الماء مطهر للنجاسات ، وأنه ليس فى ذلك
كسائر المائعات الطاهرات ، فثبت بذلك هذا التاويل ، وما كان طاهرا
مطهرا ، استحال أن تلحقه النجاسة ، لأنه لو لحقته النجاسة ، لم يكن مطهرا
أبدا ، لأنه لا يطهرها الا بممازجته اياها ، واختلاطه بها ، فلو أفسدته النجاسة
من غير أن تغلب عليه ، وكان حكمه حكم سائر المائعات ، التى تنجس بمماسة
النجاسة لها ، لم تحصل لأحد طهارة ، ولا استنجى أبدا .
والسنن شاهدة لما قلنا ، بمثل ما شهد به النظر ، من كتاب الله عز
وجل ، فمن ذلك ، أمر رسول الله صلى الله عليه، أن يصب على بول الأعرابى
دلو من ماء ، أو ذنوب من ماء ، وهو أصح حديث يروى فى الماء ، عن النبى
صلى الله عليه .
ومعلوم أن البول اذا صب عليه الماء مازجه ، ولكنه اذا غلب الماء
عليه ، طهره ، ولم يضره ممازجة البول له ، وأخبرنا عبد الوارث بن سفيان ،
قال : أخبرنا قاسم بن أصبغ ، قال : أخبرنا محمد بن اسماعيل ، قال :
٠٠٠٠

- 331 -
حدثنا نعيم بن حماد ، قال : حدثنا ابن المبارك ، قال : أخبرنا يونس بن يزيد ،
عن الزهرى ، قال حدثنى عبيد الله بن عبد الله، أن أبا هريرة أخبره
أن أعرابيا بال فى المسجد ، فثار الناس اليه ليمنعوه، فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم « دعوه وأهرقوا على بوله ذنوبا من ماء ، أو قال سجلا من
ماء ، فانما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين».
وهكذا رواه شعيب ابن أبى حمزة ، ومحمد بن الوليد الزبيدى (732) ،
عن الزهرى كما رواه يونس بن يزيد ، باسناده ، وكذلك رواه النعمان بن
راشد (733)، بهذا الاسناد ، ورواه ابن عيينة عن الزهرى عن سعيد بن
المسيب ، عن أبى هريرة ، عن النبى صلى الله عليه وسلم ، وتابعه سفيان
على هذا الاسناد .
ورواه محمد بن أبى حفصة (734) ، عن الزهرى ، عن سعيد ، وأبى
سلمة ، عن أبى هريرة ، عن النبى عليه السلام ، وكل ذلك صحيح ، لأنه ممكن
أن يكون الحديث عند ابن شهاب، عن عبيد الله، وسعيد ، وأبى سلمة ،
فحدث به مرة ، عن هذا ، ومرة عن هذا ، وربما جمعهم ، وهذا موجود لابن
شهاب ، معروف له ، كثير جدا ، وقد روى أنس بن مالك ، قصة الاعرابى (*)
هذا، وسنذكر طرق حديثه فى ذلك ، فى باب مرسل يحيى بن سعيد من
كتابنا هذا ، ان شاء الله.
(87 - ظ )
732) محمد بن الوليد بن عامر الزبيدى بالزاى والموحدة مصغرا أبو الهذيل الحمصى
القاضى ثقة ثبت من التاسعة توفى سنة 247 هـ انظر التقريب 198 والتذكرة ص 126 .
733) النعمان بن شداد الجزرى أبو اسحاق الرقى مولى بنى أمية صدوق سىء الحفظ من
السادسة انظر التقريب ص 222 .
734) محمد بن أبى حفصة ميسرة، أبو سلمة البصرى صدوق . يخطئ، ، انظر التقريب
صفحة 181 .

- 332 -
ومن ذلك أيضا ، قوله صلى الله عليه ، اذ سئل عن بير بضاعه ،
فقيل له انه يطرح فيها لحوم الكلاب ، والعذرة وأوساخ الناس ، فقال: الماء
لا ينجسه شىء، يعنى ما لم يغيره، أو يظهر فيه ، والله أعلم ، لأنه قد روى عنه
صلى الله عليه ((الماء ظهور لا ينجسه شىء، الا ما غلب عليه ، فغير طعمه او
لونه ، او ريحه".
وهذا اجماع فى الماء المتغير بالنجاسة ، واذا كان هذا هكذا ، فقد
زال عنه اسم الماء مطلقا .
وحديث بير بضاعة ، ذكره أبو داود ، من حديث أبى سعيد الخدرى ،
عن النبى ، عليه السلام .
وذكر احمد بن حنبل ، قال : حدثنا حسين بن محمد ، قال : حدثنا
الفضيل ، يعنى ابن سليمان ، قال : حدثنا محمد بن أبى يحيى ، عن أمه قالت :
سمعت سهل بن سعد الساعدى ، يقول : سقيت رسول الله صلى الله عليه
بيدى من بير بضاعة ، وذكره اسماعيل بن اسحاق ، قال : حدثنا أبو ثابت
محمد بن عبيد الله ، قال حدثنى حاتم بن اسماعيل ، عن محمد بن أبى يحيى ،
عن أمه ، قالت : دخلنا على سهل بن سعد فى نسوة ، فقال : لو انى سقيتكم
من بير بضاعة ، لكرهتم ذلك ، وقد واللّه ، سقيت رسول الله صلى الله عليه ،
بيدى منها ، ومن ذلك أيضا قوله صلى الله عليه وسلم ، اذ سئل عن ماء
اغتسلت منه امرأة من نسائه ، وهى جنب ، فقال: الماء لا ينجسه شىء»رواه
جماعة ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس، منهم شعبة والثورى الا أن جل
أصحاب شعبة يروونه (١) عنه ، عن سماك ، عن عكرمة ، مرسلا ، ووصله عنه
١) يروونه ؟ : ١، ويرويه : ب .

- 333 -
محمد بن بكر ، وقد وصله جماعة ، عن سماك ، منهم الثورى ، وحسبك بالثورى
حفظاً واتقاناً .
حدثنا سعيد بن نصر ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ، قال : حدثنا
محمد بن وضاح ، قال : حدثنا أبو بكر ابن أبى شيبة ، قال : حدثنا وكيع ،
قال : حدثنا سفيان ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، أن امرأة من
ازواج النبى صلى الله عليه وسلم ، اغتسلت من جنابة ، فاغتسل النبى صلى
اللّه عليه وسلم وتوضاً من فضلها، وقال: الماء طهور ، لا ينجسه شىء.
وهكذا رواه أبو الأحوص ، وشريك ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن
ابن عباس مرفوعا . وكل من أرسل هذا الحديث ، فالثورى احفظ منه . والقول
فيه قول الثورى ، ومن (١) تابعه على اسناده . وذكر اسماعيل بن اسحاق
القاضى، عن الحمانى، عن شريك (*)، عن المقدام بن شريح (735)، عن (؟٤ - و)
أبيه ، عن عائشة ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه "الماء لا ينجسه شىء؟
قال : حدثنا على ابن المدينى ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن
ثوبة العنبرى ، أنه سمع سلم بن غياث ، يحدث عن جده ، قال : سألت أبا
هريرة ، قلت : أنا فرد الحوض يكون فيه السؤر من الماء ، فيلغ فيه الكلب ،
ويشرب منه الحمار ، فقال : الماء لا يحرمه شىء .
٠
قال أبو عمر : حسبك بجواب أبى هريرة ، فى هذا الباب ، وهو الذى
روى حديث ولوغ الكلب فى الاناء ، وحديث غسل اليد قبل ادخالها فيه ،
وروى عن ابن عباس من وجوه ، أن الماء لا ينجسه شىء ، وقال ابن عباس ،
١) ومن : ١، وقول من : ب .
735) المقدام بن شريح بن هانئ بن يزيد الحارفى الكوفى ثقة من السادسة انظر
التقريب ص 214 .

- 334 -
الماء يطهر ولا يطهر ، وقال سعيد بن المسيب : الماء طهور لكل ما أصاب .
وعن عبد الرحمن ابن أبى ليلى وجماعة من التابعين ، الماء لا ينجسه شىء ،
وروى شعبة ، عن يزيد الرشك (١) ، عن معاذ ، عن عائشة ، الماء لا ينجسه
شىء ، وعن عبد الله بن مسعود ، مثله، وروى حماد بن سلمة ، عن حماد ، عن
سعيد بن جبير ، فى ماء الحمام يغتسل فيه الجنب ، وغير الطاهر ، قال :
الماء لا ينجسه شىء، وحماد بن سلمة ، عن داود بن أبى عند عن (ب) سعيد
ابن المسيب ، عن الغدر التى فى الطرق ، تلغ فيها الكلاب ، وتبول فيها
الدواب ، أيتوضأ منها ؟ فقال : الماء طهور لا ينجسه شىء .
قال أبو عمر: هذا يدل على أن ما روى عن سعيد بن المسيب ، فى
سؤر الهر أنه كرهه ، لم يكن الا لشىء ظهر فى الماء، والله اعلم . ومعنى قوله
فيما بالت فيه الدواب من الماء أنه طهور ، محمول على أن البول لم يظهر فى
الماء منه طعم ، ولا لون ، ولا ريح (جـ) .
أخبرنا يوسف بن محمد (736) ، ومحمد بن ابراهيم ، قالا :
حدثنا محمد بن معاوية (737) ، قال : حدثنا جعفر بن محمد الفريابي ، قال :
(١) الرشك: ١، الرشكى: ب (ب) عن اسماعيل بن المسيب فى قوله وأنزلنا من السماء
ماء طهورا قال لا ينجسه شىء قال داوود وسألت: ب - ١، والظاهر أن اسم اسماعيل تحريف
من أحد النساخ والجملة كلها تكرار والصواب ما فى نسخة ١ (جـ) ولا ريح : ١ - ب .
736) يوسف بن محمد بن يوسف بن عمروس المؤدب أبو عمر الاستجى القرطبی روی
عنه المؤلف انظر الجذوة ص 344 .
737) محمد بن معاوية بن عبد الرحمان بن معاوية بن اسحاق بن عبد الله ابو بكر يعرف
بابن الاحمر رحل فى طلب الحديث قبل نهاية القرن الثالث ودخل العراق وغيرها . روى عنه
جماعة منهم يوسف بن محمد بن يوسف بن عمروس انظر الجذوة 82 .

- 3.35 -
حدثنا دحيم ، قال : حدثنا الوليد ، عن الأوزاعى ، عن الزهرى ، فى الغدير
تقع فيه الدابة ، فتموت ، قال : الماء طهور ، ما لم تنجس الميتة طعمه أو ريحه .
وأما ما ذهب اليه الشافعى ، من حديث القلتين ، فمذهب ضعيف من
جهة النظر ، غير ثابت فى الأثر ، لأنه حديث قد تكلم فيه جماعة من أهل
العلم بالنقل ، ولأن القلتين ، لم يوقف على حقيقة مبلغهما فى أثر ثابت .
ولا اجماع، ولو كان ذلك (١) حدا لازما، لوجب على العلماء (٥) البحث عنه ، (xx - ظ)
ليقفوا على حد ما حرمه رسول الله صلى الله عليه، وما أحله (ب) من الماء ، لأنه
من أصل دينهم وفرضهم، ولو كان ذلك كذلك ، ما ضيعوه ، فلقد بحثوا عما
هو أدق من ذلك وألطف ، ومحال فى العقول . أن يكون ماءان أحدهما يزيد على
الآخر ، بقدح أو رطل ، والنجاسة غير قائمة ، ولا موجودة فى واحد منهما .
أحدهما نجس ، والآخر طاهر ، وكذلك كل من قال بأن قليل الماء . يفسده
قليل النجاسة ، دون كثيره ، وان لم تظهر فيه ، ولم تغير شيئا منه وجد فى
ذلك الماء المستجد ، بغير أثر ، يشهد له، فقوله مدفوع بما ذكرنا من الآثار
المرفوعة فى هذا الباب ، وأقاويل علماء أهل الحجاز فيه .
وأما ما ذهب اليه المصريون (جـ) من أصحاب مالك، فى أن قليل الماء.
يفسد بقليل النجاسة ، من غير حد حدوه فى ذلك ، وما قالوه من أجوبة
مسائلهم ، فى البير تقع فيها الميتة ، من استحباب نزح بعضها ، وتطهير ما
مسه ماؤها ، وفى أناء الوضوء ، يسقط فيه مثل رؤوس الابر من البول ، وفى
سور النصرانى ، والمخمور ، وسؤر الدجاجة المخلاة ، وغير ذلك من مسائلهم،
فى هذا الباب ، فذلك كله على التنزه ، والاستحباب ، هكذا ذكره اسماعيل
ابن اسحاق ، وهو الصواب عندنا ، وبالله توفيقنا
١) ذلك: ١ - ب (ب) وما أحله : !. وأحله: بـ (حـ) وأما ما ذهب إليه المصريون
وأما مذهب المصريين : ب .

- 3.36 -
حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، حدثنا قاسم بن أصبغ ، حدثنا أحمد
ابن زهير ، حدثنا الجوطى ، قال : حدثنا بقية قال : قلت للأوزاعى جب كان
يعصر فيه العصير ، فلما فرغوا بقيت فى أسفله بقية ، فصارت خمرا ، ثم
جاءت الامطار ، فملأت الجب ، ما تقول فى الوضوء منه ؟ قال : تجد له طعما
أو ريحا؟ قلت : لا، قال : لا بأس بالوضوء منه .
ولما ثبتت السنة في الهر ، وهو سبع يفترس ويأكل الميتة ، أنه
ليس بنجس ، دل ذلك على أن كل حى لا نجاسة فيه، فكان الكلب والحمار
والبغل ، وسائر الحيوان كله لا نجاسة فيه ما دام حيا ، ولا بأس بسؤره
للوضوء والشرب، حاشى الخنزير المحرم العين، فانه قد اختلف فيه ، فقيل .
انه اذا ماس الماء وهو حى أفسده ، وقد قيل أن ذلك لا يفسده على ظاهر حديث
عمر فى السباع، وظاهر قوله صلى الله عليه "الماء لا ينجسه شىءٌ، وهذا هو
المذهب الذى اليه يذهب أكثر أصحابنا وبه نقول .
وكذلك الطير كله ، لا بأس بسؤره الا أن يكون فى فمه أذى يغير
((٢ - و) الماء، اعتبارا بسنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم (*) فى الهر، وفى
الماء انه لا ينجسه الا ما ظهر فيه من النجاسة .
وقد روى ابن عمر ، أن الكلاب كانت تقبل وتدبر فى مسجد رسول
الله صلى الله عليه وسلم فلا يغسل شى من اثرها، ولا يرش، وهذا يدل على
أنه ليس فى حى نجاسة ، والله أعلم .
وانما النجاسة فى الميتة ، وفيما ثبتت معرفته عند الناس ، من
النجاسات المجتمع عليها ، والتى قامت الدلائل بنجاستها ، كالبول والغائط
والمذى والخمر.

- 337 -
وقد يكون من الميتة ما ليس بنجس، وهو كل شىء ليس له دم سائل،
مثل بنات وردان ، والزنبور ، والعقرب ، والجعلان والصرار ، والخنفساء وما
أشبه ذلك ، والأصل فى ذلك ، حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم
فى الذباب .
حدثنا محمد بن ابراهيم قال : حدثنا محمد بن معاوية ، قال : حدثنا
أحمد بن شعيب ، قال : حدثنا عمرو بن على ، قال : حدثنا يحيى بن سعيد ،
قال : حدثنا ابن أبى ذئب ، قال : حدثنا سعيد بن خالد ، عن أبى سلمة ، عن
أبى سعيد الخدرى ، عن النبى صلى الله عليه ، قال: «إذا وقع الذباب فى اناء
أحدكم فليمقله) (١)، وأخبرنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا ابن
السکن ، قال : حدثنا محمد بن یوسف ، قال : حدثنا البخاری ، قال : حدثنا
قتيبة ، قال : حدثنا إسماعيل بن جعفر ، عن عقبة بن مسلم ، عن عبيد بن
حنين ، مولى بنى زريق (ب) عن أبى هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال : اذا وقع الذباب فى اناء احد کم فلیغمسه کله ، ثم لیطرحه ، فان فى احد
جناحيه شفاء ، وفى الآخر داء .
وروى هذا الحديث من وجوه كثيرة ، عن أبى سعيد ، وأبى هريرة ،
كلها ثابتة ، ومعلوم أن الذباب اذا غمس فى الطعام الحار أو البارد ، ان الأغلب
عليه ، مع ضعف خلقه ، الموت ، فلو كان موته فى الماء والطعام يفسده ، لم
بغمسه فيه ، واذا لم ينجس الطعام بموته ،
يامر رسول الله صلى الله عليه
فليس بنجس على حال البتة .
١) فليمقله: ١، قليله: ب وهو تصحيف (ب) زريق: ١ ، رزين : ب .

- 338 -
وحكم ما لا دم له ، حكمه من أنه لا يفسد ما مات فيه من الطعام ، وقد
رخص قوم فى أكل دود التين ، وما فى الفول ، وسائر الطعام ، من السوسى ،
واستجازوا ذلك ، لعدم النجاسة .
وكره أكل ذلك جماعة من أهل العلم ، وقالوا : لا يوكل شىء من
ذلك ، لأنه ليس له حلق ولبة فيذكى ، ولا هو من صيد الماء ، فيحل بغير
الذكاة ، واحتجوا بقول رسول الله صلى الله عليه، فى الذباب، فلميغمسه،
ثم ليطرحه ، قالوا : ولو كان أكله مباحا ، لم يامر بطرحه .
وأما القملة والبرغوث (*) فأكثر أصحابنا يقولون ، لا يوكل طعام
ماتت فيه قملة ، أو برغوث ، لأنهما نجسان ، وهما من الحيوان الذى عيشه
من دم الحيوان،لا عيش لهما غير الدم ، فهما نجسان ، وهما دم .
(89 - ظ)
وكان سليمان بن سالم القاضى الكندى ، من أهل أفريقية ، يقول :
ان ماتت القبلة فى الماء ، طرح ، ولم يشرب ، وان وقعت فى الدقيق ولم
تخرج فى الغربال ، لم يوكل الخبز ، وان ماتت فى شىء جامد ، طرحت ، وما
حولها ، كالفارة .
وقال غيره من أصحابنا وغيرهم ، ان القملة كالذباب سواء ، فأما
الماء ، فالأصل فيه عندنا ، ما ذكرنا وأوضحنا فى هذا الباب ، وقد علم أن
الذباب يعيش من الدم ، ويتناول من الأقذار ما لا تتناول القملة ، وفيه من
الدم مثل ما فى القملة أو أكثر، وقد حكم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
بما تقدم ذكرنا له .
وهذا ما لم يكن فيه دم ، لأن الحديث انما يدل على أن النجس من
الحيوان ، ما له دم سائل ، وكذلك قال ابراهيم ، ما ليس له نفس سائلة ،
فليس بنجس ، يعنى بالنفس الدم .

- 339 -
أيوب السختياني بصري
وهو أيوب ابن أبى تميمة ، واسم ابى تميمة كيسان، وهو من سبى
كابل ، مولى لعزة (١)، وقيل هو مولى لعمار بن شداد (ب)، مولى المغيرة ،
ثم انتموا الى بنى طهية ، وأيوب يكنى أبا بكر ، وكان يبيع الجلود بالبصرة .
ولذلك قيل له السختياني ، وهو أحد أيمة الجماعة فى الحديث ، والامامة ،
والاستقامة ، وكان من عباد العلماء ، وحفاظهم وخيارهم .
ذكر البخارى ، عن أبى داود ، عن شعبة ، قالُ: ما رأيت مثل هؤلاء
قط ، أيوب ، ويونس، وابن عون . أخبر نا خلف بن القاسم ، حدثنا ابن المفسر،
حدثنا أحمد بن على بن سعيد ، حدثنا أبو السائب (738) ، حدثنا حفص بن
غياث ، قال : سمعت هشام بن عروة يقول : ما قدم علينا أحد من أهل العراق
أفضل من أيوب السختيانى ، ومن ذلك الرؤاسى ، يعنى مسعراً لأنه كان
كبير الرأس .
وأخبرنا عبد الرحمن بن يحيى ، قال : حدثنا أحمد بن سعيد ، قال :
حدثنا عبد المالك بن بحر ، قال : حدثنا موسى بن مروان ، قال : حدثنا
العباس بن الوليد النرسى ، قال : حدثنا وهيب عن (جـ) الجعد (739) أبى
عثمان ، عن الحسن ، قال : أيوب سيد شباب أهل البصرة ، قال موسى بن
١) لعزة: ١، لغزة: ب (ب) شداد: ١، أسد : ب (ج) عن: ١، ابن : ب .
738) أبو السائب هو سلم بن جنادة بن سلم السواءى بضم المهملة الكوفى ثقة ، من
العاشرة توفى سنة 254 هـ انظر التقريب ص 75، والجرح والتعديل 1/2/ ص 269 .
739) الجعد بن دينار اليشكرى أبو عثمان الصيرفى البصرى صاحب الحلى بضم المهملة
ثقة من الرابعة انظر التقريب ص 29 والجرح والتعديل 1/1/ ص 528 .

~ 340 -
هارون: وسمعت العباس بن الوليد ، يقول : ما كان فى زمن هؤلاء الأربعة ،
(93 - و) مثلهم، أيوب وابن عون، ويونس والتيمى (*) وما كان فى الزمن الذى قبلهم ،
مثل هؤلاء الأربعة ، الحسن وابن سيرين ، وبكر ومطرف .
وكان ابن سيرين ، اذا حدثه أيوب بالحديث ، قال : حدثنى الصدوق.
وذكر أبو أسامة عن مالك ، وشعبة ، أنهما قالا : ما حدثناكم عن أحد الا وأيوب
أفضل منه .
وقال ابن عون: لم يكن بعد الحسن ومحمد بالبصرة مثل أيوب ،
كان أعلمنا بالحديث . وقال شعبة فى حديث ذكره: حدثنا به سيد الفقهاء
أيوب. وقال نافع: خير مشرقى رأيته ، أيوب، وقال ابن أبي مليكة: أيوب
خير أهل المشرق
وقال ابن أبى أويس سئل مالك متى سمعت من أيوب السختيانى ؟
فقال : حج حجتين ، فكنت أرمقه ، ولا أسمع منه ، غير أنه كان اذا ذكر النبى
صلى الله عليه وسلم بكى ، حتى أرحمه ، فلما رأيت منه ما رأيت ، واجلاله
للنبى صلى الله عليه وسلم ، كتبت عنه، قال: وسمعت مالكا يقول: ما رأيت
فى العامة خيرا من أيوب السختيانى .
أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد المومن (740) قال: حدثنا اسماعيل
ابن محمد ، قال : حدثنا إسماعيل بن اسحاق ، قال : سمعت على ابن المدينى
يقول : أربعة من أهل الأمصار ، يسكن القلب اليهم فى الحديث ، يحيى بن
سعيد بالمدينة ، وعمرو بن دينار بمكة ، وأيوب بالبصرة ، ومنصور بالكوفة .
740) عبد الله بن عبد المومن الأرحبى بفتح الهمزة وسكون الراء بعدما مهملة مفتوحة
ثم موحدة الواسطى الطويل مقبول من الحادية عشرة انظر التقريب ص 107 .
: