النص المفهرس

صفحات 481-500

فأقام بمكة عشر سنين(١)، وبالمدينة (٢) عشر سنين، وتوفاه الله على رأس
ستين سنة(٣) وليس في رأسه ولحيته عشرون(٤) شعرة بيضاء.
٤٩ - (باب قبر النبي وَالله وما يُستحب من ذلك (٥))
٩٤٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، أن ابن عمر:
(١) قوله: فأقام بمكة عشر سنين، عند البخاري عن ابن عباس: لَبِث بمكة
ثلاث عشرة سنة، وبُعث الأربعين، ومات وهو ابن ثلاث وستين، وجمع السُّهَيلي بأن
من قال ثلاث عشرة عدَّ من أول ما جاء به المَلَك، ومن قال عشراً: عدّ ما بعد
الفترة، فإنّ الوحي فتر بعد ما نزل ثلاث سنين، كما رواه أحمد. وهناك أقوال
وروايات أُخَّر مبسوطة في ((فتح الباري)).
(٢) أي بعد الهجرة، وهذا بالاتفاق.
(٣) قوله: على رأس ستين، روي عن جمع من الصحابة منهم معاوية في
عمره ثلاث وستون، وروي عن ابن عباس وأنس وعائشة ستون، وروي عنهم
ما يوافق المشهور أيضاً فهو المعتمد.
(٤) قوله: عشرون، أي بل أقلّ، فعند البخاري عن عبد الله بن بسر: كان
في عنفقته شعرات بيض، وفي ((صحيح مسلم)) عن أنس: كان في لحيته شعرات
أبيض، وعند ابن سعد عن أنس: ما كان في رأسه ولحيته إلا سبع عشرة أو ثماني
عشرة .
(٥) قوله: وما يستحب من ذلك، أي من زيارة قبره، اختلف فيه بعد
ما اتفقوا على أن زيارة قبره وم له من أعظم القُرُبات، وأفضل المشروعات، ومن نازع
في مشروعيته فقد ضلَّ، وأضلَّ، فقيل: إنه سُنّة ذكره بعض المالكية، وقيل: إنه
واجب، وقيل قريب من الواجب، وهو في حكم الواجب، مستدلاً بحديث ((من
حج ولم يَزُرني فقد جفاني)) أخرجه ابن عدي، والدارقطني وغيرهما، وليس
بموضوع كما ظنه ابن الجوزي وابن تيمية، بل سنده حسن عند جَمْع، وضعيف =
٤٨١

كان إذا أراد سفراً(١)، أو قدم من سفر جاء قبر النبي وَّيهو فصلى عليه،
ودعا ثم انصرف.
= عند جَمْع، وقيل: إنه مستحب بل أعلى المستحبات، وقد ورد في فضله أحاديث،
فمن ذلك ((من زار قبري وجبت له شفاعتي)). أخرجه الدارقطني وابن خزيمة وسنده
حسن، وفي رواية الطبراني ((من جاءني زائراً لا تعلمه(١) حاجة إلا زيارتي كان حقّاً
عليّ أن أكون له شفيعاً)). وعند ابن أبي الدنيا عن أنس: من زارني محتسباً كنت
له شفيعاً وشهيداً. وأكثر طرق هذه الأحاديث وإن كانت ضعيفةً لكن بعضها سالم
عن الضعف القادح، وبالمجموع يحصل القوة كما حققه الحافظ ابن حجر في
((التلخيص الحبير)) والتقي السبكي في كتابه ((شفاء الأسقام في زيارة خير الأنام))، وقد
أخطأ بعض معاصريه، وهو ابن تيمية، حيث ظنّ أن الأحاديث الواردة في هذا
الباب كلها ضعيفة بل موضوعة، وقد ألّفتُ في هذا البحث رسائل على رغم أنف
المعاند الجاهل، حينما ذهب بعض أفاضل عصرنا إلى مكة ورجع من غير زيارة مع
استطاعته، وألّف ما لا يليق ذكره فالله يصلحنا ويصلحه ويوفقنا ويوفقه .
(١) قوله: كان إذا أراد سفراً، وفي رواية عبد الرزاق: كان إذا قدم من سفرٍ
أتي قبر النبي ◌َّر فقال: السلام عليك يا رسول الله. وفي رواية: كان يقف على
قبره، فيصلي على النبي وعلى أبي بكر وعمر. وفي رواية عن نافع: كان ابن عمر
يسلّم على القبر، ورأيته مائة مرة أو أكثر يأتي ويقول: السلام على النبي، السلام
على أبي بكر، السلام على أبي. وظاهره أنه كان دأبه وإن لم يسافر، كذا في
((وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى)) و((المواهب)) وشرحه، وفي الباب عن أنس عند
البيهقي وابن أبي الدنيا، وجابر عند البيهقي، وأبي أيوب عند أحمد والطبراني
والنسائي .
:
(١) هكذا في الأصل، وفي مجمع الزوائد ٢/٤: لا يعلم له حاجة.
٤٨٢
------

قال محمد: هكذا ينبغي أن يفعله إذا قدم المدينة (١) يأتي قبر
النبي وَلا .
٥٠ - (باب فضل الحياء (٢))
٩٤٨ - أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن علي بن حسين،
يرفعه(٣) إلى النبي وَل، قال: من حُسْن إسلام المرأ تركه
ما لا يعنيه (٤) .
قال محمد: هكذا ينبغي للمرء المسلم(٥) أن يكون تاركاً لما
لا يعنيه .
(١) بيان لهكذا أي يحضر عنده ويصلي ويسلم عليه.
(٢) هو صفة تنقبض بها النفس عن القبيح .
(٣) قوله: يرفعه، هذا مرسل عند جميع رواة الموطأ إلا خالد بن
عبد الرحمن الخراساني فوصله عن مالك، عن ابن شهاب، عن علي بن الحسين،
عن أبيه، وخالد ضعيف، قاله ابن عبد البر. والحديث أخرجه أحمد وأبو يعلى
والترمذي وابن ماجه وأحمد والطبراني والحاكم وغيرهم من طرق، كما بسطه
السيوطي، والزرقاني .
(٤) بالفتح من عناه إذا تعلقت عنايته به أي ما لا يفيده من فضول الأقوال
وسيئات الأعمال(١).
(٥) لقوله تعالى: ﴿والذِّينَ هُمْ عَن اللَّغْوِ مُعْرِضُون﴾(٢).
(١) قال ابن عبد البر: هذا الحديث من الكلام الجامع للمعاني الكثيرة الجليلة في الألفاظ
القليلة، كذا في الأوجز ١٢٠/١٤.
(٢) سورة المؤمنون: الآية ٣.
٤٨٣

٩٤٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا سلمة (١) بن صفوان الزرقي، عن
يزيد بن طلحة الركاني، أن النبي وَل﴿ه قال: إنّ لكل دين خُلُقاً(٢)،
وخُلُق (٣) الإِسلام الحياء.
٩٥٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا مُخْبِرٌ(٤)، عن سالم بن عبد الله،
عن ابن عمر: أن النبي وَلّ مرّ على رجل(٥) يعظ (٦) أخاه في الحياء،
فقال رسول الله وَله: دَعْه (٧) فإن الحياء من الإِيمان.
(١) قوله: سَلَمَة، بفتحتين ابن صفوان بن سلمة الزُّرَقي، بضم الزاء، وفتح
الراء، نسبة إلى بني زريق، مدني ثقة عن يزيد بن طلحة الرُّكاني بالضم، نسبة إلى
ركانة، وهو والد طلحة، وهو ابن عبد يزيد بن هاشم، وذكر ابن حبان يزيد هذا في
(ثقات التابعين)) كذا في ((شرح الزرقاني)).
(٢) بضمتين وتسكُّن اللام أي خصلة وطريقة شرعت فيه.
(٣) أي طبع هذا الدين الذي به قوامه: الحياء.
(٤) في ((رواية يحيى)): مالك عن ابن شهاب، عن سالم، عن ابن عمر.
(٥) قال الحافظ: لم أعرف اسم الواعظ ولا أخيه.
(٦) أي ينصحه ويلومه على كثرته وأنه يضره.
(٧) أي اتركه على هذا الخلق، ولا تمنعه فإن الحياء شعبة من شعب
الإِيمان(١) .
(١) قال الباجي: إن خلق الإِسلام الحياء، والحياء يختص بأهل الإِسلام والمراد بالحياء
- والله أعلم - الحياء فيما شرع فيه الحياء، وأما حياء يؤدي إلى ترك التعلم فليس
بمشروع. كذا في المنتقى ٢١٣/٧، والأوجز ١٣٦/١٤.
٤٨٤

٥١ - (باب حقّ الزوج على المرأة)
٩٥١ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أخبرني(١)
بَشير بن يسار، أن حُصَين بن مُحْصَن أخبره: أن عَمَّةً له أتت
رسول الله وَ الر، وأنها (٢) زعمت أنه قال(٣) لها: أذات (٤) زوجٍ أنت؟
فقالت: نعم، فزعمت(٥) أنه قال لها: كيف أنتِ له؟ فقالت: ما آلوه
إلا ما عجزْتُ عنه، قال: فانظري أين أنتِ منه، فإنما هو جنّتُك أو(٦)
نارُك .
(١) قوله: أخبرني، بشير هو بشير على وزن فعيل، بن يسار بالفتح، الحارثي،
المدني، وثقه ابن معين، وقال ابن سعد: كان شيخاً كبيراً أدرك عامة أصحاب
رسول الله ﴿ وكان قليل الحديث، وشيخه في هذه الرواية هو حُصَين مصغراً،
ابن مِحْصن بكسر الأول وسكون الثاني وفتح الثالث، ذكره ابن حبان في «ثقات
التابعين))، وقال ابن السكن: يُقال له صحبة غير أن روايته عن عمّته، وليست له
رواية عن رسول الله ويسر، كذا في ((تهذيب التهذيب))، و((تقريب التهذيب)).
(٢) أي أنّ عمّته قالت.
(٣) أي قال لها رسول الله حين أتت عنده.
(٤) بهمزة استفهام .
(٥) قوله: فزعمت أنه، أي فقالت: إنه قال لها رسول الله: كيف أنتِ لزوجك
في الرضاء والسخط والخدمة؟ فقالت: ما آلوه أي ما أُقَصِّر في خدمته ورضائه
ما استطعت، فقال له(١) رسول الله لها: انظري أي تأمّلي وتفكّري في كل وقت أين
أنت منه؟ أهو راضٍ عنك؟ أم ساخط؟ فإن رضي عنك يُدخلك الجنة، وإنْ سخط
عليك يُدخلك النار، فهو باعث دخول الجنة والنار.
(٦) في نسخة: و.
(١) في الأصل: زيادة ((له))، وهو خطأ.
٤٨٥

٥٢ - (باب حقّ الضيافة)
٩٥٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا سعيد المَقْبُري، عن أبي شُرَيح(١)
الكعبي: أن رسول الله وَلّ قال: من كان يؤمن(٢) بالله واليوم الآخر(٣)
فَلْيُكْرِم(٤) ضيفه، جائزته(٥) يومٌ ولَيلة، والضيافة ثلاثة أيام، فما كان بعد
(١) قوله: عن أبي شُريح، بضم الشين مصغّراً. الكعبي، نسبةً إلى
كعب بن عمرو بطن من خزاعة، اسمه خويلد بن عمرو على الأشهر، أو عمرو بن
خويلد، أو هانىء، أو كعب بن عمرو أو عبد الرحمن، أسلم قبل الفتح مات
بالمدينة سنة ٦٨هـ، كذا في ((الاستيعاب)) وغيره.
(٢) أي إيماناً كاملاً.
(٣) ذكره إشارة إلى أنه يوم الثواب والعذاب، فمن آمن به إيماناً كاملاً طلب
الأعمال الحسنة وتجنّب عن السيئة.
(٤) قوله: فليُكْرم، قال الزرقاني: الأمر بالإِكرام للاستحباب عند الجمهور
لأن الضيافة من مكارم الأخلاق لا واجبة لقوله جائزة، والجائزة تفضّل وإحسان،
هكذا استدل به الطحاوي وابن بطال وابن عبد البر، وقال الليث وأحمد: تجب
الضيافة ليلةً واحدةً للحديث المرفوع: ((ليلة الضيف واجبة على كل مسلم)) وأجاب
الجمهور عن هذا وما أشبهه أن هذا كان في صدر الإِسلام حين كانت المواساة
واجبة وبأنه محمول على ضيافة المضطرِّين.
(٥) قوله: جائزته، بالرفع مبتدأ أي منيحته وعطيّته وإتحافه بأفضل ما يُقْدر
عليه يوم وليلة، بالرفع خبر المبتدأ ويُروى جائزته بالنصب فيكون مفعولاً ثانياً،
والمعنى وهي يوم وليلة. والضيافة ثلاثة أيام يعني من غير تكلّف، كالتكلف الذي
في اليوم الأول، فإذا مضت الثلاث فقد مضى حق الضيف، فما كان بعد ذلك فهو
صدقة. في التعبير عنه إشارة إلى التنفير عنه، ولا يحل له أي للضيف أن يثوي
بفتح الياء وسكون الثاء المثلثة وكسر الواو أي يقيم عنده أي عند من أضافه حتى =
٤٨٦

.-----
ذلك فهو صدقة، ولا يحلّ له أن یثوي عنده حتى يُحرِجَه.
٥٣ - (باب تشميت(١) العاطس)
٩٥٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن
حزم، عن أبيه(٢): أن رسول الله وَ لَ قال: إن عَطَس(٣) فشمّتْه (٤)، ثم
إن عطس فشمّته، ثم إن عطس فشمّته، ثم إن عطس فقل له: إنك
يُخْرِجَه بضم الياء وكسر الراء أي يوقعه في الحرج والضيق، كذا في ((شرح
الزرقاني)».
(١) قوله: باب تشميت، هو بالشين المعجمة معناه الإبعاد عن الشماتة،
والتسميت بالمهملة معناه الدعاء بالهداية إلى السمت الحسن، والخُلُق
المستحسن، وكل منهما يُستعملان في جواب العطسة بيرحمك الله، كذا في
«تهذيب النووي)».
(٢) هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري.
(٣) بفتح الطاء.
(٤) قوله: فشمّته، ظاهر الأمر للوجوب(١)، وبه قال أصحابنا وغيرهم: إن
جواب العطسة واجب إلا أنه مقيّد بما إذا حَمِدَ لحديث: إذا عطس أحدكم
فحمد الله، فشمّتوه، وإذا لم يحمد فلا تشمّتوه، أخرجه البخاري في ((الأدب
المفرد)».
(١) قال النووي في ((الأذكار)): قال أصحابنا: التشميت سنّة على الكفاية لوقال بعضهم أجزا
عنهم، لكن الأفضل أن يقول كل واحد منهم، واختلف أصحاب مالك، فقال القاضي
عبد الوهاب سنّة كفاية، وقال ابن مزين: يلزم كلَّ واحد منهم، واختاره أبو بكر بن العربي،
والصحيح من مذهب الحنفية أنها تجب على الكفاية، وفي رواية يستحب، وفي ((سفر
السعادة)) ظاهر الأخبار الصحيحة الافتراض عيناً. اهـ. أوجز المسالك ١٣٤/١٥.
٤٨٧

مضنوكٌ(١). قال عبد الله بن أبي بكر: لا أدري (٢) أبعد الثالثة
أو الرابعة .
قال محمد: إذا عَطَس فشمِّتْه، ثم إن عطس فشمِّتْه، فإن لم تشمّته
حتى يعطس مرتين أو ثلاثاً أجزاك (٣) أن تشمّته مرة واحدة.
٥٤ - (باب الفِرار من (٤) الطاعون)
٩٥٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا محمد(٥) بن المنكدر، أن عامر بن
سعد بن أبي وقّاص أخبره، أن (٦) أسامة بن زيد أخبره: أن
رسول الله وَل قال: إن هذا الطاعون (٧)
(١) قوله: إنك مضنوك، بضاد معجمة أي مزكوم، والضَّناك بالضم الزكام،
والقياس مضنك ومزكم، لكنه جاء على ضنك وزكم، قاله ابن الأثير في ((النهاية)).
(٢) قوله: لا أدري، أي لا أحفظ قوله إنك مضنوك هل قال بعد العطسة
الثالثة أو الرابعة، وعند أبي داود وأبي يعلى وابن السُّنِّي من حديث أبي هريرة
مرفوعاً: إذا عطس أحدكم فليشمِّتْه جليسه، فإن زاد على ثلاث فهو مزكوم
ولا یشمِّت بعد ثلاث.
(٣) أي يكفي التشميت الواحد لأن العبادات المتجانسة تتداخل.
(٤) أي من موضع وقع فيه.
(٥) في رواية يحيى: وأبو النضر.
(٦) في رواية يحيى: أن عامراً سمع أباه يسأل عن أسامة: هل سمعت
رسول الله وَلجر في الطاعون شيئاً: فقال أسامة سمعتُه يقول ... الحديث.
(٧) قوله: إن هذا الطاعون، فسره كثير من أصحاب الغريب، وشرّاح
الحديث بالوباء وهو كل مرض عام بسبب فساد الهواء، وليس بجيد، بل هو أخص :
٤٨٨
---

رِجْزٌ(١) أُرْسِل على مَنْ كان قبلكم، أو أُرْسِل (٢) على بني إسرائيل -
شك(٣) ابن المنكدر في أيّهما قال - فإذا سمعتم به (٤) بأرض فلا تدخلوا
=
منه بدليل أنه ورد في الحديث أن الطاعون لا يدخل المدينة، وورد أن المدينة كان
فيها (١) وباء الحُمّى، ولذا قال القاضي عياض: أصل الطاعون القروح الخارجة في
الجسد، والوباء عموم الأمراض، وقال النووي: هو بثر وورم مؤلم جدّاً يخرج مع
لهب يحصل مع خفقان القلب والقيء، ويخرج في الآباط والأيدي والأصابع وسائر
الجسد، وقد بسط الكلام في تحقيق معناه، وذكر الاختلاف فيه وإيراد الأخبار
الواردة فيه الحافظ ابن حجر في رسالته ((بذل الماعون في فضل الطاعون)).
(١) بكسر الراء أي عذاب(٢).
(٢) قوله: أو أرسل على بني إسرائيل، أخرج قصة نزوله على قوم فرعون
وعلى بني إسرائيل عبدُ بن حميد والطبري وابن أبي حاتم وإبراهيم الحربي
وغيرهم، وقد ورد أنه مات من قوم موسى بالطاعون في يوم واحد سبعون ألفاً،
وورد أيضاً عند أحمد والبخاري أن الطاعون كان عذاباً على الأمم السابقة، وهو
رحمة وشهادة لهذه الأمة. وورد أيضاً عند أحمد والطبراني وابن خزيمة وأبي يعلى
وغيرهم أنّ الطاعون وخزُ أعدائكم من الجنّ، وهو - بالفتح - الطعن غير(٣)
النافذ. وقد بسط الكلام على هذه الأخبار مع فوائد شريفة الحافظ في ((بذل
الماعون)) .
(٣) أي في أنّ أيّ هذين اللفظين قال.
(٤) أي بوقوعه ببلد أنتم خارجون عنه.
(١) في الأصل: ((فيه))، وهو خطأ.
(٢) الرجز: بالزاي. العذاب، وبالسين: الخبيث أو النجس أو القذر، وقد يرد بمعنى العذاب
أيضاً، قال الحافظ: المحفوظ بالزاي أي عذاب، كذا في الأوجز ٨٢/١٤.
(٣) في الأصل الغير، وهو تحريف.
٤٨٩

عليه(١) وإن وقع في أرض فلا تخرجوا فراراً منه(٢).
قال محمد: هذا حديث معروف (٣) قد رُوي عن غير واحد (٤)،
(١) قوله: فلا تدخلوا عليه، قال ابن دقيق العيد: الذي يترجّح عندي في
النهي عن الفرار، وعن الدخول أن الإِقدام عليه تعرُّض للبلاء ولعله لا يصبر عليه،
وربما كان فيه ضرب من الدعوى لمقام الصبر أو التوكّل، فمنع ذلك لاغترار
النفس، وأما الفرار فقد يكون داخلاً في باب التوغل في الأسباب متصوراً بصورة
من يحاول النجاة مما قدر عليه فيقع التكليف في القدوم كما يقع في الفرار فأمر
بترك التكلُّف فيهما.
(٢) قوله: فراراً منه، أي لأجل الفرار عن الطاعون، فإن قضاء الله لا يُرَدّ:
﴿ولو كنتم في بروج مشيدة﴾(١)، وفيه إشارة إلى أنه لوخرج لا لهذا القصد بل
لحاجته فلا بأس به، وقد أخرج الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَم تَرَ إلي الذِّينَ
خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم وَهُمْ أَلُوفٌ حَذَرَ المَوتِ، فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾(٢)،
من طريق محمد بن إسحاق، عن وهب بن منبِّه قال: كان حزقيل بن بورى، ويقال
له ابن العجوز هو الذي دعا للقوم الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر
الموت، قال ابن إسحاق: فبلغني أنهم خرجوا من بعض الأوباء من الطاعون أو من
سقم كان يصيب الناس، حذراً من الموت، الحديث. ونحوه عند عبد الرزاق،
وابن أبي حاتم وغيرهم.
(٣) أي مشهور.
(٤) أي عن كثير من الصحابة بطرق متعددة.
(١) سورة النساء: الآية ٧٨.
(٢) سورة البقرة: الآية ٢٤٣.
٤٩٠

فلا بأس إذا وقع (١) بأرض أن لا يدخلها اجتناباً له.
٥٥ - (باب الغِيبة(٢) والبُهْتان (٣))
٩٥٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا الوليد (٤) بن عبد الله بن صيّاد، أن
المطّلب(٥) بن عبد الله بن حَنْطَب المخزومي: أخبره أن رجلا سأل
(١) أي الطاعون(١) وكذا الحكم في كل وباء عامٌ.
(٢) بكسر الغين (٢).
(٣) بضم الباء.
(٤) قوله: أخبرنا الوليد بن عبد الله بن صيّاد: هو أخو عمارة بن عبد الله بن صيّاد،
قال الزرقاني: لم يذكره البخاري في ((تاريخه)) ولا ابن أبي حاتم، ولا ترجم له
ابن عبد البر، لكن ذكره ابن حبان في «الثقات)» وكفى برواية مالك عنه توثيقاً.
(٥) قوله: أن المطّلب بن عبد الله بن حنطب، وقع في ((موطأ يحيى)):
حويطب، وهو غلط وهو أبو الحكم المطلب بن عبد الله بن المطلب بن حَنْطَب بفتح
الحاء المهملة وسكون النون وفتح الطاء المهملة بعدها باء موحّدة ابن الحارث بن
عبيد بن عمر بن مخزوم المخزومي، القرشي، المدني من ثقات التابعين، كذا في
((جامع الأصول)). وذكر الحافظ أن روايته هذه مرسلة وهو كثير الإِرسال، ولعله أخذه من
عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبي هريرة، وقد أخرجه مسلم والترمذي من طريق
العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه، عن أبي هريرة.
(١) وقد وقع النهي عن القدوم عليه وعن الفرار عنه، فالنهي الأول لبيان الحذر عن التعرض
للتلف، والثاني لبيان لزوم التوكل والرضا بقضاء الله ولبيان أن العذاب الواقع لسبب
المعصية لا يدفعه الفرار، وإنما يدفعه التوبة والاستغفار، كذا في الأوجز ٧٦/١٤.
(٢) قال القاري: الغِيبة - بكسر العين - أن تذكر أخاك بما يكره في الغيبة - بالفتح - بشرط أن
يكون ذلك موجوداً وإلا فهو بهتان. مرقاة المفاتيح ١٣٥/٩.
٤٩١

رسول الله وَ له، ما الغيبة(١)؟ قال رسول الله وَله: أنْ تَذْكُرَ(٢) من المرء
ما يكره أن يسمع، قال: يا رسول الله، وإنْ كان حقّاً(٣)؟ قال
رسول اللّه وَل﴾: إذا قلتَ باطلًا (٤) فذلك
(١) قوله: ما الغيبة، أي ما حقيقتها وماهيتها التي أمرنا الله تعالى بالاجتناب
عنها بقوله: ﴿ولا يَغْتَب بعضُكم بَعضاً أيُحِبُّ أحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيْهِ مَيْتاً
فَكَرِهْتُمُوه﴾(١).
(٢) قوله: أنْ تذْكُرَ، أي هو ذكرك من المرء مسلماً كان أو كافراً، بالغاً كان
أو صبياً، متّقياً كان أو فاجراً، سواء كان الذكر كتابةً أو نطقاً، أو رمزاً أو إشارةً
أو محاكاةً، ونحو ذلك، لكن يُشترط أن يكون في الغيبة فإن كان في حالة الحضرة
فهو ليس بغيبة بل من أنواع السب مشافهة. ما يكره أن يسمع، أي شيئاً يكرهه
ويحزن منه إن سمعه المغتاب في دينه أو دنياه أو خُلُقه أو أهله، أو خادمه أو ثوبه
أو حركته أو طلاقته إلى غير مما يتعلق به. وقد استثنى الفقهاء صوراً(٢) من الغيبة
حكموا بجوازها لضرورة أو لمصلحة، بسطها الغزالي في ((إحياء العلوم))، وقد
شرعت في تأليف رسالة طويلة في هذا الباب مشتملة على الأحاديث والحكايات مع
ذكر ما يجوز منها، وما لا يجوز منها، في السنة الثانية والثمانين بعد الألف والمائتين
من الهجرة وكتبت منها أجزاء كثيرة ثم وقعت عوائق عن إتمامها وأسأل الله أن
یوفقني لاختتامها .
(٣) أي وإن كان ما ذكره حقاً صادقاً كأنه ظن أن الغيبة لا يكون إلا بالكذب
فاستفسر عن حقيقة الأمر.
(٤) أي قولاً كاذباً في حقه .
(١) سورة الحجرات: الآية ١٢.
(٢) قال عيسى بن دينار: لا غيبة في ثلاثة: إمام جائر، وفاسق معلن فسقه، وصاحب بدعة
المنتقى ٣١٢/٧.
٤٩٢

البهتان (١).
قال محمد: وبهذا نأخذ. لا ينبغي أن يذكر لأخيه المسلم (٢)
الزَّةَ(٣) تكون منه مما يَكْرَه، فأما صاحب الهوى (٤) المُتَعَالِنُ بهواه
المتعرِّف(٥) به، والفاسق المتعالن بفسقه فلا بأس (٦)، أن تذكر هذين
بفعلها. فإذا ذكرتَ من المسلم ما ليس فيه فهو البهتان، وهو
الكذب(٧) .
(١) أي هو قسم آخر، وهو الافتراء والبهتان وهو أعظم من الغيبة معصيةً(١).
(٢) قوله: المسلم، تقييده اتفاقي كما قيد في بعض الروايات بالأخ وإلا
فالغيبة تعم الكافر، وتحرم غيبة الذُّمِّيّ كالمسلم، وفي غيبة الكافر الحربي قولان.
(٣) قوله: الزّلة، بفتح الزاء وتشديد اللام أي المعصية على سبيل الغفلة.
(٤) أي من يتبع هو نفسه ويبتدع برأيه.
(٥) أي الطالب الشهرة به.
(٦) قوله: فلا بأس أن تذكر، لكن لا لغرض التحقير بل ليحذر الناس
منهما، ويحصل الزجر والحياء لهما، وقد ورد: ((أترغبون عن ذكر الفاجر بما فيه
اهتكوه حتى يعرفه الناس، اذكروه بما فيه حتى يحذره الناس». وعند أبي الشيخ :
((من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له)).
(٧) أي نوع منه هو الافتراء والكذب على الغير.
(١) قال الباجي: لما فيه من الباطل. أوجز المسالك ٢٨٤/١٥.
٤٩٣

٥٦ - (باب النوادر(١))
٩٥٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزبير(٢) المكيّ، عن جابر بن
عبد الله: أن رسول الله وَل﴿ قال: أَغْلِقُوا الباب(٣)، وأَوْكُوا السِّقاء،
(١) قال القاري: أي الأمور النادرة في الأحوال الواردة الصادرة.
(٢) محمد بن مسلم بن تَدْرُس.
(٣) قوله: أغلقوا الباب، بفتح الهمزة من الإِغلاق، أي حراسةً للنفس
والمال من أرباب الفساد والشيطان. وأَوْكُوا، بفتح الهمزة وسكون الواو من الإِيكاء
أي اربطوا. السِّقاء، بكسر السين القِرْبة التي يُسقى منها أي شُدّوا رأسها بالوِكاء
وهو بالكسر الخيط الذي يُشدُّ به فم القِرْبة، وهذا للمنع من الشيطان واحتراز عن
الوباء الذي ينزل في ليلة من السَّنَة كما ورد به في الأخبار. وأكْفِئُوا الإِناء، بقطع
الهمزة وكسر الفاء، ويوصلها وضمّ الفاء الأول رباعي، والثاني ثلاثي أي اقلبوه
ولا تتركوه للعق الشيطان والهوامّ المؤذية. أو خُمِّروا، من التخمير بمعنى تغطية
الإِناء، قيل: إنه شك من الراوي، وقيل: هو من الحديث أي أكفوه إن كان خالياً
وحمّروه إن كان شاغلاً، وأطفئوا المصباح، من الإِطفاء أي عند الرُّقاد. فإن
الشيطان لا يفتح غَلَقاً بفتحتين أي باباً مُغْلَقاً إذا ذُكر اسم الله عليه. ولا يَحلّ، بفتح
حرف المضارع وضم الحاء. وِكاءً، خيطاً رُبط به. ولا يكشف إناءً، إذا خُمِّر
أو أُكفي. وإن الفويسقة تصغير الفاسقة أي الفارة. تَضْرِمُ(١) بفتح حرف المضارع
وكسر الراء من الضرم أي تُوقِد على الناس بيتهم بأن تجرّ الفتيلة المشتعلة فتلقيها
على ثوب أو غيره، وهذه الأوامر إرشادية(٢)، وفيها منافع دينية ودنيوية، كذا في
«شرح الزرقاني)) وغيره.
(١) قال القاري: بضم التاء وكسر الراء المخففة، وفي نسخة: بتشديدها أي توقد النار وتحرق.
مرقاة المفاتيح ٢٣١/٨.
(٢) ويحتمل أن تكون للندب لا سيما فيمن ينوي امتثال الأمر. كذا في المرقاة.
٤٩٤

وأَكفئوا الإِناء - أو خِّروا الإِناء - وأطفئوا المصباح، فإن الشيطان
لا يفتح غَلَقاً، ولا يَحُلّ وِكاءً، ولا يكشف إناءً، وإن الفُوَيْسِقَة تَضْرِم على
الناس بيتهم(١) .
٩٥٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزِّناد، عن الأعرج، عن
أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: المسلم يأكل في مِعَّى والكافر يأكل
في سبعة أمعاء(٢) .
(١) في نسخة: بيوتهم.
(٢) قوله: في سبعة أمعاء، جمع مِعِى بالكسر مقصوراً وهو الأشهر، وفيه
الفتح والمد، وجمع المقصور أمعاء، كعنب وأعناب، والممدود أمعية كحمار
وأحمرة. وقد رُوِي هذا الحديث في الصحيحين وغيرهما بطرق عديدة، واختلفوا
في معناه لما أن الحسَّ يرفعه فرُبَّ كافر يأكل قليلاً والمسلم كثيراً، فقيل: إن اللام
عهدية، والمراد خاص، وهو ما في ((صحيح البخاري)) عن أبي هريرة: أن رجلاً
كان يأكل كثيراً، فأسلم، فكان يأكل قليلاً فذكر ذلك للنبي وَله فقال: إن المؤمن
يأكل في مِعَّى واحد، الحديث. وبهذا جزم ابن عبد البرّ وقال: لأنَّ المعاينة وهي
أصحّ علوم الحواسّ تدفع أن يكون ذلك في كل مؤمن وكافر، وقيل: ليست حقيقة
العدد مرادة بل المراد قلة أكل المؤمن، وكثرة أكل الكافر، وقيل: المؤمن لقلة
حرصه يشبعه ملأ معى واحد، والكافر لا يشبعه إلاّ ملأ أمعائه السبعة، وقيل:
المؤمن إذا أكل سمّى، والكافر لم يسمّ فيشترك معه الشيطان، فيأكل كثيراً. والحكم
على هذه الأقوال غالبيّ، وقيل غير ذلك، كما بسطه الزرقاني في ((شرحه))(١).
(١) وبسط شيخنا في الأوجز ٢٥٩/١٤.
٤٩٥

٩٥٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا صفوان بن سُلَيم (١) يرفعه (٢) إلى
رسول الله وَل﴿، أنه قال: الساعي (٣) على الأرْمِلَةِ (٤) والمسكين،
كالذي(٥) يجاهد في سبيل الله أو(٦) كالذي يصوم النهار ويقوم الليل.
٩٥٩ - أخبرنا مالك، أخبرني ثور بن زيد الدِّيلي، عن
أبي الغيث(٧) مولى أبي مطيع، عن أبي هريرة، عن رسول الله وَ له
مثلَ ذلك.
(١) بالتصغير.
(٢) أي يجعل صفوان هذا الخبر مرفوعاً.
(٣) أي بالخدمة والنفقة(١).
(٤) قوله: على الأرْمِلة، بفتح الهمزة وسكون الراء وكسر الميم، المرأة التي
مات زوجها وهي فقيرة وجمعها الأرامل، والحديث مخرَّج عند الشيخين والنسائي
وأحمد والترمذي وابن ماجه من رواية أبي هريرة، ذكره القاري .
(٥) أي في الثواب.
(٦) قال القاري للشك أو للتنويع.
(٧) قوله: عن أبي الغيث(٢) مولى أبي مطيع، ذكر في ((تهذيب التهذيب))
و ((التقريب)) مولى ابن مطيع، وأنّ اسم أبي الغيث سالم المدني، ذكره ابن حبان
في ((الثقات)) (٣) ووثقه ابن سعد وابن معين.
(١) قال الحافظ: معنى الساعي الذي يذهب ويجيء في تحصيل ما ينفع الأرملة والمسكين.
فتح الباري ٤٩٩/٩.
(٢) أبو الغيث: مولى ابن مطيع لا أبي مطيع كما في التقريب (٢٨١/١) واسم أبي الغيث
سالم المدني ثقة من الثالثة .
(٣) قال ابن حبان: أبو الغيث، مولى عبد الله بن مطيع بن الأسود القرشي، عداده في أهل
المدينة يروي عن أبي هريرة، روى عنه ثور بن يزيد. كتاب الثقات (٣٠٦/٤).
٤٩٦

٩٦٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا محمد بن عبد الله بن صَعْصعة، أنه
سمع سعيدَ بن يَسَار(١) أبا الحباب(٢) يقول: سمعت أبا هريرة يقول:
قال رسول الله وَلهو: من يُرِد الله به خيراً يُصِبْ منه(٣).
٩٦١ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سالم وحمزة (٤)
ابنيْ عبد الله بن عمر، عن ابن عمر: أنَّ رسول الله وَ لَّر قال: إن
الشؤم(٥) في المرأة والدار والفرس.
(١) بفتح الياء والسين.
(٢) بضم الأول.
(٣) قوله: يُصِبْ منه، قال القاري: أي ابتلاه بالمصائب والأمراض وهو
بضم أوله وكسر ثانيه، وفاعله ضمير راجع إلى الله، وضمير ((منه)) راجع إلى ((مَنْ))،
والرواية بالبناء للفاعل في الأشهر على ما ذكره السيوطي، والحديث رواه البخاري
وأحمد.
(٤) هو شقيق سالم بن عبد الله، مدني ثقة كذا في ((التقريب)).
(٥) قوله: إن الشؤم، بضم الشين، وواوه همزة خُفِّفَت فصارت واواً وهو ضد
اليُمْن. في المرأة والدار والفرس، أي كائن فيها، وقد اختلفوا في معناه لكونه
مخالفاً لظاهر الأحاديث الواردة بنفي الطَّيّرة ونفي الشؤم على أقوال، منها: ما أشار
إليه صاحب الكتاب من أن أصل الحديث إن كان الشؤم في شيء ففي الدار والمرأة
والفرس، فليس فيه إثباته فيها بل معناه إنْ كان في شيء ففي هذه الأشياء لكنه ليس
فيها ولا في غيره، وهذا اللفظ أخرجه مالك وأحمد والبخاري وابن ماجه من حديث
سهل بن سعد، والشيخان من حديث ابن عمر، ومسلم والترمذي من حديث جابر،
وفيه أن بعض طرق الحديث مصرِّحة بوجود الشؤم في هذه الأشياء ففي بعضها عند
الشيخين ((لا عدوى وطِيّرة، إنما الشؤم في ثلاثة)). ومنها: أنه إخبار عما كان يعتقده
أهل الجاهلية، وقد أنكرت عائشة على أبي هريرة حين سمعت أنه يروي ذلك،
٤٩٧

قال محمد: إنما بلغنا أن النبي وسلم قال: إنْ كان الشؤم في شيء
ففي الدار والمرأة والفرس.
٩٦٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، قال: كنت مع
عبد الله بن عمر بالسوق عند دار خالد(١) بن عقبة، فجاء رجل يريد(٢)
أن يُناجِيَه، وليس معه أحدٌ غيري وغير الرجل الذي يريد أنْ يُناجِيَه،
فدعا عبد الله بن عمر رجلاً آخر حتى كنّا أربعة (٣) قال(٤): فقال لي
= وقالت: ما قاله رسول الله وَ له وإنما قال: إن أهل الجاهلية كانوا يتطيَّرون بذلك. وفيه
أنه لا معنى لإِنكاره فقد وافق أبا هريرة جمعٌ من الصحابة بروايته من غير ذكر
الجاهلية. ومنها: وهو أرجحها أن الشؤم يكون في هذه الثلاثة غالباً بحسب العادة
لا بحسب الخلقة ولا يكون شيء من ذلك إلا بقضاء الله وقدره، فمن وقع له شيء
من هذه الأشياء أبيح له تركه، وهناك أقوال أُخَر أيضاً مبسوطة، في ((فتح الباري))(١)
وغيره .
(١) قوله: خالد بن عُقْبة، بضم العين وسكون القاف ابن أبي معيط القرشي
الأموي، صحابي من مُسلمة الفتح وداره كانت بسوق المدينة، ذكره الزرقاني .
(٢) أي يقصد أن يُسارِرَ ابن عمر.
(٣) أي صرنا أربعة أنا وابن عمر والمناجي وآخر.
(٤) أي ابن دینار.
(١) ٦١/٦، وفي بذل المجهود ٢٥١/١٦، أن الطيرة بمعنى الشؤم الذاتي والنحوسة الذاتية
منتفية حيث أوردها بلفظ إن الشرطية الدالة على أنه غير واقع، فالمعنى لو تحقق الشؤم في
شيء بهذا المعنى لكان في هذه الثلاثة لكنه غير متحقق فيها فلا يتحقق في شيء، وأما
الشؤم بمعنى ما يلحق من المضار أحياناً أو قلة الجدوى في بعض أفرادها نسبة إلى البعض
الآخر منها فغير منفي بل أثبته بعد قوله الشؤم في الدار إلى آخره.
٤٩٨
السين اري

وللرجل الذي دعا: استرخيا(١) شيئاً فإني سمعتُ رسول الله وَ ل يقول:
لا یتناجى (٢) اثنان دون واحد(٣).
٩٦٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر:
أن رسول الله وَلّ قال (٤): إن من الشجر شجرةً لا يسقط ورقُها، وإنها
(١) أي استأخرا عن هذا الموضع قليلاً بحيث لا يسمعان التناجي.
(٢) بألف مقصورة.
(٣) قوله: اثنان دون واحد، لأنه يُوقع الحزن والملال في قلبه، وقد يخطر
بباله أن التناجي في ما يتعلق بحاله فيتأذّى به، وهو منافٍ لحُسْن العِشرة والمودَّة،
وخصه بعضهم بالسفر لأنه مظنة الخوف وليس بجيِّد، بل العلة عامة والحكم يعُمُّ
بعمومها .
(٤) قوله: قال، في رواية للبخاري: قال ابن دينار: صحبت ابن عمر إلى
المدينة فقال: كنّا عند رسول الله وَله فأُتي بجُمَّارة، فقال: إن من الشجر أي من
جنسه شجرةً بالنصب اسم لإِنّ وخبرها مقدم، والتنوين للتنويع أي نوعاً لا يسقط
بضم القاف معروف، فاعله وَرَقُها بفتحتين أي في أيام سقوط أوراق الأشجار.
وإنها، بكسر الهمزة أي تلك الشجرة. مثل، بكسر الميم أو بفتحتين. المسلم، أي
حاله العجيب الغريب، وصفته كصفة تلك الشجرة، ووجه الشبه أنه كما لا يسقط
ورقها، وكذلك لا يذهب نور إيمانه ولا تسقط دعوته كما هو عند الحارث
ابن أبي أسامة عن ابن عمر: كنا عند رسول الله وَلقر ذات يوم، فقال: إن مثل المؤمن
كمثل شجرة لا يسقط لها أنملة، أتدرون ما هي؟ قالوا: لا، قال: هي النخلة،
لا يسقط لها أنملة(١) ولا يسقط لمؤمن دعوة فحدِّثوني ما هي؟ خطاب إلى
الحاضرين من الصحابة، واستُفيد منه جواز اختبار العالم حُضَّار مجلسه. قال فوقع =
(١) في الأصل أبلمة، وهو تحريف والصواب أنملة كما في فتح الباري ١٤٥/١ .
٤٩٩

مَثَلُ المسلم فحدِّثوني ما هي؟ قال عبد الله بن عمر: فوقع الناس في
شجر البوادي، فوقع في نفسي أنها النخلة، قال: فاستحييتُ، فقالوا:
حَدِّثْنا يا رسول الله ما هي؟ قال: النخلة، قال عبد الله: فحدَّثتُ (١)
عمر بن الخطاب بالذي وقع في نفسي من ذلك، فقال عمر: والله لأن
تكون (٢) قُلْتَها أحبُّ إليَّ من أن يكون لي كذا وكذا.
٩٦٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، قال: قال
ابن عمر: قال رسول الله وَ لا غِفار(٣) غفر الله لها، وأسلم: سالمها الله،
وعُصَيَّةُ: عصتِ الله ورسوله.
= الناس في شجر البوادي، أي ذهبت أفكارهم إلى أشجار البادية دون النخلة. فوقع
في نفسي أنها النخلة، أي ظننت أن هذه التي شُبِّه بها المسلم هي النخلة.
فاستحييت، من أن أتكلم بحضرة رسول الله (858* وعنده أبو بكر وعمر وغيرهما من
أكابر الصحابة توقيراً لهم وهيبةً. فقالوا: حدِّثنا، بصيغة الأمر، كذا في ((فتح
الباري)» وغيره.
؛
(١) أي أخبرته بأنه وقع في قلبي ولم أذكره حياءً.
(٢) أي أن قولك إنها النخلة في الحضرة النبوية عند اختباره كان أحبَّ لي
من كذا وكذا من الدنيا لأنه منقبة عظيمة.
(٣) قوله: غِفار، قال القاري: منوَّناً، وغير منوَّن: رهطٌ منهم أبو ذر
الغِفاري. غفر الله لها، أي أقول ذلك في حقهم، وكان بنو غفار يسرقون الحُجَّاج
فدعا لهم النبي ◌ّله بعدما أسلموا ليذهب عنهم ذلك العار. وأسلم، بالفتح قبيلة
أخرى. سالمها الله، أي صنع الله ما يوافقهم ولا يؤذيهم. وإنما دعا لهما لأنهما دخلا
في الإِسلام بغير حرب. وعُصَيَّة، بالتصغير جماعة قتلوا قُرَّاء بئر معونة عصت الله
ورسوله .
٥٠٠