النص المفهرس
صفحات 441-460
٣٤ - (باب ما يُكره من أكل الثوم(١)) ٩١٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سعيد(٢) بن المسيّب: أن النبي وَل﴾ قال: من أكل من هذه الشجرة(٣) - وفي رواية: الخبيثة (٤) - فلا يقربنَّ(٥) مسجدَنا(٦)، يُؤذِينا بريح الثّوم. (١) بالضم. لهسن(١). (٢) قوله: عن سعيد بن المسيب، قال السيوطي في ((تنوير الحوالك)): قال ابن عبد البر: هكذا هو في ((الموطأ)) عند جميعهم مرسل إلّ ما رواه محمد بن معمر عن روح بن عبادة، عن صالح بن أبي الأخضر، ومالك عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة موصولاً. وقد وصله معمر ويونس وإبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب. قلت: رواية معمر أخرجها مسلم، ورواية إبراهيم أخرجها ابن ماجه، ورواية يونس عزاها ابن عبد البر إلى ابن وهب، وللبخاري من حديث ابن عمر أنه الر قال ذلك في غزوة خيبر. (٣) قوله: من هذه الشجرة، يعني الثُّوم. وفيه مجاز، لأنَّ المعروف لغة أن الشجر ما له ساق وما لا ساق له فنجم، وبه فسَّر ابن عباس قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانٍ﴾(٢)، كذا في ((شرح الزرقاني)). (٤) صفة للشجرة. (٥) بفتح الباء وتشديد النون، وفيه مبالغة فإن القرب إذا كان ممنوعاً فالدخول بطريق أَوْلى . (٦) قوله: مسجدنا، قيل: هذا خاصّ بمسجد النبي ◌َلار، والجمهور على أنه عام في كل المساجد، ومعنى مسجدنا، يعني مساجد المسلمين، ويدل عليه عموم التعليل بقوله: يؤذينا بريح الثّوم، جملة مستأنفة أو حالية، بل ورد في رواية : = (١) باللغة الأردية. (٢) سورة الرحمن: الآية ٦. ٤٤١ قال محمد: إِنماكُرِه ذلك(١) لريحه، فإذا أمَتَّه(٢) طَبْخاً فلا بأس (٣) به. وهو قول أبي حنيفة والعامة رحمهم الله تعالى. ٣٥ - (باب الرؤيا (٤)) ٩٢٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، قال: سمعت أبا سلمة(٥) يقول: سمعتُ أبا قتادة يقول: سمعتُ رسول الله عَ ليه = فإن الملائكة تتأذّى مما يتأذى منه بنو آدم، وهذا يدل على أن علَّة النهي هو الرائحة الكريهة المؤذية لأهل المسجد من بني آدم والملائكة. وبه استُدِلَّ على كراهة كلِّ ما له رائحة كريهة كالبصل والفجل والكُراث ونحو ذلك، ومثله شرب الدخان المتداول في هذه الأزمان، وتداوله بليَّةٍ عامة شملت الخواصّ والعوامّ واختلفت فيه أقوال الكرام فمن محرِّم، ومن مبيح بلا كراهة، ومن حاكم بالكراهة تحريماً أو تنزيهاً. وقد حققت الأمر فيه في رسالتي «ترويح الجنان بتشريح حكم شرب الدخان)» فلتُراجع . (١) أي أكل الثوم أو قرب المسجد بعد أكله. (٢) من الإِماتة، أي أزلته، ودفعته بالطبخ مع اللحم وغيره. (٣) قوله: فلا بأس به، لقول علي رضي الله عنه: نُهي عن أكل الثوم إلَّ مطبوخاً أخرجه الترمذي، وذكر أنه روي مرفوعاً. (٤) قوله: باب الرؤيا، بالقصر مصدر كالبشرى، مختصة بما يُرى مناماً وما يرى بالعين يَقَظة يقال رؤية. وقيل الرؤيا عام يقال لرأي العين أيضاً في اليقظة إلّا أن الأغلب استعماله في المنام، وقد بسط الكلام فيه القسطلاني في ((المواهب اللدنية)) والزرقاني في ((شرحه)) في بحث المعراج. (٥) ابن عبد الرحمن بن عوف. ٤٤٢ يقول: الرؤيا(١) من الله والحُلْم من الشيطان، فإذا رأى (٢) أحدكم الشيء(٣) يكرهه فلينفُتْ(٤) عن يساره(٥) ثلاث مرات إذا استيقظ، وليتعوّد(٦) من شرِّها (١) قوله: الرؤيا من الله(١)، في رواية يحيى الصالحة، وهي صفة موضِّيحة، وهي ما فيها بشارة أو تنبيه على غفلة، ومعنى كونها من الله من فضله ورحمته أو من إنذاره وتبشيره أو من تنبيهه وإرشاده. والحُلم، بضم الحاء هو لغة عامّ للرؤية الحسنة والسيئة غير أن الشرع خص الخير باسم الرؤيا، والشرّ باسم الحلم. من الشيطان، أي من إلقائه وتخويفه ولعبه بالنائم. (٢) أي في المنام. (٣) أي أمراً مكروهاً يحزنه. (٤) بضمّ الفاء وكسرها، وهذا لطرد الشيطان. (٥) تخصيصه لكونه جانب الشيطان. (٦) قوله: وليتعوذ من شرِّها، أي شر تلك الرؤيا بأن يقول إذا استيقظ : = (١) في المسوى، في قوله صل9: الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فيه بيان أنه ليس كل ما يراه الإِنسان في منامه يكون صحيحاً، إنما الصحيح فيه ما كان من الله يأتيك به ملك الرؤيا من نسخة أمّ الكتاب، وما سوى ذلك أضغاث أحلام لا تأويل لها، وهي على أنواع: قد يكون من فعل الشيطان يلعب بالإِنسان، أو يريه ما يحزنه، وأمر النبي ◌َّ في ذلك بأن يبصق عن يساره، ويتعوذ بالله منه كأنه يقصد به طرده إخزاءً، وقد تكون من حديث النفس كمن يكون في أمر أو حرفة يرى نفسه في ذلك الأمر، والعاشق يرى معشوقه، وقد يكون ذلك من مزاج الطبيعة كمن غلب عليه الدم يرى الفصد والرعاف والحمرة، ومن غلبه الصفراء يرى النار والأشياء الصفر، ومن غلب عليه السوداء يرى الظلمة والأشياء السود، والأهوال والموت، ومن غلب عليه البلغم يرى البياض والمياه والثلج، ولا تأويل لهذه الأشياء. أوجز المسالك ٦٩/١٥. ٤٤٣ فإنها(١) لن تضرّه إن شاء الله تعالى. ٣٦ - (باب جامع الحديث(٢)) ٩٢١ - أخبرنا مالك، أخبرنا(٣) يحيى بن سعيد، عن محمد بن حَبَّان، عن يحيى، عن محمد بن يحيى بن حَبَّان، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: نهى رسول الله وله عن بيعتين (٤)، وعن لِبْستين(٥)، وعن صلاتين، وعن صوم يومين، فأما = أعوذ بما عاذت به ملائكةُ الله ورسله من شر رؤياي هذه أنْ يصيبني فيها ما أكره في ديني أو دنياي، أخرجه سعيد بن منصور وابن أبي شيبة، عن إبراهيم النخعي. وأخرج ابن السُّنِّي التعوُّذ بلفظ: اللَّهم إني أعوذ بك من عمل الشيطان وسيئات الأحلام. وفي ((الصحيح)) بعد ذكر التعوُّذ: ولا يحدث بها أحداً، وفي رواية لمسلم: وليتحول عن جنبه الذي كان عليه، وفي رواية للشيخين: وليقم فليصل. (١) أي تلك الرؤيا. (٢) أي الأحاديث الجامعة بين الأحكام المختلفة من الأبواب المتشَّة(١). (٣) قوله: أخبرنا يحيى بن سعيد، الأنصاري، عن محمد بن حَبّان بفتح الحاء وتشديد الباء، عن يحيى، عن محمد بن يحيى بن حبّان، هكذا في نسخ عديدة، وعليها شرح القاري، والصحيح ما في بعض النسخ(٢): أخبرنا يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبّان، عن الأعرج ... إلخ، كما يظهر من معاينة طرق الحديث. (٤) قال ابن حجر: بفتح الباء، ويجوز الكسر على إرادة الهيأة. (٥) بكسر اللام(٣). (١) في رواية يحيى كتاب الجامع. انظر الأوجز ١/١٥. (٢) ومنها النسخة التي اعتمد عليها الدكتور عبد الوهاب عبد اللطيف. انظر ص ٢٣٨. (٣) أي عن الهيئتين من هيئات اللباس. ٤٤٤ البيعتان: المنابذةُ(١) والملامسة، وأما اللبستان: فاشتمال الصمَّاء والاحتباء بثوب واحد كاشفاً عن فرجه (٢)، وأما الصلاتان: فالصلاة (٣) بعد العصر(٤) حتى تغرب الشمس والصلاة(٥) بعد الصبح (٦) حتى تطلع الشمس، وأما الصيامان فصيام يوم الأضحى (٧) ويوم الفطر. قال محمد: وبهذا كله نأخذ. وهو قول أبي حنيفة رحمه الله . (١) قوله: المنابذة والملامسة، هذان من بيوع الجاهلية، فالأول أن ينبذ أي يطرح الرجل إلى الرجل ثوبه، وينبذ إليه الآخر من غير تأمل، ويقول كل واحد: هذا بهذا. والثاني أن يلمس الرجل ثوبه ولا يتبيَّن له ما فيه، وإنما نُهِي عنهما لكونهما من بيوع الغرر. (٢) قوله: كاشفاً عن فرجه، قيد لكل منهما لإِفادة أنَّ الصَّماء والاحتباء إنما مُنع عنهما لأجل كشف العورة، فإن أمن من ذلك فلا بأس به، وقد روى أبو داود في سننه: نهى رسول الله له عن الحِبْوَة، والإِمام يخطب، ثم ذكر أنهم كانوا يحتبون حال الخطبة، ولم يكرهها إلَّ عبادة بن نسي، وقال الخطابي: إنما نُهي عنه حال الخطبة لأنه يجلب النوم، ويعرض طهارته للانتقاض. وقال السيوطي في ((مرقاة الصعود) الحُبْوة بكسر الحاء وضمها، اسم من الاحتباء، وهو أن يضم الإِنسان رجليه إلى بطنه بثوب يجمعها به مع ظهر، ویشدُّه عليه، وقد يكون بالیدین عوض الثوب . (٣) أي النافلة دون القضاء. (٤) أي بعد صلاته. (٥) أي النوافل ما خلا سنَّة الفجر. (٦) أي بعد طلوع الصبح الصادق. (٧) أي يوم عيد الأضحى في ذي الحجة، ويوم الفطر في شوّال، فإنهما وما فطر وأكل وشرب. ٤٤٥ ٩٢٢ - أخبرنا مالك، أخبرني مُخْبرُ: أنَّ ابن عمر(١) قال - وهو يُوصي(٢) رجلاً -: لا تَعْتَرض(٣) فيما لا يعنيك، واعتزل عدوّك، واحذر خليلك إلَّ الأمين، ولا أمين إلاّ من خشي الله، ولا تصحب (١) في بعض النسخ المعتمدة مكان ابن عمر عمر، ومثله أخرجه أبو يوسف في «کتاب الخراج))، عن عمر. (٢) أي ينصح رجلاً من أحبابه وخدامه. (٣) قوله: لا تعترض، أي لا تتعرض ولا تشتغل فيما لا يعنيك أي لا يفيدك في الدين والدنيا فإن من حسن الإِسلام تركه ما لا يعنيه، أخرجه الترمذي وغيره مرفوعاً. واعتزل من الاعتزال، عدوك، أي كن منه على حذرك ولا تخالطه فيضربك. واحذر، من الحذر بمعنى الخوف خليلك، من أن يخونك في دينك أو دنياك. ولا أمين، أي بأمانة كاملة إلاّ من خشي الله فإن من لم يخشه لا يبالي بالخيانة. ولا تصحب فاجراً، أي فاسقاً كي لا تتعلم من فجوره، فإن الصحبة مؤثّرة والنفس أمّارة ولذا ورد ((المرء على دين خليله فلينظر من يخالل)). ولا تفشٍ ، من الإِفشاء بمعنى الإظهار إليه أي الفاجر. سرّك ـ بالكسر وتشديد الراء - لأنه غير مأمون في دينه وأمر نفسه فكيف في أمر غيره. واستشر، من الاستشارة بمعنى طلب المشورة في أمرك دينياً كان أو دنيوياً الذين يخشون الله، فإنهم ينصحونك، ويخلصون الأمر لك، وفيه تنبيه على فضل المشورة ويؤيده قوله تعالى لنبيِّه: ﴿وَشَاوِرْهُم فِي الأَمْرٍ﴾(١)، وقوله في وصف أصحابه: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُوْرَى﴾(٢)، وأخرج الطبراني في ((الأوسط))، عن أنس مرفوعاً: ((ما خاب من استخار ولا ندم من استشار)». (١) سورة آل عمران: الآية ١٥٩. (٢) سورة الشورى: الآية ٣٨. ٤٤٦ فاجراً كي تتعلَّم من فجوره، ولا تُفشِ إليه سرَّك، واستشر في أمرك الذين يَخْشَوْن الله عزَّ وجل . ٩٢٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزُّبير المكيّ، عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله وَ لل نهى(١) أن يأكل الرجل بشماله، ويمشي في نعل واحدة، وأن يشتمل (٢) الصَمَّاء أو يحتبي في ثوب واحد، كاشفاً عن فرجه . (١) قوله: نهى أن يأكل الرجل بشماله ... إلخ، علّة النهي عن الأكل بالشمال لكون الأكل من باب الإكرام واليمين موضوعة له، وللتجنّب عن مشابهة الشيطان، فإنه يأكل بشماله ويشرب بشماله، وأما النهي عن المشي في نعل واحدة وكذا في خفّ واحد فقيل: لأن الشيطان يمشي كذلك، وقيل: هو إرشادي لئلّاً يكون أحد الرجلين أرفع من الأخرى فيكون سبباً للعِثَار، وقيل: لما فيه من قلَّة المروة، وقيل: غير ذلك، وثبت عند الطبراني وغيره: أنه لو كان إذا انقطع شسع نعله مشى في نعل واحدة والأخرى في يده حتى يجد شسعها، وهو محمول على بيان الجواز. وقد فصَّلت هذا البحث بما له وما عليه في رسالتي ((غاية المقال في ما يتعلَّق بالنعال)). (٢) قوله: وأن يشتمل الصمّاء، بالفتح وتشديد الميم، هو أن يشتمل الرجل بالثوب الواحد على أحد شقيه فيظهر أحد شقيه ليس عليه ثوب، هذا هو تفسير مالك، وصرح به في رواية أبي سعيد الخدري، وعند اللغويين هو أن يشتمل بالثوب حتى يخلُّل به جسده، لا يرفع منه جانباً فلا يبقى ما يخرج منه يده، ولذلك سُمِّيت صمّاء لسد المنافذ كلها كالصخرة الصمّاء لا خرق فيها ولا صدع(١)، كذا ذكره الزرقاني . (١) فيكره على هذا لعجزه عن الاستعانة بيده فيما يعرض له في الصلاة كدفع بعض الهواءّ. اهـ. كذا في الأوجز ٢٠٣/١٤. ٤٤٧ قال محمد: يُكره للرجل أن يأكل بشماله، وأن يشتمل الصمّاء، واشتمال الصمَّاء أن يشتمل وعليه ثوب(١)، فيشتمل به (٢) فتنكشف عورته من الناحية التي تُرفع (٣) من ثوبه، وكذلك الاحتباءُ (٤) في الثوب الواحد . ٣٧ - (باب الزهد والتواضع (٥)) ٩٢٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، أن ابن عمر أخبره: أن رسول الله وَ ه كان يأتي قُبَاءَ(٦) راكباً وماشياً. (١) أي واحد. (٢) بحيث يستر بدنه كله. (٣) أي تنكشف وتظهر. (٤) قوله: وكذلك الاحتباء، بأن يقعد على ألْيَتَيْه، وينصب ساقيه ملتفّاً بثوب أو بيده(١) . (٥) قوله: باب الزهد (٢) والتواضع، قال القاري: الزهد في الدنيا ترك الحرص والقناعة بما رُزق منها، والتواضع ضدّ التكُّر، والتبختر، وحاصلهما ترك صحبة المال والجاه. (٦) قوله: كان يأتي قباء، بضم القاف ممدوداً ومقصوراً أي مسجد قباء - وهو أول مسجد أُسِّس على التقوى ـــ راكباً، أحياناً، وماشياً، أحياناً وهذا من تواضعه 9 فإنه كان قادراً على الركوب كل مرة فترك ذلك واختار المشي مع بعد المسافة تواضعاً. (١) كذا في شرح الزرقاني ٢٧٧/٤. (٢) قد بسطت معنى الزهد وحقيقته في مقدمة كتاب الزهد الكبير، الذي حققته وعلّقت عليه وطبع في دار القلم بالكويت . ٤٤٨ ٩٢٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة: أن أنس بن مالك حدَّثه هذه الأحاديث الأربعة، قال أنس: رأيت عمر بن الخطاب وهو يومئذٍ (١) أمير المؤمنين قد رَقَّع بين كتفيه برقاع ثلاث، لَبَّد بعضها فوق بعض، وقال أنس: وقد رأيتُ يُطْرَحُ(٢) له صَاحُ تمرٍ فيأكله(٣) حتى يأكل حَشَفَه(٤)، قال أنس: وسمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنهیوماً، و(٥)خرجت معه(٦) حتى دخل (١) قوله: وهو يومئذٍ، أي يوم رؤيتي على الحالة المذكورة. أمير المؤمنين وخليفة رسول الله في الأرضين، ومع هذا السلطان والجاه اختار التواضع والزهد في اللبس وغيره لله . رأيته قد رقّع من الترقيع ماضٍ معروف كما اختاره القاري، أو كنفع أي جعل رقعة مكان قطع الثوب كما اختاره الزرقاني(١). بين كتفيه، أي في ثوبه وقميصه في المقام الذي بين كتفيه برقاع ثلاث بالكسر، وفي بعض الروايات بُرُفَع بالضم ثم الفتح كل منهما جمع رقعة بالضم، وهي قطعة من الثوب وغيره تخاط أو تلزق مكان قطع الثوب. لبَّد، من التلبيد أي ألزق بعضها ببعض وجعل بعضها فوق بعض لأن المقصود كان هو الستر لا الفخر حتى تصلح الخياطة وترفق الرقعة . (٢) بصيغة المجهول أي یلقی بین یدیه. (٣) لكمال تواضعه وحذره عن صنيع أرباب الفخر من أكل النقيّ، وترك الرديء. (٤) بفتحتين أي رديء التمر ويابسه . (٥) حالية . (٦) أي عمر. (١) ٢٧٩/٤، وفي المحلى: وروي أنه رضي الله عنه خطب وهو خليفة وعليه إزار فيه اثنتا عشرة رقعة. كذا في الأوجز ٢٠٨/١٤. ٤٤٩ حائطاً(١)، فسمعته يقول(٢): و(٣) بيني وبينه جدار وهو في جوف الحائط: عُمر بن الخطاب أمير المؤمنين بخٍ بخ والله يا ابن الخطاب لتَّقِينَّ اللَّهَ أو ليُعذّبنَّك، قال أنس: وسمعت عمر بن الخطاب وسلَّم (٤) عليه رجل، فردَّ عليه السلام، ثم سأل(٥) عمر الرجلَ: كيف أنت؟ قال الرجل: أحمد الله إليك، قال عمر رضي الله عنه: هذه أردتُ منك. (١) أي بستاناً. (٢) قوله: فسمعته يقول، أي يخاطب نفسه ويعاتبها، فيقول عمر بن الخطاب أمير المؤمنين وخليفتهم ورأسهم وناظم أمورهم، بَخٍ بَخْ، أي عظم الأمر، وفخم، الأول منون، والثاني مسكّن ــ وجاء تسكينهما وتشديدهما - كلمة تقال عند الرضى والتعجّب بالشيء كذا في ((القاموس)). والله يا ابن الخطاب خاطَبَ نفسه، لتتقيَنَّ الله أي تخافه، وتحذر عقابه، في أمور نفسه ومن هو أميره، أو ليعذبَنَّك الله، فلا تغترَّ بالخلافة فإنها ناجية إذا اتصلت بالتقوى وهالكة إذا انضمت مع الهوى(١). (٣) أي والحال أن بيني وبينه جدار البستان أنا خارجه وهو داخله. (٤) جملة حالية. (٥) قوله: ثم سأل عمر الرجل، من كمال تواضعه وحسن خُلُقه: كيف أنت؟ أي كيف حالك؟ فقال الرجل: أحمد الله إليك أي حمداً منتهياً إليك، قال عمر: هذه أي هذه الكلمة المتضمنة لحمد الله أردت منك بسؤالي عنك. قال الزرقاني : قد وافق عمر المصطفى في ذلك، فأخرج الطبراني بسند حسن عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﴿ لرجل: كيف أصبحتَ يا فلان؟ فقال: أحمد الله إليك يا رسول الله، فقال رسول الله وَهر: ذلك الذي أردتُ منك. (١) وفي المحلى: إذا كان مثل عمر رضي الله عنه يقول ذلك من الخوف، فغيره أولى بذلك فلا يأمن مكر الله إلاّ القوم الخاسرون. كذا في الأوجز ٣١٥/١٥. ٤٥٠ ٩٢٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا هشام بن عروة، عن أبيه قال: قالت عائشة: كان عمر بن الخطاب يبعث(١) إلينا بأحِظًّائنا من الأكارع والرؤوس. ٩٢٧ - أخبرنا مالك، أخبرني يحيى بن سعيد، أنه سمع القاسم (٢) يقول: سمعت أسلم مولى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول: خرجت(٣) مع عمر بن الخطاب وهو يريد الشام(٤)، حتى إذا دنا(٥) من الشام أناخ عمر، وذهب (١) قوله: كان عمر بن الخطاب يبعث إلينا، أي إلى أمهات المؤمنين. بأحظّائنا، أي حظوظنا وأنصبائنا. من الأكارع والرؤوس، أي أكارع الغنم ورؤوسها عند ذبحها. والمعنى أنّا نأكل منها ولا نرغب عنها لزهدنا في الدنيا ورغبتنا في العقبى، كذا قال القاري. والأكارع بفتح الهمزة جمع كُراع بالضم، وهي أطراف الشاة من الأيدي والأرجل، والحظ بالفتح والتشديد جمعه حظوظ، وحِظّاء بالكسر والتشديد ذكره في ((القاموس)) وغيره. (٢) أي ابن محمد بن أبي بكر الصديق. (٣) أي في زمان خلافته. (٤) أي يقصد عمر بلاد الشام ويسافر إليه. (٥) قوله: حتى إذا دنا، أي قرب من الشام أناخ أي أجلس عمر بعيره. وذهب لحاجته، قضاء حاجته، قال أسلم: فطرحت فَرْوتي - بالفتح - أي ألقيت فروتي الذي كنت ألبسه. بين شِقَّيْ، بالكسر طَرَفَّيْ رَحْلي، بالفتح أي رحل بعيري، فلما فرغ عمر من قضاء الحاجة عمد أي قصد لغاية تواضعه إلى بعيري الذي كان عليه الفروة، فركبه على الفرو الذي كان عليه، وركب أسلم مولاه على بعيره أي بعير سيده عمر، فخرجا يسيران إلى الشام على تلك الهيئة حتى لقيهما = ٤٥١ لحاجة(١)، قال أسلم: فطرحت فَرْوَتي بين شِقَّي رَحْلي، فلما فرغ عمر عَمَدَ إلى بعيري فركبه على الفروة وركب أسلم بعيرَه، فخرجا يسيران حتى لقيهما أهل الأرض، يتلقَّوْن(٢) عمر، قال أسلم: فلما دنَوْا منا أشَرْتُ لهم إلى عمر، فجعلوا يتحدثون بينهم، قال عمر: تطمَحُ أبصارُهم إلى مراكبٍ مَن لا خلاق لهم، يريد(٣) مراكب العجم. ٩٢٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، قال: كان ٠ عمر بن الخطاب يأكل خبزاً مفتوتاً(٤) بسمن، فدعا(٥) رجلاً من أهل البادية فجعل (٦) يأكل ويتَّبِعُ (٧) باللقمة وَضَرَ الصحفة، فقال له عمر: = أهل الأرض أي سُكَّان الشام يستقبلونه ويلاقونه، فلما دَنَوْا أي قربوا منا أشرت لهم إلى عمر أنه هو الراكب على الفرو لئلا يظنوا المولى عبداً والعبد سيداً لاختلاف المركبين، فجعلوا أي أهل الشام يتحدَّثون بينهم تعجّباً من صنيع عمر وتواضعه وهو أمير المؤمنين. قال عمر لمّا رأى تحدّثهم وتعجبهم: تطمح أي تقع وتطرح أبصارهم إلى مراكب من لا خلاق لهم أي لا نصيب لهم من ملوك العجم الكفرة ككسرى، وقيصر، فكانوا يظنون أن مركب أمير المؤمنين مثل مراكبهم في الفخر والزينة والشهرة. (١) في نسخة: لحاجته. (٢) في نسخة : يبتغون. (٣) أي يقصد عمر من قوله: من لا خلاق لهم. (٤) من فتّ الخبز إذا كُسر إلى قطعات. (٥) أي لیأکل معه. (٦) ذلك الرجل. (٧) قوله: ويتّبع، بشد الفوقية باللقمة أي لقمة الخبز. وَضَر الصحفة ٤٥٢ كأنك مُفْقِرٌ، قال: والله ما رأيت سمناً ولا رأيت أكلاً به منذ كذا وكذا، فقال عمر رضي الله عنه: لا آكل السمن حتى يُحيىُ الناسُ من أول ما أُحْيَوا. ٣٨ - (باب الحبّ في الله) ٩٢٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك: أن أعرابياً أتى رسول الله وَلَةٍ فقال: يا رسول الله متى الساعة(١)؟ قال(٢): وما أعدَدْتَ لها؟ قال: - بالفتح - أي القصعة وهو بفتح الواو وفتح الضاد المعجمة بعده راء مهملة. الوسخ أي وسخ القصعة وما تعلق به من أثر السمن. فقال له عمر، لذاك الرجل البادي: كأنك مُفْقِرٌ، بضم الميم وكسر القاف أي ذا فقر واحتياج حيث تتّبع وسخ الإِناء فلعلك لا تجد إداماً وفي بعض النسخ: مقفر بتقديم القاف، والقفر الخالي. قال ذلك الرجل: والله ما رأيت سمناً ولا رأيت أكلاً به أي بالسمن منذ كذا وكذا، أي من مدة ذكرها، فقال عمر، بكمال تواضعه وحسن مرافقته وموافقة رعيته لمّا سمع أن في رعيته من لا يتيسّر له أكل السمن مدة مديدة، وكانت تلك السنة سنة قحط وجدب: لا آكل السمن حتى يُحيى - مجهول - من الإِحياء، الناس أي يعيش الناس عيشاً طيباً. من أول ما أُحْيَوا، أي كما كانوا يحيون سابقاً أي حتى يحصل لهم المطر والخصب ويتيسّر لهم الرزق والإِدام . (١) أي في أي وقت تقوم القيامة . (٢) قوله: قال: وما أَعْدَدتَ لها، أي ما هَيأْت للساعة من الأعمال الصالحة حيث تشتاق إليها، وتسأل(١) عن وقتها. (١) هذا الرجل هو ذو الخويصرة اليماني الذي بال في المسجد، كذا في فتح الباري ١٠ / ٥٥٥. ٤٥٣ لا شيء(١)، واللَّهِ إني لقليل الصيام والصلاة وإني لأحبُّ الله ورسوله، قال(٢): إنك مع من أحببتَ. ٣٩ - (باب فضل المعروف والصدقة) ٩٣٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزِّناد(٣)، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ليس المسكين (٤) بالطّوَّاف الذي (١) أي ما هيّات لها شيئاً من الطاعات. (٢) قوله: قال، أي رسول الله وَله: إنك مع من أحببت، يعني إن حبَّك في الله بلّغك إلى مرافقة من تُحِبُّه، وإن كنتَ قليل العمل، وفي معناه ما ورد: ((المرءمع من أحبّ)) أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم، وشاهده قوله تعالى: ﴿ومن يُطِعِ اللَّهَ والرسولَ فأولئكَ مَعَ الذِين أنْعَمَ اللَّهُ عَليهِم مِن النِّّين والصِّدِيقين والشُّهَداءِ والصَّالِحِين وحَسُنَ أولئك رَفِيْقًا﴾(١). (٣) عبد الله بن ذكوان . (٤) قوله: ليس المسكين(٢)، أي المسكين الكامل في المسكنة الذي يربو الصدقة عليه ويضاعف لها ثواباً. ليس بالطّوَّاف، بصيغة المبالغة أي كثير الطواف والدور على الناس للسؤال فيعطيه واحد لقمة وآخر لقمتين فيرجع، بل الكامل في المسكنة هو الذي ليس عنده ما يكفيه ويغنيه إلّ أنه لتعفُّفه وترك سؤاله وإلحاحه. لا يُقطن، أي لا يُعلم مسكنته. ولا يقوم يسأل الناس، بل هو مُنْزَوٍ في بيته قانعِ صابر معتمد على ربه، فهذا المسكين الذي إذا أُعطي أصاب المعطي ثواباً مضاعفاً. (١) سورة النساء: الآية ٦٩. (٢) قيل: في الحديث حجة لما ذهب إليه أبو حنيفة ومالك أن المسكين هو الذي لا يملك شيئاً وأنه أسوء حالاً من الفقير، كذا في الأوجز ١٤/ ٢٥٤ . ٤٥٤ يطوف على الناس، تردُّه اللقمةُ واللقمتان، والتمرة والتمرتان، قالوا(١): فما(٢) المسكين يا رسول الله؟ قال: الذي ما عنده ما يُغْنيه ولا يُفطَن (٣) له فيُتصدَّق عليه (٤)، ولا يقوم(٥) فيسأل الناس (٦). قال محمد: هذا(٧) أحقُّ بالعطية، وأيهما أعطيتَه زكاتك أجزاك ذلك. وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا. ٩٣١ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن معاذ(٨) بن (١) أي الصحابة الحاضرون. (٢) في رواية: فمن. (٣) بصيغة المجهول. (٤) أي لا يعلم أنه مسكين حتى يُتصدَّق عليه - بصيغة المجهول - لعدم اطلاع الناس على حاله. (٥) أي من بيته. (٦) قوله: فيسأل الناس، برفع المضارع في الموضعين عطفاً على المنفي أي لا يفطن فلا يتصدق عليه، ولا يقوم فلا يسأل الناس، أو بالنصب فيهما بأن مضمرةً جواباً للنفي، قاله بعض شراح ((المصابيح)). (٧) قوله: هذا، يعني ليس الغرض من الحديث نفي المسكنة عن السائل الطّاف وحصره على المتعفف حتى لا يجزىء أداء الزكاة وغيرها إلى الطوّاف، بل الغرض منه أن هذا أحق بالعطية، وثواب الصدقة عليه أكثر، وأيّهما - طوّافاً كان أو غيره - أعطيت زكاته أجزأ لكون كل منهما من أفراد مطلق المسكين. (٨) قوله: عن معاذ بن عمرو بن سعيد، عن معاذ، عن جدّته، هكذا في نسخ متعددة، والصواب ما في ((موطأ يحيى)) وشرحه: مالك عن زيد بن أسلم العدوي، عن عمرو - بفتح العين - بن سعد بن معاذ نسبة إلى جدّه، إذ هو = ٤٥٥ عمرو بن سعيد، عن معاذ، عن جدّته: أن رسول الله وَل# قال: يا نساء المؤمنات(١)، لا تحِقرَنْ(٢) إحداكن لجارتها ولو كُراع شاة مُحرق. ٩٣٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن أبي بُجَيْد(٣) = عمرو بن معاذ بن سعد بن معاذ الأشهلي، المدني يكنى أبا محمد، وقلبه بعضهم فقال: معاذ بن عمرو وهو تابعي، ثقة، عن جدّته، قال ابن عبد البر: قيل اسمها حواء بنت يزيد بن السكن، وقيل: إنها جدة ابن بجيد أيضاً صحابية مدنية . (١) قوله: يا نساء (١) المؤمنات، بإضافة العام إلى الخاص، وفي رواية يا نساء المؤمنات بالرفع. لا تحقرن إحداكن، يُحتمل أن يكون نهياً للمُهْدى إليها، وأن يكون نهياً للمهدية لجارتها أي لا تستنْكِفَنّ من إهداء شيء حقير أو قبوله. ولو كان كُراع شاة بالضم ما دون العقب من المواشي والدواب. محرق، نعت لكراع، والمراد به المبالغة في إهداء شيء وقبوله من غير استنكافه بسبب قِلّته أو حقارته، كذا في ((شرح الزرقاني)) وغيره. (٢) بنون التأكيد. (٣) قوله: عن أبي بُجيد، بضم الباء وفتح الجيم، وفي نسخة ابن بجيد، وهو الموافق لما في ((موطأ يحيى)) وغيره، الأنصاري ثم الحارثي، نسبة إلى بني حارثة بطن من الخزرج من الأنصار، عن جدّته هي أم بجيد مشهورة بكنيتها، واسمها حَوّاء بفتح الحاء وتشديد الواو، بنت يزيد بن السكن، قال ابن حجر في ((تعجيل المنفعة في رجال الأربعة)): اتفق رواة الموطأ على إبهام ابن بجيد إلا يحيى بن : (١) وروي بضم الهمزة منادى مفرد، والمؤمنات: صفة له، فيُرفع على اللفظ وينصب بالكسر على المحل، ولا تحقرن: نهي يحتمل أن يكون للمهدية أو المهدي إليها. والكراع بالضم: ما دون العقب من الرجل للمواشي والدواب وهو مؤنث. ولعل تذكيره لغة ((شرح الزرقاني» ٤ /٤٢١. ٤٥٦ الأنصاري ثم الحارثي، عن جدّته: أن رسول الله وَ لَه قال: ردّوا(١) المسكين ولو بظِلْفٍ (٢) مُحرقٍ. ٩٣٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا سُمَيّ (٣) عن أبي صالح (٤) السمّان، عن أبي هريرة، عن رسول الله وَله: بينما رجل((٥) يمشي = بكير فقال: عن محمد بن بجيد، وبه جزم ابن البرقي فيما حكاه أبو القاسم الجوهري في ((مسند الموطأ))، ووقع في أطراف المِزَّي أن النسائي أخرجه من وجهين: عن مالك عن زيد، عن عبد الرحمن بن بجيد ولم يترجم في ((التهذيب» لمحمد بل جزم في ((مبهماته)) أنه عبد الرحمن، وليس بجيد فإن النسائي إنما رواه غير مسمّى كأكثر رواة الموطأ، ومستند من سمّاه عبد الرحمن ما في السنن الثلاثة عن الليث عن سعيد المقبري عن عبد الرحمن بن بجيد، ولا يلزم من كون شيخ المقبري عبد الرحمن أن لا يكون شيخ زيد بن أسلم فيه آخر اسمه محمد، كذا في ((شرح الزرقاني)). (١) أي أعطوه . (٢) قوله: ولو بظلف(١)، قال القاري: بالكسر للبقر والغنم، كالحافر للفرس والبغل، والخف للبعير. محرق، على النعت، والمراد به المبالغة على إعطاء السائل أو محمول على أيام القحط الكامل. (٣) بالتصغير. (٤) اسمه ذكوان، وكان بائع السمن فلقب سمّاناً بالفتح وتشديد الميم. (٥) قال الحافظ: لم يسم. (١) قال الباجي: حضّ بذلك # على أن يعطي المسكين شيئاً، ولا يرده خائباً، وإن كان ما يعطاه ظلفاً محرقاً، وهو أقل ما يمكن أن يعطي، ولا يكاد أن يقبله المسكين، ولا ينتفع به إلا في وقت المجاعة والشدة. المنتقى ٢٣٤/٧ . ٤٥٧ بطريق(١) فاشتدّ عليه العطش فوجد بئراً فنزل فيها، فشرب ثم خرج(٢)، فإذا كلب يلهث(٣) يأكل الثرى من العطش فقال (٤): لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل(٥) الذي بلغ بي، فنزل البئر فملأ (٦) خُفّه (٧) ثم أمسك(٨) الخُفَّ بِفِيه حتى رَقِيَ فسقي الكلب، فشكر الله له (١) قوله: بطريق، وعند الدارقطني يمشي بطريق مكة، وفي رواية له: يمشي بفلاة. (٢) أي من البئر. (٣) قوله: يلهث يأكل الثرى، بفتح الأول مقصوراً التراب النديّ، واللهث شدة توتر النفس من تعب وغيره، ويقال: لهث الكلب لسانه إذا أخرجه من شدة العطش، كذا في ((النهاية)) وغيره. (٤) أي ذلك الرجل في نفسه. (٥) قوله: مثل الذي، ضبطه بعضهم بالنصب، وفاعل بلغ الكلب أي بلغ مبلغاً مثل الذي بلغ بي، وبعضهم بالرفع على أنه فاعل والكلب مفعول. (٦) أي من الماء. (٧) بالضم وتشديد الفاء ((موزه))(١). (٨) قوله: ثم أمسك الخف، أي رأسه بفمه ليصعد من البئر لُعُسْر الرقيّ من البئر، حتى رَقِيَ - بفتح الراء وكسر القاف - أي صعد من البئر، فسقي الكلب أي ذلك الماء، زاد في رواية الصحيحين: فأرواه أي جعله ريّاناً. فشكر الله له، أي قبل عمله واستحسنه، ورضي منه، فغفر له تجاوز عن سيئاته وأدخله الجنة. واستشكل سقيه الكلب من خفّه بأن سؤر الكلب ولعابه نجس فيلزم تنجُّس خفّه (١) باللغة الأردية. ٤٥٨ فغفر له، قالوا(١): يا رسول الله، وإنّ لنا في البهائم (٢) لأجراً؟ قال: في كل ذات كَبِد(٣) رطبة (٤) أجر. ٤٠ - (باب حق الجار) ٩٣٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أخبرني أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أن عَمْرة حدَّثته: أنها سمعت عائشة تقول: سمعت رسول الله وَلّ يقول: ما زال جبرئيل يُوصيني بالجار(٥) حتى ظننتُ (٦) لَيُوَرِّثَنَّه(٧) . وأجيب بأنه يجوز أن يكون خارج البئر إناء فأخرج الماء بالخف، وجعله فيه وسقاه منه، وعلى تقدير التسليم إنما بعثه على ذلك الضرورة والشفقة، وغسل الخف بعده ممكن. هذا كله على تقدير ثبوت نجاسة لعاب الكلب في الأديان السابقة أيضاً وإلا فلا إشكال. (١) قوله: قالوا، أي الصحابة الحاضرون، سُمِّي منهم سراقة بن مالك عند أحمد . (٢) أي في الإِحسان إليها. (٣) بالفتح ثم الكسر. (٤) قوله: رطبة، أي برطوبة الحياة يعني في الإِحسان إلى كلّ ما له حياة أجر، قيل: هذا في بني إسرائيل، وأما في الإِسلام فهو مخصص بما لم يؤمّر بقتله وإهلاكه كالكلب والخنزير، ورُدّ بأنه لا حاجة إليه فإن الأمر بالقتل لا يستلزم أن لا يكون في الإِحسان إليه أجراً. (٥) أي بالشفقة والإِحسان به. (٦) أي ظننتُ بكثرة وصيّته وشدّة اهتمامه أنه يجعله وارثاً. (٧) في نسخة: لَيورثّه. ٤٥٩ ٤١ - (باب اكتتاب العلم)(١) ٩٣٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر ابن عَمرو بن حزم: أن انظُرْ(٢) ما كان من حديث رسول الله وَليّ أو سُنّته(٣) أو حديث عمر أو نحو هذا (٤) فاکتبه لي(٥)، فإني قد خِفْتُ (١) قوله: باب اكتتاب العلم، قال القاري: أي انتساخها، ومنه قوله تعالى: ﴿وقالوا أَسَاطِيْرُ الْأَوَّلِيْنَ اكْتَبَهَا فَهِيَ تُملى عَلَيْهِ بُكْرَةٍ وَأَصِيلاً﴾(١). (٢) بيان لما كتبه أي تأملّ وتفكّر ما وصل إليك أو في روايتك من الأحاديث. (٣) أي طريقته المرويّة تقريراً أو بلاغاً. (٤) من أحاديث بقية الخلفاء وغيرهم. (٥) قوله: فاكتبه لي، هذا أصل في كتابة العلم والشريعة، وفي رواية أبي نعيم في ((تاريخ أصبهان)) عن عمر بن عبد العزيز: أنه كتب إلى أهل الآفاق، انظروا إلى حديث رسول الله فاجمعوه، وذكره البخاري في ((صحيحه)) تعليقاً، فيستفاد منه كما أفاده الحافظ ابتداء تدوين الحديث النبوي، وقال الهروي في ((ذمّ الكلام)): لم تكن الصحابة والتابعون يكتبون الأحاديث إنما كانوا يؤدونها حفظاً ويأخذونها لفظاً إلا كتاب الصدقات والشيء اليسير الذي يقف عليه الباحث بعد الاستقصاء التامّ حتى خيف على عمر بن عبد العزيز الدروس، وأسرع الموت في العلماء فأمر أبا بكر بن محمد بالكتابة، كذا في ((إرشاد الساري))، ومما يُستَدَلّ به في الباب قول أبي هريرة: ما من أصحاب رسول الله أحد أكثر حديثاً منّي عنه إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب، وأنا لا أكتب، أخرجه البخاري، (١) سورة الفرقان: الآية ٥. ٤٦٠