النص المفهرس
صفحات 321-340
٨ - (باب الرجل يُعْتِق نصيباً(١) له من مملوك أو يُسَيِّبُ سائبةً(٢) أو يُؤْصي بعتق) ٨٣٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا هشام بن عروة، عن أبيه: أن أبا بكر سَيَّبَ سائبةً(٣). قال محمد: قال رسول الله وَل﴾(٤) في الحديث المشهور: ((الولاء لمن (١) أي حصة من مملوك مشترك. (٢) قوله: أو يسيِّب سائبة، قال في ((المغرب)): السائبة كل ناقة تُسَيّب للنذر، أي تُهمل لترعى حيث شاءت، ومنه صبيّ مسيّب، أي مُهْمَل ليس معه رقيب، وبه سُمِّي والد سعيد بن المسيّب، وعنده سائبة أي مُعْتَقٌ لا ولاء بينهما. (٣) قوله: سيّب سائبة، لا خلاف في جواز العتق بلفظ أنت سائبة، أو بشرط أن لا ولاء بينهما، ولزومه، وإنما كره جماعة من العلماء العتق بلفظ السائبة لاستعمال الكفار لها في الأنعام المسيّبة للأصنام، واختلفوا في ولائه، فذهب مالك إلى أنه لا يُوالي أحداً وأن ميراثه للمسلمين وعقله إن جَنَّى عليهم وهو مذهب جمع من السلف والخلف(١)، وذهب جمع من المالكية والشافعي والحنفية إلى أن ولاءه لمعتقه، كذا في ((شرح الزرقاني)). (٤) قوله: قال رسول الله و#، استدلال على أن ولاء السائبة للمعتق لا لغيره، بالحديث المشهور عند أهل الحديث ((الولاء لمن أعتق)» من غير تخصيص بعيد دون عبد، ويقول ابن مسعود: ((لا سائبة في الإِسلام)) أي لا حكم لها على ما كان في الجاهلية من سقوط حق المعتق في الولاء، وبأنه لو صح أن يكون ولاء السائبة لغير معتقه لا له لصح أن يشترط شارط على المالك بعتق عبده بشرط أن = (١) وإليه ذهب مالك وجماعة من أصحابه وكثير من السلف، وقال ابن الماجشون وابن نافع والشافعي ولاؤه للمعتق. شرح الزرقاني ١٠٠/٤. ٣٢١ أعتق))، وقال عبد الله بن مسعود: لا سائبةَ في الإِسلام(١)، ولو استقام(٢) أن يُعتق الرجلُ سائبة فلا يكون لمن أعتقه ولا ؤه(٣) لاستقام لمن (٤) طَلَبَ من عائشةَ أن تُعْتِقِ، ويكون الولاءُ لغيرها، فقد طَلَبَ(٥) ذلك منها، فقال(٦) رسول الله وَلجر: ((الولاء لمن أعتق))، وإذا استقام أن لا يكون لمن أعتق ولاء استقام أن يُسْتَثْنَى عنه (٧) الولاء فيكون لغيره، واستقام أن يهب الولاء ويبيعه، وقد نهى رسول الله وَ ل عن بيع الولاء وهبته. والولاء عندنا بمنزلة النسب(٨) وهو لمن أعتق (٩) إن أعتق سائبة أو غيرها. وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا. ٨٣٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر أن = لا يكون الولاء للمعتق بل له، فإنه لا فرق بين ذلك وبين هذا، وقد دلَّت قصة بريرة كما مرَّ ذكرها على أنه لا يجوز ذلك، وبأنه لوصح ذلك لصح انتقال الولاء عن المعتق بيعاً وهبة، وهو باطل بالنصوص الواردة وقد مرَّ ذكرها. (١) أي إنما كان عادة أهل الجاهلية. (٢) أي لو صح. (٣) أي ولاء المعتق سائبة. (٤) وهم موالي بريرة. (٥) بالمجهول والمعروف، أي مولى بريرة. (٦) ردّاً عليهم وإبطالاً لشرطهم. (٧) أي المعتق. (٨) فلا يُباع ولا يوهَب ولا ينتقل. (٩) أي سواء فيه إعتاقه سائبة أو غير سائبة. ٣٢٢ رسول الله وَ﴾ قال: من أعتق شِرْكاً(١) له في عبدٍ(٢) وكان له(٣) من المال ما يبلغُ (٤) ثمنَ العبد، قُوِّم(٥) قيمةَ العَدْل، ثم أُعطِيَ (٦) شركاؤه حِصَصَهم (٧) وعَتَقَ عليه(٨) العبدُ، (١) قوله: شِركاً، بكسر الشين، وفي رواية للبخاري: شِقصاً على وزنه، وفي أخرى عنده: نصيباً، والكل بمعنى واحد. (٢) قوله: في عبد، وكذا في أمة كما في رواية عند مسدَّد في («مسنده»: من أعتق شِرْكاً له في مملوك، وأصرح منه ما في رواية الدارقطني والطحاوي: عبداً وأمة، وشذّ ابن راهويه فقال بتخصيص الحكم في العبد، وقال: لا تقويم في عتق الإِناث، قال القاضي عياض: أنكره عليه حُذّاق الأصول، لأن الأُمَة في هذا المعنى کالعبد . (٣) أي للمعتق. (٤) قوله: ما يبلغ ثمن العبد، أي قدر قيمة بقية العبد، كما في رواية النسائي: وله مال يبلغ قيمة أنصباء شركائه، فإنه يضمن لشركائه أنصباءهم ويُعتَق العبد. (٥) قوله: قُوِّم، مجهول من التقويم. قيمة العدل، بالفتح أي الوسط من غير زيادة ولا نقصان، ويوضحه رواية مسلم: لا وَكْسَ ولا شططَ (١). (٦) بصيغة المجهول أو المعروف فما بعده مرفوع أو منصوب. (٧) أي قيمة حصصهم. (٨) أي على ذلك المعتق الضامن، فالولاء کلُّه له. (١) الوكس: بفتح الواو وسكون الكاف بعدها مهملة: النقص، والشطط: الجور. فتح الباري ١٥٢/٥. ٣٢٣ وإلّ (١) فقد عَتَقَ منه ما أُعِقَ(٢). قال محمد: وبهذا(٣) نأخذُ من أعتق (١) قوله: وإلَّ، أي إن لم يكن له مال عتق منه ما عتق - بفتح العين في الأول، ويجوز الفتح والضم في الثاني قاله الدراوردي، وردَّه ابن التين بأنه لم يقله غيره، وإنما يُقال عتق بالفتح، وأعتق بضم الهمزة، ولا يعرف عتق بضم أوله - . وهذه الجملة من المرفوع الموصول عند مالك، وزعم جماعة أنه مدرَج تعلُّقاً بما في ((صحيح البخاري)) عن أيوب: قال نافع: وإلاّ فقد عتق منه ما عتق. قال أيوب: لا أدري أشيء قاله نافع أم هو في الحديث؟ والصحيح أنه ليس بمدرج كما حقّقه في «فتح الباري)(١) . (٢) وفي رواية: عتق. (٣) قوله: وبهذا نأخذ(٢)، وبه قال أبو يوسف وقتادة والثوري والشعبيّ، وهو مرويّ عن عمر وغيره، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد، إلاّ أنَّ مبنى الحكم عندهما على أن العتق لا يتجزأ فإعتاق البعض إعتاق كلَّه، وهو مذهب الشافعي في ما إذا كان المالك واحداً وكان المعتق معسراً، أما لو كان موسراً يبقى ملك الساكت كما كان حتى يجوز له بيعه وهبته، وبه قال مالك وأحمد. وأما أبو حنيفة فقال بالتجزِّي فخَّر الساكت بين الإِعتاق والاستسعاء والتضمين إن كان المعتق موسراً، = (١) ١٥٤/٥. (٢) إن المسألة خلافية شهيرة جداً. ذكر النووي فيها عشرة مذاهب. والعيني على البخاري أربعة عشر مذهباً، وفي الأوجز عشرين مذهباً وفي آخرها: اختلاف هذه المذاهب كلها مبنيّ على اختلاف في أصل كلي، وهو أن العتق مجتزىء عند الإِمام أبي حنيفة ومن وافقه في فروع هذا الفصل مطلقاً بمعنى في حالتي اليُسر والعُسر معاً، وليس بمجتزىء مطلقاً عند صاحبيه ومن وافقهما، ومجتزىء في حالة العسر دون اليسر في المشهور من أقوال الأئمة الباقية. لا مع الدراري ٤٤٠/٦. ٣٢٤ شِقْصاً(١) في مملوك فهو حرّ (٢) كلُّه، فإن كان الذي أعتَقَ موسراً(٣) ضمن حصة (٤) شريكه من العبد، وإن كان معسراً(٥) سعى العبدُ لشركائه في حصصهم. وكذلك (٦) بلغنا عن النبي وَالر. وقال أبو حنيفة: يُعْتَق عليه بقدر ما أعتق، والشركاء بالخيار: إن شاؤًا(٧) أعتقوا كما أعتق، وإن شاؤًا ضَمَّنُوه (٨) إن كان موسراً، وإن شاؤًا استَسْعَوْا(٩) العبدَ وبين الأوَّلين إن كان معسراً، كذا في «البناية)». واستدل الطحاوي لمذهبهما وقال: إنه أصح القولين بأحاديث مرفوعة دالَّة على مذهبهما، واستدل له بما أخرجه عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كان لنا غلام بيني وبين أمي وأخي الأسود فأرادوا عِنْقَه وكنت يومئذٍ صغيراً، فذكر الأسود ذلك لعمر فقال: أعتقوا أنتم، فإذا بلغ عبد الرحمن فإن رغب فيما رغبتم أعتق وإلاّ ضمَّنكم. (١) بالكسر: أي نصيباً في مملوك مشترك. (٢) لأن العتق لا يتجزّأ. (٣) أي ذا مال ويسار يقدر على أداء الضمان. (٤) أي قدر قيمته. (٥) أي فقيراً غير قادر على الضمان. (٦) قوله: كذلك بلغنا، قد ورد ذلك من طرق عدَّة من الصحابة، منهم أبو هريرة عند الأئمة الستة، وابن عمر عندهم، وجابر عند الطبراني، وغيرهم كما بسطه الزيلعي في ((نصب الراية))، وأخرجه الطحاوي من طرق عديدة. (٧) بيان للخيار. (٨) أي المعتق، أي جعلوه ضامناً وأخذوا الضمان منه. (٩) أي طلبوا العبد من السعاية فيؤديهم من المال مقدار حصصهم ليعتق کله . ٣٢٥ في حصصهم، فإن استسعوا أو أعتقوا كان الولاء (١) بينهم على قدر حصصهم، وإن ضَمَّنُوا المعتِقِ كان الولاءُ(٢) كله له، ورجع(٣) على العبد بما ضُمِّن واستسعاه به(٤). ٨٣٩ - أخبرنا مالك، حدَّثنا نافع: أن عبد الله بن عمر أعتق ولد زنی وأمَّه(٥) . قال محمد: لا بأس بذلك. وهو حسنٌ (٦) جميل، بلغنا عن (١) لأن العتق وقع منهم جميعاً. (٢) لخلوص عتق الكلّ له. (٣) أي المعتق الضامن. (٤) بيان للرجوع أي طلب منه السعاية بقدر ما أداه(١). (٥) أي والدته التي زنت. (٦) قوله: وهو حسن جميل، أي عتق ولد الزنا وأمه، وكذا عتق العبيد الفسّاق أو الأراذل، وأحسن منه عتق الصالحين ذوي الأنساب. (١) حاصل مذاهب الأئمة الستة في ذلك أن الرجل إذا أعتق بعض مملوكه يعتق كله في الحال بغير استسعاء عند الأئمة الثلاثة وصاحبي أبي حنيفة، وقال الإِمام الأعظم رحمه الله تعالى: يستسعي في الباقي وإن كان العبد مشتركاً بينهما فأعتق أحدهما نصيبه، فقال الإِمام أبو حنيفة: الشريك الآخر مخيّر بين الثلاث: يعتق نصيبه أو يستسعي العبد، فالولاء لهما في الوجهين، أو يغرّم الأول فالولاء له ويستسعي العبد، وقال صاحباه: ليس له إلَّ الضمان مع اليسار أو السعاية مع الإِعسار ولا يرجع العبد على المعتق بشيء والولاء للمعتق في الوجهين، وقالت الأئمة الثلاثة في المشهور عنهم: إن كان الأول موسراً يغرم والولاء له، وإلّ فقد عتق منه ما عتق ولا يستسعي. لامع الدراري ٤٤١/٦ . ٣٢٦ ابن عباسٍ أنه سُئل عن عبدين: أحدهما لِيَغِيَّةٍ (١) والآخر لرِشْدَةٍ (٢): أَيُّهُمَا يُعْتَق؟ قال: أغلاهما(٣) ثمناً بدينارٍ (٤). فهكذا(٥) نقول. وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا. ٨٤٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد قال: تُوفّى (٦) عبد الرحمن بن أبي بكر في نومٍ (٧) نامَه، فأعتقت عائشة رقاباً (٨) كثيرة. قال محمد: وبهذا نأخذ. لا بأس (٩) أن يُعْتَق عن الميت، فإنْ كان (١) قوله: لَبَغِيَّةٍ، بفتح الباء وكسر الغين المعجمة وتشديد الياء، أي زانية أو بكسر الباء وسكون الغين وفتح الياء: مصدر بمعنى الزنا وهما نسختان، قاله القاري . (٢) بكسر الراء وسكون الشين: أي صالحة. (٣) بالمعجمة أي أعلاهما ثمناً. (٤) أي ولو کان التزايد بدینار. (٥) قوله: فهكذا نقول وهو قول أبي حنيفة، وبه قال الجمهور: إن الأولى أن يعتق ما كان ثمنه أكثر، وقد أخرج الشيخان وغيرهما عن أبي ذر: سئل رسول الله ﴾ عن أفضل الرقاب قال: أكثرها ثمناً، وأنْفَسُها عند أهلها، وفي رواية: أغلاها ثمناً. (٦) في طريق مكة سنة ٥٣، وقيل بعدها. (٧) أي فجأة في نومه. (٨) أي مماليك كثيرة عن أخيها عبد الرحمن. (٩) قوله: لا بأس أن يعتق عن الميت(١)، فإن العتق من أفضل أنواع الصدقة، = (١) قال ابن عبد البر: الصدقة والعتق كل منهما جائز عن الميت إجماعاً، والولاء للمعتق عند = ٣٢٧ أوصى بذلك(١) كان الولاء له (٢)، وإن كان لم يُوصِ كان الولاء لمن أعتق، ويلحقه(٣) الأجر إن شاء الله تعالى (٤). = والصدقة بجميع أقسامها وكذا العبادات المالية والبدنية ثوابها يصل إلى الميت، ويكون باعثاً لمغفرته، ورفع درجاته، به وردت الأخبار وشهدت به الآثار، كما بسطه السيوطي في ((شرح الصدور في أحوال الموتى والقبور)) وغيره في غيره، وورد في العتق عن الميت آثار من أحسنها ما أخرجه النسائي عن واثلة قال: كنا عند النبي وَ ل# في غزوة تبوك، فقلنا: إن صاحباً لنا قدمات، فقال رسول الله: أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منها عضواً منه من النار. (١) أي بالعتق . (٢) أي للميت فينتقل إلى ورثته، لأنه هو المعتق حقيقة بالوصية. (٣) أي من أعتق له وهو الميت. (٤) قوله: إن شاء الله، متعلق بلحوق الأجر، والظاهر أنه لمجرَّد التبرك واختيار الأدب في تعليق الأحكام على المشيئة الإِلّهية لا للشك في الحكم، فإنه لا شبهة في وصول الأجر إلى الميت إذا أعتق الحي عنه، وأوصل ثوابه إليه، وإنْ لم يوص. نعم إن كان الإِعتاق أو شيء من الصدقات واجباً على الميت فإن أوصى به يجب على الوصيّ تنفيذه في ثُلُث ما ترك ويُحكم ببراءة ذمَّته عن ذلك الواجب، وإن لم يوص وتبرع الوصيّ بأداء ما وجب عليه يُحكم ببراءة الذمة إن شاء الله تفضُّلاً منه ومِنَّةً. = مالك وأصحابه قاله الزرقاني، وهكذا نقل الإجماع على ذلك الباجي، كذا في الأوجز ١٠ /٣٨٠. ٣٢٨ ٩ - (باب بيع(١) المدبَّر) ٨٤١ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الرّجال، محمد بن (١) قوله: باب بيع المُدَبَّر، هو مفعول من التدبير، وهو تعليق العتق بالموت بأن يقول: إذا متُّ فأنت حر، أو أنت حرّ عن دُبُر مني، ونحو ذلك، واختلفوا في جواز بيعه وهبته ونحوهما من التصرفات الموجبة نقل مملوك من مالك إلى مالك بعدما اتفقوا على جواز الاستخدام والإِجارة والوطء والتزويج ونحو ذلك، فعندنا لا يجوز بيعه وإخراجه من ملكه لكونه مسلتزماً لإبطال حق الحرية الثابت للمدبَّر جزماً، وبه قال مالك وعامَّة العلماء من السلف والخلف من الحجازيِّين والشاميِّين والكوفيّين، وهو المرويّ عن عمر وعثمان وابن مسعود وزيد بن ثابت، ويه قال شُريح وقتادة والثوري والأوزاعي. وقال الشافعي وأحمد وداود بجواز البيع وغيره، هذا في المدبَّر المطلق، وأما المدبّر المقيّد - وهو من عُلُّق عتقه بالموت على صفته كأن يقول: إن متَّ من مرضي هذا أو سفري هذا فأنتَ حُرِّ، - فيجوز بيعه عندنا أيضاً، لأن سبب الحرية لم ينعقد في الحال للتردد في وقوع تلك الصفة، كذا في ((البناية)). واحتج المجوِّزون لبيع المدبَّر المطلق بآثار مفيدة لذلك: منها أثر عائشة المذكور في هذا الباب أنها باعت مدبَّرتها(١) التي سحرتها، ورواه الشافعي والحاكم أيضاً، وقال: على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والبيهقي أيضاً، وإسناده صحيح قاله الحافظ في ((التلخيص)). والجواب عنه على ما في ((نصب الراية)) وغيره من وجهين، الأول: أنّا نحمله على بيع الخدمة والمنفعة، والثاني: أنّا نحمله على المدبَّر المقيد، وعندنا يجوز بيعه، إلاّ أن يبيّنوا أنها كانت مدبَّرة مطلقة وهم لا يقدرون على ذلك. ومنها حديث جابر أن رجلاً دبّر غلاماً ليس له مال غيره، فقال رسول الله ( *: من يشتريه مني؟ فاشتراه نُعَيْم بن النحّام، أخرجه الشيخان وأصحاب السنن وابن حبان وغيرهم. قال الإِتقاني في ((غاية البيان)): هو محمول على المدبَّرِ المقيَّد، أو على ابتداء الإِسلام حين كان يباع الحُرّ أو على بيع الخدمة = (١) في الأصل: ((مدبَّرته))، وهو خطأ. ٣٢٩ عبد الرحمن، عن أمِّه عَمْرَة بنت عبد الرحمن: أن عائشة زوج النبي ◌َّ كانت أعتقت جارية لها عن دُبُرٍ (١) منها، ثم إن عائشة رضي الله عنها بعد ذلك اشتكت(٢) ما شاء الله أن تشتكي، ثم إنه (٣) دخل عليها رجلٌ سِنْدِي (٤)، فقال لها(٥): أنتِ مَطْبُوبَةٌ، فقالت له عائشة: ويلَك، من طَبَّنِي(٦)؟ قال: امرأةٌ مِنْ نَعْتِها(٧) كذا وكذا، فَوَصَفها، وقال: إنَّ في = أجمعوا على عدم جواز بيعه، ولمّا نشأ الشافعي جوَّزه، فصار هذا خرقاً للإجماع منه. انتهى. وردَّه العينيّ في ((البناية)) بأنه کیف یوفق بین حدیثنا وحديثه، وحديثنا لم يبلغ إلى الصحة وحديثه صحيح، وكون قول الشافعي خرقاً للإجماع غير مسلم، فإن الشافعي لم ينفرد به، بل هو مذهب جابر وعطاء ووافقه أحمد وإسحاق وداود، وجوَّز المالكية بيع المدبَّر إذا كان على سيِّده دينٌ، ولا مال له سواه، وعليه حملوا حديث جابر، ففي رواية النسائي في ذلك الحديث: ((وكان عليه دَيْنٌ))، فلا يفيد إلَّ جواز بيعه عند الدَّيْن، لا جواز بيعه مطلقاً. وهذا القول أقرب إلى الإِنصاف والمعقول. (١) بضمتين: أي عن عقبها وبعد موتها أي جعلتها مدبّرة. (٢) أي مرضت أياماً. (٣) ضمير الشأن. (٤) بكسر السين: نسبة إلى السند مملكة معروفة كالهند. (٥) قوله: فقال لها: أنت مطبوبة، أي مسحورة، يقال: طَبَّه أي سَحَره، وفي رواية: أن عائشة مرضت فتطاول مرضها، فذهب بنو أخيها إلى رجل فذكروا له مرضها، فقال: إنكم تخبروني خبر امرأة مطبوبة، فذهبوا ينظرون، فإذا جارية لها سحرتها، وكانت قد دبّرتها، الحديث. (٦) أي من سحرني . (٧) أي من وصفها كذا وكذا، وذكر وصفها. ٣٣٠ حَجْرِها(١) الآن (٢) صبيّاً قد بال، فقالت عائشة: ادعوا لي(٣) فلانةً جاريةً(٤) كانت تخدُمها، فوجدوها في بيت جيران لهم في حَجْرها صبيٍّ، قالت: الآن(٥) حتى أغسل بول هذا الصبيّ، فغسلته ثم جاءت، فقالت لها عائشة: أسحرتني (٦)؟ قالت: نعم، قالت: لِمِ (٧)؟ قالت: أحببت(٨) العتقَ، قالت: فوالله لا تَعْتَقِيْنَ(٩) أبداً. ثم أمرت عائشة ابن أختها(١٠) أن يبيعَها من الأعراب(١١) ممن يسيء ملَكَتها، قالت: (١) بفتح الحاء وسكون الجيم. (٢) أي في هذا الوقت. (٣) أي اطلبوا عندي. (٤) بدل من فلانة وبيان لها. (٥) أي أحضر الآن فلتصبر حتى أغسل البول. (٦) بهمزة الاستفهام وصيغة الخطاب (٧) أي بأيّ سبب سحرتني . (٨) أي أردت أن تموت حتى أعتق. (٩) أي زجراً وعقوبةٌ لك، فمن عجّل بالشيء قبل أوانه عُوقب بحرمانه . (١٠) في نسخة: ابن أخيها. (١١) قوله: من الأعراب، أي البداوي. ممن يسيء ملكتها، أي يشُقُّ عليها بكثرة خدمتها وقلة راحتها، يقال: فلان حسن المَلَكة، بفتحات أي حسن الصنع إلى مماليكه وسِىء الملكة أي يسيء صحبة المماليك، كذا في ((النهاية)). ٣٣١ ثم ابتَعْ لي(١) بثمنها رَقَبةً (٢) ثم أعتقها، فقالت عمرة: فلبثَتْ(٣) عائشة رضي الله عنها ما شاء الله من الزمان، ثم إنها رَأَتْ في المنام أن اغتسلي من آبار ثلاثة يَمُدُّ بعضُها بعضاً فإنك تُشْفَيْنَ(٤). فدخل على عائشة إسماعيلُ بنُ أبي بكر وعبد الرحمن بن سعد بن زُرَارة، فذكرت أُمُّ عائشة الذي رأت(٥)، فانطلقا إلى قَنَاة(٦)، فوجدَا آباراً ثلاثة (٧) يُدُّ بعضُها بعضاً، فاستَقَوْا من كل بئر منها ثلاث(٨) شُجُبٍ حتى مَلؤوا الشُّجُب من جميعها، ثم أتّوْا بذلك الماء إلى عائشة، فاغتسلت فيه فشُفِيَتْ. قال محمد: أما نحن فلا نرى(٩) أن يُباع المدبّر، وهو قول زید بن (١) أي اشتر لي. (٢) أي جارية أخرى. (٣) أي في ذلك المرض بسبب السِّحر. (٤) بصيغة المجهول. (٥) أي منامها. (٦) قوله: إلى قناة، القناة: بالفتح مجرى الماء تحت الأرض، كذا في ((المغرب)) وفي ((النهاية)): القني: الآبار التي تُحفر في الأرض متتابعة يُستخرج ماؤها ويسيح على وجه الأرض، كذا قال القاري. (٧) أي متقاربة متصلة يصل المدد من بعضها إلى بعض. (٨) قوله: ثلاث شجب، قال القاري: بضمتين جمع شَجْب بالفتح فسكون، وهي القربة البالية. (٩) قوله: فلا نرى أن يُباع، وذلك لما أخرجه الدارقطني من رواية عبيدة بن ٣٣٢ ثابت، وعبد الله بن عُمَر، وبه نأخذ. وهو قول أبي حنيفة والعامَّة من فقهائنا . ٨٤٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيد بن المسيّب يقول: من أعتق(١) وليدةً عن دُبُرِ منه؛ فإنَّ له أنْ يطأها وأن يزوِّجها، وليس له أن يبيعها ولا أن يهبها، وولدها(٢) بمنزلتها. قال محمد: وبه نأخذ. وهو قول أبي حنيفة(٣) والعامة من فقهائنا . = حسان، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعاً: ((المدبر لا يباع ولا يوهب)» وهو حرّ من ثلث المال. قال الدارقطني: لم يسنده غير عبيدة، وهو ضعيف، وإنما هو عن ابن عمر من قوله، وأخرجه أيضاً عن علي بن ظبيان عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً: المدبّر من الثلث. وعليّ ضعيف، والموقوف أصح، كما بسطه الزيلعي في ((نصب الراية)) والعيني. (١) أي علَّق عتقها بموته ودبرها. (٢) قوله: وولدها بمنزلتها، فإن الحمل يتبع أمه في الرقّ والحرية، وكذا الولد . (٣) قوله: وهو (١) قول أبي حنيفة، خلافاً للشافعي فإنه قال: إن المدبرة إذا (١) وفي البدائع: ولد المدبرة من غير سيدها بمنزلتها لإِجماع الصحابة على ذلك، فإنه روي عن عثمان خوصم إليه في أولاد مدبرة، فقضى أن ما ولدته قبل التدبير عبد، وما ولدته بعد التدبير مدبر، وكان ذلك بمحضر من الصحابة، ولم ينكر عليه أحد منهم فيكون إجماعاً، وهو قول شريح ومسروق، وعطاء وطاووس ومجاهد وابن جبير والحسن وقتادة، ولا يُعرف في السلف خلاف ذلك، وإنما قال به بعض أصحاب الشافعي فلا يعتدُّ به بخلاف الإجماع. أوجز المسالك ٥/١٣. ٣٣٣ ١٠ - (باب الدعوى والشهادات وادّعاء النَّسَب) ٨٤٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان عُتْبَة(١) بن أبي وقّاص ٠ = ولدت من نكاح أو زنىٍّ لا يصير ولدها مدبَّراً، وإن الحامل ذات دُبُر صار ولدها مدبّراً. وعن جابر بن زيد وعطاء لا يتبعها ولدها في التدبير حتى لا يعتقَ بموت سيِّدها، كذا ذكر القاري. (١) قوله: كان عُتْبة بن أبي وقاص، هو بضم العين وسكون التاء، ابن أبي وقاص، مالك الزهري مات على شركه، كما جزم به الدمياطي. قال الحافظ في ((الإِصابة)): ولم أرَ من ذكره في الصحابة إلا ابن مَنْدَه، واشتد إنكار أبي نعيم عليه، وقال: هو الذي كسر رَبَاعية النبيِ وَله يوم أحد، ما علمتُ له إسلاماً، وفي ((مصنَّف عبد الرزاق)) أنه وَّ دعا على عُتبة حين كسر رَبَاعيته أن لا يَحُولَ عليه الحولُ حتى يموتَ كافراً، فكان كذلك ورُوي عن سعد بن أبي وقّاص، كما أخرجه ابن إسحاق عنه: ما حَرَصْتُ على قتل رجل قطّ حرصي على قتل أخي عتبة، لِمَا صنع برسول الله، ولقد كفاني منه قول رسول الله: اشتد غضبُ الله على من دمّى وجهَ رسوله، وزَمْعة - الذي ادّعى عتبة ابن جاريته - بفتح الزاء المعجمة وسكون الميم وقد تُفْتَح: ابن القيس العامري والد سودة أم المؤمنين، وابنه عبد القرشي العامري أخو سودة، كان من سادات الصحابة من مُسلمة الفتح، ولم تُسَمّ الوليدة في رواية، وابنها المخاصَم فيه كان من صغار الصحابة، اسمه عبد الرحمن، وأصل القصة أنه كانت لهم في الجاهلية إماء تزنين، وكانت ساداتهن تأتيهن في خلال ذلك، فإذا أتت إحداهن بولد ربما يدّعيه السيد، وربما يدّعيه الزاني، فإن مات السيّد، ولم يكن ادّعاه ولا أنكره فادعاه ورثته لحق به إلا أنه لا يشارك مستلحقه في ميراثه إلا أن يستلحقه قبل القسمة، وإن كان أنكره السيد لم يُلحق به، وكان لزمعة بن قيس أَمَةٌ تزني، وكان يطأها زمعة أيضاً، فظهر بها حمل كان يُظَنّ أنه من عتبة أخي سعد، فأوصى عتبة إلى أخيه قبل موته أن يستلحقه = ٣٣٤ عَهِدَ (١) إلى أخيه سعد بن أبي وقاص أنّ ابنَ وليدةٍ(٢) زَمْعَةَ مِنِّ(٣)، فاقْبِضْه(٤) إليك، قالت: فلما كان عام الفتح أخذه سعدٌ، وقال: ابن = به، فلما كان يوم الفتح رأى سعد الغلام فعرفه بالشِّبَه، فاحتج بوصية أخيه واستلحاقه، فلما تخاصم عبد بن زمعة مع سعد أبطل رسول الله وحصل و دعوى الجاهلية، وقال: ((الولد للفراش))، أي لصاحب الفراش وهو الزوج والسيّد، وللعاهر الزاني الحَجَر، بفتحتين على الأشهر، أي الخيبة والخسران، ولا حق له في الولد بالوطء المحرم، وإن كان مشابهاً له صورة وصدر منه الدعوى، يقال: فلان في فيه الحجر والتراب كنايةً عن حرمانه، وقيل: المراد بالحجر الرجم بالحجارة، وفيه ضعف فليس كل زانٍ يُرجم، وقيل: هو بفتح الأول وسكون الجيم أي المنع، وظاهر الحديث بإطلاق لفظ الفراش ووروده في مورد خاص: وهو ولد جارية زمعة يقتضي أن يكون الولد للفراش مطلقاً، سواء كانت المستفرشة أَمَة وصاحب الفراش سيداً أو المستفرشة زوجة وصاحب الفراش زوجاً من غير احتياج إلى ادعائهما، واختلف العلماء في ولد الأمة بعد اتفاقهم على أن ولد الزوجة للزوج، وإن أنكره أو لم يشبهه بعد إمكان الوطء لقيام العقد مقامه، فذهب الشافعية وغيرهم إلى أن ولد الأمة يُلحق بسيدها أقرَّ أو لم يُقِرّ بعد ثبوت وطئها، فإن الأمة تشترى لوجوه كثيرة فلا تكون فراشاً إلا بعد ثبوت الوطء، وقال الحنفية: لا تكون فراشاً إلا بولد استلحقه قبل، فما تلده بعده فهو له، وإن لم يَنْفِه، وأما الولد الأول فلا يكون له إلا إذا أقرَّ به. وفي الحديث مباحث ومذاهب مبسوطة في ((فتح الباري))، وشرح الزرقاني. وفيما ذكرناه منهما كفاية ههنا وسيأتي بعض ما بقي. (١) أي أوصى عند موته إلى أخيه سعد أحد العشرة المبشرة. (٢) أي جارية . (٣) أي من مائي وهو ابني . (٤) أي خذه وضمّه إليك. ٣٣٥ أخي (١) قد كان عهد إليّ أخي فيه، فقام إليه عبدُ بن زَمعة، فقال: أخي (٢) وابن وليدة أبي وُلد على فراشه، فتساوقا(٣) إلى رسول الله وَلّر، فقال سعد: يا رسول الله، ابن أخي قد كان عَهِدَ إليّ فيه أخي عُتْبَة، وقال عبد بن زَمْعة: أخي (٤) ابنُ وليدة أبي، وُلدَ على فراشه، فقال رسول الله وَالر: هو لك(٥) يا عبد بن زَمْعة، ثم قال: الولد للفراش (١) أي هذا ابن أخي عتبة فأنا أحق به. (٢) أي هو أخي، وابن جارية أبي. (٣) أي ساق كل منهما صاحبه إلى رسول الله صل﴿ وتدافعا عنده. (٤) أي هو أخي، وابن جارية أبي. (٥) قوله: هو لك، زاد القعنبي عند البخاري وغيره: هو أخوك يا عبد بن زمعة، بضم الدال على الأصل، ويروى بالنصب والنون، منصوب على الوجهين، وسقط في رواية النسائي أداة النداء، فبنى على ذلك بعض الحنفية أن المراد أنه هو لك، وأنه عبدٌ لابن زمعة لأنّه ابن أمة أبيه لا أنه ألحقه به، قال القاضي عياض: وليس كما زعم، فإن الرواية بيا، وعلى تقدير إسقاطها فعبد علم، والعلم يحذف منه حرف النداء، مع أن رواية القعنبي صريحة في رد هذا الزعم، وظاهر الحديث يفيد الاستلحاق، وإن لم يدّع السيد، ولم يقل به الحنفية مع أن الأخ لا يصح استلحاقه عند الجمهور، لكونه متضمناً على الإقرار على الغير من دون تصديقه، ولذا قالت طائفة: إنه ﴿ قضى بعلمه أنه أخوه لأن زمعة كان والد زوجته، وفراشه كان معلوماً عنده لا بمجرّد دعوى عبد على أبيه، وكان النبي ◌َّ من خصائصه الحكم بعلمه، وللطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) كلام طويل محصّله: أن معنى هو لك، أي بيدك تمنع من سواك كاللقطة، أو عبدك لا أنه أخوك، وإلا لما أمر النبي سودة بالاحتجاب منه، ورُدّ بأن ظاهر الروايات بل صريح بعضها نصّ في الحكم بالأخوة، والأمر بالاحتجاب إنما كان احتياطاً للشبهة : ٣٣٦ وللعاهر الحَجَر، ثم قال لسودة(١) بنت زَمْعة: احتجبي منه(٢) لما رأى من شَبَهِه بعُتْبة، فما رآها(٣) حتى لقي الله عزَّ وجلّ (٤). قال محمد: وبهذا نأخذ. الولد للفراش وللعاهر الحجر. وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا. ١١ - (باب اليمين مع الشاهد) ٨٤٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا جعفر بن محمد، عن أبيه: (٥) أن = لما أنه رأى في ذلك الولد مشابهة عتبة بن أبي وقاص وفي المقام أبحاث طويلة مذكورة في ((شرح الموطأ))، لابن عبد البر والزرقاني وغيرهما (١). (١) قوله: لسودة، هي أم المؤمنين، سودة بالفتح بنت زمعة بن قيس بن زيد بن عمرو بن لبيد بن عدي بن النجار تزوجها رسول الله ◌ُ له بعد موت خديجة قبل عائشة، وقيل بعدها، وكانت امرأة ثقيلة فأسنّت عند رسول الله فهمَّ بطلاقها، فقالت: لا تطلقني وإني وهبت يومي لعائشة، وكانت وفاتها في آخر زمان عمر، كذا ذكره ابن عبد البر في ((الاستيعاب)). (٢) أي من عبد الرحمن بن وليدة زمعة والد سودة. (٣) أي سودة. (٤) أي حتى توفي . (٥) قوله: عن أبيه، أي محمد الباقر بن زين العابدين، علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. قال ابن عبد البر: هذا الحديث مرسل في ((الموطأ)) ووصله عن مالك جماعة فقالوا: عن جابر، منهم عثمان بن خالد وإسماعيل بن موسى، = (١) انظر الأوجز ٢٩٦/١٢. ٣٣٧ النبي 18 قضى باليمين مع الشاهد. قال محمد: وبلغنا عن النبي ول# خلافُ(١) ذلك، وقال: ذكر = وأسنده عن جعفر عن أبيه عن جابر جماعة. انتهى. وفي ((التلخيص الحبير)) ذكر ابن الجوزي في ((التحقيق)) عدد من روى هذا الحديث، فزادوا على عشرين صحابياً، وأصح طرقه حديث ابن عباس أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم والشافعي وزاد فيه عن عمرو بن دينار أنه قال: إنما كان ذلك في الأموال، وإسناده جيد، قاله النسائي. ثم حديث أبي هريرة أخرجه الشافعي وأصحاب السنن وابن حبان وإسناده صحيح، قاله أبو حاتم. وحديث جابر: قضى رسول الله بالشاهد الواحد ويمين الطالب، أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه والبيهقي من رواية جعفر عن أبيه عنه، وقال الدارقطني: كان جعفر ربما أرسله وربما وصله. وفي رواية ابن عدي، وابن حبان من طريق إبراهيم بن أبي حيّة، وهو ضعيف، عن جعفر عن أبيه عن جابر مرفوعاً: أتاني جبريل وأمرني أنْ أقضي باليمين مع الشاهد. انتهى ملتقطاً. وبهذه الأحاديث ذهب الجمهور منهم الأئمة الثلاثة إلى القضاء بشاهد واحدٍ ويمين المدّعي. (١) قوله: خلاف ذلك، وهو أنه لا يجوز عود اليمين إلى المدعي، ففي ((مصنف ابن أبي شيبة)): نا سويد بن عمرو نا أبو عوانة عن مغيرة عن إبراهيم والشَّعْبي في الرجل يكون له الشاهد مع يمينه قال: لا يجوز إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين. وقال ابن أبي شيبة أيضاً: نا حماد بن خالد عن ابن أبي ذئب عن الزهري قال: هي بدعة، وأول من قضى بها معاوية، وسنده على شرط مسلم. وفي ((مصنف عبد الرزاق)»: أخبرنا معمر عن الزهري قال: هذا شيء أحدثه الناس، لا بد من شاهدين، كذا أورده السيد مرتضى في ((الجواهر)). وبهذه الروايات وأمثالها وبالحديث الصحيح: ((البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر))، وغيره من الأحاديث المشهورة المفيدة لحصر اليمين على المدّعي : ٣٣٨ ذلك (١) ابن أبي ذئب عن ابن شهاب الزهري، قال(٢): سَأَلْتُه(٣) عن اليمين مع الشاهد فقال: بدعة، وأول من قضي بها(٤) معاوية، وكان = عليه، وبظاهر قوله تعالى: ﴿واستشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكم﴾(١) الآية، ذهب أصحابنا والثوري والأوزاعي والزهري والنخعي وعطاء وغيرهم إلى بطلان القضاء بشاهد ويمين، وأجابوا عن الأحاديث السابقة بطرق: منها التأويل بأن المراد قضى بشاهدٍ واحدٍ للمدَّعِي ويمين المدَّعَى عليه، وهو مردود بنصوص بعض الروايات. ومنها الكلام في طرق حديث ابن عباس وأبي هريرة بالانقطاع في السند كما بسطه الطحاوي، وليس بجيد، فإن الكلام فيها ليس بحيث يسقط الاحتجاج بها كما لا يخفى على الماهر. ومنها أنّ أخبار الآحاد إذا أثبتت زيادة على القرآن والأحاديث المشهورة لا تعتبر بها، فإن الزيادة نسخ وخبر الواحد لا ينسخهما، وهذه قاعدة مبرهنة في أصول الحنفية غير مسلّمة عند غيرهم، فإن ثبتت تلك القاعدة بما لا مردّ له ثبت المرام وإلا فالكلام موضع نظر وبحث(٢). (١) أي خلاف ما مرّ. (٢) أي ابن أبي ذئب. (٣) أي ابن شهاب. (٤) أي باليمين مع الشاهد. (١) سورة البقرة: الآية ٢٨٢. (٢) وفي البذل ٢٩٣/١٥: كتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه - رضي الله عنه - قوله بيمين وشاهد، هما للجنس، والمعنى قضى بهذا أحياناً، وبذاك أحياناً إذا لم يوجد شاهد للمدَّعي، والحاجة إلى ذلك التأويل للجمع بقوله الكلي: البيّنة على المدعي ... إلخ. وهو مشتهر بل قريب من المتواتر. اهـ . ٣٣٩ ابن شهاب أعلم عند أهل الحديث بالمدينة(١) من غيره، وكذلك ابن جريج أيضاً، عن عطاء بن أبي رَبَاح قال(٢): إنه (٣) قال: كان القضاء الأول (٤) لا يُقبل إلا شاهدان، فأول من قضى باليمين مع الشاهد عبدُ الملك بن مروان. ١٢ - (باب استحلاف (٥) الخصوم) ٨٤٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا داود بن الحُصَين، أنه سمع أبا غَطَفان (٦) بن طرَيْف الْمُرّي (٧) يقول: اختصم زيد بن ثابت وابنُ مُطيع (٨) في دار إلى مروانَ (٩) بن الحكم، فقضى (١٠) على زيد بن (١)) هكذا في نسخة عليها شرح القاري، وفي نسختين معتَمَّدَتين: أعلم أهل المدينة بالحديث. (٢) أي ابن جريج. (٣) أي ابن أبي رباح وكان أعلم أهل مكة بالحديث في عصره. (٤) أي في الزمان الأوّل، زمان النبي ◌َّ وأصحابه. (٥) أي طلب حلف المدعى عليهم وتحليفهم. (٦) اسمه سعد. (٧) بضم الميم وتشديد الراء. (٨) أي عبد الله بن مطيع بن الأسود العدوي المدني، له رؤية، قُتل مع ابن الزبير، سنة ثلاث وسبعين، ذكره الزرقاني . (٩) أي حين كونه أميراً بالمدينة من جهة معاوية. (١٠) أي حكم مروان. ٣٤٠