النص المفهرس
صفحات 221-240
...---- ٧٧٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع (١)، عن عبد الله بن عمر: أنّ رسول الله و ◌َق نهى عن بيع (٢) حَبَل الحَبَلة. = ما في بطون الحوامل كأنّهنّ تضمَنّه، وقال الأزهري في ((شرح ألفاظ المختصر)): المضامين ما في أصلاب الفحول سُمّيت بذلك لأنّ الله أودعها ظهورها، فكأنها ضمنتها، وحكى صاحب ((مطالع الأنوار)) عن مالك أنه قال: المضامين الأجنّة في البطون، وعن ابن حبيب من أصحابه: هو ما في ظهور الإِبل الفحول. انتهى. وفيه أيضاً في حرف اللام: واحد الملاقيح عند صاحب ((صحاح اللغة)) ملقوحة، وكذلك قال أبو عبيد والقاسم بن سلّم والأزهري وغيرهم: إن الملاقيح الأجنّة في بطون الأمهات واحدها ملقوحة لأن أمها لقحتها أي حملتها فاللاقح الحامل، ولم يخصّها الأزهري وابن الفارس بالإِبل وخصها أبو عبيد والجوهري بالإِبل. انتهى. ويظهر من هذا كلُّه أنهم اختلفوا في تفسير المضامين والملاقيح التي نُهي عن بيعها في الحديث بعد ما اتفقوا على أن المراد بهما ما في البطون من الأجنّة وما في أصلاب الفحول من النَّطف التي تكون مادّة للأولاد، ولم تقع بعد في الرحم، ففسر بعضهم الأول بالأول والثاني بالثاني، وعكس بعضهم ولكلٍ وجهة ومناسبة، وكان هذان البيعان من بيوع الجاهلية يبيعون ولد الناقة قبل أن تولد، وقبل أن تقع نطفة الفحل في البطن، وإنما نُهي عنهما لأن فيهما غرراً وبيع ما ليس عنده، وما لا يقدر على تسليمه. ولقد أعجب علي القاري حيث فسر قوله ما في ظهور الجمال بقوله من الوبر، وأراد به الشعر الذي على الظهر. ولعل ما ذكرنا ظاهر على كل من له مهارة في فنون الحديث وغريبه فكيف خفي على هذا المتبحِّر؟ ولا عجب، فإن لكل عالم زلة، ولکل جواد كبوة. (١) كذا أخرجه الستة من حديث نافع عن ابن عمر، ذكره العيني. (٢) قوله: عن بيع حَبَل الحَبَلة، بفتح الباء والحاء فيهما ورواه بعضهم بسكون الباء في الأول، قال القاضي عياض: هو غلط، والصواب الفتح، والأول مصدر بحبلت المرأة، والحبل مختص بالآدميات ويقال في غيرهن من الحيوانات = ٢٢١ وكان(١) بيعاً يبتاعه الجاهلية يبيع (٢) أحدُهم الجَزُور (٣) إلى أن تُنْتَجَ (٤) الناقة(٥)، ثم تُنْتَجُ التي في . = الحمل، قال أبو عبيد: لا يقال شيء من الحيوانات حبل إلا ما جاء في هذا الحديث، والحَبَلة جمع حابل كَظَلَمة وظالم، وقيل: الهاء للمبالغة. واختلفوا في المراد بحبل الحبلة المنهي عنه فقيل: هو البيع بثمن مؤجل إلى أن تلد الناقة، ويلد ولدها، وهذا تفسير ابن عمر ومالك والشافعي وغيرهم، وقيل: هو بيع ولد الناقة الحامل في الحال، وبه قال أبو عبيد وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وهو أقرب إلى اللغة، والبيع فاسد على كلا المعنيين، كذا في ((تهذيب الأسماء واللغات)). وفي ((شرح المسند)): قال ابن التين: محصل الخلاف هل المراد البيع إلى أجل أو بيع الجنين، وعلى الأول: هل المراد بالأجل ولادة الأم أو ولادة ولدها؟ وعلى الثاني هل المراد بيع الجنين الأول أو بيع جنين الجنين، فصارت أربعة أقوال. انتهى . فعِلَّة النهي إما جهالة الأجل أو أنه غير مقدور تسليمه أو أنه بيع معدوم أو مجهول، وحكى صاحب ((المحكم)) في تفسيره قولاً خامساً: أنه بَيْع ما في بطون الأنعام، وهو أيضاً من بيوع الغرر، لكن هذا إنما فسَّر به ابن المسيّب بيع المضامين كما رواه مالك، وفسَّر به غيره بيع الملاقيح، وحُكي عن ابن كيسان وأبي العباس المبرد أن المراد بالحبلة الكَرْمة، وحبلها أي حملها وثمرها قبل أن يبلغ الإِدراك، كما نُهي عن بيع ثمر النخلة حتى تزهي. وهو قول شاذ. (١) هذا تفسير من ابن عمر، كذا ذكره ابن عبد البر. (٢) بيان لابتياع أهل الجاهلية. (٣) بفتح الجيم وضم الزاء: الناقة . (٤) قال السيوطي: بضمّ أوله وفتح ثالثه فعل لازم البناء للمفعول: أي تلد الناقة . (٥) قوله: الناقة، قال القاري: أي المبيعة. انتهى. وهذا قيد مخلّ مختل، والظاهر هو الإِطلاق. ٢٢٢ بطنها(١) . قال محمد: وهذه البيوع كلُّها مكروهة، (٢) ولا ينبغي (٣) لأنّها غَرَر عندنا، وقد نهى رسول الله وَّهِ عن بيعِ الغَرَر. ١٣ - (باب بيع المزابنة) ٧٧٧ - أخبرنا مالك، حدّثنا نافع، عن عبد الله بن عمر: أنّ رسول الله وَلل نهى (٤) عن بيع المزابنة. والمزابنة بيع الثَّمر بالتّمْر(٥) وبيع العنب بالزبيب کَیْلاً. (١) أي بعد کبرِها. (٢) أي فاسدة غير جائزة. (٣) أي لا يجوز. (٤) قوله: نهى عن بيع المزابنة، قال السيوطي في ((تنوير الحوالك)): زاد ابن بكير: والمحاقلة. والمزابنة(١)، مشتقة من الزبن، وهو المخاصمة والمدافعة، والمحاقلة من الحقل وهو الحرث وموضع الزرع، قال ابن عبد البر: تفسير المزابنة في حديث ابن عمر وأبي سعيد. وتفسير المحاقلة في حديث أبي سعيد إما مرفوع أو من قول الصحابي الراوي، فيُسلّم له الأمر لأنه أعلم به. (٥) قوله: بيع الثمر بالتمر، الأول بالثاء المثلثة المفتوحة مع الميم كذلك، = (١) المزابنة بيع التمر على الشجر بجنسه موضوعاً على الأرض، من الزّبن وهو الدفع لأن أحد المتبايعين إذا وقف على غبن فيما اشتراه أراد فسخ العقد وأراد الآخر إمضاءه وتزابنا أي تدافعا. وكل واحد يدفع صاحبه عن حقه لما يزداد منه، وخص بيع الثمر على رؤوس النخل بجنسه بهذا الاسم، لأن المساواة بينهما شرط وما على الشجر لا يحصر بكيل ولا وزن، وإنما يكون مقدراً بالخرص وهو حدث وظن لا يؤمن فيه من التفاوت. بذل المجهود ٢٣/١٥. ٢٢٣ ٠-٠ ٧٧٨ - أخبرنا مالك(١)، أخبرنا ابن شهاب، عن سعيد بن المسيّب: أنّ رسول الله وَليل(٢) نهى عن بيع المزابنة، والمحاقلة. والمزابنة اشتراء الثمر بالتمر، والمحاقلة اشتراء الزرع بالحنطة، واستكراء الأرض بالحنطة. قال ابن شهاب: سألت(٣) عن کرائها بالذهب والورق، فقال: لا بأس به (٤) . ٧٧٩ - أخبرنا مالك، حدّثنا داود بن الحُصَين، أنّ أبا سفيان مولى ابن أحمد(٥) أخبره أنّه سمع أبا سعيد الخدري يقول: نهى رسول الله وَله عن المزابنة والمحاقلة. والمزابنة اشتراء الثمر في رؤوس النخل بالتمر، والمحاقلة كراء الأرض. = وهو رُطَب النخل، والثاني بفتح التاء المثناة الفوقية: اليابس، وكذا الفرق بين العِنَب بكسر الأول وفتح الثاني والزبيب، فالأول رطب، والثاني يابس. (١) قال السيوطي: أخرجه الخطيب في رواته من طريق أحمد بن أبي طيبة عيسى بن دينار الجرجاني، عن مالك، عن الزهري عن ابن المسيّب، عن أبي هريرة به موصولاً . (٢) قوله: أن رسول الله وَالر، هذا مرسل عند جميع رواة ((الموطأ)) وكذا عند بقية أصحاب ابن شهاب، وقد رَوى النهيَ جماعةٌ من الصحابة: منهم جابر وابن عمر وأبو هريرة ورافع بن خديج وكلهم سمع منه ابن المسيب، كذا قال ابن عبد البر. (٣) في نسخة: سألنا. أي ابن المسيب. (٤) سيجيء تفصيل ما يتعلق بهذا المقام في ((باب المعاملة والمزابنة)). (٥) في نسخة: ابن أبي أحمد، وهو الصحيح الموافق لما مرّ في غير موضع. ٢٢٤ - ..--.. قال محمد: المزابنة عندنا اشتراء الثمر(١) في رؤوس النخل(٢) بالتّمْر كيلاً (٣) لا يُدرى التمرُ الذي أعطى أكثر (٤) أو أقل، والزبيب بالعنب لا يُدرى أيهما أكثر، والمحاقلة اشتراء الحَبّ(٥) في السنبل بالحنطة کیلاً لا يُدرى أيهما أكثر وهذا كله مكروه(٦) ولا ينبغي مباشرته. وهو قول أبي حنيفة والعامة وقولنا(٧). ١٤ - (باب شراء الحيوان باللحم) ٧٨٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزِّناد(٨)، عن سعيد بن (١) أي الرطب. (٢) قوله: في رؤوس النخل، هذا القيد من الصحابة وهو اتفاقي عند الجمهور كما أن قيد الكيل اتفاقي ، فإنه متى كان جزافاً بلا كيل فهو أولى بالمنع وعن هذا لم يجوِّزوا بيع الرطب المجذوذ من النخل بتمر مجذوذ، ودلّ علیه حدیث زيد بن عياش، عن سعد، وقد مرّ البحث فيه. (٣) أي بالتخمين الجزاف. (٤) أي من الثمر على النخل. (٥) من الحنطة وغيرها. (٦) أي منهيّ عنه لعدم التساوي المشروط في الأموال الربوية. (٧) وهو قول الجمهور سلفاً وخلفاً، بل قول الكلّ(١). (٨) عبد الله بن ذكوان. (١) وهذه المسألة متفق عليها بين الأئمة. بذل المجهود ٢٣/١٥ . ٢٢٥ المسيّب قال: نُهي (١) عن بيع الحيوان باللحم. قال(٢): قلتُ لسعيد بن المسيّب: أرأيتَ(٣) رجلاً اشترى شارفاً (٤) بعشر شياءٍ(٥) - أو قال شاة - فقال سعيد بن المسيّب: إن كان اشتراها لينحرها(٦) فلا خيرَ(٧) في ذلك. قال أبو الزناد: وكان مَنْ أدركتُ من الناس يَنْهَوْن عن بيع الحيوان باللحم، وكان يُكْتَبُ في عُهُودِ (٨) العمّال(٩) في زمان(١٠) أَبَانَ(١١) وهشام(١٢) (١) بصيغة المجهول. (٢) أي أبو الزناد. (٣) أي أخبرني . (٤) قوله: شارفاً، قال الزرقاني: بشين معجمة وألف وراء مهملة وفاء: المُسِنَّة من النُّوْق، والجمع الشرف. (٥) جمع شاة. (٦) أي ليذبحها، وفي نسخة: ليتّجرها. (٧) قوله: فلا خير في ذلك، أي لا يجوز إذ كأنه اشترى الحيوان بلحم، فإنْ لم يرد نحرها جاز لأن الظاهر أنه اشترى حيواناً بحيوان فيوكَلُ إلى نيته وأمانته، ولا ربا في الحيوان، كما مرّ عنه، قاله إسماعيل القاضي المالكي نقله عنه الزرقاني . (٨) بالضم جمع عهد أي دفاتر أحكامهم. (٩) جمع عامل. (١٠) هو زمان عبد الملك بن مروان. (١١) أي ابن عثمان بن عفان. (١٢) أي ابن إسماعيل المخزومي. وسيأتي ذكره في ((باب عهدة الثلاث والسنة)). ٢٢٦ .- يُنْهَوْن(١) عن ذلك (٢). ٧٨١ - أخبرنا مالك، أخبرنا داود بن الحصين، أنّه سمع سعيد بن المسيّب يقول: وكان من مَيْسر (٣) أهل الجاهلية بَيْع اللَّحم بالشاة والشاتين . ٧٨٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن سعيد بن المسيّب أنه بلغه(٤): أن رسول الله وَلّل نهى عن بيع الحيوان باللحم. قال محمد: وبهذا(٥) نأخذ. من باع لحماً من لحم الغنم بشاةٍ حيّة (١) معروف أو مجهول. (٢) أي عن بيع الحيوان باللحم. (٣) بفتح الميم وكسر السين كالقمار. (٤) قوله: أنه بلغه، لم يذكره في ((موطأ يحيى)) وإنما فيه عن زيد بن أسلم، عن ابن المسيب أن رسول الله وَله، الحديث . قال ابن عبد البر: لا أعلمه يتصل من وجه ثابت، وأحسنُ أسانيده مرسل سعيد هذا، ولا خلاف عن مالك في إرساله، ورواه يزيد بن مروان عن مالك عن ابن شهاب عن سهل بن سعد. وهذا إسناد موضوع لا يصح عن مالك. انتهى. وقال الحافظ في ((التلخيص)): أخرجه أبو داود في ((المراسيل)) ووصله الدارقطني في ((الغريب)) عن مالك عن الزهري عن سهل، وحَكَم بتضعيفه، وصوّب الرواية المرسلة التي في ((الموطأ))، وتبعه ابن عبد البر وابن الجوزي، وله شاهد من حديث ابن عمر، عند البزار، وفيه ثابت بن زهير ضعيف، وله شاهد أقوى منه من رواية الحسن عن سمرة. وقد اختلف في صحة سماعه منه، أخرجه الحاكم والبيهقي وابن خزيمة. انتهى. (٥) قوله: وبهذا نأخذ، اختلفوا فيه فجوّز أبو حنيفة وأبو يوسف والمزني تلميذ الشافعي بيع اللحم بالحيوان سواء كان اللحم من جنس ذلك الحيوان أولا = ٢٢٧ = مساوياً لما في الحيوان أو لا، بشرط التعجيل، أما بالنسيئة فلا، لامتناع السلم في الحيوان واللحم وذلك لأنه باع موزوناً بما ليس بموزون، إذ الحيوان ليس بموزون عادةً، ولا يُعرف قدر ثقله بالوزن، لأنه يثقل نفسه تارة ويخففها أخرى، واتحاد الجنس مع اختلاف المقدارية لا يمنع التفاضل، وإنما يمنع النّساء فقلنا به. وقال محمد: إن باعه بلحم غير جنسه كلحم البقر بالشاة الحية، ولحم الجَزُور بالبقرة الحية يجوز كيف ما كان، وإن كان من جنسه كلحم شاة بشاة حية، فشرطه أن يكون اللحم المفرز أكثر من اللحم الذي في الشاة ليكون لحم الشاة بمقابلة مثله من اللحم، وباقي اللحم بمقابلة السقط، وهو ما لا يُطلق عليه اسم اللحم كالكرش والجلد والأكارع ولو لم يكن كذلك يتحقق الربا، إما لزيادة السقط إن كان اللحم المفرز مثل لحم الحيوان، أو لزيادة اللحم إن كان لحم الشاة أكثر، فصار كبيع الحلّ أي دهن السمسم بالسمسم، والزيتون بدهنه، فإنه لا يجوز إلا على ذلك الاعتبار، ولو كانت الشاة مذبوحة مسلوخة إذا تساويا وزناً جاز اتفاقاً إذا كانت مفصولة عن السقط وإن كانت بسقطها لا يجوز إلا على الاعتبار المذكور. وقال مالك والشافعي وأحمد: لا يجوز بيع اللحم بالحيوان أصلاً في متحد الجنس(١)، ولو باعه بلحم من غير جنسه، فقال مالك وأحمد يجوز، وللشافعي قولان، والأصح: لا، لعموم النهي. ولا يخفى أن السمع وارد بالنهي مطلقاً، فمنه قويّ، ومنه ضعيف، فمن القوي رواية مالك، وأبي داود في المراسيل - ومرسل سعيد بن المسيب حجة بالاتفاق - وأخرجه ابن خزيمة، عن أحمد بن حفص السلمي : حدثني إبراهيم بن طهمان عن الحجاج بن الحجاج، عن قتادة عن الحسن عن (١) قال الموفق: لا يختلف المذهب أنه لا يجوز بيع اللحم بحيوان من جنسه، وهو مذهب مالك والشافعي وقول فقهاء المدينة السبعة. وحُكي عن مالك: أنه لا يجوز بيع اللحم بحيوان معدّ للذبح، ويجوز بغيره، وقال أبو حنيفة: يجوز مطلقاً، لأنه باع مال الربا بما لا ربا فيه، أشبه بيع اللحم بالدراهم أو بلحم من غير جنسه. المغني ٣٧/٧ . ٢٢٨ لا يُدرى اللحمُ (١) أكثر أو ما في الشاة أكثر فالبيع فاسد(٢) مكروهٌ لا ينبغي. وهذا مثل المزابنة(٣) والمحاقلة، وكذلك بيع الزيتون بالزيت ودُهن السِّمْسِم (٤) بالسِّمْسِم. ١٥ - (باب الرجل يُساوِمُ الرجلَ بالشيء فيزيد عليه أحد) ٧٨٣ - أخبرنا مالك، حدّثنا نافع، عن عبد الله بن عمر: أنّ رسول الله (پ﴾ قال : لا یبع(٥) بعضكم على . = سمرة، وقال البيهقي: إسناده صحيح، ومن أثبت سماع الحسن، عن سمرة فهو عنده موصول، ومن لم يثبته فهو عنده مرسل جيد، والمرسل عندنا حجة مطلقاً، وأسند الشافعي إلى رجل مجهول من أهل المدينة: أنه # نهى أن يباع حيّ بميت، وأسند أيضاً عن أبي بكر الصديق أنه نهى عن بيع اللحم بالحيوان، وبسنده إلى القاسم بن محمد وعروة بن الزبير وأبي بكر بن عبد الرحمن أنهم کرهوا ذلك، كذا حقّقه ابن الهمام في ((فتح القدير)»، وكأنه أشار إلى ترجيح ما وافقته الروايات الحديثية . (١) أي المفرز المبيع. (٢) لاحتمال الربا. (٣) أي في تحقيق شبهة الربا. (٤) بكسر السينين (كنجد) بالفارسية. (٥) قوله: لا يبع(١)، بالجزم على النهي، وفي رواية: لا يبيع بالخبر مراداً به النهي. قال الباجي: أي لا يشتر، وقال ابن حبيب: إنما النهي للمشتري على = (١) في الحديث أربعة أبحاث: الأول: في معنى البيع، والثاني: في المراد بالبعض، والثالث: في شرط النهي، والرابع: فيمن خالف الحديث فباع على البيع. انظر الأوجز ٢٦٦/١١. ٢٢٩ بعض (١). = البائع، قال الباجي: ويُحْتَمَل حملُه على ظاهره، فيُمنع البائع أيضاً أن يبيع على بيع أخيه إذا ركن المشتري إليه، وقال عياض: الأولى حمله على ظاهره، وهو أن يعرض سلعة على المشتري برخص ليزهِّده في شراء سلعة الآخر الراكن إلى شرائها، وقال الأَبِّي: البيع حقيقةً إنما هو إذا انعقد الأول فلما تعذّرت الحقيقة حُمل على أقرب المجاز إليها، وهو المراكنة، وإذا كانت العلّة ما يؤدي إليه من الضرر فلا فرق بين المساوم على سوم غيره، والبيع على البيع، كذا في ((شرح الزرقاني)). وبهذا يظهر أن ما اختاره صاحب الكتاب من حمل هذا الحديث على السوم على سوم غيره ليس على ما ينبغي فإن النهي عنه مفاد حديث: لا يسوم الرجل على سوم أخيه، وفي رواية: لا يستام الرجل، أخرجه المصنف في كتاب ((الآثار)) والشيخان وغيرهم من حديث أبي هريرة، والدارقطني والبيهقي من حديث ابن عمر. وأما حديث الباب فقد أخرج نحوه الشيخان من حديث أبي هريرة ومسلم من حديث عقبة فلا ضرورة فيه على حمله على السوم، وإن كان ذلك صحيحاً بناءً على أن البيع من الأضداد يُطلق على الشراء أيضاً، بل هو محمول على ظاهره المتعارف، فكما أن الشراء على الشراء مكروه كذلك البيع على البيع(١) . ..- (١) زاد ابن وهب والقعنبي وعبد الله بن يوسف في هذا الحديث عن مالك بسنده: ولا تلقّوا السلع حتى تُهبط بها إلى الأسواق، قال ابن عبد البر: هي زيادة محفوظة من حديث مالك وغيره عن نافع عن ابن عمر. (١) قال الحافظ ابن حجر: البيع على البيع حرام، وكذلك الشراء على الشراء، وهو أن يقول لمن اشترى سلعة في زمن الخيار افسخ لأبيعك بأنقص أو يقول للبائع: افسخ لأشتري منك بأزيد، وهو مجمع عليه، وأما السوم فصورته أن يأخذ شيئاً ليشتريه فيقول له ردّه لأبيعك خيراً منه بثمنه أو مثله بأرخص منه، أو يقول للمالك استرده لأشتريه منك بأكثر. فتح الباري ٣٥٣/٤. ٢٣٠ : قال محمد: وبهذا نأخذ. لا ينبغي إذا ساوم (١) الرجلُ الرجلَ بالشيء أن يزيد (٢) عليه(٣) غيرُهُ فيه حتى يشتري أو يَدَعَ (٤). ١٦ - (باب ما يوجب البيع بين البائع والمشتري) ٧٨٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا(٥) نافع، عن عبد الله بن عمر: أن (١) السوم والاستيام تشخيص قيمة شيء وتقديرها عند المبايعة، قال في ((منتهى الأرب)»: الاستيام (بهاوكردن) بالفارسية. (٢) قوله: أن يزيد، إنما يُكره(١) هذا إذا تراوض الرجلان على السلعة، البائع والمشتري وركن أحدهما إلى الآخر، فساومه آخر بالزيادة لأن فيه إضراراً وأما إذا ساوم الرجل ولم يجنح قلب البائع إليه فلا بأس للآخر أن يساوم بالزيادة لأن هذا بيع من يزيد وهو جائز، كذا في ((شرح الطحاوي)). (٣) أي على ذلك الرجل القاصد للشراء المساوم. (٤) أي يترك فيشتريه الآخر. (٥) قوله: أخبرنا نافع، قال الزرقاني: أخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف ومسلم عن يحيى كلاهما عن مالك به وتابعه يحيى القطان وأيوب والليث في الصحيحين، وعبيد الله وابن جريج عند مسلم، كلهم عن نافع نحوه، وتابع نافعاً عبدُ الله بن دينار عن ابن عمر عند الشيخين، وجاء أيضاً من حديث حكيم بن حزام عند البخاري. انتهى. وذكر الحافظ في ((تخريج أحاديث الهداية)) أنه جاء من حديث سَمُرة، أخرجه النسائي وابن ماجة ونحوه لأبي داود عن أبي بُردة، وللنسائي عن عبد الله بن عمرو. انتهى. وقال السيوطي: هذا أحد الأحاديث التي رواها = (١) قال الحافظ: ذهب الجمهور إلى صحة البيع المذكور مع تأثيم فاعله، وعند المالكية والحنابلة في فساده روايتان، وبه جزم أهل الظاهر. فتح الباري ٣٥/٤. ٢٣١ .... رسول الله وَل﴾ قال: المتبايعان(١) كلَّ واحدٍ منهما بالخيار (٢) على صاحبه ما لم يتفرَّقا(٣)، إلَّ بيعَ . = مالك في ((الموطأ)» ولم يعمل به. قال مالك بعد روايته: ليس لهذا الحدیث عندنا حدَّ معروف، ولا أمر معمول به، وقال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أنَّ هذا الحديث ثابت وأنه من أثبت ما نَقَل العدول، وأكثرهم استعملوه وجعلوه أصلاً من أصول الدين في البيوع، وردِّه مالك وأبو حنيفة وأصحابهما، ولا أعلم أحداً ردَّه غير هؤلاء(١)، وقال بعض المالكيين: دفعه مالك بإجماع أهل المدينة على ترك العمل به، وذلك عنده أقوى من خبر الرجال، وقال بعضهم: لا تصح هذه الدعوى، لأن سعيد بن المسيب وابن شهاب رُوي عنهما العمل به، وهما من أجلُّ فقهاء المدينة، ولم يُرْوَ عن أحد ترك العمل به نصّاً إلاّ عن مالك، وربيعة يخلف عنه، وقد كان ابن أبي ذئب وهو من فقهاء المدينة في عصر مالك يُنكر على مالك اختياره ترك العمل به. انتھی . (١) أي كل واحد من البائع والمشتري، وفي رواية للصحيحين: البِّعان. (٢) أي في القبول والردّ. (٣) قوله: ما لم يتفرَّقا، اختلفوا في تأويله على أقوال: الأول: أن معناه التفرّق بالأقوال وهو قول إبراهيم النخعي وسفيان الثوري في رواية وربيعة الرأي ومالك وأبي حنيفة ومحمد فقالوا: المراد به أنه إذا قال البائع: بعت، وقال المشتري: اشتريت، فقد تفرَّقا بالأقوال، ولا شيء لهما بعد ذلك من خيار، ويتم البيع، ولا يقدر المشتري على ردّ البيع إلاّ بخيار الرؤية أو خيار العيب أو خيار (١) في قوله: لا أعلم أحداً ردَّه غير هؤلاء، قصور كبير من مثله، فقد نقل عياض وغيره عن معظم السلف وأكثر أهل المدينة وفقهائها السبعة - وقيل إلَّ ابن المسيب ـ إلى آخر ما بسطه الزرقاني والحافظ في الفتح. كذا في أوجز المسالك ٣١٩/١١. ٢٣٢ .......- = الشرط. الثاني: أن المراد التفرُّق بالأبدان فلا يتمُّ البيع بدونها، وبه يلزم البيع، وهو قول ابن المسيّب والزهري وعطاء بن أبي رباح وابن أبي ذئب وسفيان بن عيينة والأوزاعي والليث بن سعد وابن أبي مُلَيكة والحسن البصري وهشام بن يوسف وابنه عبد الرحمن وعبد الله بن حسن القاضي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأبي عبيد ومحمد بن جرير الطبري وأهلِ الظاهر، وحدّ التفرق أن يغيب كل واحد منهما عن صاحبه حتى لا يراه، قاله الأوزاعي، وقال الليث: أن يقوم أحدهما، وقال آخرون: هو افتراقهما من مجلسهما، أو نقلهما. وحجتهم في ذلك بأنه ورد في الخبر لفظ: المتبايعين واسم البيع لا يجب إلاّ بعد البيع، وسلفهم في ذلك من الصحابة: ابن عمر، فإنه حمل الحديث على التفرق بالأبدان، وأثبت به خيار المجلس، فكان إذا ابتاع بيعاً وهو قاعد، قام ليجب له، أخرجه الترمذي وغيره. وأبو برزة الأسلمي فإنّ رجلين اختصما إليه في فرس بعدما تبايعا وكانا في سفينة، فقال: لا أراكما افترقتما، وقال رسول الله وَله: البيِّعان بالخيار ما لم يتفرَّقا، حكاه الترمذي، وأخرجه أبو داود والطحاوي وغيرهما. والقول الثالث: أن معناه التفرق بالأبدان، لكن لا على ما فهمه أصحاب القول الثاني، قال عيسى بن أبان معناه أن الرجل إذا قال الرجل: قد بعتك عبدي هذا بألف درهم، فللمخاطب بذلك القول أن يقبل مالم يفارق صاحبه، فإذا افترقا لم يكن له بعد ذلك أن يقبل، قال: ولولا أن هذا الحديث جاء ما علمنا ما يقطع للمخاطب من القبول، فلما جاء هذا الحديث علمنا أن افتراق أبدانهما بعد المخاطبة بالبيع يقطع القبول، قال: وهذا أَوْلى ما حُمل عليه هذا الحديث(١)، لأنّا رأينا الفرقة التي لها حكم فيما اتفقوا عليه = (١) قال شيخنا في الأوجز ٣١٨/١١: والأوجه عندي في معنى الحديث - إن كان صحيحاً فمن الله، وإن كان خطأ فيمِنْي ومن الشيطان - أن المراد بالتفرق هو التفرق بالأبدان، والمراد بالمتبايعين المتساومان، والحديث من باب خيار القبول في المجلس، والمعنى أن كل واحد منهم بالخيار في المجلس، البائع في النُّكول عن الإِيجاب والمشتري في القبول، فإذا انقضى المجلس فلم يبقَ الإِيجاب ولا حقُّ القبول، فتأمل. ثم رأيت الحافظ = ٢٣٣ الخيار(١). = هي الفرقة في الصرف، فكانت تلك الفرقة إنما يجب بها فساد عقد متقدِّم ولا يجب بها صلاحه، وهذه الفرقة المرويَّة في خيار المتبايعين إذا جعلناها على ما ذكرنا فسد بها ما كان تقدم من عقد المخاطب، وإن جعلناها على ما قالت الفرقة الثانية يتم بها بخلاف فرقة الصرف، ولم يكن لها أصل فيما اتفقوا عليه، وهذا التفسير مروي أيضاً عن أبي يوسف رحمه الله، هذا ملخّص ما في ((شرح معاني الآثار)(١) للطحاوي، وشرحه المسمى ((بنخب الأفكار في تنقيح معاني الآثار)» للعيني، ولعل المنصف غير (٢) المتعصب يستيقن بعد إحاطة الكلام من الجوانب في هذا البحث والمتأمل فيما ذكرنا وما سنذكره أن أولى الأقوال هو ما فهمه الصحابيان الجليلان، وفهم الصحابي وإن لم يكن حجة لكنه أولى من فهم غيره بلا شبهة، وإنْ كان كل من الأقوال مستنداً إلى حجة. (١) قوله: إلَّ بيعَ الخيار، أي إلَّ بيع شُرط فيه الخيار إلى ثلاثة أيام، فإنه يبقى فيه الخيار بعد تفرُّق الأقوال أيضاً، وكذا بعد تفرُّق الأبدان، وهذا أحد المعاني التي ذُكرت فيه وهو مشترك بين القائلين بالتفرُّق قولاً وبين القائلين بالتفرُّق بدناً، فإنهم متفقون على بقاء الخيار في البيع بشرط الخيار بعد التفرُّق. وثانيها: أن معناه إلَّ بيعاً شُرط فيه أن لا خيار لهما في المجلس فيلزم بنفس البيع ولا يكون فيه خيار، وهذا مختصُّ بالقائلين بالتفرُّق بدناً الذي يحتجون بهذا الحديث لإثبات خيار المجلس. وثالثها: قال النووي: وهو أصحُّها أي على رأيهم أن المراد التخيير = قد حكاه عمن سلف فللَّه الحمد والمنّة، فقال: وقالوا: وقت التفرق في الحديث هو ما بين = قول البائع قد بعتك وبين قول المشتري اشتريت، قالوا: فالمشتري بالخيار في قوله: اشتريت أو تركه، والبائع بالخيار إلى أن يوجب المشتري، هكذا حكاه الطحاوي عن عیسی بن أبان منهم، وحكاه ابن خويز منداد عن مالك. اهـ . (١) ٢٠٣/٢. (٢) في الأصل: الغير وهو خطأ. ٢٣٤ : قال محمد: وبهذا(١) نأخذ، = بعد تمام العقد قبل مفارقة المجلس يعني يثبت لهما الخيار ما لم يتفرَّقا إلاّ أن يتخايرا في المجلس، ويختارا إمضاء البيع فيلزم البيع بنفس التخاير، ولا يدوم إلى المفارقة(١). (١) قوله: وبهذا نأخذ، فيه وفي قوله الآخر بعد ذكر التفسير: وهو قول أبي حنيفة: تصريح بأنهما لم يتركا هذا الحديث بالقياس ولم يَدَعا العمل به كما هو المشهور على الألسنة، بل إنهما حملا الحديث على ما حَمَل عليه النخعي، وأخذا به واحتجًا به في إثبات خيار القبول فيما إذا أَوْجَبَ أحد المتبابِعَيْن فإنَّ للآخر حينئذٍ الخيار في أن يقبلَه أو يردَّه ما لم يتفرقا قولاً، فإذا تفرَّقا قولاً وتمَّ الكلام من الجانبين إيجاباً وقبولاً فلا خيار له إلَّ في بيع الخيار الذي يكون فيه شرط الخيار لأحدهما أو لهما إلى ثلاثة أيام، كما هو مذهب أبي حنيفة، أو أزيد منه إلى شهر كما هو مذهب غيره. وقد أورد البيهقي في ((سننه)) - قاصداً التشنيع على أبي حنيفة - من طريق ابن المديني، عن سفيان يعني ابن عيينة أنه حدث الكوفيين بحديث البيّعان بالخيار، قال: فحدثوا به أبا حنيفة، وقال: إن هذا ليس بشيء أرأيتَ إن كانا في سفينة ... إلخ، قال ابن المديني: إن الله سائله عما قال. انتهى. قال السيد مرتضى الحسيني في ((عقود الجواهر المنيفة في أدلة الإِمام أبي حنيفة)»: هذه حكاية منكرة لا تليق بأبي حنيفة مع ما سارت به الرُّكبان، وشُحنت به كتب أصحابه ومخالفيه من شدة ورعه وزهده ومخافته من الله وشدة احتياطه في الدين، وعلى تقرير صحة الحكاية لم يُرد بقوله هذا ليس بشيء: الحديث، وإنما أراد أنه ليس هذا الاحتجاج بشيء يعني تأويله بالتفرُّق بالأبدان، فلم يردّ الحديث، بل تأويله بأن التفرق المذكور فيه هو التفرق بالأقوال، ولهذا قال: أرأيت لوكانا في سفينة ... أو تأويل المتبايعين بالمتساومين، وهو لم ينفرد = (١) انظر بذل المجهود ١٢٧/١٥. ٢٣٥ ٠ ٠٠ .... وتفسيره(١) عندنا على ما بلغنا عن إبراهيم النّخَعي أنه قال: المتبايعان : = باجتهاده في هذا القول، بل وافقه عليه شيخ إمامه الذي يُقتدى به، وشيخه من قبل والثوري والنخعي وغيرهم. انتهى. (١) قوله: وتفسيره عندنا، لما ورد على قوله: وبهذا نأخذ، أن الحديث بظاهره يثبت خيار المجلس، والحنفية ليسوا بقائلين به، فكيف يصح قوله وبهذا تأخذ؟ أشار إلى الجواب عنه بتفسير الحديث بالتفرُّق القولي، وقد طال الكلام بين أصحاب التفرُّق القولي ومثبتي خيار المجلس نقضاً ودفعاً. أما أصحاب خيار المجلس فأوردوا على أصحاب التفرق القولي بوجوه، الأول: أنه تفسير مخالف للمتبادر، والجواب عنه على ما في ((شرحٍ معاني الآثار)) و((فتح القدير)) وغيرهما أن التفرق كثيراً ما استعمل في الكتاب والسنّة في التفرُّق القولي، كما في قوله تعالى: ﴿وما تفرَّق الذين أوتوا الكتاب إلاّ من بعد ما جاءتهم البينة﴾(١)، وقوله تعالى: ﴿وإنْ يتفرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كلّ من سَعَته﴾(٢). والمراد به تفرق قول الزوجين في الطلاق بأن يقول الزوج طلقتك، والمرأة قبلت، وقوله ◌َله: افترقت بنو إسرائيل على ثنتين وسبعين فرقة وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة. والثاني: أن الخبر ورد بلفظ المتبايعين والبِّعين، وهذا اللفظ لا يُطلق إلاّ بعد حصول التفرُّق القولي وتمام العقد، فلا يكون الخيار إلَّ بعده وإن هو إلَّ خيار المجلس، فلا بد أن يُحمل التفرق على التفرق البدني، والجواب عنه على ما في ((الهداية)) وشروحها أن هذا إغفال منهم عن مقتضى اللغة، فإن المتساومين أيضاً قد يسمَّيان متبايعين لمناسبة القرب وقد قال له: لا يبيع الرجل على بيع أخيه، فقد سمى قرب البيع بيعاً، فيمكن أن يكون سمى غير (٣) المتفرقين قولاً في هذا الحديث بالمتبايعين لقربهما منه، وأيضاً المتبايع بالحقيقة إنما يكون من يباشر العقد، لا قبله ولا بعده، فإن كلا منهما = (١) سورة البينة: الآية ٤. (٢) سورة النساء: الآية ١٣٠. (٣) في الأصل الغير وهو خطأ. ٢٣٦ = بعد الفراغ وقبل المباشرة متبايع مجازاً باعتبار ما كان أوما يكون، وحالة المباشرة إنما هي ما إذا صدر عن أحدهما الإِيجاب وقَصَد الآخر تلفّظ القبول، ولم يتفرغ بعد. والثالث: أن هذا التفسير يخالف ما فهمه ابن عمر، وعمل على وفقه كما مرَّ ذكره، فلا يُعتبر به وأجاب عنه الزيلعي وغيره بأنه تقرَّر في الأصول أن تأويل الصحابي لمحتمل التأويل، واختياره لأحد التأويلين ليس بحجة ملزمة على غيره، ولا يمنعه عن اختيار تأويلٍ يغايره، وفيه نظر ظاهر عندي، فإنه بعد تسليم ما حقق في ((الأصول)) لا شبهة في أن تأويل الصحابي أقوى وأحرى بالقبول من تأويل غيره، وتقليده أولى من تقليد غيره، وقال الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)): قد يجوز أن يكون ابن عمر أشكلت عليه الفُرقة التي سمعها من النبي وَ﴿ ما هي؟ فاحتملت عنده الفرقة بالأبدان على ما ذهب إليه عيسى بن أبان، واحتملت عنده الفرقة بالأقوال على ما ذهبنا إليه ولم يحضره دليل يدل أنه بأحدهما أولى منه بما سواه، ففارق بائعه ببدنه احتياطاً، ويحتمل أيضاً أن يكون فعل ذلك لأن بعض الناس يرى أن البيع لا يتم إلاّ بذلك، وهو يرى أن البيع يتم بغيره، فأراد أن يتم البيع في قوله وقول مخالفه. انتهى. وهو ليس بشيء فيما يظهر لي فإن مثل هذه الاحتمالات لو اعتبرت لم يحصل الجزم بكون فعل واحد من الصحابة أمراً مذهباً له لجواز أن يكون فعله احتياطاً، وظاهر سياق قصة ابن عمر المرويَّة في الكتب تشهد شهادة ظاهرة على أنه كان مذهباً له، وهو الذي نسبه إليه أصحاب الاختلاف، وذكروه في معرض الخلاف، ثم قال الطحاوي: وقد رُوي عنه ما يدلُّ على أن رأيه كان الفُرقة بخلاف ما ذهب إليه أن البيع يتم بها، وذلك أن سليمان بن شعيب قال: نا بشر بن بكر، حدثني الأوزاعي، حدثني الزهري، عن حمزة بن عبد الله عن ابن عمر أنه قال: ما أدركت الصفقة حياً فهو من مال المبتاع، فهذا ابن عمر قد كان يذهب فيما أدركت الصفقة حياً فهلك بعدها أنه من مال المشتري، فدل ذلك على أنه كان يرى أن الصفقة تتم بالأقوال قبل الفرقة التي تكون بعد ذلك وأن المبيع ينتقل بذلك من ملك البائع إلى المشتري حتى يهلك من ماله إذا هلك. انتهى . = ٢٣٧ = وعندي فيه ضعف ظاهر، فإنه ليس فيه التصريح بنفي خيار المجلس ولزوم البيع قبل التفُّق البدني، وغاية ما فيه الإِطلاق وتقييده بالهلاك بعد التفرق سهل لا سيما إذا عُلم أنه كان مذهبه ذلك، أنه لا يلزم البيع إلَّ بعد الفرقة وإذا جاز ذكر الاحتمال في ذلك الأثر جاز فيه بالطريق الأوْلى مع أنه لا لزوم بين كونه ملكاً للمشتري وبين انتفاء خيار المجلس، فإن حصول الملك لا ينافي خيار الرؤية وخيار العيب، فيجوز أن لا ينافي خيار المجلس أيضاً. والرابع: أنَّ هذا التفسير يخالف ما قضى به أبو برزة، ونسبه إلى النبي والز كما أخرجه الطحاوي والبيهقي أنهم اختصموا إليه في رجل باع جارية فنام معها البائع، فلما أصبح قال: لا أرضى، فقال أبو برزة: إن النبي عليه السلام قال: البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا وكانا في خباء شَعره. وأخرجا أيضاً عن أبي الوضيء: نزلنا منزلاً، فباع صاحب لنا من رجل فرساً، فأقمنا في منزلنا يومَنا وليلَتَنا، فلما كان الغد قام الرجل يسرِّج فرسه، فقال صاحبه: إنك قد بعتني، فاختصما إلى أبي برزة، فقال: إن شئتما قضيتُ بينكما بقضاء رسول الله وَ﴾، سمعته يقول: البِّعان بالخيار ما لم يتفرَّقا وما أُراكما تفرقتما. وأجاب عنه الطحاوي بقوله: في هذا الحديث ما يدلُّ على أنهما كانا تفرَّقا بأبدانهما، لأن فيه أن الرجل قام يسرِّج فرسه، فقد تنحّى بذلك من موضع إلى موضع فلم يراعِ أبو برزة ذلك، وقال: ما أراكما تفرَّقْتُما؟ أي لمّا كنتما متشاچِرَيْن أحدكما يدَّعي البيع والآخر يُنكره لم تكونا تفرقتما الفُرقة التي يتمُّ بها البيع. انتهى. ولي فيه نظر: أما أولاً فلأنَّ هذا التأويل إن صح في الأثر الثاني لم يصح في الأثر الأول، وأما ثانياً فلأنه يحتمل أن يكون أبو برزة يظن أن الافتراق إنما يكون بغيبوبة أحدهما من الآخر، لا مجرَّد القيام والافتراق فلا يلزم عليه رعاية التنخِّي، وأما ثالثاً: فلأنَّ حمل التفرُّق الواقع في كلام أبي برزة على التفرّق القولي مما يأبى عنه الفهم السليم، وكيف يُظَنُّ به أنه حكم بمجرد التخاصم بعدم التفرُّق القولي، : ٢٣٨ = ولم يطلب من المدَّعي بيِّنته ولا من المدَّعى عليه حلفاً؟ وبالجملة فلا شبهة في أن ابن عمر وأبا برزة ذهبا إلى التفرُّق البدني وتأويل كلماتهما بما يأبى عنه السباق والسياق غير مرضي، غاية ما في الباب أن لا يكون قولهما ومذهبهما حجة على غيرهما، وهو أمر آخر قد عرفتَ ما عليه. وأما أصحاب التفرق القولي، فأوردوا لتأييد تفسيرهم وإبطال ما ذهب إليه مخالفهم وجوهاً عديدة: منها أن إثبات خيار المجلس وحمل التفرُّق على التفرق البدني يخالف قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أَوْفوا بالعقود﴾(١)، وهذا عقد قبل التخيير. وقوله تعالى: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلاّ أن تكون تجارةً عن تراضٍ بينكم﴾(٢). وبعد الإيجاب والقبول يصدق ﴿تجارةً عن تراضٍ﴾ من غير توقُّف على التخيير، فقد أباح الله الأكل قبله، وقوله تعالى: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتُم﴾(٣) فإنه أمر بالتوثّق بالشهادة كيلا يقع التجاحد للبيع، والبيع يصدق قبل الخيار بعد الإيجاب والقبول، فلو ثبت الخيار وعدم اللزوم بعده للزم إبطال هذه النصوص، وفيه ما ذكره ابن الهمام في ((فتح القدير)) من أنّا نمنع تمام العقد قبل الافتراق، والتخيير، ونقول: العقد الملزم إنما يُعرف شرعاً، وقد اعتبر الشرع في كونه ملزماً اختيار الرضى بعد الإِيجاب والقبول بالأحاديث الصحيحة، وكذا لا يتمُّ التجارة عن التراضي إلَّ به شرعاً، فإنما أباح الأكل بعد الاختيار، والبيع وإنْ صَدَق بعد الإِيجاب والقبول لكن التام منه متوقُّف على الافتراق أو الاختيار. ومنها أن إثبات خيار المجلس يعارضه حديث النهي عن بيع الغَرَر، فإنَّ كل واحد لا يدري ما يحصل له هل الثمن أم المثمّن. ومنها أنه خيار مجهول العاقبة فيبطل خيار الشرط إذا كان كذلك. وفيهما ما فيهما، فإنه منقوض بخيار الرؤية وخيار التعيين وغير ذلك، ومنها ما ذكره الطحاويّ أن حديث: من ابتاع = (١) سورة المائدة: الآية ١. (٢) سورة النساء: الآية ٢٩. (٣) سورة البقرة: الآية ٢٨٢ . ٢٣٩ بالخيار ما لم يتفرقا، قال: ما لم يتفرقا عن منطق(١) البيع إذا قال البائع: قد بعتُك فله(٢) أن يرجع ما لم يقل(٣) الآخرُ: قد اشتريت، فإذا قال = طعاماً فلا يبيعه حتى يقبضه، يدل على أنه إذا قبضه حلَّ له بيعه، وقد يكون قابضاً له قبل افتراق بدنه وبدن بائعه، وأقرَّه السيد المرتضى في ((عقود الجواهر)». وعندي هو ضعيف، فإن هذا الحديث وأمثاله ساكتة عن ما وقع فيه البحث، فيُقَّد بالقبض والافتراق مع أنه لا يدل إلاّ على حرمة البيع قبل الاستيفاء، لا على ثبوت جوازه بعده متصلاً وإن منعت عنه الموانع الآخَر. وفي المقام كلام مبسوط، مظانّه الكتب المبسوطة، وفيما ذكرناه كفاية لألي الفطنة. وقد شيَّد الطحاوي أركان المسألة بالنظر والقياس وقال: إنّا قد رأينا الأموال تملك بعقود في أبدان وفي أموال ومنافع وأبضاع، فكان ما يُملك من الأبضاع هو النكاح، فكان ذلك يتم بالعقد لا بفُرقة بعده، وكان ما يملك به المنافع هو الإِجارات، فكان ذلك أيضاً مملوكاً بالعقد، لا بالفرقة بعد العقد، فالنظر على ذلك أن يكون كذلك الأموال المملوكة بسائر العقود من البيوع وغيرها تكون مملوكة بالأقوال لا بالفرقة، وهذا هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد. انتهى. وفيه أيضاً ما فيه، فإن كثيراً من الأحكام كخيار الرؤية وخيار التعيين وخيار العيوب ثابتة في البيع دون أمثاله، فللخصم أن يقول لیکن خيار المجلس من هذا القبيل. (١) أي عن نطق ما يتعلق به من إيجاب وقبول وشرط. (٢) أي للبائع. (٣) قوله: ما لم يقل الآخر قد اشتريت، قال في ((الهداية)) إذا أوجب أحد المتعاقِدَيْن البيع فالآخر بالخيار إن شاء قَبِل في المجلس وإن شاء ردَّه. وهذا خيار القبول، لأنه لولم يثبت له الخيار يلزمه حكم العقد من غير رضاه وإذا لم يفد الحكم بدون قبول الآخر فللموجب أن يرجع لخلوه عن إبطال حق الغير وإنما يمتدّ إلى آخر المجلس، لأن المجلس جامع للمتفرقات، فاعتبرت ساعاته ساعةً واحدة دفعاً للعُسْر وتحقيقاً لليُسْرِ. ٢٤٠