النص المفهرس

صفحات 621-640

فأمره أن يعود بأضحيةٍ (١) أخرى.
قال محمد: وبهذا(٢) نأخذ. إذا كان الرجل في مصرٍ يُصَلَّى (٣)
(١) قوله: بأضحية أخرى، وقع في رواية ابن ماجه وابن حبان أن النبي وليه
أذن عويمراً أن يضحّي بجذع من المعز، وهو محمول على الخصوصية أو على كونه
منسوخاً بدليل ما في قصة أبي بردة المروية في الصحاح أن النبي عليه السلام
أجاز له بجذعة وقال: لن يجزىء عن أحد بعدك(١).
(٢) قوله: وبهذا نأخذ، قال شارح المسند: في الحديث أن الأضحية إنما
تُذبح بعد فراغ الإِمام من صلاة العيد سواء ذبح أو لم يذبح، وسواء كان قبل الخُطبة
أو بعدها، لكن بعدها أحبُّ وإن أخَّروا صلاة العيد لعذر إلى الغد جاز أن يضحّي
بعد مضي وقت الصلاة، وهذه المراعاة إنما هي يوم النحر خاصة، وفي الثاني
والثالث يجوز الذبح قبل الصلاة، وهذا كله لأهل الأمصار. وأما أهل القرى فيجوز
لهم بعد طلوع فجر يوم النحر، ولو قبل طلوع الشمس، وهذا كله مذهب
أبي حنيفة وأصحابه، وقال مالك: وقت ذبح الأضحية إنما يدخل بعد الخطبة
والصلاة وذبح الإِمام، وقال الشافعي: إذا مضى من يوم النحر بعد طلوع الشمس
مقدار ما يُصلَّى فيه صلاة العيد والخطبتين بعدها، ويستوي في ذلك عنده أهل
المصر والبوادي .
(٣) بصيغة المجهول صفة للمصر.
(١) وقد ورد التخصيص لعقبة بن عامر أيضاً، فوُفِّق بينهما باحتمال صدورهما في وقت واحد،
أو أن خصوصية الأول نُسخت بثبوت الخصوصية للثاني، قيل: ذكر بعضهم أن الذين ثبت
لهم رخصة أربعة أو خمسة، لكن ليس التصريح بالنفي إلّ في قصة أبي بردة بن نيار في
الصحيحين وعقبة بن عامر. تنسيق النظام ص ١٩٨. وبسط الشيخ الكلام في الأوجز
٢٤٢/٩، فارجع إليه .
٦٢٢

العيدُ فيه، فذبح قبل أن يصلِّي الإِمام فإنما(١) هي شاةُ لحم،
i
ولا يجزىء من الأضحية، ومن لم يكن في مصرٍ وكان في بادية(٢)
أو نحوها من القرى النائية (٣) عن المصر فإذا ذبح حين يطلع الفجر (٤)
وحين تطلع الشمس أجزأه. وهو قول أبي حنيفة رحمه الله .
٤ - (باب ما يُجْزِىء من الضحايا
عن أكثر من واحد)
٦٣٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا عُمارة(٥) بن صَيّاد، أنّ عطاء بن
يسار، أخبره أن أبا أيوب (٦) صاحب رسول الله وَال أخبره قال: كنا
نُضحِّي بالشاة الواحدة يذبحها الرجل عنه(٧) وعن أهل بيته، ثم
(١) قوله: فإنما هي شاة لحم، أي: شاة ذبحت لأكل اللحم لا لتقرب
النحر، يشير إلى ما ورد عن النبي وَله: من صلّى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب
النسك، ومن نسك قبل الصلاة فتلك شاة لحم، أخرجه أبو داود وغيره.
(٢) أي صحراء.
(٣) في نسخة: الغائبة أي البعيدة.
(٤) أي فجر يوم النحر الصادق.
(٥) قوله: عُمارة، بضم العين وفتح الميم، هو عمارة بن عبد الله بن صَيّاد
بفتح الصاد وتشديد الياء الأنصاري، أبو أيوب المدني، وقد يُنسب إلى جدّه صيّاد،
وأبوه هو الذي قيل عنه إنه الدجال، وثقه ابن معين والنسائي، مات بعد سنة ١٣٠،
كذا في ((إسعاف السيوطي)).
(٦) خالد بن زيد الأنصاري .
(٧) أي عن نفسه.
٦٢٣

تباهى (١) الناس بعد ذلك، فصارت مباهاة(٢).
قال محمد: كان(٣) الرجل يكون محتاجاً فيذبح الشاة الواحدة
يُضَحِّ بها عن نفسه، فيأكل ويُطعم أهله، فأما شاةٌ واحدة تُذبح عن
اثنين أو ثلاثة أضحية(٤) فهذا لا يجزىء، ولا يجوز شاة إلا عن
الواحد. وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا.
(١) أي تفاخر.
(٢) أي ثم صارت الأضحية مفاخرة يتفاخرون بها ويذبحون لكل نفس
واحدة فأكثر.
(٣) قوله: كان الرجل ... إلخ، لمّا كان أثر أبي أيّوب دالاً على أن الشاة
الواحدة تجزىء عن الرجل وأهل بيته أوّله إلى أنه محمول على ما إذا كان الرجل
محتاجاً إلى اللحم أو فقيراً لا يجب عليه الأضحية فيذبح الشاة الواحدة عن نفسه،
ويُطعم اللحم أهل بيته أو يُشْركهم في الثواب، فذلك جائز، فأما الاشتراك في الشاة
الواحدة في الأضحية الواجبة فلا، فإن الاشتراك خلاف القياس وإنما جُوِّز في البقر
والإِبل لورود النص من طرق متكثرة أنهم اشتركوا في عهد رسول الله وَّر في البقرة
والإِبل ولا نص في الشاة فيبقى على الأصل، وأما ما أخرجه الحاكم عن أبي عقيل
زهرة بن سعيد عن جده عبد الله بن هشام وكان قد أدرك النبي وّ وذهبت به أمه
زينب بنت حميد إليه، وهو صغير فمسح رأسه ودعا له، قال: كان رسول الله
يُضَحِّي بالشاة الواحدة عن جميع أهله، قال الحاكم: صحيح الإسناد، فلا يدلّ
على وقوعه عن الجماعة، بل معناه أنه كان يضحّي ويجعل ثوابها هبة لأهل بيته،
وهذا كما ورد أنه ضحى كَبْشاً عن أمته. وبهذه الأخبار ذهب مالك وأحمد والليث
والأوزاعي إلى جواز الشاة عن أكثر من واحد، كذا ذكره العيني في ((البناية شرح
الهداية)) .
(٤) أي في الأضحية الواجبة.
٦٢٤

٦٣٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزبير المكيّ، عن جابر بن
عبد الله قال: نحرنا(١) مع (٢) رسول الله والله بالحُدَيْبية(٣) البَدَنة(٤) عن
سبعة والبقرة عن سبعة .
قال محمد: وبهذا نأخذ. البدنة والبقرة تُجزىء عن سبعة(٥) في
(١) أي ذبحنا.
(٢) أي حين حصروا بها ورفضوا إحرام العمرة هناك وذبحوا الهدايا.
(٣) قوله: بالحديبية، بضم الحاء وفتح الدال المهملة وتخفيف الياء، كذا
قال الشافعي وأهل اللغة وبعض أهل الحديث، وقال أكثر المحدثين: بتشديد الياء،
وهما وجهان مشهوران، قال صاحب ((مطالع الأنوار)): هي قرية، ليست بكبير،
وسُمِّيت ببئر هناك عند مسجد الشجرة على نحو مرحلة من مكة، وكان الصحابة
الذين بايعوا تحت الشجرة بيعة الرضوان يوم الحديبية ألفاً وأربع مائة، وقيل: ألفاً
وخمس مائة، وقيل غير ذلك، كذا في ((تهذيب الأسماء واللغات)) للنووي.
(٤) قوله: البَدَنة، بفتح الباء والدال، يُجمع على بُذْن - بضم الدال
وسكونها - هي من البقر والإِبل، سُمِّيت بذلك لعظم أبدانها، ذكره الدَّميري في
((حياة الحيوان))، وقال النووي في ((التهذيب)): حيث أُطلقت في كتب الحديث
والفقه، فالمراد بها البعير ذكراً كان أو أنثى، وأكثر أهل اللغة أطلقوه على الإِبل
والبقر.
(٥) قوله: عن سبعة، وكذا عن ستة وثلاثة وخمسة بالطريق الأولى،
ولا يجوز عن ثمان لحديث جابر في قصة الحديبية، أخرجه الجماعة إلا البخاري،
وفي لفظ لمسلم: أمرنا رسول الله وقليل أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة،
وفي رواية لأبي داود: قال النبي ◌َّ: البقر عن سبعة والجَزور عن سبعة، وأما
ما أخرجه الحاكم عن جابر: نحرنا يوم الحديبية سبعين بدنة، البدنة عن عشرة،
وأخرج الترمذي - وقال: حسن غريب - والنسائي عن ابن عباس قال: كنا مع =
٦٢٥

الأضحية والهدي (١) متفرقين (٢) كانوا أو مجتمعين من أهل بيت(٣)
واحد أو غيره. وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا رحمهم الله .
٥ - (باب الذبائح)
٦٣٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن
يسار: أنّ رجلًا (٤)
= رسول الله في سفر فحضر الأضحى فاشتركنا في البقرة سبعة وفي الجَزور عشرة،
محمول على الاشتراك في القيمة، لا في التضحية، على أن البيهقي قال: حديث
جابر في اشتراكهم في الجزور سبعة أصح، كذا ذكره ابن حجر في ((تخريج
أحاديث الهداية)) والعيني في ((البناية)).
(١) قوله: والهدي، أي هدي الحاج المُحصر وغيره لحديث جابر فإنه نص
فيه، والأضحية بمعناه.
(٢) أي سواء كان السبعة متفرقين من الأجانب أو مجتمعين.
(٣) قوله: من أهل بيت واحد أو غيره، أي من بيوت متعدِّدة، وفيه إشارة
إلى الرد على ما حكاه بعض أصحابنا عن مالك أنه جوَّز اشتراك أهل بيت واحد وإن
زادوا على السبعة ولم يُجِزْ اشتراك أهل بيتين وإن كانوا أقل. والذي يُفهم من ((موطأ
يحيى)) وشرحه أنه يجوز الاشتراك في البقر والإِبل والغنم في الأجر بأن يذبحه أحد
منهم ويُشركهم في الأجر، وفي هدي التطوع لا في الأضحية الواجبة والهدي
الواجب، وحمل حديث جابر على الاشتراك في الأجر فإن المحصر بعدو لا يجب
عليه عنده هدي فكان الهدي الذي نحروه تطوّعاً، لكن لا يخفى على ناظر كتب
الحديث أن صريح بعض الأحاديث تردّه.
(٤) قوله: أن رجلاً، أي من الأنصار من بني حارثة كما في ((موطأ يحيى))،
قال ابن عبد البر: هو مرسل عند جميع رواة ((الموطأ)) ووصله أبو العباس محمد بن =
٦٢٦

كان يرعى لِقْحةً(١) له بأُحُدٍ (٢)، فجاءها (٣) الموتُ فذكّاها (٤)
بشِكَاظ(٥)، فسأل (٦) رسولَ اللهِ وَلّر عن أكلها، فقال: لا بأس بها
كلوها(٧)
٦٤٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا(٨) نافع، عن رجل من الأنصار،
= إسحاق السراج من طريق أيوب، والبزار من طريق جرير بن حازم كلاهما عن زيد
عن عطاء عن أبي سعيد الخدري أن رجلاً ... .
(١) بكسر اللام وفتحها: ناقة ذات لبن، كذا ذكره السيوطي في ((التنوير)).
(٢) بضمتين: جبل عظيم بقرب المدينة.
(٣) أي قَرُب موتها، وجاءت مقدماته.
(٤) بتشديد الكاف: أي ذبحها.
(٥) قوله: شظاظ، بكسر الشين المعجمة وإعجام الظائين: العود المحدَّد
الطَّرَف. وفُسِّر في بعض طرق الحديث بالوتد، كذا في ((التنوير)).
(٦) في رواية: فأتى النبيَّ ◌ََّ، فسأله فأمره بأكلها.
(٧) أمر إباحة: إشارة إلى إباحة أكل ما ذبح المحدّد.
(٨) قوله: أخبرنا نافع، أي مولى ابن عمر عن رجل من الأنصار إلخ،
روى البخاري هذا الحديث عن المقدمي عن معمر عن عبيد الله بن عمر العمري
عن نافع أنه سمع ابن كعب بن مالك يخبر ابن عمر أن أباه أخبره أن جارية لهم
كانت ترعى غنماً بسلع، فأبصرت بشاةٍ موتاً، فكسرت حجراً، فذبحتها فقال كعب
لأهله: لا تأكلوا حتى آتي النبيَّ وَل ◌َ فأسأله، فأتاه أو بعث إليه من سأله، فأمره
بأكلها. ثم روى من طريق جويرية عن نافع عن رجل من بني سلمة أخبر عبد الله بن
عمر أن جارية لكعب بن مالك ترعى غنماً ... الحديث. وابن كعب المذكور في الرواية =
٦٢٧

أنّ معاذ بن سعد(١) أو سعد بن معاذ أخبره: أن جارية(٢) لکعب بن
مالك كانت ترعى غنماً له بسَلْع (٣) فأصيب (٤) منها شاة، فأدركتها(٥)،
ثم ذبحتها بحجر، فسُئل رسول الله وَالله عن ذلك فقال: لا بأس بها
كلوها(٦).
قال محمد: وبهذا نأخذ كل شيء أفرى (٧) الأوداج وأنهر الدم
= الأولى هو عبد الله بن كعب، جزم به المِزَّي في ((الأطراف)) ورجح الحافظ
ابن حجر أنه عبد الرحمن بن كعب، وقال الدارقطني: رواه الليث عن نافع سمع
رجلًا من الأنصار يخبر عبد الله، وقيل فيه عن نافع عن ابن عمر، ولا يصح،
والاختلاف فيه كثير، وقد اختلف فيه على نافع وأصحابه، قال الحافظ في ((مقدمة
فتح الباري)): هو كما قال.
(١) قال الزرقاني: كذا وقع على الشك. وذكر معاذ بن سعد بن مندة
وأبو نعيم في الصحابة، قاله في ((الإِصابة)).
(٢) قال ابن حجر في ((مقدمة الفتح)): لا يُعرف اسمها.
(٣) بفتح السين وسكون اللام: جبل بالمدينة.
(٤) أي جاءته مقدمات الموت .
(٥) الجارية .
(٦) يُستنبط من الحديث جواز ذبيحة المرأة بلا كراهة.
(٧) قوله: أفرى الأوداج، الإِفراء القطع، والأوداج جمع وَدَج - بفتحتين -
وهي عروق تحيط بالحلق، والإِنهار الإِسالة، كذا ذكره العيني، وفي هذا التعبير
إشارة إلى ما ورد: ((أنهر الدم بما شئت)) متفق عليه من حديث عدي، وفي رواية
لهما من حديث رافع: ما أنهر الدم، وذُكر اسم الله عليه فكلوا. وفي رواية
ابن أبي شيبة عن رافع: كلَّ ما أفری الأوداج إلا سنّاً أو ظفراً.
٦٢٨

فذبحت به فلا بأس بذلك إلا السنَّ والظفر والعظم، فإنه مكروه أن
تُذبح(١) بشيء منه. وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا.
٦٤١ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن
المسيّب أنه كان يقول: ما ذُبح(٢) به إذا بَضّع(٣) فلا بأس به إذا
اضطررت (٤) إليه.
قال محمد: وبهذا نأخذ. لا بأس بذلك كلِّه على ما فسّرتُ(٥)
(١) بصيغة المجهول أو المعروف المخاطب.
(٢) بصيغة المجهول.
(٣) قوله: إذا بَضّع، بفتح الباء وتشديد الضاد وتخفيفها أي قطع.
(٤) قوله: إذا اضطررت(١) إليه، بصيغة المجهول المخاطب. الظاهر أنه
محمول على ذكاة الاضطرار، فإن ذكاة الاختيار هو قطع الأوداج، وذكاة الضرورة
جرح في البدن أينما كان وهو لا يحلّ عند القدرة على ذكاة الاختيار، بل بحالة عدم
القدرة عليه، فمعنى قوله ما ذبح به ... إلخ: أنّ ما يُذبح به إذا قطع موضعاً من
مواضع الحيوان فلا بأس به إذا اضطر إليه، وإن لم يضطر إليه لا يجوز ذلك.
وحمله الزرقاني على أن معنى البضع قطع الحلقوم والودجين وأنّ قوله إذا اضطرت
إليه متعلق بتعميم مستفاد من كلمة ((ما)) أي ما ذبح به إذا قطع الأوداج، وإن كان
غير حديد فلا بأس به إذا اضطررت إليه وإلا فالمستحب الحديد المشحوذ لحديث:
وليُحدّ شفرته.
(٥) أي بيّنتُ سابقاً.
(١) قال صاحب ((المحلّى)): بأن لم تجد السكِّين خرج مخرج الغالب لأن الإِنسان لا يعدل من
المدية ونحوها إلى القضيب إلا إذا لم يجدها. انتهى. انظر: الأوجز ١٣٦/٩.
٦٢٩

لك، وإن ذبح بسن أو ظفر منزوعين (١) فأفرى الأوداج وأنهر الدم
أُكل (٢) أيضاً. وذلك (٣) مكروه، فإن كانا غير منزوعين (٤) فإنما(٥) قتلها
(١) أي مقلوعين عن موضعهما.
(٢) قوله: أكل أيضاً، لعموم الأحاديث التي مرّ ذكرها. ولأنّ كلّ من السنّ
والظفر وكذا القرن والعظم آلة جارحة تخرج الدم فيحصل ما هو المقصود. وذكر
العيني أن حلة أكل ما ذبح بالسن وغيره مذهب مالك(١) أيضاً. وقال الشافعي وأحمد:
المذبوح به ميتة لحديث رافع بن خديج مرفوعاً: ((ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه
فكلوا ما لم يكن سِنّاً أو ظفراً، سأحدثكم عن ذلك أما السن فعظم. وأما الظفر
فُمُدى الحبشة)) أخرجه الأئمة الستة وهو محمول عندنا على غير المنزوع فإن
الحبشة كانوا يفعلون كذلك إظهاراً للجلادة.
(٣) قوله: ذلك، أي ذلك الفعل يعني الذبح بالسن والظفر مكروه، أما
السن فلأنّه عظم وهو زاد إخواننا من الجن، فيجب الاحتزار عن تنجيسه، ولهذا
مُنع عن الاستنجاء به وذلك متصوَّر في الذبح وأما الظفر فلأنّ فيه تشبّهاً بالحبشة.
(٤) بل قائمين في موضعهما.
(٥) قوله: فإنما قتلها قتلاً، قال الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)»: قد روي
في هذا عن ابن عباس ما قد حدثنا به سليمان بن شعيب نا الحصيب بن ناصح نا
أبو الأشعث عن أبي العطاردي قال: خرجنا حُجّاجاً فصاد رجل من القوم أرنباً
فذبحها بظفره، فأكلوها ولم آكل معهم، فلما قدمنا المدينة سألتُ ابنَ عباس، =
(١) قال ابن رشد في البداية ٤٨٤/٢: أجمع العلماء على أن كل ما أنهر الدم وفرى الأوداج من
حديد أو صخر أو غيرهما أن التذكية به جائزة، واختلفوا في ثلاثة: في السن والظفر والعظم،
ولا خلاف في المذهب أن الذكاة بالعظم جائزة إذا أنهر الدم، واختلف في السن والظفر
على الأقاويل الثلاثة أعني بالمنع مطلقاً، وبالفرق بين الانفصال والاتصال، وبالكراهة
لا المنع.
٦٣٠

قتلاً(١) فهي ميتة لا تؤكل. وهو قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
٦ - (باب الصيد وما يُكره أكله
من السِباع (٢) وغيرها)
١
٦٤٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن أبي إدريس
الخَوْلاني (٣)، عن أبي ثعلبة (٤) الخُشَني: أن رسول الله وَّ نهى عن
أكل كلِّ ذي ناب من السباع .
٦٤٣ - أخبرنا مالك، حدّثَنا إسماعيل بن أبي حكيم، عن
= فقال: لعلك أكلتَ معهم؟ فقلت: لا. قال: أصبت إنما قتلها خنقاً. أفلا يرى أن
ابن عباس قد بيّن في حديثه هذا المعنى الذي حَرُم به أكل ما ذُبح بالظفر أنه الخنق
لأن ما ذُبح به فإِنما ذُبح بكفّ فهو مخنوق، فدل ذلك على أنه إنما نُهي عن الذبح
بالظفر المركب في الكف لا المنزوع وكذلك ما نُهي عنه مع ذلك من الذبح بالسن
فإنما هو على السن المركبة في الفم لأن ذلك يكون عضّاً، فإما السِنّ المنزوعة
فلا. وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد.
(١) أي هو ليس بذبح شرعي.
(٢) جمع سبع بضم الباء وإسكانها: الحيوان المفترس، ذكره الدَّميري.
(٣) بفتح الخاء نسبة إلى خَوْلان، قبيلة بالشام، اسمه عائذ الله، ذكره
السمعاني .
(٤) قوله: عن أبي ثعلبة، هو جرهم، وقيل: جرثوم بن ناشب، وقيل:
ابن ناشم، وقيل: اسمه عمرو بن جرثوم، وقيل: غير ذلك، كان ممن بايع تحت
الشجرة وأرسله رسول الله وَّه إلى قومه فأسلموا، ونزل الشام، ومات في زمن
معاوية وقيل: في زمن عبد الملك سنة ٧٥، كذا في ((الاستيعاب)). ونسبته إلى خُشين
بضم الخاء المعجمة وفتح الشين المعجمة، قبيلة من قضاعة، ذكره السمعاني.
٦٣١

عَبِيْدَةٍ(١) بن سفيان الحضرمي (٢)، عن أبي هريرة، عن رسول الله وَله
أنه قال: أكْلُ كل ذي ناب من السباع حرام.
قال محمد: وبهذا نأخذ. يُكره (٣) أكل كلِّ ذي ناب (٤) من
السِّبَاع وكُلِّ ذي مِخْلب من الطير، ويُكره من الطير أيضاً(٥) ما يأكل
(١) بفتح العين ثقة وثقه النسائي والعجلي، كذا في ((الإسعاف)).
(٢) بفتح الحاء وسكون الضاد نسبة إلى حضرموت من بلاد اليمن، ذكره
السمعاني .
(٣) أي يحرم.
(٤) قوله: أكل كلّ ذي ناب، هو الذي يفترس بأنيابه ويعدُو كالأسد والذئب
والفهد وغير ذلك، وبه قال الشافعي وأحمد وأكثر أهل العلم، وعن بعض أصحاب مالك
مباح، وبه قال الشعبي وسعيد بن جبير لعموم قوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أَوْجِيَ
إلَيّ محرَّماً﴾(١)، وكذا لا يجوز ذو مخلب من الطير - بكسر الميم - هو للطائر
كالظفر للإِنسان كالصقر والشاهين والعقاب، وبه قال الشافعي وأحمد وأكثر أهل
العلم، وقال مالك والليث والأوزاعي: لا يحرم من الطير شيء، وقد ورد النهي عن
أكل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير من حديث ابن عباس أخرجه مسلم
وأبو داود والبزار، وخالد بن الوليد أخرجه أبو داود، وعلي بن أبي طالب أخرجه
أحمد في مسنده، وجابر أخرجه الكرخي في «مختصره)). وورد من حديث
أبي ثعلبة عند الأئمة الستة وأبي هريرة عند مسلم وغيره: النهي عن ذي ناب من
السباع، وهذه الروايات حجة على من حكم بخلافها، وألحق أصحابنا بسباع
البهائم سباع الطير، كذا في ((البناية)) للعيني.
(٥) لدخوله في قوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّم الخبائث﴾(٢).
(١) سورة الأنعام: الآية ١٤٥ .
(٢) سورة الأعراف: الآية ١٥٧ .
٦٣٢

الجِيَفَ (١) مما له مِخْلب أو ليس له مخلب. وهو قول (٢) أبي حنيفة
والعامة من فقهائنا وإبراهيم النخعي .
٧ - (باب أكل الضَبّ (٣))
٦٤٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن أبي أمامة بن
سهل بن حنيف، عن عبد الله بن عباس، عن خالد(٤) بن الوليد بن
المغيرة: أنه(٥) دخل مع رسول الله وَ له بيتَ ميمونة (٦) زوجٍ
النبيِ وَلَ، فَأَتي بضَبّ مَحْنُوذ(٧) فأهوى (٨) إليه رسول اللّه ◌َل يده،
(١) الجِيَف بكسر الجيم وفتح الياء جمع جيفة.
(٢) قوله: وهو قول، أخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي أنهم يعني
الصحابة كانوا يكرهون ما يأكل الجِيَف. وعن مجاهد أنه سئل عنه فعافه، ذكره
ابن حجر في ((التلخيص)).
(٣) بفتح الضاد وتشديد الباء: حيوان معروف برّيّ، يقال له سوسمار كوه
باللغة الأردية .
(٤) قوله: خالد، هو ابن خالة ابن عباس، أبو سفيان المخزومي، أسلم بعد
الحديبية وقبل الفتح، وشهد غزوة مؤتة، مات بحمص سنة ٢١، وقيل: بالمدينة،
كذا في ((الإِسعاف)).
(٥) قال ابن عبد البر: كذا قال يحيى وجماعة من رواة ((الموطأ)). وقال
ابن بكير عن ابن عباس وخالد: إنهما دخلا مع رسول الله وَلؤ .
(٦) هي خالة ابن عباس وخالد.
(٧) بالذال المعجمة أي مشويّ.
(٨) أي أمال إليه يده للتناول للأكل.
٦٣٣

فقال بعض النسوة اللاتي كنَّ في بيت ميمونة: أَخِرُوا(١) رسولَ الله
بما يريد أن يأكل منه، فقلن(٢): هو ضبّ، فرفع (٣) يدَه، فقلت (٤):
أحرام(٥) هو؟ قال: لا(٦)، ولكنه لم يكن بأرض (٧) قومي، فأجِدُني
أعاقُه (٨). قال(٩): فاجترَرْتُه(٦) فأكلتُ ورسول (٧) الله وَلِّ ينظُرُ.
٦٤٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن
عمر أنّه قال: نادى رجل رسولَ الله وَله، فقال: يا رسول الله، كيف
ترى(٨) في أكل الضبّ؟.
(١) أي سَمُّوا له ليعرف حِلّه وحُرمته.
(٢) قوله: فقلن، منهن ميمونة كما عند الطبراني وبقية النساء لم يسمِّيْن،
كذا ذكره ابن حجر وغيره.
(٣) معرضاً عن أكله.
(٤) هذا قول خالد.
(٥) أي أأعرضت عن أكله لحُرمته؟
(٦) أي ليس بحرام.
(٧) أي مكة وأطرافها.
(٨) بفتح الهمزة أي أجد نفسي أكرهه.
(٩) أي خالد.
(١٠) أي جررته إلى نفسي.
(١١) الواو حالية والغرض منه بيان تقريره عليه السلام على أكله الدالّ على
حله فإنه لو كان حراماً لمنعه عن أكله.
(١٢) أي ما حکمه؟
٦٣٤

قال: لستُ(١) بآكله ولا مُحَرِّمه.
قال محمد: قد جاء (٢) في أكله اختلاف، فأما نحن فلا نرى أن
يؤكل .
(١) أي لا أحرّمه ولكن لا آكله لا لتحريمه بل لما مرّ.
(٢) قوله: قد جاء في أكله اختلاف، أي وردت في جواز أكله وعدمه
أحاديث مختلفة، فإن حديث ابن عمر وكذا حديث خالد المذكورَيْن سابقاً يدلان على
الحِلّ من غير كراهة، وحديث عائشة وعليّ المذكورَيْن لاحقاً يدلان على النهي
والكراهة، وإذا تعارضت الأخبار في الحلّ وعدمه رُجِّحت أخبار عدمه(١) احتياطاً.
قال بعض الأعلام في ((شرح مسند الإِمام))(٢): أخرج أبو داود عن عبد الرحمن
ابن شبل: أن رسول الله نهى عن أكل لحم الضب. وفي إسناده إسماعيل بن عياش
عن ضمضم بن زرعة عن عتبة عن أبي راشد عنه، قال الحافظ: وحديث(٣)
ابن عياش عن الشاميين مقبولة، وهؤلاء ثقات شاميون، ولا يُلتفت إلى قول الخطابي:
ليس إسناده بذلك وبهذا تمسّك أبو حنيفة وأصحابه، وقالوا بامتناع أكل الضبّ، وقد
وردت أحاديث في أكل الضبّ بعضها تشتمل على النهي لعلة المسخ، وبعضها
على أن النبي عليه السلام لم يأكل منه ولم ينه عنه، فمن الأول: ما أخرجه أحمد
والبزار وأبو يعلى والطبراني بإسناد رجاله ثقات عن عبد الرحمن بن حسنة: كنّا عند
النبي 18 فأسفر، فنزلنا منزلاً أرضاً كثيرة الضباب فأصبنا ضباً وذبحنا، فبينما القِدْرُ =
(١) قد جمع الشيخ في بذل المجهود ١٢١/١٦ بين هذه الروايات المتعارضة، وقال: إن
رسول الله # أباحه أولاً، ولكن ترك أكله تقذُّراً واعتذر بأنه لم يكن في أرض قومي فأجدني
أعافه، ثم تردّد فيه باحتمال كونه من الممسوخات فلم يأمر فيه بشيء ولم ينه عنه، فكان في
حكم الإباحة الأصلية، ثم بعد ذلك نهى عنه فصار حراماً، وهذا الوجه أولى لأن فيه تغليب
الحظر على الإِباحة .
(٢) أي: تنسيق النظام ص ١٩٢ .
(٣) في الأصل هكذا. والظاهر أحاديث.
٦٣٥

= يغلي إذ خرج رسول الله وَ له فقال: إن أمة من بني إسرائيل فُقدت وإني أخاف أن
تكون هي ، فاكْفَؤْوها، فَكفأناها، وفي رواية: وإنا جياع .
ومن الثاني: ما أخرجه مسلم عن أبي سعيد أنّ أعرابياً أتى رسول الله وَل
فقال: إني في غائط مُضِبة(١) وإنّه عامُّ طعام أهلي، فلم يجبه، فقلنا: عاوِدْهُ
فعاودَهُ، فلم يجبه ثلاثاً ثم ناداه في الثالثة، وقال: يا أعرابي، إنّ الله لعن على
سبطٍ من بني إسرائيل، فمسخهم دوابّ يدبّون على الأرض فلا أدري لعل هذا
منها، فلست آكلها ولا أنهى عنها. وعند أبي داود والنسائي من حديث ثابت بن
وديعة نحو ذلك. فلما كانت الأحاديث في الضبّ كما ترى اختلف العلماء في
أكله، فمنهم من حرّمه حكاه عياض عن قوم، ومنهم من كرهه وهو رأي أبي حنيفة
وأبي يوسف ومحمد، ونقله ابن المنذر عن علي، ومنهم من قال بإباحة أكله، وهو
قول الجمهور. وقالوا في الأحاديث التي ورد النهيُ فيها لعلّة المسخ ليس فيها
ما يدل على الجزم بأن الضبّ ممسوخ، وإنما توقف في ذلك وهذا لا يكون إلا قبل
أن يُعلم اللَّهُ نبيّه أن الممسوخ لا ينسل، وبهذا أجاب الطحاوي، ثم أخرج عن
ابن مسعود: سئل رسول الله عن القرود والخنازير وهي ممّا مُسخ. قال: إن الله
لا يُهلك قوماً أو يمسخ قوماً فيجعل لهم نسلاً، فلما عُلم أن الممسوخ لا نسل له
وكان ◌َلي يستقذره فلا يأكله، ولا يحرمه وأكل على مائدته دل على الإِباحة وتكون
الكراهة تنزيهية في حق من يتقذّره، ورجح الطحاوي إباحة أكله، ونقل الشيخ بيري
زاده في ((شرح الموطأ)» لمحمد عن العيني أنه قال: الأصح أن الكراهة عند
أصحابنا تنزيهية لا تحريمية الأحاديث الصحيحة أنه ليس بحرام(٢).
(١) قال الحافظ: مُضِبة - بضم أوله وكسر المعجمة - أي كثيرة الضباب. فتح الباري
٦٦٣/٩.
(٢) قال الحافظ: والمعروف عن أكثر الحنفية فيه كراهة التنزيه وجنح بعضهم إلى التحريم ::
٦٣٦

٦٤٦ - أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم النّخَعي،
عن عائشة: (١) أنّه أُهْدِيَ (٢) لها ضَبّ، فأتاها رسولُ اللهِ وَلير فسألته عن
أكله فنهاها عنه، فجاءت (٣) سائلة فأرادت (٤) أن تُطْعِمَها إياه، فقال لها
رسول الله وَ﴾: أَتُّطْعِمِينَها(٥) مما لا تأكلين؟
٦٤٧ - أخبرنا عبد الجبار(٦)، عن ابن عبّاس الهمدانيّ، عن
(١) قوله : عن عائشة ، هذه الرواية منقطعة ، فإن النخعي لم
يسمع من عائشة شيئاً كما ذكره ابن حجر في ((تهذيب
التهذيب))، وقد وجدنا هذا الحديث في ((مسند الإِمام
أبي حنيفة)) الذي جمعه الحصفكي، وفي ((مسنده)) الذي جمعه الخوارزمي هكذا:
أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة، وكذا أخرجه الطحاوي في
((شرح معاني الآثار)) ونقل عن محمد أنه احتج بهذا الحديث على كراهة أكل
الضب، وقال: قد دلّ ذلك على أنّ رسول الله وَّهَ كره لنفسه ولغيره أكلَ الضَّبَ،
فبذلك نأخذ، ثم أجاب عنه الطحاوي بقوله: قيل له: ما في هذا دليل على
ما ذكرت، فقد يجوز أن يكون كره أن تُطعمه السائل لأنها إنما فعلت ذلك من أجل
أنها عافته، ولولا أنها عافته لما أطعمته إيّاه، فأراد النبي ◌َّ ر أن لا يكون ما يتقرب
به إلى الله إلا من خير الطعام كما قد روي أنه نهى عن أن يُتَصَدّق بالتمر الرديء.
(٢) بصيغة المجهول.
(٣) في رواية الطحاوي: فجاء سائل.
(٤) أي عائشة .
(٥) من باب الإِطعام مع همزة الاستفهام للزجر والملام.
(٦) قوله: أخبرنا عبد الجبار عن ابن عباس الهمداني، بالفتح نسبة إلى همدان، =
ويبدو أن الطحاوي أيضاً فهم عن محمد أنّ الكراهية فيه للتحريم. انظر فتح الباري
٠٦٦٦/٩
٦٣٧

= قبيلة - عن عزيز - على وزن فعيل بزائين معجمتين بينهما ياء تحتية مثناة أولها عين
مهملة - بن مَرْتَد - بفتح الميم والثاء المثلثة بينهما راء مهملة ساكنة - عن الحارث
عن علي بن أبي طالب إلخ، هكذا وجدنا العبارة في كثير من النسخ وفي بعضها
عن أبي عباس مكان عن ابن عباس، وفي بعضها مكانه عن ابن عيّاش بتشديد الياء
المثناة التحتية بعد العين المهملة آخره شين معجمة، والذي أظن أن هذا كله
تصحيف، والصحيح عبد الجبار ابن عباس الهمداني قال في ((تهذيب التهذيب))
عبد الجبار بن العباس الشّبامي الهمداني الكوفي، وشبام جبل باليمن، روى عن
أبي إسحاق السبيعي وعدي بن ثابت وسلمة بن كهيل وقيس بن وهب وعون
وعثمان بن المغيرة الثقفي وعُرَيب بن مرثد المَشْرِقِي وعدة، وعنه ابن المبارك
وإسماعيل بن محمد بن جحادة ومسلم بن قتيبة وإبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق
السبيعي. وأبو أحمد الزبيري والحسن بن صالح ووكيع وغيرهم، قال عبد الله بن
أحمد عن أبيه: أرجو أن لا يكون به بأس وكان يتشيّع، وقال ابن معين وأبو داود:
ليس به بأس، وقال أبوحاتم: ثقة، وقال البزار: أحاديثه مستقيمة، وقال العجلي :
صويلح، لا بأس به. انتهى ملخصاً. وفي ((أنساب السمعاني)) بعد ذكر أن الشبامي
نسبة إلى شبام بلدة باليمن - بكسر الشين المعجمة بعدها باء موحدة - المشهور بالنسبة
إليها عبد الجبار بن عباس الشبامي الهمداني من أهل الكوفة، يروي عن عون بن
أبي جحيفة وعطاء بن السائب، وروى عنه ابن أبي زائدة والكوفيون، كان غالياً في
التشيع. انتهى. وفيه أيضاً بعد ما ذكر المَشْرِقي وضبطه بفتح الميم وسكون الشين
المعجمة وكسر الراء المهملة في آخره قاف، نسبة إلى مشرق بطن من همدان،
والمشهور بالنسبة إليه عريب بن مرثد المَشْرِقي الهمداني، يروي المقاطيع، روى
عنه عبد الجبار بن العباس الشبامي. انتهى ملخصاً. ومنه يُعلم أنّ شيخ عبد الجبار
اسمه عريب لا عزيز فليحرر هذا المقام: وأما الحارث فهو ابن عبد الله الأعور
الهمداني الكوفي، روى عن علي وابن مسعود وزيد بن ثابت، وعنه الشَّعبي
وأبو إسحاق السَّبيعي وعطاء بن أبي رباح وجماعة، كذّبه الشعبي على ما أخرجه =
٦٣٨

عزيز بن مَرَد، عن الحارث، عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه :
أنه نهى عن أكل الضبّ والضّبُع(١).
قال محمدٌ: فتركه أحبّ إلينا. وهو قول أبي حنيفة رحمه الله
تعالی .
: مسلم في ((مقدمة صحيحه)) وأبو إسحاق وعليّ بن المديني وغيرهم، ووثقه
يحيى بن معين، وقال ابن حبان: كان غالياً في التشيع، واهياً في الحديث، مات
سنة ٦٥هـ، وقال أحمد بن صالح المصري: الحارث الأعور ثقة ما أحفظه
وما أحسن ما روى عن عليّ، وأثنى عليه، قيل له: فقد قال الشعبي: كان يكذب؟
قال: لم يكن يكذب في الحديث وإنما كان كذبه في رأيه. وقال الذهبي: النسائي
مع تعنّته في الرجال قد احتج به والجمهور على توهينه مع روايتهم لحديثه في
الأبواب، وهذا الشعبي يكذّبه ثم يروي عنه، والظاهر أنه يكذب في حكاياته لا في
الحديث، كذا في ((تهذيب التهذيب)).
(١) قوله: والضَّبُع، هو كالسَّبُع وزناً ويقال له كفتار (بالفارسية) وهو حلال
عند الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وكرهه مالك، والمكروه عنده ما يأثم آكله
ولا يُقطع بتحريمه، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يحل أكله، وبه قال سعيد بن المسيب
والثوري محتجًّین بأنه ذو ناب(١) کذا ذكره الدَّميري، وقد ورد النهي عن أكله في
روايات عديدة أخرجها الترمذي وابن أبي شيبة وأحمد وإسحاق وأبو يعلى وغيرهم
كما بسطه العيني في ((البناية)) مع الجواب عما استدَلّ به المخالفون.
(١) إن الضبع سبع ذو ناب، وذهب الجمهور إلى التحريم لتحريم كل ذي ناب من السباع،
ولحديث الترمذي من رواية خزيمة بن جزء. انظر الكوكب الدري ١٠/٣ وبذل المجهود
١٢٨/١٦.
٦٣٩

٨ - (باب ما لَفَظَه(١) البحرُ
من السَّمَك الطّافي (٢) وغيره)
٦٤٨ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن ابن عبد الرحمن(٣) بن
أبي هريرة سأل عبدَ اللهِ بنَ عمر عمّا لفظه(٤) البحر؟ فنهاه عنه، ثم
انقلب(٥) فدعا بمصحفٍ فقرأ:
(١) أي رماه على الساحل ونحوه.
(٢) قوله: الطافي، يقال: طفا الشيء فوق الماء يطفو طفواً إذا علا، ومنه
السمك الطافي، وهو الذي يموت في الماء ويعلو على الماء ولا يرسب، كذا في
((المغرب)) وغيره.
(٣) قوله: أن عبد الرحمن، قال القاري: قيل ليس لعبد الرحمن هذا حديث
غير هذا في ((الموطأ)». انتهى. وقد ذكره ابن حِبّان في ثقات التابعين.
(٤) قوله: عما لفظه البحر، أي رماه البحر على الساحل، من أكلتُ التمرةَ
ولفظتُ النواة أي رميتُها، ومنه قوله تعالى: ﴿ما يَلْفِظُ من قولٍ إلّ لديه رقيب
عتيد﴾(١) وإطلاق اللفظ على الملفوظ لأنه مرميّ من الفم.
(٥) قوله: ثم انقلب، أي انصرف إلى بيته، ورجع إلى أهله كما يُعلم مما
ذكره السيوطي في ((الدر المنثور)): أخرج عبد بن حُمَيد وابن جرير وابن المنذر
وابن عساكر عن نافع أن عبد الرحمن بن أبي هريرة سأل ابنَ عمر عن حيتان ألقاها
البحر؟ فقال: أمَيْتَة هي؟ قال: نعم، فنهاه، فلما رجع عبد الله إلى أهله أخذ
المصحف فقرأ سورة المائدة فأتى على هذه الآية ﴿وطعامه﴾ فقال: طعامه هو الذي
ألقاه فالْحَقْه، فمره بأكله. انتهى. وبه يظهر ما في كلام القاري حيث فسر انقلب
بقوله أي رجع عن قوله. انتهى.
(١) سورة قَ: الآية ١٨.
٦٤٠

أُحِلّ لَكُمْ (١) صَيْدُ(٢) الْبَحْرِ وَطَعَامُه﴾ (٣)، قال نافع: فأرسلني
إليه (٤) أنْ(٥) ليس به بأس فَكُلْه.
قال محمد: وبقول ابن عمر الآخر (٦) نأخذ. لا بأس بما لفظه
البحر وبما حَسَر (٧) عنه الماءُ إنما (٨) يُكره من ذلك الطافي. وهو
(١) الخطاب إلى المُحْرِمين.
(٢) قوله: صيد البحر وطعامه، قال أبو هريرة: طعامه ما لفظه ميتاً، أخرجه
ابن جرير وابن أبي حاتم مرفوعاً وموقوفاً، وقال أبو بكر الصدّيق: صيده ما حويت
عليه وطعامه ما لفظه عليك، أخرجه أبو الشيخ، وفي رواية عبد بن حميد وابن جرير
وابن أبي حاتم عنه: صيد البحر ما نصطاده بأيدينا، وطعامه ما لائه البحر، ومثله
أخرجه البيهقي وغيره عن ابن عباس. وفي الباب آثار أُخَر مذكورة في ((الدر
المنثور)) .
(٣) بعده: ﴿متاعاً لكم وللسيّارة وحُرِّم عليكم صيد البرِّ ما دُمْتُمْ حرماً﴾(١)
(٤) أي إلى عبد الرحمن بن أبي هريرة.
(٥) بيان للمرسل به أي بهذا الحكم.
(٦) بكسر الخاء أي المتأخر.
(٧) أي انكشف عنه ونضب وغار.
(٨) قوله: إنما يُكره من ذلك الطافي، لما أخرجه أبو داود وابن ماجه عن
يحيى بن سليم عن إسماعيل بن أمية عن أبي الزبير عن جابر مرفوعاً: ما ألقى
البحر أو جزر عنه فكلوا: وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه. وأعله البيهقي بيحيى بن
سليم، وقال: إنه كثير الوهم سيّىء الحفظ، وقد رواه غيره موقوفاً، وردّه العيني بأنه =
(١) سورة المائدة: الآية ٩٦.
٦٤١