النص المفهرس
صفحات 601-620
فأنكح أبو حذيفة سالماً وهو (١) يرى(٢) أنه ابنه أنكحه(٣) ابنة (٤) أخيه فاطمة بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهي من المهاجرات الأول(٥) وهي يومئذ من أفضل (٦) أَيَامَى قريش، فلما أنزل الله تعالى في زيد ما أنزل: ﴿أُدْعُوهُم لآبائهم هو أقسط عند الله﴾(٧) ردّ كل أحد تُبِنِّي إلى أبيه، فإنْ لم يكنْ يُعلم أبوه رُدَّ إلى مواليه(٨). فجاءَتْ سَهْلة(٩) بنت سُهَيل (١٠) امرأة أبي حذيفة (١) قوله: وهو يرى أنه ابنه، لأنه كان التبني في الجاهلية وأوائل الإِسلام أمراً معتبراً، وكان من تبنَّى رجلاً دعاه الناس إليه وورث ميراثه إلى أن نزل قوله تعالى: ﴿ادعوهم﴾ أي المتبنين لآبائهم لا لمن تبناه ﴿هو﴾ أي دعاؤهم إلى آبائهم ﴿أقسط﴾ أي أعدل ﴿عند الله، فإن لم تعلموا آباءهم﴾ أي آباءهم الذين هم من مائهم ﴿فإخوانكم﴾ أي فهم إخوانكم في الدين. نزل ذلك في زيد بن حارثة متبنى رسول اللّه ◌َله، فعند ذلك رُدّ كل أحد تُبُنََّ إلى أبيه ولم يُنسب إلى من تبناه ولا حکم بوراثته منه بل من أبيه. (٢) أي أبو حذيفة يظن أن سالماً المتبنّى ابنه. (٣) أعاده لوقوع الفصل. (٤) قوله: ابنة أخيه، فاطمة بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، وفي رواية يونس وشعيب عن الزهري: هند بنت الوليد، والصواب فاطمة، قاله ابن عبد البر. (٥) بضم الألف وخفّة الواو المفتوحة . (٦) قوله: من أفضل أيامى قريش، جمع أيّم هو من لا زوج لها بكراً كانت أو ثيباً. (٧) بيان لما أنزل. (٩) بفتح السين وسكون الهاء. (٨) أي نُسب إلى مواليه. (١٠) بصيغة التصغير. ٦٠٢ وهي(١) من بني عامر بن لُؤَّيِّ إلى رسول الله وَّر فيما بلغنا(٢)، فقالت: كنا نُرى(٣) سالماً ولداً، وكان يدخل عليّ وأنا فُضْل (٤) وليس لنا إلا بيت واحدٌ، فما ترى(٥) في شأنه؟ فقال لها رسول الله وَلهو: فيما بلغنا(٦) أَرضعيه(٧). (١) فهي قرشية عامرية، وأبوها صحابي شهير. (٢) هذا قول الزهري. (٣) أي نظن أنه ولد للتبني. (٤) قوله: وأنا فُضْل، بضم الفاء وسكون الضاد، قال الباجي: أي مكشوفة الرأس، والصدر وقيل: عليها ثوب واحد لا إزار عليها، وقيل: متوشحة بثوب على عاتقها، خالفت بين طرفيها، قال ابن عبد البر: أصحها الثاني. (٥) قوله: فما ترى في شأنه؟ وفي رواية لمسلم عن القاسم عن عائشة قالت: إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم وهو حليفه، وله من وجه آخر، قالت: إن سالماً قد بلغ ما يبلغ الرجال، وعقل ما عقلوه وإنه يدخل علينا، وإني أظن أن في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئاً. (٦) هذا قول الزهري. (٧) قوله: أرضعيه خمس رضعات، في رواية يحيى بن سعيد عن ابن شهاب: عشر رضعات، والصواب رواية مالك، قاله ابن عبد البر. وفي رواية لمسلم: قالت: كيف أرضعه وهو رجل كبير؟ فتبسّم رسول الله مَظهر، وقال: قد علمتُ أنه رجل كبير. قال النووي في ((شرح صحيح مسلم)): قال القاضي عياض: لعلها حلبته ثم شربه من غير أن يمس ثديها، وهذا حسن، ويحتمل أنه عفا عن مسة للحاجة كما خُصّ بالرضاعة مع الكِبر. انتهى. وفي رواية ابن سعد عن الواقدي عن محمد بن عبد الله ابن أخي الزهري عن أبيه قال: كانت سهلة تحلب = ٦٠٣ خمس رضعاتٍ، فتحرم (١) بلبنك أو بلبنها، وكانت تراه (٢) ابناً من الرضاعة، فأخذت(٣) بذلك (٤) عائشة(٥). = في مسعط قدر رضعة، فيشربه سالم في كل يوم حتى مضت خمسة أيام، فكان بعد ذلك يدخل عليها وهي حاسر رأسها رخصة من رسول الله وص لته السهلة. (١) قوله: فتحرم، قال القاري: بتشديد الراء المفتوحة أي فصار حراماً بلبنك أي بسبب رضاعك، والخطاب للمرأة، أو بلبنها شكّ من الراوي وهو إما التفات في المبنى أو نقل بالمعنى. انتهى. ولا يخفى ما في ضبطه، والظاهر أنّ تُحرم صيغة الحاضر خطاباً إلى سهلة، أي فتحرّمه عليك بلبنك هذا إذا كان من التفعيل، ويمكن أن يكون ثلاثياً ويمكن أن يكون على صيغة المجهول، وفي ((موطأ يحيى)) فيحرم بلبنها . (٢) أي كانت سهلة تظن سالماً ابناً لها من الرضاعة بعد ما أرضعته. (٣) أي استدلت به، وعملت بحسبه. (٤) أي بحكم رسول الله وصل# في هذه القصة. (٥) قوله: عائشة، قال النووي في ((شرح صحيح مسلم)): قالت عائشة وداود الظاهري: يثبت حرمة الرضاع برضاع البالغ كما يثبت برضاع الطفل لهذا الحديث، وقال سائر العلماء من الصحابة والتابعين وعلماء الأمصار إلى الآن: إنه لا يثبت الرضاع إلا برضاع من دون سنتين إلا أبا حنيفة، فقال: سنتين ونصف، وقال زفر: ثلاث سنين، وعن مالك رواية سنتين وأيام، واحتج الجمهور بقوله تعالى: ﴿والوالداتُ يُرضعن أولادهن حولين كاملين﴾(١) وبالحديث الذي ذكره مسلم: إنما الرضاعة من المجاعة، وبأحاديث مشهورة، وحملوا حديث سهلة على أنه مختص بها وبسالم. انتهى. وذكر ابن عبد البر وغيره أن بقول عائشة قال عطاء والليث . = (١) سورة البقرة: الآية ٢٣٣ . ٦٠٤ فيمن(١) تحبُّ أن يدخل عليها من الرجال، فكانت تأمر أم كلثوم (٢) وبناتِ أخيها(٣) يُرْضِعْن من أحبَبْنَ (٤) أن يدخل عليها، وأبى (٥) سائر أزواج النبي * أن يدخل عليهم بتلك الرضاعة أحدٌ من الناس، وقلن لعائشة: والله ما نرى الذي أمَرَ به رسول الله وَ ل سهلة بنت سهيل إلا رخصةً(٦) لها في. = وقال أبو بكر ابن العربي: لعمر الله إنه لقوي، كيف ولو كان ذلك خاصاً بسالم لقال لها: ولا يكون لأحد بعدك، كما قال لأبي بردة في الجذعة. وفيه ما لا يخفى على صاحب الفطنة . (١) قوله: فيمن تحب، ظاهر الرواية شاهدة بأن عائشة أخذت به في باب الحجاب، وظنت أن رضاعة الكبير أيضاً تحل رفع الحجاب مطلقاً، لا خاصاً بسهلة وسالم، وقيل إنها ظنت بتحريم رضاعة الكبير مطلقاً. (٢) ابنة أبي بكر الصديق. (٣) عبد الرحمن بن أبي بكر. (٤) في نسخة: أحببت. (٥) قوله: وأبى، أي امتنعت بقية أزواج النبي ومسير عن أن يدخل عليهن بالرضاعة في الكبر، وجعلن هذا الحكم خاصاً بسهلة وسالم، وفي رواية لمسلم عن زينب بنت أم سلمة أم المؤمنين عن أمها أنها كانت تقول: أبى سائر أزواج النبي و له أن يُدخِلْن عليهن أحداً بتلك الرضاعةِ، وقُلْن لعائشة: والله ما نرى هذا إلا رخصة أرخصها رسول الله صل# لسالم خاصة فما هو بداخل علينا أحدٌ بهذه الرضاعة(١). (٦) وقد كان لرسول الله أن يخصّ من شاء بما شاء من الأحكام. (١) انظر: صحيح مسلم، باب حكم رضاعة الكبير، ٦٣٥/٣. ٦٠٥ رضاعة سالم وحده من رسول الله وَل، لا يدخل علينا بهذه الرضاعة أحد. فعلى (١) هذا كان رأي أزواج النبي ◌َّ في رضاعة الكبير. ٦٢٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن(٢) سعيد، عن سعيد بن المسيَّب: أنه سمعه يقول: لا رضاعة إلا في المهد (٣)، ولا رضاعة إلا ما أنبت (٤) اللحم والدم. قال محمد: لا يُحرم (٥) الرضاع إلا ما كان في الحولين، فما كان فيها من الرضاع وإن كان (٦) مصَّةً واحدة فهي تُحَرِّم كما قال (١) قوله: فعلى هذا، أي على عدم اعتبار رضاعة الكبير كان رأي أمهات المؤمنين غير عائشة، ويوافقهم ما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة قالت: دخل عليّ رسول الله وَّه وعندي رجل قاعد فاشتدّ ذلك عليه، فقلت: يا رسول الله ولايته : إنه أخي من الرضاعة، فقال: انظرن إخوتكن من الرضاعة، فإنما الرضاعة من المجاعة. وفي الباب أخبار أُخَر قد مرّ نُبَذّ منها. (٢) قوله: يحيى بن سعيد، هكذا في بعض النسخ، وهو الصحيح الموافق لما في ((موطأ يحيى)) وفي بعضها: مالك أخبرنا سعيد بن المسيّب أنه سمعه ... إلخ، وهو غلط واضح فإن مالكاً لم يدرك ابن المسيب. وكذا ما في بعضها: مالك أخبرنا يحيى بن سعيد بن المسيب أنه سمعه ... إلخ. (٣) أي في حالة الصغر أي حين يكون الطفل في المهد. (٤) وهو رضاعة الصغير ما لم يتغذّ. (٥) بصيغة المعروف الغائب من التحريم. (٦) قوله: وإن كان مصة واحدة، وأما حديث عائشة مرفوعاً: لا تحرِّم المصة ولا المصتان، أخرجه ابن حبان ومسلم وغيرهما فهو إما متروك بإطلاق الكتاب، وهو قوله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم﴾ أو منسوخ. وعن = ٦٠٦ عبد الله بن عباس وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير، وماكان بعد الحولين لم يُحَرِّم شيئاً لأن الله عزَّ وجلّ قال: ﴿والوالدات يُرْضِعن(١) أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ (٢) فتمام الرضاعة الحولان، فلا رضاعة بعد تمامهما تُحَرِّم(٣) شيئاً. وكان أبو حنيفة رحمه الله يحتاط (٤) بستة أشهر بعد الحولين، فيقول: يُحَرِّم (٥) ما كان في الحولين وبعدهما إلى تمام ستة أشهر، وذلك (٦) = ابن عباس أنه قال: كان ذلك. فأما اليوم، فالرضعة الواحدة تحرِّم حکاه عنه أبو بكر الرازي ومثله رُوي عن ابن مسعود، وقال ابن بطال: أحاديث عائشة في هذا الباب مضطربة، فوجب تركها والرجوع إلى كتاب الله تعالى، كذا في ((البناية)). (١) خبر بمعنى الأمر أي ليرضعن. (٢) مفهومه ما ذكره تعالى بعده: ﴿فإنْ أرادا فصالاً عن تراضٍ منهما وتشاورٍ فلا جُناح عليهما﴾(١). (٣) قوله: تحرم شيئاً، وعليه يتفرع أن الزوج لو مصَّ ثدي زوجته ودخل في حلقه لبنها لا تحرم عليه إذا كان كبيراً، بذلك أفتى ابن مسعود، ورجع إليه أبو موسى الأشعري بعد ما أفتى خلافه، كما رواه مالك في ((الموطأ)) ليحيى. (٤) قوله: يحتاط، فيه إشارة إلى أنه حكمٌ مبني على الاحتياط وليس أمراً ثابتاً بالنص ولا يخفى أنه لا احتياط بعد ورود النصوص بالحولين مع أن الاحتياط هو العمل بأقوى الدليلين وأقواهما دليلاً قولهما. (٥) أي يحرم الرضاع في مدة حولين ونصف حول. (٦) أي مجموعه . (١) سورة البقرة: الآية ٢٣٣ . ٦٠٧ ثلاثون شهراً، ولا يُحَرِّم ما كان بعد ذلك. ونحن (١) لا نرى (٢) (١) يعني به نفسه وأبا يوسف وغيرهما من العلماء. (٢) قوله: لا نرى ... إلخ، هذا هو الأصح المفتى به، وقول أبي حنيفة وإنْ ذَكروا في توجيهه أموراً فلا يخلو عن شيء قال ابن الهُمام في ((فتح القدير)): لهما قوله تعالى: ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهراً﴾ ومدة الحمل أدناه ستة أشهر، فبقي للفصال حولان، وقال له: لا رضاع بعد حولين، رواه الدارقطني عن ابن عباس يرفعه. وأظهر الأدلّة لهما قوله تعالى: ﴿والوالدات يُرْضِعْنَ أولادَهنّ حولين كاملين لمن أراد أن يُتِمّ الرضاعة﴾ فجعل التمام بهما ولا مزيد على التمام بهما ولا مزيد على التمام. ولأبي حنيفة هذه الآية ووجهه أنه تعالى ذكر شيئين وضرب لهما مدة، فكانت لكل منهما بكمالها إلا أنه قام المنقص في أحدهما يعني في مدة الحمل، وهو قول عائشة: الولد لا يبقى في بطن أمه أكثر من سنتين، ولو بقدر فلكة مغزل، ومثله لا يقال إلا سماعاً، فبقي مدة الفصال على ظاهره غير أن هذا يستلزم كون لفظ ثلاثين مستعملاً في إطلاق واحد في مدلول ثلاثين، وفي أربعة وعشرين وهو الجمع بين الحقيقي والمجازي، ويمكن أن يُستدل له بقوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن﴾ بناءً على أن المراد من الوالدات المطلَّقات بقرينة ﴿وعلى المولود له رزقُهن وكسوتهن بالمعروف﴾(١) فإن الفائدة في جعلها نفقتها من حيث كونها ظئراً أوجه: منها في اعتباره إيجاب النفقة للزوجة لأن ذلك معلوم بالضرورة قبل البعثة، واللام في ﴿لمن أراد﴾ متعلَّق بيُرضعن أي يرضعن للآباء الذين أرادوا تمام الرضاعة وعليهم كسوتهن ورزقهن بالمعروف أجرة لهن، والحاصل حينئذ يرضعن حولين كاملين لمن أراد من الآباء أن يتم الرضاعة بالأجرة، هذا لا يقتضي أن انتهاء مدة الرضاعة بالحولين، بل مدة استحقاق الأجرة بالإِرضاع، ثم يدل على بقائها في الجملة قوله تعالى: ﴿فإن أرادا فصالاً﴾ عطفاً بالفاء على يُرضعن = (١) سورة البقرة: الآية ٢٣٣ . ٦٠٨ أنه (١) يُحَرِّم، ونرى(٢) أنه لا يُحَرِّم ما كان بعد الحولين. وأما لبن الفحل (٣) فإنّا نراه يُحَرِّم، ونرى أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، فالأخ(٤) من الرضاعة من الأب تحرم عليه أخته من الرضاعة من الأب وإن كانت الأمّان (٥) مختلفتين إذا كان لبنهما من رجل واحد، كما قال ابن عباس: اللَّقاح واحد. فبهذا نأخذ. وهو قول أبي حنيفة رحمه الله . : حولين، فعلّق الفصال بعد الحولين على تراضيهما، وقد يُقال: أين الدليل على انتهائها بستة أشهر بعد الحولين؟ وما ذُكر في وجه زيادتها لا يفيد سوى أنه إذا أُريد الفطام يحتاج إليها ليتعوّد فيها غير اللبن قليلاً قليلاً لتعذُّر نقله دفعة، وأما أنه يجب ذلك بعد الحولين ويكون من تمام مدة التحريم شرعاً فلا، ولا شك أن الشرع لم يحرم إطعامه من غير اللبن قبل الحولين ليلزم منها زيادة مدة التعوّد عليهما، فجاز أن يعود مع اللبن غيره قبل الحولين بحيث قد استقرّت العادة مع انقضائهما، فكان الأصح قولهما، وهو مختار الطحاوي. وقول زفر من ثلاث سنين على هذا أولى بالبطلان، وهو ظاهر، وحينئذ فقوله تعالى: ﴿فإن أرادا فِصالاً﴾ المراد به قبل الحولين. انتهى. ملخصاً. (١) أي ما كان بعد الحولين. (٢) تكرير تأكيدي. (٣) أي الرجل وهو زوج المرضعة الذي لبنها منه. (٤) تصوير للبن الفحل. (٥) أي أم الأخ وأم الأخت. ٦٠٩ (كتاب الضَحايَا(١) وما يُجْزِىء مِنْهَا) ٦٢٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع: أن عبد الله بن عمر كان يقول في الضحايا والبُدْن(٢) الثّنيّ فما فوقه . ٦٢٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر: أنه كان ينهى (٣) عما لم تُسِنّ (٤) من الضحايا والبدن . (١) قوله: الضحايا، هي جمع ضحية كهدية وهدايا، وأما الأضاحي فهو جمع أضحية، وهي ما يُذبح في يوم من أيام النحر على وجه التقرُّب، كذا قال القاري . (٢) قوله: والبدن، بضم الباء وسكون الدال جمع بَدَنَة محرَّكة بمعنى الإبل والبقر عندنا، فهو تخصيص بعد تعميم، والثنيّ - ككريم - من الإِبل ما له خمس سنين وطعن في السادسة، ومن البقر ما له سنتان وطعن في الثالثة، ومن الغنم ما له سنة وطعن في الثانية، كذا قال القاري . (٣) وهو في ((موطأ يحيى)): كان يتقي. (٤) قوله: عما لم تُسِنّ، قال القاري: بضم التاء وكسر السين وتشديد النون، يقال أسنُّ الإِنسان وغيره إذا كبر، وقال الأزهري: ليس معنى إسنان البقر وغيره كِبَرهما، بل معناه طلوع الأسنان، وفي ((شرح الزرقاني)): رُويٍ لم تُسِنّ بكسر السين من السن لأنَّ معروف مذهب ابن عمر أنه لا يُضحَّى إلّ بثني المعز والضأن(١) والإِبل والبقر، وروي بفتح السين قال ابن قتيبة وهي التي لم تنبت أسنانها . (١) قال الزرقاني: لا يجوز عنده الجذع من الضأن وهذا خلاف الآثار المرفوعة وخلاف ٦١٠ وعن التي (١) نُقِصَ من خلقها. ٦٣٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر: أنه ضَحّى (٢) مرة بالمدينة فأمرني أن أشتري له كَبْشاً فحِيلاً (٣) أقرنَ (٤) ثم أُذْبحَه له(٥) يومَ الأضحى في مصلّى (٦) الناس ففعلت (٧)، ثم حُمِل (١) أي عن التي نقص من خلقتها نقصاناً يوجب نقصان القيمة وتأذِّي البهيمة . (٢) بتشديد الحاء أي أراد أن يضخِّي. (٣) قوله: فحيلاً، أي ذكراً لا أنثى، وفي زيادة ياء النسبة إشارة إلى تحقيق ذكورته وقيل: يحتمل أن يراد به لا خصياً، وقيل: أي قوياً عظيم الجثّة. (٤) أي ذا قرن. (٥) معطوف على اشترى أي أذبح لابن عمر في مصلى العيد. (٦) قوله: في مصلى الناس، اتباعاً لما ورد أن النبي و لو كان ينحر بالمصلى بعد صلاة العيد. (٧) قوله: ففعلت، أي فعلت ما أُمرت من الشراء والذبح في المصلى، ثم حمل الكبش المذبوح إلى ابن عمر فحلق ابن عمر رأسه حين حُمل إليه، والظرفية في قوله حين ذبح مجازية للقرب ويحتمل أن تكون حقيقة، والتجوُّز في التعقب الحاصل بثم. الجمهور. شرح الزرقاني ٧٢/٣ . قال الموفق: ولا يجزىء إلّ الجذع من الضأن والثني من غيره، وبهذا قال مالك والليث والشافعي وأبو عبيد وأبو ثور وأصحاب الرأي. المغني ٦٢٢/٦. ٦١١ إليه، فحلق رأسه حين ذُبح كبشه وكان(١) مريضاً لم يشهَدِ العيد مع الناس، قال نافع: وكان عبد الله بن عمر يقول: ليس حِلَاقُ(٢) الرأس بواجبٍ على من ضَخَّى إذا لم يَحُجّ وَقَدْ فَعَله(٣) عبد الله بن عمر. قال محمد: وبهذا كله نأخذ إلاّ في خصلةٍ (٤) واحدةٍ، الجَذَّع(٥) (١) قوله: وكان، أي ابن عمر كان مريضاً في تلك الأيام ولذا لم يشهد صلاة العيد ولم يذبح الأضحية بيده مع أنه الأفضل، بل أَمَرَ نافعاً به. (٢) بكسر أوله أي حلق شعر الرأس. (٣) وقد فعله: مقولة نافع. قوله: وقد فعله، الظاهر أن حلقه وقع اتفاقاً أو أراد به التشبّه بالحاج استحباباً فلا ينافي نفيه إيجاباً، كذا قال القاري والأظهر أن يقال: إنه صدر اتباعاً لقول رسول الله وَل﴿ من أراد أن يضحِّ ورأى هلال ذي الحجة فلا يأخذ من شعره وأظفاره حتى يضخّي، أخرجه مسلم وغيره، فلعل ابن عمر لم يأخذ شعره وأظفاره حتى ضحّى فحلق شعره وأخذ أظفاره، وفي الحديث إشارة إلى استحباب التشبّه بالصالحين(١). (٤) أي في صفة واحدة. (٥) قوله: الجَذَع من الضأن، هو ذوات الصوف من الغنم التي له ألية، كما = (١) في ((البذل)) عن الشوكاني: ذهب سعيد بن المسيَّب وربيعة وأحمد وإسحاق وداود وبعض أصحاب الشافعي إلى أنه يحرم عليه أخذ شيء من شعره وأظفاره، حتى يضحّي في وقت الأضحية، وقال الشافعي وأصحابه: مكروه كراهة تنزيه، ومذهب الحنفية في ذلك ما في ((شرح المنية)). وما ورد في صحيح مسلم قال رسول الله و98: إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحّي ... الحديث، محمول على الندب دون الوجوب بالإِجماع، فنفي الوجوب لا ينافي الاستحباب فيكون مستحباً إلَّ أن يستلزم الزيادة وقت إباحة التأخير ونهايته ما دون الأربعين، فإنه لا يباح ترك قلم الأظفار ونحوه فوق الأربعين. انتهى. أوجز المسالك ٢٣٩/٩. ٦١٢ من الضأن إذا كان(١) عظيماً أجزأ، في الهدي (٢) والأضحية، بذلك (٣) جاءت الآثار: الخصيّ (٤) من الأضحية يُجزىء مما يجزىء منه - = في ((منح الغفار)) وغيره، والجَذّع بفتح الجيم والذال المعجمة عند أهل اللغة من الشاة ما تمت له سنة وطعنت في الثانية، ومن البقر ابن سنة، ومن الإِبل ابن أربع سنين، وفي اصطلاح الفقهاء الجذع من الضأن ما تمت له ستة أشهر، وهو المرجّح عند الحنفية، وقال بعضهم: ما تمت سبعة أشهر، وقيل ستة أو سبعة، والتقييد بالضأن لأن الجذع من الإبل والبقر والغنم لا يجزىء، بل لا يجزىء منها إلاّ الثني كذا في ((الهداية)) و ((البناية)) وغيرهما. (١) قوله: إذا كان عظيماً، أي عظيم الجثّة بحيث لو خلط بالثنايا اشتبه على الناظر من بعيد، كذا فسَّره صاحب ((الهداية)) وغيره. (٢) أي في هدي الحاجّ وأضحية يوم الأضحى. (٣) قوله: بذلك، أي بإجزاء الجذع من الضأن وردت الأخبار، ففي سنن ابن ماجه عن هلال مرفوعاً، يجوز الجذع من الضأن أضحيته. وفي جامع الترمذي عن أبي هريرة مرفوعاً: نعمت الأضحية الجذع من الضأن. وفي سنن أبي داود وابن ماجه عن مجاشع مرفوعاً: أن الجذع يوفي مما يوفي عنه الثنيّ. وفي صحيح مسلم عن جابر: لا تذبحوا إِلَّ مُسنَّةٍ إلاّ أن يَعْسُرَ عليكم، فتذبحوا جَذَعة من الضأن. وبهذه الآثار وغيرها قال الجمهور بجواز الجذع من الضأن لا من غيره، وحملوا التقييد المذكور في رواية مسلم على الأفضل، والمعنى: يستحب لكم أن لا تذبحوا إلَّ مُسِنَّة إلَّ أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن، وجوَّزوا الجذع من الضأن مع وجود غيره، وحكى ابن المنذر وغيره عن ابن عمر والزهري أن الجذع لا يجزىء مطلقاً من الضأن كان أو من غيره، وبه قال ابن حزم، وعزاه لجماعة من السلف، كذا في ((شرح مسند الإِمام)) لبعض الأعلام. (٤) قوله: والخصي، أي مقطوع الخصيتين يجزىء مما يجزىء منه الفحل = ٦١٣ الفحل. وأما الحلاق فنقول فيه بقول عبد الله بن عمر: إنه ليس بواجب على من لم يحجّ (١) في يوم النحر. وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا . ٦٣١ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن عبد الله بن عمر لم يكن يُضَحّي عما في بطن المرأة . قال محمدٌ: وبهذا نأخذُ لا يُضحّى (٢) عما في بطن المرأة. ١ - (باب ما يُكره من الضَّحَايَا) ٦٣٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا عمرو (٣) بن الحارث، أن عُبيد(٤) بن فَيْرُوز . = أي غير المقطوع لما قد ثبت أن النبي ولو ذبح بكبشين موجوأين، أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه وغيرهم. (١) وأما الحاج فيجب عليه الحلق والقصر. (٢) قوله: لا يضحي، أي لا يجب عليه أن يضحي عما في حمل المرأة لأنه لم يخرج إلى الآن إلى دار الأحكام، وأما بعد خروجه من بطن الزوجة فقد اختلف أصحابنا وغيرهم فيه، فمنهم من قال: يجب الأضحية عن نفسه وعن أولاده الصغار، ومنهم من قال: لا يجب إلَّ عن نفسه. والمسألة مبسوطة في كتب الفقه. (٣) قوله: أخبرنا عمرو، هو ابن الحارث بن يعقوب بن عبد الله الأنصاري، مولاهم أبو أمية المصري، وثقه ابن معين والنسائي وغير واحد، مات سنة ١٤٨، وقيل ١٤٩، كذا في ((الإِسعاف)). (٤) قوله: أن عبيد بن فيروز، ضبطه القاري بفتح الفاء وسكون الياء وضم الراء وسكون الواو في آخره زاء، وذكر السيوطي أن عبيد بن فيروز أبو الضحاك = ٦١٤ أخبره أن البراء (١) بن عازب سأل (٢) رسول الله وَله: ماذا(٣) يُتْقَى من الضحايا؟ فأشار(٤) بيده، وقال: أربع (٥) - وكان البراءُ بن عازب يشير بيده ويقول: يدي أقصر(٦) من = الكوفي وثقه النسائي وأبو حاتم، وقال ابن عبد البر: لم يختلف الرواة عن مالك في هذا الحديث وإنما رواه عمرو عن سليمان بن عبد الرحمن، عن عبيد فسقط لمالك ذكر سليمان، ولا يعرف الحديث إلّ له ولم يروِه غيره عن عبيد ولا يُعرف عبيد إلَّ بهذا الحديث، وروى عن سليمان جماعة منهم شعبة والليث عن عمرو. (١) قوله: أن البراء، هو بفتح الباء وتخفيف الراء المفتوحة وبالمدين، عازب بكسر الزاء المعجمة ابن الحارث بن عدي الأنصاري الأوسي. أول مشاهده الخندق، نزل الكوفة ومات بها في أيام مصعب بن الزبير سنة ٧٢، كذا في ((جامع الأصول». (٢) هذا الحديث أخرجه أصحاب السنن الأربعة وأحمد والحاكم أيضاً من طريق عبيد. (٣) قوله: ماذا يُتَّقَى، أي يُجتنب، قال الباجي: دلَّ هذا على أن للضحايا صفاتٍ يُتَّقى بعضها، ولو لم يعلم أنها يُتْقَى منها شيء لسئل هل يُتّقى من الضحايا شيء؟ (٤) في رواية أشار بأصبعه، وقال البراء: أصبعي أقصر من أصبح رسول الله وَّ ـ وهو يشيرُ بأصبعه - ويقول: لا يجوز من الضحايا أربع، أورده ابن عبد البر. (٥) أي يُتَّقَى أربع(١). (٦) أي حقيقةً أو فضلاً وشرفاً. (١) قال الزرقاني: وفي رواية قال: لا يجوز من الضحايا أربع. شرح الزرقاني ٧١/٣؛ والأوجز ٢٢٧/٩ . ٦١٥ يده - وهي العَرْجاء (١) البَيِّن ظَلْعُها، والعوراء البيِّن عورها، والمريضة البَيِّن مرضها، والعَجْفاءُ التي لا تَنْقِي . قال محمد: وبهذا نأخذ. فأما العرجاءُ فإذا مَشَتْ(٢) على رِجلها فهي تجزىء(٣) وإن كانت لا تمشي لم تجزىء، وأما العوراء فإن كان بقي من البصر الأكثر (٤) من نصف البصر أجزأت، وإنْ ذهب النصف فصاعداً لم تجزىء، وأما المريضة التي فَسَدَتْ(٥) لمرضها والعجفاءُ التي لا تُنْقِي فإنهما لا يجزئان . (١) قوله: العَرْجاء، بفتح العين وسكون الراء البَيِّن ظَلْعها بفتح الظاء وسكون اللام أي عرجها، والعوراء التي ذهبت إحدى عينيه - ويلحق به العمياء بدلالة النص - البيِّن عورها أي الظاهر، فإن كان به مانع حقير لا يمنع الإِبصار فلا بأس به، والمريضة البِّن مرضها أي التي يتبيَّن أثر المرض عليها، وهو شامل لكل مرض، وقال الشافعي: المراد به الجرباء، قال العيني: هذا تقييد للمطلق وتخصيص للعموم، والعَجفاء بفتح العين مؤنث أعجف بمعنى الضعيفة التي لا تُنْقي - بضم التاء وكسر القاف - أي التي لا نِقْيَ لها، وهو بكسر النون وسكون القاف ... إلخ، وقيل: الشحم، كذا قال الزرقاني والعيني. (٢) أي إلى المرعى أو المذبح. (٣) قوله: فهي تجزىء، لما يدل عليه قوله عليه السلام البَيِّن ظَلْعها، وفيه أن ظهور العرج لا يتوقف على أن تصل إلى حد عدم المشي، بل مع المشي إذا لم تقدر على اللحوق بنفسها مع أبناء جنسها فهي عرجاء بيِّن عرجها. (٤) فإنَّ للأكثر حكم الكل. (٥) أي تغيَّرت. ٦١٦ ٢ - (باب لحوم الأضاحي) ٦٣٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر(١)، عن عبد الله(٢) بن واقد، أن عبد الله بن عمر أخبره: أنَّ رسولَ الله ◌َّل نهى عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلث(٣). قال عبد الله بن أبي بكر فذكرتُ ذلك(٤) لَعَمْرة بنت عبد الرحمن فقالت: صدق(٥)، سمعتُ(٦) عائشة (١) ابن محمد بن عمرو بن حزم. (٢) هو عبد الله بن واقد بن عبد الله بن عمر العمري المدني، وثقه ابن حبان، مات سنة ١١٩، قاله السيوطي. (٣) قوله: بعد ثلاث، اختلف في أول الثلاثة التي كان الادِّخار فيها جائزاً، فقيل: أولها يوم النحر فمن ضحّى فيه جاز له أن يُمسك يومين بعده، ومن ضحّى بعده أمسك ما بقي له من الثلاثة، وقيل: أولها يوم يضخِّي، فلوضحّى من آخر أيام النحر جاز له أن يمسك ثلاثاً بعدها، وحكى البيهقي عن الشافعي قال: كان النهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث للتنزيه، وهو كالأمر في قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ والمُعْتَرَ﴾(١) قال المهلب: هو الصحيح لما أخرجه البخاري عن عائشة قالت: كنا نُملِّح الضحية فنقدم به على النبي * بالمدينة، فقال: لا تأكلوا إلَّ ثلاثة أيام وليست بعزيمة، ولكن أراد أن يطعم منه، كذا في ((شرح المسند»(٢). (٤) أي حديث ابن عمر. (٥) أي ابن عمر فيما أخبر به، أو عبد الله بن واقد في ما نقله. (٦) قوله: سمعت عائشة، كأنها أشارت إلى أن خبر النهي الذي رواه = (١) سورة الحج: الآية ٣٦. (٢) تنسيق النظام ص ١٩٨ . ٦١٧ أمَّ المؤمنين تقول: دفَّ(١) ناسٌ من أهل البادية حضرةَ الأضحى (٢) في زمان رسول الله وَله، فقال: ادَّخروا(٣) الثلث وتصدَّقوا (٤) بما بقي، = عبد الله بن واقد عن جده وإن كان صادقاً لكنه منسوخ بدليل خبر عائشة، قال الحازمي في ((كتاب الناسخ والمنسوخ)» بعدما أخرج أحاديث النهي عن أكل لحم الأضحية فوق ثلاث من طريق ابن عمر وعلي وغيرهما: ممن ذهب إلى هذه الأخبار علي بن أبي طالب وعبد الله بن واقد بن عبد الله بن عمر، وخالفهم في ذلك جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ورأَوْا جواز ذلك، وتمسَّكوا في ذلك بأخبار تدل على نسخ ذلك. انتهى. ثم ذكر أخباراً تدل على النسخ من طريق جابر وأبي بريدة وعائشة، ونقل عن الشافعي أنه قال: حديث علي عن النبي وَل في النهي وحديث عبد الله بن واقد متفقان، وفيهما دلالتان أنَّ علياً سمع النهي عن رسول الله ولي﴿ وأن النهي بلغ عبد الله بن واقد، ودلالة أن الرخصة من النبي وقل لم يبلغ عليّاً ولا عبد الله، ولو بلغتهما ما حدَّثا بالنهي، والنهي منسوخ. (١) قوله: دفَّ، بتشديد الفاء وفتح الدال أي جاء، قال أهل اللغة: الدافّة قوم يسيرون جماعة سيراً ليس بالشديد(١)، كذا قال ابن حجر. (٢) أي في وقت الأضحى . (٣) بتشديد الدال المهملة أي احبسوا اللحوم إلى ثلاث ليال وتصدَّقوا بما بقي بعد ذلك. (٤) قوله: وتصدقوا بما بقي، فيه إشارة إلى أن النهي عن الأكل فوق ثلاث كان خاصّاً بصاحب الأضحية، فأما من أُهدي له أو تُصُدِّق عليه فلا، وقد جاء في حديث الزبير عند أحمد وغيره: قلت: يا نبي الله، أرأيتَ قد نُهي المسلمون أن = (١) ودافة الأعراب من يَرِد منهم المصر، والمراد ههنا ضعفاء الأعراب للمواساة. وفي ((موطأ يحيى)) زيادة: يعني بالدافة قوماً مساكين قدموا المدينة - تفسير من بعض الرواة - انظر الزرقاني ٧٦/٣؛ والأوجز ٢٥٠/٩. ٦١٨ فلما كان(١) بعد ذلك قيل(٢): يا رسول الله، لقد كان الناس ينتفعون في ضحاياهم، يُجْمِلُوْن(٣) منها الوَدَك(٤) ويتَّخذون منها(٥) الأَسْقِيَةَ(٦)، قال رسول الله وَلتله: وما ذاك(٧)؟ - أو كما (٨) قال - قالوا: نَهَيْتَ عن إمساك لحوم الأضاحي بعد ثلث؟ فقال رسول الله وَلات: إنما نهيتكم من أجل(٩) الدافَّة التي كانت دفَّت حضرةَ الأضحى، فكلوا = يأكلوا لحم نسكهم فوق ثلاث فكيف نصنع بما أُهدي إلينا؟ قال: أما ما أُهْدِيَ إليكم فشأنكم. (١) قوله: فلما كان بعد ذلك، أي في العام الذي بعد عام النهي كما ورد في حديث سلمة بن الأكوع عند البخاري، وورد عند أحمد وغيره ما يدل على أن حكم النسخ صدر أيضاً في حجة الوداع، ولعله إنما خطب به هنالك ليشيع حكم النسخ ولا یبقی فیه ریب. (٢) قوله: قيل، الظاهر أنهم أرادوا توسيع الأمر، فذكروا له ذلك، وقيل: إنهم فهموا أن النهي كان بسبب خاص، وهو الدافّة، وتردَّدوا في أنه هل اختص الحكم به أم صار عاماً؟ فذكروا للنبي وسير ما ذكروا، ففتح النبي ◌َّ بالرخصة. (٣) بالضم وبالجيم: أي يذيبون. (٤) بفتحتين: الشحم. (٥) أي من جلودها. (٦) جمع سقاء أي القِرْبة. (٧) أي: ما الذي منعهم من ذلك؟ (٨) شك من الراوي. (٩) أي من أجل الجماعة التي جاءت إليكم لتوسِّعوا عليهم. ٦١٩ وتصدَّقوا (١) وادَّخروا. ٦٣٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزبير المكيّ، عن جابر بن عبد الله أنه أخبره: أنّ رسول الله وَّل نهى عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث. ثم قال بعد (٢) ذلك: كلوا وتزوَّدوا وادَّخروا(٣). قال محمد: وبهذا نأخذ. لا بأس بالادِّخار بعد ثلاث والتزُّد، وقد رخَّص (٤) في ذلك رسول الله وَله بعد أن كان نهى عنه، فقوله الآخِرُ (٥) ناسخٌ للأوَّل، فلا بأس بالادِّخار والتزوُّد من ذلك. وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا. ٦٣٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزبير المكيّ، أن جابر بن عبد الله أخبره: أنّ رسول الله وَليل كان ينهى (٦) عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث ثم قال بعد ذلك: كلوا وادَّخروا وتصدَّقوا. قال محمد: وبهذا نأخذ. لا بأس بأن يأكل (٧) الرجل من (١) الأمر للاستحباب. (٢) أي بعد النهي في العام الآخر. (٣) بتشديد الدال المهملة. والأمر فيه وكذا في التزوُّد للإِباحة. (٤) فهو من قبيل نسخ السنَّة بالسنَّة . (٥) أي المتأخر. (٦) في نسخة: نهى. (٧) بل يستحب له ذلك كما فعله النبي وقلله. ٦٢٠ أضحيته ويدَّخر ويتصدَّق(١)، وما نُحِبُّ له أن يتصدَّق بأقلَّ من الثُّلُث وإن تصدَّق بأقل من ذلك جاز(٢). ٣ - (باب الرجل يذبح أضحيته قبل أن يغدوَ (٣) يوم الأضحى) ٦٣٦ - أخبرنا مالك، أخبرني يحيى بن سعيد، عن عبّاد بن تميم: أن عُوَيْمر (٤) بن أَشقَر ذبح أضحيته قبل أن يغدوَ يوم الأضحى، وأَنَّه(٥) ذَكَرَ ذلك لرسول اللّهَ وَّل). (١) لقوله تعالى: ﴿فكلوا منها وأطعموا القانع والمُعْتَرّ﴾(١). (٢) وكذا لو لم يتصدق بشيء. (٣) أي قبل أن يذهب صباحاً إلى المصلّى. (٤) قوله: أن عويمر، هو عويمر - بضم العين وكسر الميم مصغّراً - ابن أشقر - بفتح الألف وسكون الشين المعجمة بعدها قاف - بن عوف الأنصاري، وقيل : ابن أشقر بن عدي بن خنساء بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار الأنصاري المازني، شهد بدراً، وروى عنه عباد بن تميم المازني مرسلاً، كذا قال ابن الأثير في ((جامع الأصول))، وقال ابن عبد البر في ((شرح الموطأ)): لم يُختلف عن مالك في هذا الحديث، وظاهره الانقطاع لأن عبّاداً لم يدرك ذلك الوقت، ولذا زعم ابن معين أنه مرسل، لكن سماع عباد بن تميم ممكن، وقد صرح به في رواية عبد العزيز الدراوردي عن يحيى بن سعيد، عن عبّاد أن عويمر بن أشقر أخبره. (٥) قوله: أنه ذكر ذلك، الظاهر أنه معروف والضميران يعودان إلى عويمر أي أن عويمراً ذكر ذبحه قبل الصلاة لرسول الله وَلقه، فأمره أن يذبح بأخرى، وذهب القاري إلى أنه مجهول، والضمير للشأن. (١) سورة الحج: الآية ٣٦. ٦٢١