النص المفهرس

صفحات 541-560

١٥ - (باب الرجل يطلِّقُ امرأتَه ثلاثاً
قبل(١) أن يدخل بها)
٥٨٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا الزهريّ، عن محمد بن
عبد الرحمن بن ثَوْبان، عن محمد(٢) بن إياس بن بُكير قال: طلَّق
رجلٌ امرأته ثلاثاً قبل أن يدْخلَ بها ثم بدا له(٣) أن ينكحها فجاءَ
يَستفتي، قال(٤): فذهبت معه، فسأل أبا هريرة وابن عباس فقالا:
لا يَنْكحها(٥) حتى تنكحَ زوجاً غيره، فقال: إنما كان طلاقي إياها(٦)
واحدة. قال ابن عباس: أَرْسَلْتَ(٧) مِنْ يدك ما كان لك من فضّل.
قال محمدٌ: وبهذا(٨) نأخذُ. وهو قول أبي حنيفة والعامة من
(١) قوله: قبل أن يدخل بها، اختلف فيه، فقال أصحابنا: يقع الثلاث،
وهو قول أبي هريرة وعلي وعمر وابن عباس وجمهور العلماء، وقال الحسن وعطاء
وجابر بن زيد يقع واحدة لأنها تبين بقوله أنت طالق، ولنا أن الثلاث صفة للطلاق
الذي أوقعه والموصوف لا يوجد بدون صفته، كذا قال القاري .
(٢) تابعي. ثقة، ووهم من ذكره من الصحابة، قاله الزرقاني.
(٣) أي ظهر له وخطر بباله أن ينكحها.
(٤) أي ابن بکیر.
(٥) بصيغة الغَيْبة أو الخطاب.
(٦) أي لأنها كانت غير مدخولة.
(٧) قوله: أرسلتَ مِنْ يدك، أي كان لك ذلك لو اقتصرتَ على الواحدة
والثنتين، فإذا أرسلت الثلاثة جملة واحدة ما بقي لك شيء.
(٨) قوله: وبهذا نأخذ، لظاهر القرآن ولما مرَّ من فتوى أبي هريرة
وابن عباس.
٥٤٢

فقهائنا لأنه (١) طلَّقها ثلاثاً جميعاً، فوقعن عليها جميعاً معاً ولو فرقهن
وقعت الأولى خاصة لأنها بانت بها قبل أن يتكلم ولا عدة (٢) عليها فتقع
عليها الثانية والثالثة ما دامت في العدَّة.
١٦ - (باب المرأة يطلِّقها زوجُها
فتتزوَّجُ(*) رجلاً فيطلِّق(٣) قبل الدخول)
٥٨١ - أخبرنا مالك، أخبرنا المِسْور(٤) بن رِفاعة القُرَظي، عن
(١) قوله: لأنه طلقها ثلاثاً جميعاً، أي مجموعاً لا متفرقاً، والوقوع فرع
الإيقاع، فإذا أوقع الثلاث دفعة وقعن، ولو فرَّقهن بأن قال: أنت طالق وطالق
وطالق، أو بالتكرير من غير عطف وقعت الأولى خاصة، لأن الواو لمطلق العطف،
وليس في آخر الكلام ما يغيِّر أوَّلَه من شرط أو استثناء. وقال مالك والشافعي في
القديم والأوزاعي والليث بن سعد يطلق ثلاثاً، كذا قال القاري.
(٢) يعني إن كانت له العدة كما للمدخولة تقع عليها الثانية والثالثة، وإذ
لیست فليست.
(٣) أي الزوج الآخر.
(٤) قوله: المسور، بكسر الميم وإسكان المهملة وفتح الواو، ابن رفاعة
بكسر الراء ابن أبي مالك القُرَظي - بضم القاف وفتح الراء نسبة إلى بني قريظة،
المدني تابعي صغير، مقبول، له في ((الموطأ)) مرفوعاً هذا الحديث الواحد، وليس
له رواية في الكتب الستة، وثقه ابن حبان، مات سنة ١٣٨هـ. عن الزَّبير بن
عبد الرحمن بن الزَّبير ابن باطيا القرظي المدني، والزاء في الاسمين مفتوحة والباء
مكسورة عند سائر رواة الموطأ عن مالك إلّ ابن بكير، فإنه روي عنه ضم الزاء في
الأول وفتحها في الثاني، وقال ابن عبد البر: الصحيح فيهما الفتح أي عن مالك،
وقال ابن حجر في ((الإصابة)): هو بضم الزاء بخلاف جده فإنه بفتحها وكسر
الموحدة. أن رفاعة بن سِمْوال، بكسر السين وإسكان الميم القرظي الصحابي كذا =
(*) في نسخة: ((فتزوّجُ)).
٥٤٣

الزَّبِير بن عبد الرحمن بن الزَّبِير: أن رفاعة بن سِمْوَالٍ طلَّق (١) امرأته
تميمةَ بنتَ وهب في عهد(٢) رسولِ الله وَليل ثلاثاً، فنكحها عبد
الرحمن بن الزبير، فأعرض (٣) عنها، فلم يستطع أن يمسَّها،
ففارقها(٤) ولم يمسَّها، فأراد رفاعة أن ينكحها، وهو زوجها الأول الذي
طلَّقها، فذكر ذلك(٥) لرسول الله وَله، فنهاه عن تزويجها، وقال:
لا تحلُّ لك حتى تذوقَ (٦) العُسَيْلةَ.
= أرسله أكثر الرواة عن مالك، ووصله ابن وهب عن مالك، وتابعه ابن القاسم
وعلي بن زيادة وإبراهيم بن طهمان وعبيد الله بن عبد الحميد كلهم عن مالك، عن
المسور، عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير، عن أبيه أن رفاعة بن سموال طلق
امرأته تميمة بفتح التاء، وقيل: بضمها، وقيل: اسمها أميمة، وقيل: سحيمة، وقيل
عائشة بنت وهب القرظية الصحابية ولا أعلم لها غير هذه القصة، فنكحها
عبد الرحمن بن الزبير، كان صحابياً وأبوه الزبير قتل يهودياً في غزوة بني قريظة،
كذا قال السيوطي والزرقاني .
(١) أي ثلاث تطليقات كما في رواية الصحيحين وغيرهما.
(٢) أي في زمانه .
(٣) أي لم يقدر على مجامعتها لعُنَّة.
(٤) أي طلَّقها قبل الدخول.
(٥) قوله: فذكر ذلك، الظاهر أنه معروف، أي ذكر رفاعة ذلك، ويحتمل
أن يكون مجهولاً أي ذكره ذاكر. وفي رواية للبخاري أن المرأة هي التي ذكرت
وقالت إنما معه مثل الهُدْبة وأخذت بهدبة من جلبابها شبَّهته بذلك لصغر ذَكَره
أو استرخائه.
(٦) قوله: تذوق العسيلة، هو تصغير العسلة، والمراد به الجماع، وأفاد به
أن مجرد النكاح الثاني لا يحلل، بل يُشترط معه وطء الزوج الثاني. وقد روى هذا =
٥٤٤

قال محمدٌ: وبهذا(١) نأخذُ، وهو قولُ أبي حنيفةً والعامةِ من
فقهائنا لأن الثاني لم يجامعها فلا يحلّ أن ترجع إلى الأول حتى
يجامعها الثاني .
١٧ - (باب المرأة تسافر قبل انقضاء عدتها)
٥٨٢ - أخبرنا مالك، حدثنا حُمَيْدُ بن قيس المكي الأعرج،
عن عمرو(٢) بن شعيب، عن سعيد بن المسيَّب: أن عمر بن الخطاب
كان يردُّ المتوفَّى عنهنَّ أزواجهن من البَيْداءِ(٣) يمنعهنَّ الحج (٤).
الحديث الذي فيه قصة العسيلة البخاري ومسلم والنسائي وابن جرير والبيهقي
والشافعي وابن سعد والبزار والطبراني وأبو داود وغيرهم بألفاظ متقاربة بسطها
السيوطي في ((الدر المنثور)).
(١) قوله: وبهذا نأخذ، وبه قال جمهور العلماء من الصحابة فمن بعدهم،
بل قيل لم يخالف فيه أحد إلَّ سعيد بن المسيب حيث حكم بكفاية النكاح الثاني
للتحليل من غير وطء أخذاً بظاهر القرآن، والأحاديث الواردة في اشتراطه حجة عليه.
(٢) قوله: عن عمرو بن شعيب، هو عمرو بن شعيب بن محمد بن
عبد الله بن عمرو بن العاص القرشي، وكثيراً ما يأتي في كتب الحديث عمرو بن
شعيب، عن أبيه، عن جده. قال ابن القطان: إذا روى عنه الثقات فهو ثقة يُحتجُّ
به، وقال البخاري: رأيت أحمد بن حنبل وعلي بن المديني وإسحاق بن راهويه
وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، ما تركه أحد
من المسلمين، مات سنة ١١٨، كذا في ((إسعاف السيوطي)).
(٣) هو طرف ذي الحُلَيْفة قريب المدينة.
(٤) في نسخة: من الحج .
٥٤٥

قال محمد: وبهذا نأخذ. وهو قول أبي حنيفة والعامة من
فقهائنا لا ينبغي لامرأة أن تسافرَ في عدَّتِها حتى تنقضي من طلاق
كانت(١) أو موت.
١٨ - (باب (٢) المتعة)
٥٨٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا الزهري، عن عبد الله (٣) والحسن
(١) العدَّة(١).
(٢) قوله: باب المتعة، قال القاري: صورة نكاح المتعة أن يقول بحضرة
الشهود: متَّعت نفسك بكذا كذا ويذكر مدة من الزمان وقدراً من المال، وذلك
لا يصح، لما روى مسلم عن إياس بن سلمة بن الأكوع قال: رخّص رسول الله عام
أوطاس في المتعة ثم نهى عنها. قال البيهقي: وعام أوطاس وعام الفتح واحد، لأنه
بعده بيسير. قال النووي: إنها أبيحت مرتين وحُرِّمت مرتين، فكانت حلالاً قبل
خيبر، وحُرِّمت يوم خيبر، ثم أَبيحت يوم فتح مكة وهو يوم أوطاس وحُرِّمت بعد
ذلك بعد ثلاثة أيام مؤَّداً إلى يوم القيامة .
(٣) قوله: عن عبد الله، هو ابن محمد بن علي بن أبي طالب الهاشمي
المدني، وثقه العجلي وابن سعد والنسائي، مات سنة ٩٨هـ، وأخوه الحسن كان =
(١) قال الموفق: المعتدة من الوفاة ليس لها أن تخرج إلى الحج ولا إلى غيره، روي ذلك عن
عمر وعثمان وبه قال ابن المسيب والقاسم ومالك والشافعي وأبو عبيدة وأصحاب الرأي
والثوري، وإن خرجت ومات زوجها في الطريق رجعت إن كانت قريبة وإن تباعدت مضت
في سفرها. وقال مالك: تردُّ ما لم تحرم، والصحيح أن البعيدة لا تردُّ لأنه يضرُّ بها وعليها
مشقة ولا بدَّ لها من سفر، ويحدُّ القريب بما لا تقصر فيه الصلاة، وهذا قول أبي حنيفة إلَّ
أنه لا يرى القصر إلَّ في مسيرة ثلاثة أيام، فقال: إذا كان بينها وبين مسكنها دون ثلاثة أيام
فعليها الرجوع إليه، وإن كان فوق ذلك لزمها المضيُّ إلى مقصدها. وقال الشافعي: إن
فارقت البنيان فلها الخيار بين الرجوع والتمام. انظر أوجز المسالك ٢٥٢/١٠.
٥٤٦

ابنَّيْ محمد بن علي عن أبيهما عن علي بن أبي طالب جدّهما: أنه (١)
قال لابن عباس: نهى رسول الله وَله عن مُتْعَة النساءِ يومَ خَيْبَر(٢) وعن
أكل (٣) لحوم الحُمْرِ الإِنسَّة.
= من أفاضل أهل البيت، وأعلم الناس بالاختلاف، وثّقه العجلي، وقال الدارقطني:
صحيح الحديث، مات سنة ٩٥هـ وقيل: سنة ١٠١ هـ وأبوهما محمد المعروف
بابن الحنيفة وهي خولة من بني اليمامة زوجة علي رضي الله عنه، وثقه العجلي
وغيره، ومات سنة ٧٣ كذا في ((إسعاف السيوطي)).
(١) قوله: أنه قال لابن عباس، في رواية عبيد الله، عن ابن شهاب بإسناده
عن علي أنه سمع ابن عباس يلين في متعة النساء، فقال: مهلاً يا ابن عباس، فإن
رسول الله نھی عنها.
(٢) قوله: يوم خيبر، هكذا اتفق مالك وسائر أصحاب الزهري، وروى
عبد الوهاب الثقفي عن يحيى القطان عن مالك في هذا الحديث. فقال: حُنين.
أخرجه النسائي والدارقطني، وقالا: وهم فيه القطان، وزعم ابن عبد البر: أن ذكر
يوم خيبر غلط، وقال السهيلي: إنه شيء لا يعرفه أحد من أهل السير، وقال
ابن عيينة، إن تاريخ خيبر في حديث علي: إنما هو في النهي عن لحوم الحُمُر
الإِنسية، قال البيهقي: يشبه أنه كما قال، وتُعُقّب هذا كله بأنه بعد اتفاق أصحاب
الزهري عنه على ذلك لا ينبغي أن يقال نحو ذلك، وهم حفّاظ، ولهذا قال القاضي
عياض: تحريمها يوم خيبر صحيح لا شك فيه، كذا في شرح الزرقاني .
(٣) قوله: وعن أكل لحوم الحُمُر، بضمتين جمع حمار، والإِنسية رواه
الأكثر بفتح الهمزة والنون، وقيل: بكسر الهمزة وهو احتراز عن الوحشية، وقد كان
أكل الحمر الأهلية جائزاً، ثم نُسخ، قال كمال الدين الدَّميري محمد بن عيسى في
كتابه ((حياة الحيوان)): يحرم أكله عند أكثر أهل العلم، وإنما رُويت الرخصة عن =
٥٤٧

٥٨٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا الزهري، عن عروة بن الزبير: أن
خَوْلة(١) بنت حكيم دخلَتْ على عمر بن الخطاب، فقالت: إِنَّ
ربيعة (٢) بن أمّيَّة استمتع بامرأةٍ موَلَّدٍ فحملت منه، فخرج عمر فَزِعاً(٣)
يجرُّ رداءه، فقال: هذه المُتْعَة لو كنتُ تقدَّمتُ(٤) فيها لرجمتُ.
قال محمد: المُتْعَة مكروهةٌ(٥)، فلا ينبغي، فقد(٦) نهى (٧) عنها
= ابن عباس، وقال أحمد: كره أكلَه ستة عشر من أصحاب رسول الله وَلِّ، وادَّعى
ابن عبد البر الإجماع الآن على تحريمه، ولو بلغ ابن عباس أحاديث النهي
الصريحة الصحيحة في تحريمه لما صار إلى غيره.
(١) يقال لها أم شريك السلمية الصحابية زوجة عثمان بن مظعون، ذكره
السيوطي .
(٢) أسلم يوم الفتح، وشهد حَجَّة الوداع، ثم إن عمر غرَّبه في الخمر إلى
خيبر، فلحق بهرقل فتنصَّر، فقال: لا أغرب بعده أبداً(١)، كما ذكره ابن حجر في
((الإِصابة)).
(٣) أي خائفاً بالجملة.
(٤) أي لو تقدمتُ فيها بالنهي والحكم العام، ثم فعله أحد بعد ذلك
لرجمته .
(٥) قوله: مكر وهة، أي محرمة فإن عند محمد كل مكروه حرام.
(٦) وفي نسخة: وقد.
(٧) قوله: فقد نهى عنها رسول الله وَليّ فيما جاء في غير حديث ولا اثنين، أي =
(١) وفي أوجز المسالك: لا أغرب بعده أحداً أبداً ٣٠٧/٤ ط. الهند.
٥٤٨

رسول الله ◌َ﴿ل فيما جاء في غير حديث ولا اثنين، وقول عمر: لو كنت
تقدمتُ فيها لرجمتُ إنما نضعه(١) من عمر على التهديد(٢)، وهذا(٣)
قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا .
= جاء نهيه في أحاديث كثيرة: فعن سبرة قال: قال رسول الله وسلّر وهو قائم بين الركن
والباب: أيها الناس إني كنت أذنتُ لكم في الاستمتاع ألا وإن الله حرَّمها إلى يوم
القيامة، أخرجه أحمد ومسلم. وعن مسلمة بن الأكوع: رخّص لنا رسول اللّه ◌ِصّ في
متعة النساء عام أو طاس ثلاثة أيام، ثم نهى بعده. أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد
ومسلم. وأخرج البيهقي عن علي: نهى رسول الله وَله عن المتعة، وإنما كانت
لمن لم يجد فلما نزل النكاح والطلاق والعِدَّة والميراث نُسخ. وعن أبي ذر: إنما
أُحلَّت لأصحاب رسول الله ﴿ ثلاثة أيام ثم نهى عنها، أخرجه البيهقي. وأخرجٍ
الطبراني في الأوسط عن سالم بن عبد الله قال: قيل لعبد الله بن عمر: إنّ
ابن عباس يأمر بنكاح المتعة، فقال: سبحان الله؟ ما أظنه يفعل هذا، قالوا:
إنه يأمر به، قال: وهل كان ابن عباس إلَّ غلاماً صغيراً في عهد رسول الله والآن،
نهانا رسول الله وَل﴿ عن المتعة وما كنا مسافحين. وعن عمر أنه خطب حين استُخلف
فقال: إن رسول الله أذن لنا في المتعة ثلاثاً ثم نهى عنه، أخرجه ابن المنذر
والبيهقي. وفي الباب أخبار وآثار كثيرة مبسوطة في ((الدر المنثور)) وغيره(١)، ويُعلم من
مجموعها أن المتعة أُحِلَّت مرات وحُرِّمت مرات ثم دام التحريم من زمن فتح مكة.
(١) أي نحمله على أنه قال ذلك زجراً لا أنه يرجم فاعلها لأن الحدود تُدرأ
بالشبهات .
(٢) ليرتدع الناس عن ذلك.
(٣) قوله: وهذا قول أبي حنيفة، وبه قال مالك والشافعي وأحمد والليث =
(١) انظر مجمع الزوائد للهيثمي ٢٦٤/٤.
٥٤٩

١٩ - (باب الرجل تكون عنده امر أتان
فَيُؤثِرُ(١) إحداهما على الأخرى)
٥٨٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن رافع(٢) بن
خَدِيج (٣): أنه تزوَّج ابنة (٤) محمد بن سَلَمة، فكانت تحته، فتزوَّج
= والأوزاعي وغيرهم من فقهاء الأمصار، وما نُقل في ((الهداية)) عن مالك أنه أجاز
ذلك فهو سهو تعقّبه عليه شُرّاحُها، وقال الخطّابي في ((المعالم)): كان ذلك مباحاً
في صدر الإِسلام ثم حُرِّم، ولم يبقَ فيه خلاف لأحد إلاّ بعض الروافض، وكان
ابن عباس يجوِّزه للمضطر ثم أمسك عنه كذا في ((البناية)). ونسب ابن حزم إلى
جابر وابن مسعود وابن عباس ومعاوية وأبي سعيد الخدري وغيرهم الحكم
بتحليلها، وتُعُقِّب بأنه لم يصح عنهم ذلك، والمشهور عن ابن عباس هو الحلَّ،
لكن ثبت أنه رجع عنه، والقول الفيصل أنَّ من أفتى بحلُّه لم تبلغه أحاديث النهي،
فهو معذور في ذلك ولا اعتداد بقول أحد بعد قول رسول الله وَ ظهر، وقصة إنكار عليّ
وابن عمر وابن الزبير على ابن عباس مشهورة مروية في كتب الأئمة(١).
(١) من الإِيثار بمعنى الاختيار أي يفضِّلها ويحبُّها.
(٢) صحابي مشهور شهد أحداً وما بعدها، مات في أول سنة ٧٤، ذكره
السيوطي .
(٣) بفتح الخاء.
(٤) قوله: ابنة محمد بن سلمة، كذا في نسختين، ولعله محمد بن مسلمة
كما في نسختين وهو معدود في الصحابة، مات سنة ٤٦ أو سنة ٤٧ أو غير ذلك،
ذكره في ((أسد الغابة)).
(١) انظر المنتقى للباجي ٣٣٤/٣، وأوجز المسالك ٤٠١/٩.
٥٥٠

عليها امرأة شابَّة فآثر (١) الشابّة عليها، فناشَدَتْه (٢) الطلاق فطلَّقها
واحدة، ثم أمهلها(٣) حتى إذا كادت (٤) تحلَّ ارتجعها، ثم عاد،
فآثر (٥) الشابّة، فناشدته الطلاق، فطلَّقها واحدة، ثم أمهلها حتى كادت
أن تحلَّ ارتجعها، ثم عاد فآثر الشابَّة، فناشدته الطلاق، فقال:
..
+۔۔
(١) أي اختار(١) الشابة في الاستمتاع.
(٢) أي طلبته منه بالمبالغة.
(٣) أي تركها منتظراً قرب العدَّة.
(٤) أي قاربت أن تخرج من العدَّة.
(٥) بيان للعود.
(١) آثر: بالمد والفتح، اختار ومال بنفسه إليها، وذكر الباجي: أن الإِيثار على أربعة أضرب:
أحدها: الإِيثار بمعنى المحبة لأحدهما، فهذا لا يملك أحد دفعه ولا الامتناع منه.
والثاني: إيثار إحداهما في سعة الإنفاق والكسوة وسعة المسكن، ولكن ذلك بحسب
ما تستحقه كل واحدة منهما، لأن لكل واحدة منهما نفقة مثلها ومؤونة مثلها ومسكن مثلها
على قدر شرفها وجمالها وشبابها وسماحتها، فهذا الإِيثار واجب، ليس للأخرى الاعتراض
فیه، ولا للزوج الامتناع منه، ولو امتنع لحكم به عليه.
الثالث: من الإيثار أن يُعطي كل واحدة منهما من النفقة والكسوة ما يجب لها، ثم يؤثر
إحداهما بأن يكسوها الخز والحرير والحلي، ففي («العُتبية)) من رواية ابن القاسم عن مالك
أن ذلك له، فهذا الضرب من الإِيثار ليس لمن وفيت حقها أن تمنع الزيادة لضرّتها،
ولا يجبر عليه الزوج، وإنما له فعله إذا شاء.
الرابع: أن يؤثر إحداهما بنفسه، مثل أن يبيت عند إحداهما أكثر، ويجامعها ويجلس عندها
في يوم الأخرى أو ينقص إحداهما من نفقة مثلها ويزيد الأخرى، أو يجري عليها ما يجب
لها، فهذا الضرب من الإِيثار لا يحل للزوج فعله إلَّ بإذن المؤثر لها، فإن فعله كان لها
الاعتراض فيه والاستعداء عليه. انظر المنتقى ٣٥٣/٣، والأوجز ٤٦٠/٩.
٥٥١

ما شئتِ(١) إنما بقيتْ واحدة، فإن شئت استقررت(٢) على ما ترين من
الأثَرَة(٣) وإن شئتِ طلقتك، قالت: بل أستقر على الأثرة فأمسكها
على ذلك، ولم يرَ رافعٌ أن عليه في ذلك إثماً حين رضيت أن تستقر
على الأثرة.
قال محمد: لا بأس بذلك إذا رضيت به المرأة ولها أن ترجع (٤)
عنه إذا بدا لها. وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا.
٢٠ - (باب (٥) اللِّعان)
٥٨٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا(٦) نافع، عن ابن عمر: أن
(١) أي أنت مخيّرة في أمرك.
(٢) أي أقمت عندنا على ما ترينه من اختياري للشابة.
(٣) بفتح الهمزة والثاء، وبالكسر والسكون: بمعنى الاختيار.
(٤) أي عن الرضاء إلى طلب حقها إذا ظهر له ذلك.
(٥) قوله: باب اللُّعان، بالكسر من اللعن وهو الطرد والإِبعاد، وفي الشرع
عبارة عن كلمات معروفة حجَّة للمضطر إلى قذف زوجته بالزنا. سُمِّي به لاشتماله
على اللعن. واختير هذا اللفظ على لفظ الشهادة والغضب مع اشتماله(١) عليهما أيضاً
لأن اللعن واقع في جانب الرجل، والغضب في جانب المرأة، وجانب الرجل أقوى
وأقدم، واللعن بالنسبة إلى الشهادة لفظ زاجر فاختص به.
(٦) قوله: أخبرنا نافع، هكذا أخرجه البخاري ومسلم وأصحاب السنن من
طريق مالك، وتابعه عبيد الله بن عمر عن نافع في الصحيحين وغيرهما، وتابعه في
شيخه نافع سعيد بن جبير، عن ابن عمر عند الشيخين وغيرهما بنحوه، كذا قال
الزرقاني .
(١) في الأصل: ((اشتمالها))، وهو خطأ.
٥٥٢

رجلًا (١) لا عَنَ امرأته في زمان رسول الله وَل فانتفى (٢) من ولدها،
ففرَّق(٣) رسول الله وَلَه بينهما، وألحق (٤) الولد بالمرأة.
قال محمد: وبهذا نأخذ. إذا نفى الرجل ولد امرأته ولاعَنَ فُرِّق
بينهما، ولزم الولد(٥) أَمَّه. وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا
رحمهم الله تعالى.
(١) قوله: أن رجلاً، هو عُوَيْمِر العجلاني وزوجته خولة بنت قيس العجلانية
كما ذكره الحافظ ابن حجر في ((مقدمة فتح الباري))، وقد وقع اللعان في عهد
رسول الله له من صحابيين: أحدهما عويمر بن أبيض - وقيل ابن الحارث -
الأنصاري العجلاني رمى زوجته بشريك بن سحماء، فتلاعنا، وكان ذلك سنة تسع
من الهجرة. وثانيهما: بلال بن أمية بن عامر الأنصاري، وخبرهما مرويّ في صحيح
البخاري، ومسلم وغيرهما.
(٢) أي أنكر الرجل انتساب الولد إليه.
(٣) قوله: ففُرِّق، قال القاري: فيه تنبيه على أن التفرقة بينهما لا تكون إلاّ
بتفريق القاضي والحاكم، وقال زُفَر: تقع الفرقة بنفس تلاعنهما، وهو المشهور من
مذهب مالك والمرويِّ عن أحمد(١).
(٤) قوله: وأُلحق الولد بالمرأة، أي في النسب والوراثة فيرث ولد الملاعنة
منها، وترث منه، ولا وراثة بين الملاعن وبينه، وبه قال جمهور العلماء. وفي
حديث مكحول قال: جعل النبي وَالر ميراث ولد الملاعنة لأمِّه ولورثتها من بعده
وأخرج الترمذي وحسنه والنسائي وأبو داود وابن ماجه والحاكم عن واصلة مرفوعاً:
تحرز المرأة ثلاثة مواريث عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنت فيه.
(٥) فیکون نسبه منها لا منه.
(١) وقال الشافعي: تقع الفرقة بلعان الزوج. الكوكب الدري ٢٧٥/٢ .
٥٥٣

٢١ - (باب متعة (١) الطلاق)
٥٨٧ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن ابن عمر قال: لكل
مطلَّقة مُتْعة إلاّ التي تطلق وقد فُرض لها صَدَاق ولم تُمَسّ فحسبُها(٢)
نصفُ ما فُرض لها .
قال محمد: وبهذا نأخذ(٣). وليست(٤) المتعة التي يُجبر عليها
(١) هي ما تُعطى المرأة عندالطلاق تتمتع بها حالاً.
(٢) أي كافيها نصف مهرها.
(٣) أي بل هي مستحبة جبراً لإِيحاش المرأة بالطلاق.
(٤) قوله: وليست المتعة ... إلى آخره، المطلقة لا يخلو إما أن تكون مدخولةً
أو غير مدخولة وعلى كل تقدير لا يخلو من أن يكون المهر مسمَّىَّ في العقد
أو لم يكن مسمى فإن كانت غير مدخولة والمهر غير مسمى وجبت المتعة عندنا
لقوله تعالى: ﴿ولا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسُّوهن أو تفرضوا لهن
فريضة ومتّعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره﴾(١). فإن ظاهر الأمر
للوجوب، وبه قال ابن عمر وابن عباس والحسن وعطاء وجابر بن زيد والشَّعبي
والنخعي والزهري والثوري والشافعي في رواية، وعنه أنه يجب نصف مهر المثل.
وقال مالك والليث وابن أبي ليلى: ليست بواجبة، بل مستحبة. وإن كانت غير
مدخولة والمهر مسمى فلا متعة لقوله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسُّوهُنَّ
وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم﴾ (٢)، وفي الصورتين الباقيتين تُستحب
المتعة. وعند الشافعي تجب المتعة لكل مطلقة إلّ لغير المدخولة، والمهر غير
مسمى، وقال مالك: إنها مستحبة في الجميع، كذا في ((البناية)) وغيرها.
(١) سورة البقرة: الآية ٢٣٦ .
(٢) سورة البقرة: الآية ٢٣٧ .
٥٥٤

صاحبها إلّ متعة واحدة؛ هي متعة الذي يطلَّق امرأته قبل أن يدخل
بها، ولم يَفرض (١) لها، فهذه لها المتعة واجبة، يؤخذ بها في القضاء،
وأدنى (٢) المتعة لباسها في بيتها: الدرع (٣) والملحَفة والخِمار. وهو
قولُ أبي حنيفة والعامة من فقهائنا رحمهم الله .
(١) أي لم يعين لها مهراً عند العقد.
(٢) قوله: وأدنى المتعة(١)، التقدير بثلاثة أثواب مرويّ عن عائشة
وابن عباس وسعيد بن المسيب والحسن والشعبي، وهي درع وملحفة وخمار،
فالدرع بالكسر هو القميص، والخمار ما تغطي به رأسها، والمِلْحفة - بكسر الميم -
الملاءة، تلتحف به المرأة، وقال في ((المغني)): أعلاها خادم، يُروى ذلك عن
ابن عباس وأدناها كسوة تجوز فيها الصلاة، فإن كان فقيراً يمتَّعها درعاً وخماراً وثوباً
تصلّي فيه، كذا في ((البناية)).
(٣) پيراهن زن(٢).
(١) قال الموفق: إن المتعة معتبرة بحال الزوج في يساره وإعساره، نص عليه أحمد وهو وجه
لأصحاب الشافعي، والوجه الآخر قالوا: معتبرة بحال الزوجة ... ثم اختلفت الرواية عن
أحمد فيها فروي عنه أعلاها خادم، هذا إذا كان موسراً، وإن كان فقيراً متَّعها كسوتها درعاً
وخماراً وثوباً تصلي فيه ونحو ذلك.
قال الثوري والأوزاعي وعطاء ومالك وأبو عبيد وأصحاب الرأي قالوا: درع وخمار وملحفة،
والرواية الثانية يُرجع إلى تقدير الحاكم وهو أحد قولي الشافعي. انظر أوجز المسالك
١٦١/١٠.
(٢) بالفارسية .
٥٥٥

٢٢ - (باب ما يكره للمرأة من الزينة في العدة)
٥٨٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن صفيَّة(١) بنت أبي عبيد
اشتكت عينيها وهي حادّ(٢) على عبد الله(٣) بعد وفاته، فلم تكتحل
حتى كادت عيناها أن ترمَصَا(٤).
قال محمد: وبهذا نأخذ لا ينبغي أن تكتحل بكحل الزينة
ولا تدَّهن(٥) ولا تتطيَّب، فأما(٦) الذُّرُور ونحوه فلا بأس به، لأن هذا
ليس لزينة. وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا.
(١) زوجة عبد الله بن عمر رضي الله عنه.
(٢) قوله: وهي حادّ(١)، يقال حدَّ يحدُّ حداداً، وحداد المرأة ترك الزينة بعد
وفاة زوجها.
(٣) قوله: على عبد الله، قال الزرقاني: لا منافاة بينه وبين ما في الصحيحين
أن ابن عمر رجع من الحج، فقيل له: إن صفية في السياق، فأسرَعَ السير، وجمع
جمع تأخير وكان ذلك في إمارة ابن الزبير لأنها عُوفيت، ثم مات زوجها في حياتها
كما ههنا.
(٤) قوله: أن ترمَصا، بفتح الميم وبصاد مهملة، من الرمص وهو الوسخ
الذي يجمد في موق العين.
(٥) لأن الدهن لا يخلو عن نوع طيب.
(٦) قوله: فأما الذُّرور، بضم الذال المعجمة هو ما يذرُّ في العين ونحوه
للدواء فلا بأس به، قاله القاري .
(١) حادّ: بغير هاء لأنَّه نعت للمؤنث، لا يشركه فيه المذكَّر كطالق وحائض. شرح الزرقاني
٢٣٥/٣.
٥٥٦
ـيـ

٥٨٩ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن صفيَّة بنت أبي عُبيد،
عن حفصة أو عائشة أو عنهما(١) جميعاً: أن (٢) رسول الله وَالخير قال:
لا يحلُّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحِدَّ على مَيْت فوق ثلُثِ ليالٍ
إلاّ على زوج.
قال محمد: وبهذا نأخذ. ينبغي (٣) للمرأة أن تُحِدَّ على زوجها
(١) قوله: أو عنهما، عند يحيى: عن حفصة وعائشة، وكذا لأبي مصعب
ولابن بكير والقعنبي وآخرين عن عائشة أو حفصة على الشك، كذا في ((التنوير)).
(٢) قوله: أن رسول الله قال لا يحلُّ لامرأة ... إلخ، هذا الحديث روي
من رواية جماعة. فأخرج الجماعة إلَّ الترمذي عن أم عطية مرفوعاً: لا يحل لامرأة
تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحدّ على ميت فوق ثلاث ليال إلَّ على زوج أربعة أشهر
وعشراً ولا تلبس ثوباً مصبوغاً إلّ ثوب عصب، ولا تكتحل، ولا تمسّ طيباً إلَّ إذا
طهرت نبذة من قسط أو أظفار. وأخرج الجماعة إلَّ ابن ماجه عن أم حبيبة أنه لما
توفي أبوها أبو سفيان دعت بالطيب، ثم مست بعارضيها، ثم قالت: والله ما لي
بالطيب حاجة غير أني سمعت رسول الله وَله يقول: لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم
الآخر أن تحد ... الحديث. وأخرجه مسلم من حديث حفصة وعائشة وزينب كما
بسطه الزيلعي وغيره.
(٣) قوله: ينبغي، أي يجب فإن الإِحداد على المعتدة سواء كانت مطلقة
مبتوتة بالطلاق الواحد البائن أو الثلاث، وكذا المختلعة فإن الخلع طلاق بائن
أو كانت توفي عنها زوجها. ووافقنا في الثانية الثوري ومالك والشافعي وأحمد
وإسحاق. وقال الشعبي والحسن والحكم بن عيينة بعدم الوجوب، ووافقنا في
الأولى الشافعي(١) في رواية، وأحمد في رواية، وخالفا في رواية أخرى، كذا ذكره
العيني في ((البناية)).
(١) قال الحافظ: الأصح عند الشافعية أن لا إحداد على المطلقة، أما الرجعية فالإِحداد عليها =
٥٥٧

حتى تنقضي عدَّتها، ولا تتطيّب(١) ولا تدَّهن لزينة، ولا تكتحل لزينة،
حتى تنقضي عدتها، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا.
٢٣ - (باب (٢) المرأة تنتقل من منزلها
قبل انقضاء عدَّتها من موت أو طلاق)
٥٩٠ - أخبرنا مالك، أخبرني (٣) يحيى بن سعيد، عن
--------
(١) بيان لما ينبغي في الحداد.
(٢) قوله: باب المرأة ... إلخ، اختلف العلماء في هذا الباب، فذهب
عمر بن الخطاب من الصحابة وآخرون، وبه قال أصحابنا للمطلقة المبتوتة النفقة
والسكنى في العدة وإن لم تكن حاملاً، أما النفقة للحامل فلقوله تعالى: ﴿وإن كنَّ
أولاتِ حملٍ فأنفقوا عليهنَّ حتى يضعن حملهن﴾(١). وأما غير الحامل فالسكنى
لقوله تعالى: ﴿أسكنوهنَّ من حيث سكنتم من وُجْدكم﴾(٢) والنفقة لأنها محبوسة
عليه، وقال ابن عباس وأحمد: لا نفقة لها ولا سكنى، وحجتهم حديث فاطمة بنت
قيس. وقال مالك والشافعي وغيرهما: يجب السكنى للآية دون النفقة لحديث
فاطمة. وأما المتوفّى عنها زوجها فلا نفقة لها بالإِجماع، والأصح وجوب السكنى،
وأما المطلقة الرجعية فيجب لها النفقة والسكنى (٣)، كذا ذكره النووي في ((شرح
صحيح مسلم)).
(٣) في نسخة: أخبرنا.
=
إجماعاً، وإنما الاختلاف في البائن فقال الجمهور: لا إحداد عليها وقالت الحنفية: عليها
الإِحداد، وبه قال بعض الشافعية والمالكية، والمطلقة قبل الدخول لا إحداد عليها اتفاقاً.
انظر فتح الباري ٤٨٦/٩.
(١) سورة الطلاق: الآية ٦.
(٢) سورة الطلاق: الآية ٦.
(٣) انظر: أوجز المسالك ١٨٤/١٠.
٥٥٨

القاسم بن محمد وسليمان بن يسار أنه سمعهما يذكرانٍ أن
يحيى(١) بن سعيد بن العاص طلَّق بنت(٢) عبد الرحمن(٣) بن الحَكْمِ
البتَّةَ، فانتقلها(٤) عبدُ الرحمن، فأرسلَتْ عائشةُ(٥) إلى مروان (٦) وهو
أمير المدينة: اتَّق الله واردُدْ المرأةَ إلى بيتها(٧)، فقال مروان في حديث
سليمان: إنَّ عبد الرحمن(٨) غلبني (٩)، وقال في حديث القاسم: أوَما
بَلَغَكِ(١٠) شأنُ فاطمة بنت قيس؟
(١) قال الزرقاني: تابعي ثقة، مات في حدود سنة ٨٠هـ.
(٢) قال ابن حجر في ((مقدمة الفتح)): أظنها عَمْرة.
(٣) هو أخو مروان بن الحكم بن العاص.
(٤) أي نقلها أبوها إلى مكانه.
(٥) أم المؤمنين.
(٦) وهو عم المرأة المطلقة.
(٧) أي لتعتدَّ فيه.
(٨) هذا مقول قول مروان في رواية سليمان بن يسار.
(٩) أي لم أقدر على منعها.
(١٠) هذا قول مروان في رواية القاسم، قوله: أوَما بلغك شأن فاطمة؟ هي بنت
قيس بن خالد القرشية الفهرية أخت الضحاك بن قيس كانت من المهاجرات وزوجها
أبو عمرو بن حفص بن عمرو بن المغيرة القرشي المخزومي، قيل: اسمه
عبد المجيد، وقيل: أحمد، وقيل: اسمه كنيته، وكان خرج مع علي بن أبي طالب
لما بعثه رسول الله ﴾ إلى اليمن، فبعث من هناك بتطليقة لفاطمة وكانت آخر
تطليقاته، ثم خطبها معاوية وأبوجهم وحذيفة، فاستشارت النبي ◌َ ◌ّ فأشار عليها
بأسامة بن زيد، فتزوجت به، كذا ذكره ابن عبد البر في ((الاستيعاب)). وأشار مروان
بشأن فاطمة إلى ما روي عنها أنها قالت: طلَّقني زوجي ثلاثاً فخاصمته إلى =
٥٥٩

قالت عائشة: لا يضرك (١) أن لا تذكر حديث فاطمة، قال مروان: إن
كان بكِ الشَرُّ فَحَسْبُكِ ما بين هذين من الشرِّ.
ـســـ
قال محمد: وبهذا(٢) نأخذ. لا ينبغي للمرأة أن تنتقل من منزلها
= رسول اللّه وَّ فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة، وأمرني أن أعتدَّ في بيت ابن مكتوم،
أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد والطبراني وغيرهم
مطوّلاً ومختصراً. فإن خبرها هذا يدل على أن السكنى والنفقة ليستا بواجبتين إلّ
المطلّقة الرجعية لا للمطلقة البائنة، بل ورد صريحاً في بعض طرق حديثها عند
الطبراني: فقال لها رسول الله وَلجر: اسمعي يا بنت قيس، إنما النفقة للمرأة على
زوجها ما كانت عليها رجعة، فإذا لم تكن عليها رجعة فلا نفقة لها ولا سكنى .
وهذه الزيادة إن ثبتت كانت أيضاً في الباب لكنها لم تثبت كما بسطه الزيلعي وغيره.
(١) قوله: لا يضرك أن لا تذكر حديث فاطمة، لأنه لا حجة فيه لأنه كان
لعلة. وفي البخاري: عابت عائشة على فاطمة بنت قيس أشدّ العيب وقالت: إن
فاطمة كانت في مكان وحش فخيف على ناحيتها، فلذلك رخّص لها رسول الله وَّ في
الانتقال. ولأبي داود عن سليمان بن يسار: إنما كان ذلك من سوء الخلق، فقال
مروان لعائشة: إن كان بك الشر أي إن كان عندك أن سبب خروج فاطمة ما وقع
بينها وبين أقارب زوجها من الشر فحسبك، أي يكفيك في جواز انتقال عمرة ما بين
هذين أي عمرة ويحيى بن سعيد من الشر المجوِّز للانتقال، كذا في ((شرح
الزرقاني)».
(٢) قوله: وبهذا نأخذ، وبه قال جمع من الصحابة، وروي ذلك مرفوعاً
أيضاً بسند ضعيف. فعن ابن مسعود وعمر قالا: المطلقة ثلاثاً لها السكنى والنفقة،
أخرجه الطبراني في معجمه عن علي بن عبد العزيز، نا حجاج، نا أبو عوانة، عن
سليمان، عن إبراهيم عنهما. وعن جابر قال: قال النبي صل: للمطلقة ثلاثاً
السكنى والنفقة، أخرجه الدارقطني في «سننه)) عن حرب بن أبي العالية، عن =
٥٦٠

الذي طلَّقها فيه زوجُها طلاقاً بائناً(١) أو غيره، أو مات عنها فيه حتى
تنقضي عدَّتها. وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا.
٥٩١ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن ابنة (٢) سعيد بن زيد بن
نفيل طُلِّقت البتّة، فانتقلت(٣)، فأنكر ذلك عليها ابن عمر.
٥٩٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا سعد (٤) بن إسحاق بن كعب بن
= أبي الزبير، عن جابر. قال عبد الحق في ((أحكامه)): حرب لا يُحتجُّ به، ضعَّفه
يحيى بن معين في رواية عنه والأشبه وقفه على جابر. وأخرج الترمذي عن
عمر (١)، أنه كان يجعل لها النفقة والسكنى، كذا في ((نصب الراية)) وقد مرَّ بعض
ما يتعلق بهذا المبحث سابقاً.
(١) واحداً كان أو أكثر.
(٢) قوله: أن ابنة سعيد، هو سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيل - بضم النون -
العدوي أحد العشرة المبشرة وكانت تحت عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان
الأموي، لقبه المطرف بسكون الطاء وفتح الراء، كذا قال الزرقاني .
(٣) من بيت طُلِّقت فيه.
(٤) قوله: أخبرنا سعد، قال السيوطي في ((الإِسعاف)): وسعد بن إسحاق بن
كعب بن عجرة القضاعي المدني حليف الأنصار وثقه ابن معين والنسائي وغيرهما،
ومات بعد سنة ١٤٠، وعمتها زينب بنت كعب زوجة أبي سعيد الخدري وثّقها
ابن حبان. انتهى. وفي ((موطأ يحيى)) مالك عن سعيد بن إسحاق بن كعب بن
عجرة عن عمته ... إلخ، قال ابن عبد البر: عند أكثر الرواة سعد بسكون العين =
(١) وقد أنكر عمر رضي الله عنه بحضرة أصحاب رسول الله بصير فلم ينكر عليه منكر. بذل
المجهود ٣٣/١١.
٥٦١