النص المفهرس

صفحات 521-540

إلى الأول بعد ما دخل بها(١) الآخر عادت على طلاق جديد ثلاث
تطليقات مستقبلات. وفي أصل ابن الصوّاف: وهو قول ابن عباس
وابن عمر رضي الله عنهم.
٩ - (باب الرجل يجعل أمر امرأته بيدها أو غيرها)
٥٦٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا سعيد(٢) بن سليمان بن زيد بن
ثابت، عن خارجة بن زيد(٣)، عن زيد بن ثابت: أنه كان جالساً
عنده(٤)، فأتاه بعض (٥) بَنِي أبي عتيق وعيناه تَدْمَعَان(٦)، فقال له:
ما شأنك؟ فقال: ملّكت امرأتي أمرها بيدها ففارقتني، فقال له:
ما حملك على ذلك؟ قال: القدر(٧)، قال له زيد بن ثابت:
ارتجعھا(٨)
(١) أي وطيها .
(٢) هو من رجال الجميع ومن الثقات، كذا قال الزرقاني.
(٣) أحد الفقهاء السبعة، من الثقات، مات سنة ١٠٠ أو قبلها، وهو عم
سعيد، قاله الزرقاني .
(٤) أي عند والده زید.
(٥) هو محمد بن عبد الله بن أبي عتيق محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر
الصديق المدني مقبول. روى له البخاري وغيره كما في موطأ يحيى وشرحه.
(٦) بفتح الميم أي تسيلان دمعاً من البكاء.
(٧) أي قدر الله وقضاؤه .
(٨) هذا بناء على مذهبه أنها واحدة رجعية.
٥٢٢

إن شئت فإنما هي واحدة وأنت أملَكُ(١) بها.
قال محمد: هذا عندنا(٢) على ما نوى الزوج، فإن نوی واحدة
فواحدة بائنة. وهو خاطب من الخُطّاب وإن نوى ثلاثاً فثلاث، وهو قول
أبي حنيفة والعامة من فقهائنا. وقال عثمان بن عفان وعلي بن
أبي طالب رضي الله عنهما: القضاء ما قضت.
٥٦٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، عن
(١) أي أحق من غيرك(١).
(٢) قوله: هذا عندنا، أي الطلاق عندنا على ما نوى الزوج به، فإن نوى
واحدة فواحدة بائنة فلا يراجعها بل يكون خاطباً من الخُطّاب وينكحها نكاحاً ثانياً
وإن نوى ثلاثاً فثلاث، وهو قول أبي حنيفة. وقال مالك: يقع بالتفويض ثلاث لأن
الثلاث أتم ما يكون من الاختيار. وقال الشافعي: يقع واحدة رجعية لأنها أدنى
ما يكون من الاختيار، وبه قال أحمد. وفي ((الهداية)): أنه يقع طلقة رجعية اعتباراً
لما أتت به من صريح الطلاق، فقيل: هذا سهو، وقيل: فيه روايتان، إحداهما:
يقع واحدة رجعية والأخرى بائنة، وهذا أصح كما في ((شرح الوقاية))، وقال =
(١) قال مالك: لا آخذ بحديث زيد في التمليك، ولكني أرى إذا ملّك امرأته أن القضاء
ما قضت إلا أن ينكر عليها فيحلف كما قال ابن عمر رضي الله عنهما، ويحتمل قول مالك
هذا أن يعلم أن يكون علم مذهب زيد أنها لا تكون إلا واحدة وإن أوقعت أكثر من ذلك على كل،
ويحتمل أيضاً أن يكون مالك يريد بذلك أني لا أقول بظاهر اللفظ على الإطلاق كقوله:
فارقتني، والفراق عند مالك في بعض الروايات عنه يقتضي أكثر من الواحدة، والحديث
يحتمل أن يكون ذكر فراقاً على غير لفظ الفراق، وأنها فارقته بطلقة واحدة، ويحتمل أن يكون
ملكها طلقة واحدة بالتصريح فلا يلزمه ما زادت ولا يلزمه في ذلك يمين، فلذلك قال له:
ارتجعها فيكون ذلك موافقاً لقول مالك وإنما كان جزعه على هذا فرقاً من أن تكون واحدة
بائنة، وعلم من مخالفتها له أنها إذا ملكت نفسها لم تعد إليه. انظر المنتقى ٢٠/٤.
٥٢٣

أبيه(١)، عن عائشة رضي الله عنها: أنها خطبت (٢) على (٣)
عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما قَريبةَ (٤) بنتَ أَبي أميّة
فَزُوِّجَتْه(٥)
= عثمان بن عفان وعلي: القضاء ما قضتْ أي الحكم ما نوت من رجعية أو بائنة
واحدة أو ثلاثاً لأن الأمر مفوَّض إليها، ولعل هذا عند إطلاق زوجها فلا ينافي
ما تقدم، كذا في «شرح القاري)).
(١) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق.
(٢) من الخِطبة بالكسر أي طلبت النكاح لأخيها عبد الرحمن.
(٣) قوله: على عبد الرحمن، هو شقيق عائشة: عبد الرحمن بن أبي بكر
الصديق عبد الله بن أبي قحافة عثمان، أمهما أم رومان: أسلم في هدنة الحديبية،
وكان اسمه عبد الكعبة، فسماه رسول اللّه ◌ُ ل﴿ عبد الرحمن، وله فضائل حسنة،
ولا يعرف في الصحابة أربعة كلَّهم ابن الذي قبله صحبوا النبي وأسلموا إلا
أبو قحافة وابنه أبو بكر وابنه عبد الرحمن هذا وابنه أبو عتيق محمد، وكان قد سكن
المدينة، وامتنع من بيعة يزيد حين طلبها معاوية، وبعث إليه معاوية بمائة ألف
درهم، فردها وقال: لا أبيع ديني بدنياي، وخرج إلى مكة ومات فجأة في نومه
بمكان اسمه ((حبشي)) على عشرة أميال من مكة، وحُمل إليها فدُفن في المعلى،
وكان ذلك سنة ٥٣ وعليه الأكثر، وقيل: سنة ٥٥، وقيل: سنة ٥٢، كذا في («أسد
الغابة في معرفة الصحابة)» لابن الأثير الجزري.
(٤) قوله: قَرِيبة، بفتح القاف وكسر الراء وسكون التحتية بعدها باء موحّدة
فتاء تأنيث، ويقال بالتصغير: هي بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومية الصحابية
أخت أمّ سلمة أم المؤمنين، وكانت موصوفة بالجمال، وقد ولدت من عبد الرحمن
عبدَ الله وأمَّ حكيم وحفصة، ذكره ابن سعد، كذا قال الزرقاني .
(٥) قوله: فزُوِّجَتْه، قال القاري: بصيغة المجهول، أي زوّجها أهلها إيّاه =
٥٢٤

ثم إنهم (١) عتبوا(٢) على (٣) عبد الرحمن بن أبي بكر. وقالوا: (٤)
ما زوّجنا إلا عائشة، فأرسلت إلى عبد الرحمن فذكرت (٥) له ذلك (٦)،
فجعل عبد الرحمن أمْرَ قريبةَ بيدها، فاختارته. وقالت(٧): ما كنت
لأختار عليك أحداً، فَقَرّت (٨) تحته، فلم يكن ذلك طلاقاً.
٥٦٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، عن
أبيه، عن عائشة: أنّها زوَّجَتْ(٩) حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر
= أو بالمعلوم أي فصارت عائشة سبباً لتزويجها أياه. انتهى. وفي ((موطأ يحيى))
فزوجوه وهو أظهر.
(١) أي أولياء قريبة .
(٢) أي غضبوا.
(٣) لأمرٍ فعله، وكان في خُلُقه شدة.
(٤) قوله: وقالوا: ما زوّجنا إلا عائشة، أي ما صار سبب تزويجنا إلا هي
وما زوّجناها إلا لأجل خطبة عائشة واعتماداً عليها.
(٥) حضوراً أو غَيْبة.
(٦) أي عتبهم علیه وشکایتهم لها.
(٧) قوله: وقالت، في رواية ابن سعد بسند صحيح عن ابن أبي مُلَيْكَة
قال: تزوج عبد الرحمن بن أبي بكر قريبةَ أختَ أمِّ سلمة، وكان في خُلُقه شدة،
فقالت له يوماً: أما والله لقد حذرتك، قال: فأمرك بيدك، فقالت: لا أختار على
ابن الصدِّيق أحداً، فأقام عليها.
(٨) أي استقرت ودامت تحت عبد الرحمن ولم يكن مجرد التخيير طلاقاً.
(٩) قوله: أنها زوجت حفصة، هي بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق،
٥٢٥

المنذر بن الزُّبَيْرِ، وعبدُ الرحمن (١) غائبٌ بالشَّام، فلما قَدِمَ (٢)
عبدُ الرَّحْمن قال: ومثلي (٣) يُصنع به هذا ويُفْتَّات عليه ببناته؟
فَكَلَّمَتْ (٤) عائشةُ المُنْذَرَ بْنَ الزُّبَيْرِ، فقال: فَإِنّ ذلكَ (٥) في يد
عبد الرحمن، فقال عبد الرحمن: مالي (٦) رغبة عنه ولكن مثلي ليس
يُفْتَات(٧) علیه ببناتِه،
= من ثقات التابعيات روى لها مسلم والثلاثة، وزوّجها المنذر بن الزبير بن العوّام
الأسدي شقيق عبد الله بن الزبير، ذكره ابن حبان في ثقات التابعين: ذكر الزبير بن
بكار أنّ المنذر كان عند عبيد الله بن زياد لما امتنع عبد الله بن الزبير من بيعة
يزيد بن معاوية. فكتب يزيد إلى ابن زياد أن يوجِّه إليه المنذر فبلغه فهرب إلى مكة
فقُتل في الحصار الأول بعد وقعة الحرّة، سنة ٦٤، كذا في ((شرح الزرقاني)).
(١) جملة معترضة حالية .
(٢) أي من سفره.
(٣) قوله: ومثلي يصنع هذا، أي تزويج بناته بغير أمره، ويقتات(١) عليه أي
يستبدّ برأيه وهو بصيغة المجهول من الافتيات المأخوذ من الفوت، قاله القاري.
(٤) أي أخبرته بقول أخيها.
(٥) أي أمرها بيد والدها.
(٦) أي ليس لي إعراض عنه.
(٧) أي لا يفعل شيء بدون أمره.
(١) هكذا في الأصل والصواب يُفْتات بالفاء كما في الأوجز ٤١/١٠. قال صاحب مجمع
البحار ٤ / ١٨٠. يقال: تفوّت فلان على فلان في كذا وافتات عليه إذا تفرّد برأيه دونه في
التصرف فيه وعُدِّي بعلى لتصرف معنى الثغلب. يقال لكل من أحدث شيئاً في أمرك دونك
فقد افتات علیك فيه .
٥٢٦

-
وما كنت لأَردّ أمراً قَضَيْتِهِ(١)، فَقَرَّتْ امرأتُه تحتَه ولم يكن ذلك طلاقاً.
٥٦٩ - أخبرنا مالكٌ، أخبرنا نافعٌ عن ابن عمر، أنه كان
يقولُ: إذا ملّك الرجلُ امرأتَه امرَها فالقضاءُ ما قَضَتْ (٢) إلا أنْ يُنكر
عليها، فيقول: لم أُرِدْ إِلا تطليقة واحدةً فَيُحَلَّفُ على ذلك، ويكون (٣)
أملَكَ بها(٤) في عِدَّتِها.
٥٧٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن
المسيّب أنه قال: إِذَا مَلَّكَ الرجلُ امرأتَه أمرَها فلم تُفارِقْه وَقَرَّتْ (٥)
عنده فليس ذلك بطلاق.
قال محمد: وبهذا نأخذ(٦). إذا اختارت زوجها فليس ذلك
بطلاق وإن اختارت (٧) نفسها فهو على ما نوى الزوج، فإن نوی واحدة
(١) بكسر التاء: خطاب لعائشة.
(٢) واحداً كان أو أكثر.
(٣) في نسخة: فيكون.
(٤) أي أحق بها من غيره.
(٥) أي ثبتت.
(٦) قوله: وبهذا نأخذ(١) إذا اختارت زوجها فليس ذلك بطلاق، قد ورد
ذلك عن عائشة كما في الصحيحين قالت: خيّرنا رسول الله وَّ فاخترناه، فلم يقدّره
علينا شيئاً وفي لفظ لهما: فلم يعدّ ذلك طلاقاً.
(٧) قوله: وإن اختارت نفسها، أي في ذلك المجلس لما أخرجه
عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن مسعود ومن =
(١) إليه ذهب الأئمة الأربعة وجمهور الفقهاء خلافاً لبعض السلف. انظر الأوجز ٣٩/١٠.
٥٢٧

فهي واحدة(١) بائنة وإن نوى ثلاثاً فثلاث. وهو قول أبي حنيفة والعامة
من فقهائنا .
= طريقه أخرجه الطبراني في معجمه عنه قال: إذا ملّكها أمرها فتفرقا قبل أن ينقضي
شيء فلا أمر لها. وفيه انقطاع بين مجاهد وابن مسعود قاله البيهقي. وأخرج
عبد الرزاق: أنا ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال: إذا خيّر الرجل امرأته
فلم تختر في مجلسها ذلك فلا خيار لها. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد الرزاق عن
المثنى ابن الصباح عن عمرو بن شعيب عن جده عبد الله بن عمرو: أن عمر
وعثمان قالا: أيّما رجلٍ ملّك امرأته أمرها، ثم افترقا من ذلك المجلس: فليس لها
خيار وأمرها إلى زوجها. وفي الباب عن عبد الله بن عمرو بن العاص أخرجه
ابن أبي شيبة، ونحوه أخرجه عن مجاهد وجابر بن زيد والشَّعبي والنَّخَعي
وطاوس وعطاء. قال البيهقي: وقد تعلق بعض من يجعل لها الخيار ولو قامت من
المجلس بحديث عائشة وهو في الصحيحين، قال رسول الله وَلّر: إني ذاكر لك
أمراً فلا عليك أن لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك. وهذا غير ظاهر لأنه عليه
السلام لم يخيّرها في إيقاع الطلاق بنفسها وإنما خيّرها على أنها إن اختارت نفسها
أخذت لها طلاقاً، كذا في ((تخريج أحاديث الهداية)) للزيلعي.
(١) قوله: فهي واحدة بائنة، هذا قول أكثر أهل العلم والفقه من أصحاب
النبي . وهو قول عمر وعبد الله بن مسعود فإنهما قالا: إن اختارت نفسها فواحدة
بائنة . ورُوي عنهما أنهما قالا : واحدة يملك الرجعة وإن اختارت زوجها فلا شيء. وروي
عن علي أنه قال: إن اختارت نفسها فواحدة بائنة وإن اختارت زوجها فواحدة يملك
الرجعة. وقال زيد بن ثابت: إن اختارت زوجها فواحدة وإن اختارت نفسها فثلاث.
ومذهب أحمد موافق لقول علي رضي الله عنه، ويعارضه صريح حديث عائشة،
كذا في ((جامع الترمذي)). وفيه أيضاً اختلف أهل العلم في: أمرِك بيدك، فقال بعض
أهل العلم من أصحاب النبي ومَله: منهم عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود هي
واحدة، وهو قول غير واحد من أهل العلم من التابعين ومن بعدهم، وقال عثمان =
٥٢٨

١٠ - (باب الرجل يكون تحته(١)
أمة فيطلّقها ثم يشتريها)
٥٧١ - أخبرنا مالك، أخبرنا الزهري، عن أبي (٢)
وزيد بن ثابت: القضاء ما قضت، وقال ابن عمر: إذا جعل أمرها بيدها وطلقت
=
نفسها ثلاثاً وأنكر الزوج وقال: لم أجعل أمرها إلا في واحدة استُحلف الزوج وكان
القول قوله في يمينه. وذهب سفيان وأهل الكوفة إلى قول عمر وعبد الله، وأما مالك
فقال: القضاء ما قضت، وهو قول أحمد، وأما إسحاق فذهب إلى قول
ابن عمر (١).
(١) أي يكون زوجته أمة لرجل فيطلقها الزوج، ثم يشتريها من مالكها.
(٢) قوله: عن أبي عبد الرحمن، قال ابن عبد البر: اختلف في اسم
أبي عبد الرحمن شيخ ابن شهاب. فقيل: سليمان بن يسار، وهو بعيد لأنه أجلّ
من أن يستر عنه اسمه، ويكني عنه، وقيل: هو أبو الزناد، وهو أبعد لأنه لم يرو عن
زيد بن ثابت ولا رآه ولا روى عنه ابن شهاب، وقيل: هو طاوس وهو أشبه
بالصواب، وإنما كتم اسمه مع جلالته لأن طاوساً كان يطعن على بني أمية. ويدعو
عليهم في مجالسه، وكان ابن شهاب يدخل عليهم ويقبل جوائزهم، وقد سُئل مرة
في مجلس هشام أتروي عن طاوس؟ فقال للسائل: لو رأيت طاوساً علمتَ أنه
لا يكذب ولم يجبه بأنه يروي أو لا يروي. فهذا كله دليل على أن أبا عبد الرحمن
في هذا الحديث هو طاوس. انتهى.
(١) إن قالت: اخترت نفسي فواحدة رجعية عند الثلاثة وعند الحنفية واحدة بائنة هذا إذا لم تنوٍ
أكثر منها، فإن نوت أكثر منها وقع ما نوت عند الثلاثة وعند الحنفية لا تقع إلا واحدة
أو ثلاثة. فإن طلقت ثلاثاً وقال الزوج: لم أجعل إليها إلا واحدة فالقضاء ما قضت عند
أحمد، وعند الثلاثة أنها تطليقة، لا تقدر أكثر ما نوى الزوج. انظر ((هامش بذل المجهود))
٢١٠/١٠.
٥٢٩

عبد الرحمن، عن زيد بن ثابت: أنه سئل عن رجل كانت تحته
وليدة(١)، فَأَبَتَّ(٢) طلاقها، ثم اشتراها، أيحلٌ(٣) أن يمسّها؟ فقال:
لا يحلّ له حتى تنكحَ زوجاً غيره.
قال محمد: وبهذا نأخذ (٤). وهو قول أبي حنيفة والعامة من
فقهائنا .
١١ - (باب الأمة تكون تحت العبد فَتُعْتَقُ)
٥٧٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر: أنه كان
يقول في الأمة (٥) تحت العبد فَتُعْتَقُ: إن لها الخيار ما لم يمسَّها(٦).
٥٧٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عروة بن الزبير:
أن زَبراء (٧) مولاةً لبني عدي بن كعب أخبرته أنها كانت تحت عبد،
(١) أي جارية لغيره.
(٢) قوله: فأبتَّ طلاقها، من البتَّ، بتشديد التاء، يقال: بتَّ الرجل طلاق
زوجته وأبتَّ إذا قطعها من الرجعة، والمراد ههنا البينونة المغلّظة كما يفيده
الجواب.
(٣) بهمزة الاستفهام.
(٤) قوله: وبهذا نأخذ، لعموم الآية، وبه قال الأئمة الأربعة والجمهور
خلافاً لبعض السلف أنها تحلّ لعموم ﴿وما ملكت أيمانكم) قال ابن عبد البر: هذا
خطأ لأنها لا تبيح الأمهات والأخوات والبنات فكذا سائر المحرَّمات.
(٥) أي أمة رجل تكون زوجة عبد رجل.
(٦) فإن بوطيها سقط الخيار لوجود الرضا بالقيام معه.
(٧) قوله: عن زبراء، بزاء معجمة مفتوحة ثم موحّدة ساكنة فراء مهملة
فألف ممدودة، كذا ضبطها ابن الأثير.
٥٣٠

وكانت أمة، فَأُعْتِقَتْ، فأرسلت(١) إليها حفصة وقالت: إني مخبرتُكِ
خبراً، وما أحبّ أن تصنعي شيئاً، إنّ أمرَكِ بيدك ما لم يمسّك، فإذا
مَسَّكِ فليس لك من أمرك شيئاً، قالَتْ(٢): وَفَارَقْتُه.
قال محمد: إذا علمت أنّ لها خياراً، فأمْرُها(٣) بيدها ما دامت
(١) قوله: فأرسلت إليها، أي أرسلت حفصة أم المؤمنين إليها رسولاً،
واستدعتها فأتتها فقالت حفصة تعليماً لها: إني مخبرتك خبراً بصيغة اسم الفاعل من
الإِخبار، وما أحب أن تصنعي شيئاً من المفارقة وغيرها، وهو أن أمرك بيدك ولك
خيار العتق ما لم يمسّك زوجك، فإن شئت تقرّي معه، وإن شئت تفارقيه، فإن
وطيك بطل خيارك.
(٢) قوله: قالت وفارَقْتُه، أي قالت زبراء: فارقت الزوج حين ما سمعت
حكم الخيار من حفصة وفي ((موطأ يحيى)) قالت: فقلت: هو الطلاق ثم الطلاق
ثم الطلاق، ففارقته ثلاثاً. قال ابن عبد البر: لا أعلم لابن عمر وحفصة في ذلك
الحكم مخالفاً من الصحابة وقد روي في قصة بريرة مرفوعاً دليل واضح على
ما ذهبا إليه وروى سعيد بن منصور عن ابن عباس لما خُيِّرت بريرة رأيت زوجَها
يتبعها في سكك المدينة ودموعه تسيل على لحيته فكلم الناس له رسول الله وَ و أن
يطلب إليها فقال ﴿ لبريرة: زوجك وأبو ولدك، فقالت: أتأمرني؟ فقال: إنما أنا
شافع، قالت: فلا حاجة لي فيه واختارت نفسها.
(٣) قوله: فأمرها بيدها، أي لها خيار العتق إن شاءت فارقت وإن شاءت
أقامت، سواء كان الزوج حرًّاً أو عبداً عند أصحابنا، وعند الشافعي وغيره لا خيار
لها إذا كان الزوج حرّاً، وقد اختلفت الروايات(١) في زوج بريرة حين خيّرها =
(١) اختلفت الروايات في زوجها حين عتقت هل كان حراً أو عبداً؟ رجح الأئمة الثلاثة رواية
كونه عبداً لكونها موافقة لأصلهم، ورجحت الحنفية رواية كونه حراً. وفي البذل: قال =
٥٣١

في مجلسها ما لم تَقُمْ (١) منه أو تأخذ (٢) في عمل آخر أو يمسُّها، فإذا
كان شيء من هذا بطل خيارها، فأما إن مسّها وَ(٣) لم تعلم بالعتق
أو علمت به (٤) ولم تعلم أن لها الخيار فإن ذلك لا يُبطل (٥) خيارَها.
وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا.
= رسول الله ﴿ هل كان عبداً أو حراً. وبمثل قولنا قال جماعة من أهل العلم، فأخرج
الطحاوي وابن أبي شيبة عن طاوس أنه قال: للأمة الخيار إذا أعتقت وإن كانت
تحت قرشي. وفي رواية: لها الخيار تحت حرّ وعبد. وأخرج ابن أبي شيبة عن
ابن سيرين قال: تُخَيَّر حراً كان زوجها أو عبداً. وأخرج عن مجاهد قال: تُخَيَّر
ولو كانت تحت أمير المؤمنين.
(١) فإن القيام من المجلس والشروع في عمل آخر دليل الإِعراض.
(٢) أي تشرع.
(٣) الواو حالية.
(٤) أي بالعتق .
(٥) أي المس وغيره حينئذ لا يبطله بل يُبقي خيارها من حين العلم إلى
المجلس.
=
الشيخ ابن القيم في الهدي: إن حديث عائشة رضي الله عنها رواه ثلاثة: الأسود وعروة
والقاسم، فأما الأسود فلم يختلف عنه أنه كان حراً، وأما عروة فعنه روايتان صحيحتان
متعارضتان إحداهما أنه كان حراً والثانية أنه كان عبداً، وأما عبد الرحمن بن القاسم فعنه
روايتان صحيحتان، إحداهما أنه كان حراً، والثانية الشك. انتهى. قلت: الجزم قاضٍ
ولا ترجيح لإِحدى روايتي عروة للتعارض، فبقيت رواية الأسود سالمة ومعها رواية الجزم
لابن القاسم. انظر هامش لامع الداري ٢٧٠/٩. وبذل المجهود ٣٦٢/١٠.
٥٣٢

١٢ - (باب(١) طلاق المريض)
٥٧٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا الزهري، عن طلحة (٢) بن
(١) قوله: باب طلاق المريض، اختلف فيه على أقوال. الأول: أنه لا يقع
طلاقه حكاه ابن حزم عن عثمان. الثاني: يقع وترثه بشرط قيام العدّة، وهو قول
عمر وابنه وابن مسعود وأبيّ بن كعب وعائشة، وبه قال المغيرة والنَّخْعي
وابن سيرين وعروة والشّعبي وشُريح وربيعة بن عبد الرحمن وطاوس والأوزاعي
وابن شُبْرُمة والليث بن سعد والثوري وحماد بن أبي سليمان وأصحابنا. الثالث:
ترثه ما لم تتزوج زوجاً غيره وإن انقضت عدتها، وهو قول ابن أبي ليلى وأحمد
وإسحاق. والرابع: ترثه وإن تزوجت عشرة أزواج، وبه قال مالك والليث في رواية
عنه. الخامس: ترثه ويرثها، وبه قال الحسن البصري. السادس: إن صح منه
ومات من مرض آخر لا ترثه عندنا، وقال الزهري والثوري والأوزاعي وأحمد
وإسحاق: ترثه إن مات قبل انقضاء عدتها منه. السابع: ترثه ويرثها إذا كان لها
حمل أو قصد المضارة وهو قول عروة. الثامن: ترثه وتنقل عدتها إلى عدة الوفاة
ما لم تنكح، وبه قال الشعبي. التاسع: تعتدّ بأبعد الأجلين من ثلاث حيض وأربعة
أشهر وعشراً، وهو قول أبي حنيفة ومحمد. العاشر: ترثه قبل الدخول وعليها
العدة، وهو قول الحسن وإسحاق وأبي عبيد. الحادي عشر: لا ترثه أصلاً لا قبل
الدخول ولا بعده، وهو قول الظاهرية وأبي ثور والجديد للشافعي، وفي القديم
عنده الزوج فارّ وفي الميراث ثلاثة أقوال: الأول مثل قولنا، والثاني مثل قول
أحمد، والثالث مثل قول مالك(١)، كذا ذكره العيني في ((البناية شرح الهداية)).
(٢) قوله: عن طلحة، هو ابن أخي عبد الرحمن بن عوف ثقة، مكثر، فقيه،
تابعي، مات سنة ٩٧هـ. وعبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري أحد العشرة
المبشرة بالجنة مات سنة ٣٢هـ، كذا قال السيوطي والزرقاني .
(١) قال الموفق: إذا طلق الرجل امرأته طلاقاً يملك رجعتها في عدتها لم يسقط التوارث بينهما
ما دامت في العدة سواء كان في المرض أو الصحة بغير خلاف نعلمه، وإن طلقها في =
٥٣٣

عبد الله بن عوف: أن عبد الرحمن بن عوف طلّق امرأته(١) وهو
مریض فورَّثها عثمان منه بعدما(٢) انقضت عدّتها.
٥٧٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن الفضل (٣)، عن
الأعرج (٤)، عن عثمان بن عفان: أنه ورّث(٥) نساء (٦) ابن مُكْمِل منه،
کان طلّق نساءه وهو مریض.
(١) قوله: طلّق امرأته، هي تُماضر الكلبية بضم التاء فميم فألف فضاء
معجمة فراء مهملة بنت الأصبغ الكلبية الصحابية، وكان فيها سوء خلق وكانت
على تطليقتين، فلما مرض عبد الرحمن جرى بينه وبينها شيء، فطلّقها وهو آخر
طلاقها، كذا في «موطأ یحیی)) وشرحه.
(٢) قوله: بعدما انقضت عدتها، قال القاري: هذا بظاهره يوافق مذهب
ابن أبي ليلى وأحمد وإسحاق أنها ترثه بعد العدّة ما لم تتزوّج بزوج آخر والتحقيق
أنه ظرف لورّثها، فتوريثها كان بعد انقضاء عدتها.
(٣) ابن العباس بن عبد المطلب.
(٤) عبد الرحمن بن هرمز.
(٥) من التوريث.
(٦) قوله: نساء بن مكمل، بضم الميم وسكون الكاف وكسر الميم اسمه =
الصحة طلاقاً بائناً أو رجعياً فبانت بالقضاء عدتها لم يتوارثا إجماعاً.
وإن كان الطلاق في المرض المخوف ثم مات من مرضه ذلك في عدتها ورثته،
ولم يرثها إن ماتت، يُروى ذلك عن أبي حنيفة ومالك وهو قول الشافعي القديم، وقوله
الجديد: لا ترث مبتوتة، والمشهور عن أحمد أنها ترثه في العدة وبعدها ما لم تتزوج،
ورُوي عنه ما يدل على أنها لا ترث بعد العدة. انظر الأوجز ١٥٥/١٠ .
٥٣٤

قال محمدٌ: يَرِثْنَه ما دُمْنَ في العدّة فإذا انقضت العدّةُ قبل أن
يموت فلا ميراث لهنّ وكذلك ذكر هُشَيْم(١) بن بشير عن المغيرة
الضبي عن إبراهيم النَّخَعي عن شُريح (٢) أن عمر بن الخطاب كتب
إليه في رجل طلّق امرأته ثلاثاً و(٣) هو مريض: أنْ وَرِّثها(٤) ما دامت
في عدّتها، فإذا انقضت العدة فلا ميراث لها. وهو قول أبي حنيفة
رحمه الله تعالى والعامة من فقهائنا .
= عبد الله بن مكمل بن عوف بن عبد الحارث، ذكره الطبري وعمرو بن شبّة في الصحابة
واستدركه ابن فتحون وقال: أكثرما يأتي في الروايات ابن مكمل غير مسمى وسماه
بعضهم عبدالرحمن وهو وهم، إنما عبد الرحمن ابنه ونساء ابن مكمل اللاتي طلقهن
كنّ ثلاثاً كما رواه عبد الرزاق، كذا في ((شرح الزرقاني)».
(١) قال في ((التقريب)) هُشيم بالتصغير ابن بشير بوزن عظيم ابن القاسم بن
دينار السلمي أبو معاوية بن أبي حازم الواسطي ثقة ثبت كثير التدليس والإِرسال
الحنفي مات سنة ١٨٣ .
(٢) قوله: عن شُريح، مصغراً ابن الحارث بن قيس القاضي أبو أمية الكندي
الكوفي، ويقال: شريح بن شرحبيل من ثقات المخضرمين استقضاه عمر على
الكوفة، ثم عليّ فمن بعده استعفى من القضاء قبل موته بسنة زمن الحجاج، وعاش
مائة وعشرين سنة، ومات سنة ٧٨ وقيل سنة ٨٠، وثقه ابن معين وغيره، كذا في
((تذكرة الحفاظ)» للذهبي.
(٣) الواو حالية.
(٤) أمر من التوريث أي كتب إليه بأن ورِّث مطلّقة الفارّ ما دامت في العدّة.
٥٣٥
٠٠٠

١٣ - (باب المرأة تطلّق أو يموت
عنها زوجها وهي حامل)
٥٧٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا الزهري، أنّ ابنَ عمر سُئل(١) عن
امرأة(٢) يُتَوَفَّى عنها زوجها؟ قال: إذا وضعت(٣) فقد حلّت(٤)، قال
رجل من الأنصار(٥) كان عنده(٦): إِن عمر بن الخطاب قال:
لو وضعت ما في بطنها وهو على سريره(٧) لم يُدْفن بعدُ حلّت.
قال محمد: وبهذا(٨) نأخذ. وهو قول أبي حنيفة والعامة من
فقهائنا .
(١) قوله: سئل ... إلخ، كذا رواه الشافعي أيضاً في ((مسنده)) من طريق
مالك، وكذلك رواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) عن معمر عن أيوب عن نافع به،
وروى هو وابن أبي شيبة عن ابن عُيّينة عن الزهري عن سالم قال: سمعت رجلاً
من الأنصار يحدث ابن عمر يقول: سمعت أباكَ لو وضعت المتوفَّى عنها زوجها
وهو على السرير حلّت، كذا ذكره الزيلعي .
(٢) أي عن عدتها.
(٣) ولو قبل أربعة أشهر وعشراً.
(٤) أي خرجت من العدة.
(٥) تقويةً لما أفتى به ابن عمر.
(٦) أي في مجلس ابن عمر.
(٧) أي الميت على نعشه لم يُكَفِّنْ ولم يُدْفَرْ.
(٨) قوله: وبهذا نأخذ، وبه قال أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين فمن
بعدهم أنّ المتوفَّى عنها زوجها والمطلّقة الحاملة تنقضي عدتها بوضع الحمل،
وروي عن علي وابن عباس أن المتوفّى عنها الحاملة تنتظر آخر الأجلين من وضع =
٥٣٦

٥٧٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر قال: إذا
وضعتْ ما في بطنها(١) حلّت.
قال محمد: وبهذا نأخذ في الطلاق (٢) والموت جميعاً، تنقضي
عدّتها بالولادة. وهو قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى .
= الحمل وأربعة أشهر وعشراً، وقال عبد الله بن مسعود: أُنزلت سورة النساء القُصرى
بعد الطولى، وأراد بالقصرى سورة الطلاق التي فيها: ﴿وأولاتُ الأحمالِ أَجلُهُنّ
أن يضعن حملَهن﴾(١)، نزلت بعد قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿والذين يُتَوَفَّوْنَ
منكم ويذرون أزواجاً يتربَّصْنَ بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً﴾(٢)، فحُمل على
النسخ. كذا قال البغوي في («معالم التنزيل))، ومن مستندات الجمهور ما روي أن
سبيعة بنت الحارث الأسلمية مات عنها زوجها، فوضعت الحمل بعد خمسة
وعشرين يوماً من موته فأفتاها النبي ◌َّه بانقضاء عدتها كما ورد في رواية البخاري
والترمذي والنسائي وغيرهم، وهو نصّ في الباب، ولعله لم يبلغ من خالف ذلك،
وقد قال ابن عبد البر وغيره: إن هذا مما أجمع عليه جمهور العلماء من السلف
والخلف إلا ما رُوي عن علي من وجه منقطع أن عدّتَها آخر الأجلين، ونحوه جاء عن
ابن عباس. لكن جاء عنه أيضاً أنه رجع إلى حديث أمّ سلمة في قصة سبيعة،
ويصححه أن أصحابه عكرمة وعطاء وطاوس وغيرهم على أن عدّتها الوضع .
(١) ولو كان سقطاً تمّ بعض خلقته(٣).
(٢) قوله: في الطلاق والموت جميعاً، هذا الحكم في الطلاق متفق عليه،
وفي الموت فيه خلاف غير معتدّ به كما مرّ.
(١) سورة الطلاق: الآية ٤.
(٢) سورة البقرة: الآية ٢٣٤.
(٣) قال مالك في ((المدونة)): ما ألقته المرأة من مضغة أو علقة أو شيء يستقين أنه ولد فإنه
تنقضي به العدة وتكون به الأمة أم ولد. المنتقى للباجي ١٣٣/٤.
٥٣٧

١٤ - (باب(١) الإِيلاء)
٥٧٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا الزهري، عن سعيد بن المسيّب
(١) قوله: باب الإِيلاء، قال عياض في ((الإِكمال)): الإِيلاء الحلف، وأصله
الامتناع من الشيء، يُقال آلى يولي إيلاءً، وفي عرف الفقهاء: الحلف على ترك
وطء الزوجة أربعة أشهر أو أكثر، فلو قال: لا أقربك، ولم يقل: والله لم يكن مُولياً،
وقد فسَّر ابن عباس قوله تعالى: ﴿للذين يُولون من نسائهم﴾ بالقسم، أخرجه
عبد الرزاق وابن المنذر وعبد بن حميد، وفي مصحف أبيّ بن كعب ﴿للذين
يُقيمون﴾ أخرجه ابن أبي داود في ((المصاحف)) عن حماد. ثم عند أبي حنيفة
وأصحابه والشافعي في الجديد: إذا حلف على ترك قربان زوجته أربعة أشهر يكون
مُولياً، واشترط مالك أن يكون مضرّاً بها أو يكون حالة الغضب، فإن كان للإصلاح
لم يكن مولياً، ووافقه أحمد. وأخرج نحوه عبد الرزاق عن علي، وكذلك أخرج
الطبري عن ابن عباس وعلي والحسن. وحجة من أطلق بإطلاق قوله تعالى :
﴿اللذين يولون﴾ الآية. واتفق الأئمة الأربعة وغيرهم على أنه لو حلف أن لا يتقرب
أقل من أربعة أشهر لا يكون مولياً، وكذلك أخرجه الطبري وسعيد بن منصور
وعبد بن حميد عن ابن عباس قال: كان إيلاء الجاهلية السنة فالسنتين، فوقَّت الله
لهم أربعة أشهر وعشراً، فمن كان إيلاؤه أقلَّ فليس بإيلاء، وقال جماعة - منهم
الحسن وابن أبي ليلى وعطاء - إنه إنْ حلف أن يطأها على يوم فصاعداً، ثم
لم يطأها إنه يكون مُولياً. ثم في الإِيلاء الشرعي إن جامع زوجته في أربعة أشهر
فليس عليه إلَّ كفارة يمين، وإن مضت أربعة أشهر، ولم يفء الجماع ولا بلسان
طُلِّقت طلقة بائنة عند الحنفية، وبه قال ابن مسعود. أخرجه الطبري عنه وعلي
وزيد بن ثابت وغيرهم، وقال سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن وعطاء
وربيعة ومكحول والزهري والأوزاعي: طلقة رجعية. وذهب مالك والشافعي وأحمد
إلى أن المُولي إذا لم يفء ومضت أربعة أشهر لا يقع بمضيِّ هذه المدة طلاق، بل
يوقف حتى يفيء أو يطلق. وكذلك أخرجه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق والشافعي عن
عثمان وابن أبي شيبة عن عليّ، والبخاري عن ابن عمر، وسعيد بن منصور عن =
٥٣٨

قال: إذا آلى الرجلُ من امرأته، ثم فَاء (١) قبل أن تمضي أربعة أشهر
فهي امرأته لم يذهب من طلاقها شيء، فإن مضت الأربعة (٢) الأشهر
قبل أن يفيء (٣) فهي تطليقة وهو أَمْلَك (٤) بالرجعة ما لم تنقض عدَّتُها.
قال(٥): وكان مروان يقضي به.
٥٧٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر قال: أيُّما
رجل آلى من امرأته فإذا(٦) مضت الأربعة الأشهر وُقِفَ (٧) حتى يطلِّق
= عائشة، وابن أبي شيبة عن أبي الدرداء، كذا ذكره بعض الأعلام في ((شرح مسند
الإِمام)».
ء
(١) قوله: فاء، أي رجع عن يمينه بأن جامع في أثناء أربعة أشهر وهي مدة
الإِيلاء للحرَّة أو شهرين وهي مدة الإِيلاء للأمة.
(٢) أي في الحرة.
(٣) أي يرجع عن يمينه بالوطء أو ما قام مقامه .
(٤) أي زوجها أحقّ بالرجعة في العدة.
(٥) قوله: قال: وكان، أي قال سعيد بن المسيب: كان مروان بن الحكم
يحكم بكونها رجعية، كذا قال القاري. وفي «موطأ يحيى)): مالك عن ابن شهاب
أن سعيد بن المسيب وأبا بكر بن عبد الرحمن كانا يقولان في الرجل يُولي من
امرأته: إنها إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة، ولزوجها الرجعة ما دامت في
العدة. مالك أنه بلغه أن مروان بن الحكم كان يقضي في الرجل إذا آلى من امرأته
أنها إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة وله عليها الرجعة ما دامت في عدتها، قال
مالك: وعلى ذلك كان رأي ابن شهاب. انتهى .
(٦) في نسخة: فإنه إذا.
(٧) بصيغة المجهول: أي أُمسك(١).
(١) أي يُحبس عند الحاكم، فإمّا يطلِّق وإما يفيء، أي يرجع عن اليمين، ويكفّر عن يمينه، =
٥٣٩

أو يفيء، ولا يقع عليها طلاق وإن مضت الأربعة الأشهر حتى يُوقَفَ.
قال محمد: بلغنا (١) عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان
وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت أنهم قالوا: إذا آلى الرجل من امرأته
فمضتْ أربعة أشهر قبل أن يفيء فقد بانت بتطليقة بائنة وهو خاطب(٢)
(١) قوله: بلغنا عن عمر ... إلخ، هذا البلاغ أسنده عبد الرزاق وابن جرير
وابن أبي حاتم والبيهقي عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت
وابن عمر وابن عباس قالوا: الإِيلاء طلقة بائنة إذا مرت أربعة أشهر قبل أن يفيء،
فهي أحق بنفسها. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد
وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس قال: عزيمة الطلاق
انقضاء أربعة أشهر. وأخرج عبد بن حميد، عن أيوب قال: قلت لابن جرير: أکان
ابن عباس يقول في الإِيلاء إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة؟ قال: نعم.
وأخرج عبد بن حميد وعبد الرزاق والبيهقي عن ابن مسعود قال: إذا آلى الرجل من
امرأته فمضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة، وتعتدُّ بعد ذلك ثلاثة قروء ويخطبها
زوجها في عدَّتها ولا يخطبها غيره، فإذا انقضت عدتها خطبها زوجها وغيره. وأخرج
عبد بن حميد عن علي في الإِيلاء: إذا مضت أربعة أشهر فقد بانت منه بتطليقة
ولا يخطبها هو ولا غيره إلاّ بعد العدة، كذا أورده السيوطي في ((الدر المنثور))، وفيه
آثار أخر مبسوطة تدل على أن المسألة مختلف فيها من عهد الصحابة إلى من
بعدهم .
(٢) أي إن شاء خطبها ونكحها بالعقد الجديد كغيره من الخُطّاب.
=
فإن امتنع طلَّق القاضي، وهو المشهور عن مالك وبه قال الشافعي، وعن مالك رواية:
لا يطلق القاضي عنه بل يُجبر على الجماع أو الطلاق ويعزَّر على ذلك إن امتنع، كذا
حكاه النووي عن عياض. أوجز المسالك ٤٧/١٠.
٥٤٠

من الخُطّاب وكانوا(١) لا يَرَوْنَ أن يُوْقَفَ بعد الأربعة. وقال ابن عباس
في تفسير هذه الآية: ﴿للذين يُؤْلُون من نسائهم تربُّصُ (٢) أربعة أشهر
فإن فاؤوا(٣) فإن الله غفور رحيم وإن عزموا (٤) الطلاق فإن الله سميع
عليم﴾ (٥)، قال: الفيء الجماع في الأربعة الأشهر، وعزيمة
الطلاق انقضاء الأربعة الأشهر، فإذا مضت بانت بتطليقة ولا يوقّف
بعدها. وكان (٦) عبد الله بن عباس أعلم (٧) بتفسير القرآن من غيره.
وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا.
(١) أي الأصحاب المذكورون.
(٢) أي انتظار.
(٣) قوله: فإن فاؤوا(١)، أي بالجماع، كذا أخرجه عبد بن حميد بن علي،
وعبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس،
وابن المنذر عن ابن مسعود. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن مسعود قال: إذا حال
بينه وبينها مرض أو سفر أو حبس أو شيء يُعذّر به فإشهاده فيء.
(٤) أي قصدوا.
(٥) أعاده لطول الفصل، وفصلاً بين كلامه وكلام الله عزَّ وجلّ.
(٦) قوله: وكان، أشار به إلى ترجيح تفسير ابن عباس وفتواه على فتوى من
أفتى بالوقف أو بالتطليقة الرجعية .
(٧) قوله: أعلم، ببركة دعاء النبي وَّر: اللَّهم علِّمه القرآن وفقِّهه في
الدين. ومن ثَمَّ صار حبر المفسرين ورأس المتبحّرين.
(١) سورة البقرة: الآية ٢٢٧ .
٥٤١