النص المفهرس

صفحات 441-460

قال محمد: إن فعل هذا أجزأه(١)، وإن طاف (٢) ورمل وسعى
قبل أن يخرج (٣) أجزأه ذلك (٤)، كل ذلك حسن (٥) إلا أنّا نحِبٌ له أن
لا يَتْرُكَ الرَّمل (٦) بالبيت في الأشواط الثلاثة الأول (٧) إن عجّل (٨)
أو أخّر. وهو قول أبي حنيفة رحمه الله .
٧٢ - (باب المحرم (٩) يحتجم)
٥٢٠ - أخبرنا مالك، حدثنا يحيى بن سعيد، عن سليمان بن
يسار: أنّ(١٠) رسول الله پژ احتجم فوق رأسه
(١) أي كفاه بل هذا هو الأولى عند عدم الحرج.
(٢) أي نفلاً بعد إحرام الحج في الطواف.
(٣) أي إلى منى.
(٤) أي عن سعي الحج.
(٥) أي مستحسن إلا أن أحدهما أحسن.
(٦) لأنه سنّة مطلقاً .
(٧) بضم أوله وفتح ثانيه أي في الدورات الثلاث الأولى من الدورات
السبع.
(٨) أي سواء عجّل قبل الخروج أو أخر بعد الرجوع.
(٩) قوله: باب المحرم يحتجم، موقع هذا الباب وبعض ما فيه مكرّراً من
المؤلف فإنه قد مرّ سابقاً ((باب الحجامة للمحرم))، وأورد فيه أثر ابن عمر المذكور
ههنا، وذكر فيه احتجام النبي ◌َّله وهو محرم صائم بلاغاً. ولعله لذهول أو نسيان،
وقد مر منها نبذ مما يتعلق بهذا البحث هناك.
(١٠) قوله: أن، هذا مرسل في ((الموطأ))، وقد رُوي ذلك من حديث جمع من
الصحابة، فعن ابن عباس احتجم رسول الله ومر وهو محرم، أخرجه البخاري ومسلم =
٤٤٢
--------

وهو يومئذ محرم بمكان(١) من طريق مكة يقال له: لَحْيُ جَمَل.
قال محمد: وبهذا نأخذ. لا بأس بأنْ يحتجم الرجل وهو
محرم، اضطُرَّ إليه(٢) أو لم يُضْطَرَّ إلا أنه لا يحلق (٣) شعراً وهو قول
أبي حنيفة .
= وأبو داود والترمذي والنسائي. وعن أنس أن رسول الله وَلقر احتجم وهو مُحرم من
وجعٍ كان برأسه، أخرجه ابن عدي. وعن جابر: أن النبي ◌َّر احتجم وهو محرم،
أخرجه النسائي وابن ماجه. وعن ابن عمر احتجم رسول الله مصر وهو محرم صائم
وأعطى الحَجَّام أجرة، أخرجه ابن عدي. وعن عبد الله بن بُحَيْنة: احتجم
رسول الله ﴿ وهو محرم بلّحْي جمل في وسط رأسه، أخرجه البخاري ومسلم
والنسائي وابن ماجه. ولَخْي جمل - بفتح اللام ويُروى بكسرها وسكون الحاء
المهملة بعدها ياء آخر الحروف، وبفتح الجيم والميم آخره لام - اسم موضع بين
مكة والمدينة وهو أقرب إلى المدينة، وجزم الحازمي وغيره أن ذلك كان في حجة
الوداع، ودلّت هذه الأحاديث على جواز الحجامة للمحرم مطلقاً(١)، وبه قال عطاء
ومسروق وإبراهيم وطاوس والشعبي والثوري وأبو حنيفة والشافعي وأحمد
وإسحاق، وقالوا: ما لم يقطع الشعر، وقال قوم: لا يحتجم المحرم إلا من ضرورة،
رُوي ذلك عن ابن عمر، وبه قال مالك، كذا في ((عمدة القاري)).
(١) أي بموضع في طريق مكة.
(٢) أي احتيج إليه إلى حدّ الاضطرار أو لا.
(٣) فإنْ حَلَق فعليه فدية.
(١) وقال ابن قدامة: أما الحجامة إذا لم تقطع شعراً فمباحة من غير فدية في قول الجمهور لأنه
تداوٍ بإخراج دم فأشبه الفصد وربط الجرح، وقال مالك: لا يحتجم إلا من ضرورة، وكان
الحسن البصري يرى في الحجامة دماً. المغني ٣٠٥/٣.
٤٤٣

٥٢١ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر قال:
لا يحتجم (١) المحرم إلا أن يُضطَّرّ إليه.
٧٣ - (باب دخول مكة بسلاح)
٥٢٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن أنس بن مالك:
أن رسول (٢) اللّه ◌َ﴾ دخل مكة(٣) عام الفتح وعلى رأسه المِغْفَر (٤) فلما
(١) قوله: لا يحتجم المحرم، أي في موضع له شعر يحتاج إلى قطعه إلا
أن يُضْطَّ إليه، فحينئذ يفتدي كما عُلم من قوله تعالى: ﴿ففدية من صيام أو صدقة
أو نُسُك﴾(١)، فلا منافاة بين هذا الحديث وبين ما تقدم، كذا قال القاري: وأراد به
إرجاع قول ابن عمر إلى ما ذهب الجمهور إليه، وليس بجيد فإن خلاف ابن عمر في
المسألة مشهور أنه لا يجوز الاحتجام مطلقاً إلا عند الاضطرار.
(٢) قوله: أن رسول الله وله، هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم
وأصحاب السنن من طريق مالك، وقد قيل: تفرد به مالك عن الزهري من بين
أصحابه وليس كذلك فقد رواه ستة عشر نفساً غير مالك عنه في ((الحلية)) لأبي نعيم
ومسند أبي يعلى وكتاب الضعفاء لابن حبان وغيرها، وله طرق أُخَر أيضاً كما بسطه
الحافظ في «فتح الباري)).
(٣) أي في سنة فتح مكة وهي سنة ثمان.
(٤) قوله: وعلى رأسه المِغْفَر، بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وفتح
الفاء ثم راء، قال صاحب المحكم: ما يُجعل من فضل درع الحديد على الرأس
مثل القلنسوة، وقال ابن عبد البر: هو ما غطّى الرأس من السلاح كالبيضة وشبهها
من حديد كان أو غيره، وقد زاد بشربن عمر عن مالك: من حديد، ولا أعلم ذكره
غيرَه أي من رواة الموطأ. وأما خارجة فقد رواه عشرة أخرج رواياتهم الدار قطني. قال
مالك: لم يكن رسولُ اللهِ وَلّ يومئذ محرماً، فإنه لم يرو عن أحد أنه تحلَّل من =
(١) سورة البقرة: الآية ١٩٦.
٤٤٤

نزعه(١) جاءه رجل(٢) فقال له: ابن خَطَل (٣) متعلَّق بأستار الكعبة،
قال: اقتلوه .
= إحرامه وهو من الخصائص النبوية عند الجمهور، وخالف ابن شهاب فأجاز ذلك
لغيره، قال أبو عمر: ولا أعلم من تابعه على ذلك إلا الحسن البصريّ، وروي عن
الشافعي، والمشهور عنه أنها لا تُدْخَل إلا بإحرام فإن دخلها أساء ولا شيء عليه
عنده وعند مالك، وقال أبو حنيفة وأصحابه: عليه حجة أو عمرة، ولمسلم وأحمد
وأصحاب السنن عن جابر: دخل رسول الله وقليل مكة عام الفتح وعليه عمامة سوداء
لغير إحرام. ولا معارضة بينه وبين حديث أنس لإِمكان أنّ المغفر فوق العمامة،
قاله ابن عبد البر. وقيل: لعل العمامةَ كانت ملفوفة فوق المغفر، وقال القرطبي:
يجوز أن يكون نزع المغفر عند انقياد أهل مكة ولبس العمامة بعده، كذا ذكره
العيني والزرقاني.
(١) أي وضع المغفر عن الرأس.
(٢) قوله: جاءه رجل، هو أبو برزة الأسلمي بفتح الباء وسكون الراء بعده
زاء معجمة، واسمه نضلة بن عبيد، جزم به الكرماني والفاكهي في ((شرح العمدة»،
وقيل: سعيد بن حريث، وقال الحافظ لم يسمّ.
(٣) قوله: ابن خَطَّل، بفتحتين، قيل: اسمه عبد الله، وكان اسمه في
الجاهلية عبد العُزَّى، وقيل: هو عبد الله بن هلال بن خطل، وقيل: غالب بن
عبد الله بن خطل، واسم خطل عبد مناف، وهو لقب له من بني تيم، وكان قد ارتدّ
بعد ما أسلم، وقيل: كان يكتب الوحي لرسول الله وَلقر، فكان يبدّل ما نزل فيكتب
مكان غفور رحيم رحيم غفور ونحو ذلك، ولما ارتد لحق بأهل مكة، فلما دخلها
رسول الله له أبطل دمه، فقال: اقتلوه وإن وجدتموه تحت أَستار الكعبة - بالفتح
جمع سِتّر بالكسر ما يُستر به البيت - فأُخْبر أنه متعلِّق بأستار الكعبة فأمر بقتله فقُتل(١).
(١) قال ابن عبد البر والطيبي: إن قتل ابن خطل كان قوداً لقتله المسلم، وقال القاري: بل
كان ارتداداً. أوجز المسالك ١٧٥/٨.
٤٤٥

قال محمد: إن النبي وَّ دخل مكة حين فتحها غيرَ (١) مُحْرم
ولذلك دخل وعلى رأسه المِغْفَر، وقد بلَغَنا(٢) أنه حين أحرم من
حُنَّيْن (٣) قال: هذه العُمْرة لدخولنا مكة بغير إحرام يعني يوم الفتح،
فكذلك الأمر عندنا: من دخل (٤) مكة بغير إحرام فلا بدّ له من أن
يخرج فَيُهلِّ(٥) بعمرة أو بحجة لدخوله(٦) مكة بغير إحرام. وهو
قول(٧) أبي حنيفة رحمه الله والعامة من فقهائنا.
(١) قوله: غير محرم، لأنها قد أُحِلّت له في ذلك اليوم حتى حل له القتال
فيها، ثم عادت حراماً إلى يوم القيامة فكان ذلك من خصائصه بمن معه، كما بسطه
الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)).
(٢) قوله: وقد بلغنا، هذا البلاغ يدل على أنه وفر أدَّى العمرة التي أحرم بها
من الجعرّانة حين رجوعه من حُنَّيْن وتقسيم غنائمه عوضاً لدخوله مكة بغير إحرام
في فتح مكة، والله أعلم بحال نبيِّه.
(٣) قوله: حُنَّيْن، مصغراً اسم موضع وادٍ بين مكة والطائف وراء عرفات،
بينه وبين مكة بضعة عشر ميلاً، وكانت فيها غزوة مشهورة مذكورة في القرآن.
(٤) أي من أهل الآفاق.
(٥) أي يحرم.
(٦) أي عوضاً عنه.
(٧) قوله: قول، وبه قال جماعة، وقيّد بعضهم بمن أراد الحج أو العمرة
وقد مرّ معنا ما يتعلق بهذا المقام في ((باب دخول مكة بغير إحرام)) وفي ((باب
المواقيت)).
٤٤٦

.. -
(كتاب النكاح)(١)
١ - (باب الرجل تكون عنده نسوة(٢) كيف يَقْسِمُ بينهنَّ)
٥٢٣ - أخبرنا مالك،
(١) قوله: كتاب النكاح، هو في اللغة حقيقة في الوطء مجاز في العقد،
وقيل: مشترك بينهما وفي الشرع حقيقة في العقد الموضوع قاله علي القاري، وقد
وردت أحاديث كثيرة ناطقة بفضله والترغيب إليه، وطرق بعضها وإن كانت مما تُكُلِّم
في رواتها فلا يضر في إثبات المقصود(١). فأخرج ابن ماجه من حديث عائشة
مرفوعاً: النكاح من سنتي فمن لم يعمل بسنتي فليس مني، وتزوجوا فإني مكاثر
بكم الأمم ومن كان ذا طَوْل فلينكح، ومن لم يجد فعليه بالصوم، فإنّ الصوم وجاء
له، وفي سنده عيسى بن ميمون ضعيف، وفي الصحيحين من حديث أنس في
ضمن حديث: ولكني أصوم وأفطر وأصلي وأنام وأتزوج، فمن رغب عن سنتي
فليس مني، وعن أنس مرفوعاً: حُبِّب إليَّ من الدنيا النساءُ والطِّيبُ، وجُعل قرَّةُ
عيني في الصلاة، رواه النسائي وإسناده حسن، وقد اشتهر على الألسنة بزيادة
ثلاث، وهكذا ذكره الغزالي في ((الإِحياء)) ولم يوجد في شيء من طرقه المسندة،
كذا قال الحافظ ابن حجر في ((تخريج أحاديث الرافعي)).
(٢) قوله: نسوة، المراد بهنَّ الزوجات لأن السَّراري وأمهات الأولاد لا حق
لهن في القسمة، كذا قال القاري.
(١) لا خلاف أن النكاح فرض حالة التَّوَقان، حتى إنّ من تاقت نفسه إلى النساء بحيث لا يمكنه
الصبر عنهن وهو قادر على المهر والنفقة ولم يتزوَّج يأثم، واختلف فيما إذا لم تتُقْ نفسه،
فقال نفاة القياس مثل داود بن علي الأصبهاني وغيره من أصحاب الظواهر: فرض عين =
٤٤٧

حدثنا عبد الله بن أبي بكر (١)، عن عبد الملك بن أبي بكر بن
الحارث بن هشام، عن أبيه(٢)(٣): أن النبي وَ ﴿ حين بنى (٤) بأمِّ
سلمة(٥) قال لها حين (٦) أصبحتْ(٧) عنده(٨): ليس بكِ(٩) على
أهلك(١٠)
(١) ابن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني.
(٢) أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي المدني.
(٣) قوله: عن أبيه أن النبي ... إلى آخره، قال ابن عبد البر: هذا حديث
ظاهره الانقطاع وهو متصل مسند صحيح قد سمعه أبو بكر من أم سلمة كما صُرِّح
به عند مسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجه، كذا في ((تنوير الحوالك)).
(٤) أي زفّت إليه ودخل عليها.
(٥) هند بنت أبي أمية المخزومية.
(٦) قوله: حين أصبحت عنده، وفي رواية لمسلم: دخل عليها فإذا أراد أن
يخرج أخذت بثوبه فقال لها ليس بك ... إلى آخره، وفي رواية الحاكم في
((المستدرك)): أنها أخذت بثوبه مانعةً له من الخروج من بيتها، فقال لها: إن شئتِ.
وهذا يشعر بتقديم التماس أم سلمة لذلك، فخيَّرها(١) النبي وَلّ بين التسبيع والتثليث.
(٧) أي دخلت في الصباح.
(٨) أي في بيته.
(٩) يا أم سلمة.
(١٠) قوله: على أهلك، يريد به نفسه﴾. يقول ليس عليّ بك احتقار =
=
بمنزلة الصوم والصلاة وغيرهما، وقال الشافعي: مباح كالبيع والشراء واختلف أصحابنا فيه،
فقال بعضهم: إنه مندوب ومستحب وإليه ذهب الكرخي، وقال بعضهم: فرض كفاية بمنزلة
الجهاد وقال بعضهم: واجب ... إلخ. بذل المجهود ٤/١٠، نقلا عن ((البدائع)).
(١) في الأصل: ((خيّره))، وهو خطأ.
٤٤٨

هوان(١)، إن شئت سبَّعْتُ عندكِ وسبَّعتُ(٢) عندهنَّ(٣)، وإن شئت
ثلَّثتُ (٤) عندكِ ودُرت(٥)،.
٠٠
: وإذلال بالنسبة إلى باقي الأزواج، فلا أفعل فعلاً يكون فيه هوانك، بل الأمر بيدك
إن شئتِ سبّعتُ عندكِ وإن شئتِ ثلَّثت.
(١) قوله: هوان، قال النووي: معناه لا يلحقك هوان ولا يضيع من حقك
شيء بل تأخُذِينه كاملاً، وقال الأبِّي: قيل: المراد بالأهل قبيلتها لأن الإِعراض
عن المرأة وعدم المبالاة بها يدل على عدم المبالاة بأهلها فالباء على الأول متعلقة
بهوان، وعلى الثاني للسببية أي لا يلحق أهلك بسببك هوان، كذا قال الزرقاني.
(٢) أي أقمتُ عندك سبعاً.
(٣) أي عند بقية الزوجات.
(٤) أي أقمتُ ثلاثاً.
(٥) قوله: ودُرْت، ظاهره أن الثلاث حق للجديدة الثيبة فإن معنى درت
الدوران المعتاد وهو القسم يوماً يوماً، فكأنه قال لأم سلمة: وكانت ثيبة إن شئتِ
سَبَّعتُ عندك فأسبِّع عند بقية الأزواج للتسوية، إذ لا حق لكِ في السبعة، وإن شئتٍ
تُلَّئتُ عندك فتُوَفِّي حقك، ثم درت على بقية النساء يوماً يوماً بالسوية، وفُهم منه
جواز تخيير الثيب بين الثلاث بلا قضاء، والسبع مع القضاء، وإليه ذهب الجمهور
والشافعي وأحمد كما ذكره النووي وغيره، وقال مالك وأصحابه: لا تُخيّر بل للبكر
الجديدة سبع وللثيب ثلاث يرون التخيير والقضاء، قال ابن عبد البر: هذا أي
حديث أم سلمة تركه مالك وأصحابه للحديث الذي رواه مالك عن أنس. انتهى .
وأشار به إلى ما في صحيح البخاري عن أنس أنه قال: السنَّة إذا تزوَّج البكر أقام
عندها سبعاً، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثاً، وفيه أيضاً عنه: من السنَّة إذا تزوَّج
الرجل البكر على الثيب أقام عندها سبعاً وقسم، وإذا تزوج الثيب على البكر أقام
عندها ثلاثاً ثم قسم. وأخرج ابن ماجه والدارمي وابن خزيمة والإِسماعيلي =
٤٤٩

قالت(١): ثلِّثْ.
= والدارقطني والبيهقي وابن حبان هذا الحديثَ عن أنس أن رسول الله وَّ قال: سَبعٌ
للبكر وثلاث للثيب. واعتذر أصحاب مالك عن حديث أم سلمة الدال صريحاً على
التخيير بأن مالكاً رأى ذلك من خصائص النبي ◌َّه لأنه خُصَّ في النكاح بخصائص
فاحتمال الخصوصية مَنّع من الأخذ به، وفيه ضعفٌ ظاهر لأن مجرد الاحتمال
لا يمنع الاستدلال، وقال أصحابنا الحنفية: لا فرق بين الجديدة والقديمة ولا بين
البكر والثيية، بل يجب القسم على السوية بينهن يوماً يوماً لإطلاق قوله تعالى:
﴿وَلَنْ تَستَطيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنِ النِّسَاءِ ولو حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيلِ﴾(١)، وقوله
تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُم ألَّ تَعدِلُوا فَواحدة أو مَا ملكتْ أَيمَانُكُمْ﴾(٢)، وإطلاق ما روى
أصحاب السنن الأربعة عن عائشة: كان رسول الله يقسم ويعدل ويقول: اللَّهم هذا
قَسْمي فيما أملك فلا تَلُمْني فيما تملك ولا أملك يعني القلب أي زيادة المحبة.
فظاهره أنَّ ما عداه داخل تحت ملكه فتجب السوية فيه، ولما روى أصحاب السنن
وأحمد والحاكم من حديث أبي هريرة مرفوعاً، من كانت له امرأتان، فمال إلى
إحداهما جاء يوم القيمة وشقّه مائل. فظاهر هذه النصوص يقتضي التسوية من غير
فصل، فإن سبِّع عند الجديدة سبَّع عند غيرها، وإن ثلَّث عندها ثلث عند غيرها،
ولا حق لها في الزيادة بكراً كانت أو ثيباً، كذا قرره ابن الهمام وغيره. وعلى هذا
حملوا حديث أم سلمة، وقالوا: معنى دُرتُ: الدوران عند البقية بالثلاث ليحصل
المساواة إلَّ أنه خلاف الظاهر، وخلاف ما أخرجه النسائي والدارقطني بطريق فيه
الواقدي : أنه قال لأم سلمة: إن شئتِ أقمتُ عندك ثلاثاً خالصةً لك، وإن شئتِ
سبَّعتُ لك وسبَّعت لنسائي.
(١) قوله: قالت: ثلاث، قال القاضي عياض: اختارت التثليث مع أخذها
(١) سورة النساء: الآية ١٢٩.
(٢) سورة النساء: الآية ٣.
٤٥٠

قال محمد: وبهذا نأخذ ينبغي أن سبّع عندها(١) أن يُسبّع
عندهن (٢) لا يزيد لها عليهن شيئاً وإن ثلّث عندها أن يُثلّث(٣) عندهن،
وهو قول (٤) أبي حنيفة والعامة من فقهائنا.
بثوبه حرصاً على طول إقامته عندها لأنها رأت أنه إذا سبَّع لها وسبّع لغيرها لم يقرب
رجوعه إليها.
(١) أي الجديدة.
(٢) أي القديمة.
(٣) قوله: أن يثلَّث عندهن، لعله مبني على حمل الدَّوْر المذكور في
الحديث على الدَّوْر بالتثليث، وقد عرفتَ ما فيه، ولذا قال القاري في شرحه تحت
هذا القول: فيه أن ظاهر الحديث السابق أن بعد التثليث هو الدور ولا يفهم منه
التثليث عندهن إلاّ من دليل خارج يحتاج إلى بيانه. انتهى.
(٤) قوله: وهو قول أبي حنيفة، قال علي القاري في ((المرقاة شرحٍ
المشكاة)): عندنا لا فرق بين القديمة والجديدة لإطلاق قوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألاّ
تَعدِلُوا فواحدة﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾(١). وخبر
الواحد لا ينسخ الكتاب. انتهى. فأشار إلى بناء الكلام على مسألة أصولية وهي
عدم جواز نسخ إطلاق الكتاب القطعي بخبر الآحاد الظني، ففي ما نحن فيه لما
ثبت بإطلاق الكتاب وجوب عموم المساواة ومنع الميل إلى إحدى الزوجات مطلقاً
أفاد ذلك وجوب المساواة في القديمة والجديدة أيضاً والبكر والثيب أيضاً، فإن فُرِّق
بينهما بحديث أنس أو أم سلمة وغيرها يلزم إبطال إطلاق الكتاب بالخبر الظني،
وأشار في شرحه لهذا الكتاب إلى الإِيراد على هذا المسلك حيث قال بعد ذكر
ستناد علمائنا بآية: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا﴾ وغيره فيه أنه إذا كان التخصيص
وقع شرعاً يكون عدلاً فلا منافاة ولا معارضة أصلاً. انتهى.
١٠) سورة النساء: الآية ١٢٩.
٤٥١

٢ - (باب أدنى(١) ما يتزوج الرجل عليه المرأة)
٥٢٤ - أخبرنا مالك، حدثنا حُميد(٢) الطويل عن أنس بن
مالك: أن عبد الرحمن بن (٣) عوف جاءَ إلى النبي ◌َّل وعليه(٤) أَثّر
صُفْرة فأخبره(٥) أنَّه تزوَّج امرأة من الأنصار،
(١) أي أقلّ مهرها.
(٢) قوله: حميد الطويل، هو حُميد بضم الحاء بن أبي حميد أبو عبيدة
البصري الطويل، روى عن أنس والحسن وعكرمة، وعنه مالك وشعبة والحمّادان
والسفيانان وخلق، وثقه ابن معين وأبو حاتم، مات سنة ثلاث وأربعين ومائة، كذا
في ((الإِسعاف)).
(٣) أحد العشرة المبشِّرة بالجنة المتوفى سنة ٣٢هـ.
(٤) قوله: وعليه أثر صفرة(١)، تعلقت بجلده أو ثوبه من طيب العروس،
وهذا أولى ما فُسِّر به، وفي رواية: به ردع من زعفران أي أثره، وليس بداخل في
النهي عن تزعفر الرجل لأنه فيما قصد به التشبه بالنساء، كذا قال الزرقاني .
(٥) قوله: فأخبره، أي فسأله رسول الله اله، وقال: ما هذا؟ فأخبره. كذا ورد
في رواية، وفيه افتقاد الكبير أصحابه وسؤاله عما يختلف عليه من حالهم، فإنه كان
نهي عن التضمخ بالطيب، فأجابه بأنه لم يضمِّخ به، وإنما تعلق به من العروس.
وهذه المرأة التي أخبر أنه تزوَّجها لم تسمَّ في الروايات إلّا أن الزبير بن بكار جزم
بأنها ابنة أبي الحَيْسَر - بفتح المهملتين بينهما تحتية ساكنة آخره راء مهملة - =
(١) وفي رواية وضر من صفرة بفتح الواو والضاد المعجمة آخره راء، هو في الأصل الأثر، وفي
أخرى ردغ وردع بمهملات، مفتوح الأول ساكن الثاني هو أثر الزعفران .
والمراد بالصفرة صفرة خلوق والخلوق طيب يُصنع من زعفران وغيره، قاله الحافظ. انظر
الأوجز ٤٣٨/٩ .
٤٥٢

قال: كم (١) سُقْتَ إليها؟ قال: وزن(٢) نَوَاة من ذهب، قال: أَوْلِم (٣)
= اسمه أنس بن رافع الأنصاري، وأنها وَلَدَتْ له القاسم وعبد الله، كذا قال الحافظ
ابن حجر.
(١) قوله: كم سُقت إليها، بضم السين من السوق، أي كم أرسلتَ من
المهر مطلقاً، أو المعجل كذا قال القاري. وقال الزرقاني: فيه أنه لا بد في النكاح
من المهر، وقد يشعر ظاهره احتياجه إلى تقدير لأن كم موضوعة له، ففيه حجة
المالكية والحنفية في أنَّ أقل الصداق مقدَّر(١).
...-
(٢) قوله: وزن نواة من ذهب، قال الخطابي والأكثرون: هي خمسة
دراهم من ذهب فالنواة اسم المقدار المعروف عندهم، وقال أحمد بن حنبل: النواة
ثلاثة دراهم وثلث، وقيل: المراد: نواة التمر أي وزنها من ذهب، والأول أظهر
وأصح، وقال بعض المالكية: النواة بالمدينة ربع دينار كذا في ((شرح الزرقاني))،
وفيه أيضاً قال عياض: قيل: زنة نواة من ذهب ثلاثة دراهم وربع، وأراد قائله أن
يحتج به على أنه أقلّ الصداق، ولا يصح لقوله من ذهب وذلك أكثر من دينارين،
وهذا لم يقله أحد، وهو غفلة من قائله بل فيه حجة لمن يقول لا يكون أقل من
عشرة دراهم.
(٣) زاد في رواية: قال: فبارك الله لك، أَوْلِمْ ولو بشاة. قوله: أَوْلم، أمر
ندب عند الجمهور وقيل للوجوب، ووقته على الأشهر بعد الدخول كما يُستنبط من
هذا الحديث أيضاً.
(١) قال ابن رشد: اتفقوا على أنه لا حدَّ لأكثره، واختلفوا في أقلُّه، فقال الشافعي وأحمد
وإسحاق وفقهاء المدينة من التابعين لا حدَّ لأقله، وكل ما جاز أن يكون ثمناً وقيمة لشيء
جاز أن يكون صداقاً، وقال طائفة بوجوب تحديد أقله، والمشهور من ذلك مذهبان:
أحدهما: مذهب مالك لا بد من ربع دينار أو ثلاثة دراهم، ومذهب أبي حنيفة لا بد من
عشرة وقيل خمسة وقيل أربعون ... إلخ. انظر بداية المجتهد ٢٠/٢.
٤٥٣

ولو (١) بشاة .
قال محمد: وبهذا(٢) نأخذ. أدنى المهر عَشَرة دراهم ما تُقطع
(١) هو للتقليل.
(٢) قوله: وبهذا نأخذ أدنى المهر ... إلى آخره، لعله حمل النواة على
هذا المقدار، وقد ورد بالتقدير بهذا المقدار آثار أُخَر أكثرها مما تُكُلِّم فيها، فأخرج
الدارقطني ثم البيهقي في سنهما عن داود الأزدي عن الشّعبي عن علي قال:
لا تُقطع الأيدي في أقل من عشرة دراهم ولا يكون المهر أقل من عشرة دراهم، قال
ابن الجوزي في ((التحقيق)): قال ابن حبان: داود ضعيف والشعبي لم يسمع علياً.
وأخرجه الدارقطني أيضاً عن جويبر - وهو ضعيف - عن الضحاك، عن النزال بن
سبرة، عن علي، ومن طريق آخر عن الضحاك بسند فيه محمد بن مروان أبو جعفر
لا يكاد يعرف. وأخرج الدارقطني والبيهقي عن مبشر بن عبيد، عن الحجاج بن
أرطاة، عن عطاء عن عمرو بن دينار عن جابر مرفوعاً: لا تنكحوا النساء إلاّ الأَكْفاء
ولا يزوِّجهن إلَّ الأولياء ولا مهر دون عشرة دراهم ، قال الدارقطني: ابن عبيد
متروك الحديث، وأسند البيهقي عن أحمد أنه قال: أحاديث مبشر موضوعة، ورواه
أبو يعلى الموصلي في مسنده عن ميسرة عن أبي الزبير، عن جابر، عن أبي يعلى
رواه ابن حبان في ((كتاب الضعفاء»، كذا ذكره الزيلعي في ((تخريج أحاديث
الهداية))، والكلام في هذا الحديث نقضاً وإبراماً كثير، والإِنصاف أن هذا الحديث
بعد ثبوته لا يدل على التقدير بحيث لا يصح دونه، وفي الأحاديث كثرة دالة على
إطلاق المهر، وعدم التقدير بالعشرة وظواهر الآيات تؤيِّده، وقد أجاب عنها أصحابنا
بحملها على المعجَّل(١)، فافهم ولا تعجل بالقبول فإنه يَرِدُ عليهم نسخ إطلاق
الكتاب وتقييده بأخبار الآحاد، وهو خلاف أصولهم.
(١) يحتمل أن يكون معجلاً في المهر لا أصل المهر على ما جرت العادة بتعجيل
شيء من المهر قبل الدخول. ويحتمل أن يكون ذلك كله في حال جواز النكاح بغير مهر =
٤٥٤

فيه اليد. وهو قول(١) أبي حنيفة والعامة من فقهائنا.
٣ - (باب لا يجمع الرجل بين المرأة وعمَّتها في النكاح)
٥٢٥ - أخبرنا مالك، حدثنا أبو الزِّنَادِ(٢)، عن عبد الرحمن
الأعرج، عن أبي هريرة أن النبي وَ لّ قال: لا يَجْمَعُ(٣) الرجلُ بين
المرأة وعمَّتها ولا بين المرأة وخالتها .
.---
قال محمد: وبهذا نأخذ وهو (٤) قول أبي حنيفة والعامة من
فقهائنا .
(١) قوله: قول، وعند مالك أدناه ربع دينار، وعند النَّخَعي أربعون ديناراً،
وعند الشافعي ما جاز كونه ثمناً جاز كونه مهراً، كذا ذكره ابن الهمام.
(٢) بكسر الزاء وخفة النون عبد الله بن ذكوان.
(٣) أي في نكاح أو ملك يمين، فإن نكحهما معاً بطل نكاحهما، وإن مرتَّباً
بطل نكاح الثانية. قوله: لا يجمع ... إلى آخره، الحديث مبسوط في سنن
أبي داود والترمذي بلفظ: لا تنكح المرأة على عمتها ولا العمة على بنت أخيها
ولا المرأة على خالتها ولا الخالة على بنت أختها ولا تنكح الصغرى على الكبرى
ولا الكبرى على الصغرى. والحكمة في تحريم مثل هذا هو الاحتراز عن قطع
الرحم بين الأقارب، فإن الضَّرَّتين تتحاسدان وينجر البُغض إلى أقرب الناس،
والحسد بين الأقارب أشنع، وقد اعتبر النبي لير هذا الأمر في تحريم الجمع بين
بنته وبنت غيره حيث حرَّم على عليّ رضي الله عنه نكاح بنت أبي جهل على
فاطمة، كذا في ((حجة الله البالغة)).
(٤) قوله: وهو قول أبي حنيفة، وبه قال جمهور العلماء، وشذ طائفة من =
على ما قيل: إن النكاح كان جائزاً بغير مهر إلى أن نهى النبي صل عن الشِّغار. بذل
المجهود ١٣١/١٠.
٤٥٥

٥٢٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد أنه سمع
سعيد بن المسيّب ينهى أن تُنْكح المرأة على خالتها أو على عمَّتها
وأنْ(١) يطأَ الرجلُ وليدةً(٢) في بطنها جنينٌ لغيره(٣).
قال محمد: وبهذا نأخذ وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا
رحمهم الله تعالى .
= الخوارج حيث جوزت الجمع بين المرأة وعمتها، وغير ذلك سوى الجمع بين
الأختين زعماً منهم أن الله حرم الجمع بين الأختين بقوله: ﴿وأن تجمعوا بين
الأختين﴾(١)، ثم قال: ﴿وأُحِلُّ لكم ما وراء ذلكم﴾(٢) فدل ذلك على جواز الجمع
بين غيرهما، وأخبار الآحاد لا تخصِّص القرآن ولا تنسخه وبالغ بعض السلف حيث
منع من الجمع بين بنتي العم، وبنتي الخالة ونحو ذلك أيضاً، والجمهور على
خلافه، كذا قال الزرقاني وغيره.
(١) لئلا يسقي بمائه زرع غيره سواء كان من حلال أو حرام، كذا قال
القاري. قوله: وأن يطأ، ورد: لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى
تحيض، رواه أحمد وأبو داود وصححه الحاكم عن أبي سعيد، قاله الزرقاني. وفيه
إشارة إلى جواز نكاح حبلى من غيره، وبه قال جمهور علمائنا بجواز نكاح حبلى
من زنا لكن يحرم وطيها ما لم تضع، هذا إذا نكح غير الزاني، وإن نكح الزاني
يجوز له وطیها أيضاً لكونه ساقیاً بمائه زرع نفسه.
(٢) أي جارية أو أمة.
(٣) أي لغير الواطىء.
(١) سورة النساء الآية ٢٣ .
(٢) سورة النساء الآية ٢٤ .
٤٥٦

٤ - (باب الرجل يخطب على خطبة(١) أخيه(٢))
٥٢٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن محمد بن
يحيى بن حبان(٣)، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن
أبي هريرة: أن رسول الله وَلّ قال: لا يخطبُ(٤) أحدُكم على خِطبة
أخيه(٥).
(١) بكسر الخاء: التماس النكاح.
(٢) قوله: أخيه، التعبير به ليوافق عنوان الخبر والتعبير به في الخبر
للتحريض على كمال التوُّد وقطع صور المنافرة أو لأنَّ كل المسلمين إخوة إسلاماً.
(٣) قوله: حَبّان، بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحّدة بن مُنقِذ بضم
الميم وكسر القاف آخره ذال معجمة، كما ضبطه الحافظ عبد الغني في ((مشتبه
النسبة)) وابن ماكولا في ((الإكمال)) وغيرهما لا بكسر الحاء المهملة كما ظنه القاري.
(٤) قوله: لا يخطب(١)، برفع الباء خبر بمعنى النهي، وهو أبلغ من صريح
النهي، قال عياض وغيره: المنع إنما هو بعد الركون وإلاّ فلا، لحديث فاطمة بنت
قيس حين أخبرت أنه خطبها ثلاثة، فلم ينكر دخول بعضهم على بعض، وقال
الخطابي: في قوله ((أخيه)) دليل على أن الأول مسلم، فإن كان يهودياً أو نصرانياً
لم يمنع الخطبة على خطبته، وبه قال الأوزاعي، والجمهور على خلافه(٢). وقالوا:
إن ذكر الأخ جرى على الغالب أو للإشارة إلى قطع التنافر.
(٥) أي إذا توافقوا وأما إذا أبى أهلها فلا بأس، كذا قال القاري .
(١) قال الجمهور: هذا النهي للتحريم، وقال الخطّابي: هذا النهي للتأديب وليس نهي تحريم
يبطل العقد عند أكثر الفقهاء. قال الحافظ: هو عندهم للتحريم، ولا يبطل العقد، بل
حكى النووي أن النهي فيه للتحريم بالإجماع. انظر: بذل المجهود ٧٥/١٠.
(٢) ذهب الجمهور إلى إلحاق الذمي بالمسلم في ذلك، وقال ابن قدامة: إن كان الخاطب
الأول ذمياً لم تحرم الخطبة، نص عليه أحمد إذ قال: إنما هو للمسلمين، ولو خطب على
خطبة يهودي أو نصراني أو استام على سومهم لم يكن داخلاً في ذلك. المغني ٦٠٨/٦.
٤٥٧

قال محمد: وبهذا نأخذ وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا
رحمهم الله .
٥ - (باب الثيب أحقّ بنفسها من وليّها)
٥٢٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، عن
أبيه، عن عبد الرحمن(١) ومُجَمِّع ابنَّيْ يزيد بن جَارِيَة الأنصاري، عن
خَنْسَاء ابنة خِذام: أنّ (٢) أباها زوّجها(٣) وهي (٤) ثُيِّب، فكرهت
(١) قوله: عن عبد الرحمن، هو أبو محمد المدني ذكره ابن حبان في ثقات
التابعين، يقال: وُلد في حياة النبي ◌َّيٍ، ومات سنة ٩٣هـ، وأخوه مجمّع على
وزن اسم فاعل من التجميع، تابعي كبير مات سنة ٦٠، وأبوهما يزيد بن جارية
الأنصاري الأوسي، ذكره ابن سعد في الصحابة، كذا قال الزرقاني. وقال
ابن عبد البَرّ في ((الاستيعاب)»: يزيد بن حارثة اليربوعي ابن عامر بن مجمع بن
العطاف، هو أبو مجمع، وعبد الرحمن شهد خطبة الوداع.
(٢) قوله: أن أباها، هو خذام بالمعجمة المكسورة والدال المهملة، كما في
((الفتح)) و((التقريب))، وقال بعضهم: بالذال المعجمة ابن وديعة، ويقال ابن خالد،
من أفاضل الصحابة، كذا قال الزرقاني .
(٣) قوله: زوّجها، لمّا تأيّمَتْ من أُويس بن قتادة الأنصاري حين قُتل يوم
أحد، كما رواه عبد الرزاق عن معمر بن سعيد بن عبد الرحمن عن أبي بكر بن
محمد مرسلاً، وأخرجه الواقدي عن خنساء نفسها، وسماه بعضهم أنساً، وقيل
اسمه أسیر، وإنه مات ببدر.
(٤) قوله: وهي ثيب، قال ابن عبد البرّ في ((الاستيعاب)) خنساء بنت خذام
ابن وديعة الأنصاري من الأوس أنكحها أبوها وهي كارهة فردًّ رسول الله وَله
نكاحها. واختلفت الأحاديث في حالها في ذلك الوقت، ففي نقل مالك عن عبد
الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عبد الرحمن ومجمِّع عنها أنها كانت ثيباً، وذكر =
٤٥٨

ذلك (١)، فجاءَت رسول الله وَلَهُ فَرَدّ(٢) نكاحه.
= ابن المبارك عن الثوري عن عبد الرحمن بن القاسم عن عبد الله بن يزيد بن وديعة
عن خنساء أنها كانت يومئذ بكراً، والصحيح نقل مالك في ذلك(١)، وروى محمد بن
إسحاق عن حجاج بن السائب عن أبيه عن جدته خنساء قال: وكانت أيِّمّاً من رجل
فزوجها أبوها رجلاً من بني عوف فخُطبت إلى أبي لبابة بن عبد المنذر وارتفع
شأنها إلى رسول الله وَلقر فأمره أن يلحقها بهواها فتزوجت أبا لبابة.
(١) قوله: ذلك، أي ذلك النكاح، أو ذلك الرجل الذي زوّجها منه أبوها،
قال ابن حجر: ولم يُعرف اسمه، نعم عند الواقدي أنه من مُزينة وعند ابن إسحاق
أنه من بني عمرو بن عوف.
(٢) قوله: فرَّد نكاحه، أي وجعل أمره إليها كما في رواية عبد الرزاق عن
أبي بكر بن محمد وله عن نافع بن جبير: فأتت النبي ◌ِّ، فقالت: إن أبي
زوجني وأنا كارهة وقد ملكتُ أمري، قال: فلا نكاح له، انكحي من شِئتٍ، فرد
نكاحه. ونكحت أبا لبابة الأنصاري. قال ابن عبد البر: هذا الحديث مجمع على
صحته وعلى القول به، لأن من قال لا نكاح إلا بولي. قال: لا يزوِّج الثيِّبَ ولِيُّها إلا
بإذنها ومن قال: ليس للولي مع الثيب أمر فهو أولى بالعمل بهذا الحديث. واختلف
في بطلانه لورضيت، فقال الشافعي وأحمد ببطلانه، وقال أبو حنيفة لها أن تجيز
فيجوز ولا تجيز فيبطل. انتهى ملخصاً. وأما حديث النسائي عن جابر أن رجلاً زوج
ابنته وهي بكر من غير أمرها، فأتت النبي ونَ ﴿ ففرَّق بينهما فحمله البيهقي على أنه
زوّجها من غير كفؤ، كذا في شرح الزرقاني .
(١) قال الشيخ في ((بذل المجهود)) ١١٢/١٠ بعد ماحكى اختلاف الروايات في كونها بكراً
أم ثيباً: لا معارضة بينهما حتى يُحتاج إلى الترجيح، فيحتمل أن يكون وقع لها هذه القصة
مرتين، مرة وقعت لها حال كونها بكراً ثم وقعت حال كونها ثيباً، وهذا أهون من أن يُرَدّ
الحديث الصحيح بهذا العذر، مع أن القائل بكونها ثيباً هو عبد الرحمن ومجمع ابنا يزيد،
والقائلة بكونها بكراً هي خنساء نفسها فلا يرجّح قولهما بمقابلة قولها .
٤٥٩

قال محمد: لا ينبغي أن تُنْكَح الثِّب، ولا البِكْر إذا بَلَغَتْ (١) إلا
بإذنهما فأما إذْن البكر فَصَمْتُها(٢)، وأما إِذْن الثَّيِّب فرضاها بلسانها،
زوَّجها والدُها أو غيره(٣). وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا.
٦ - (باب الرجل يكون عنده أكثر (٤)
من أربع نسوة فيريد(٥) أن يتزوّج)
٥٢٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب (٦)، قال: بلغنا أن
(١) في نسخة: بلغتا. وإذا لم تبلغ يجوز نكاح وليها بغير إذنها إلَّ أن لها
خيار الفسخ عند البلوغ إذا كان الناكح غير الأب والجد.
(٢) أي سكوتها. قوله: صمتها، قال القاري: لما أخرجه الجماعة إلا
البخاري من حديث ابن عباس مرفوعاً: الأيّم أحق بنفسها من وليها. والبكر تستأذن
في نفسها، وإذنها صُماتها، والأيّم الثّب التي لا زوج لها إذا كانت بالغةً عاقلة.
(٣) من أوليائها حقيقةً أو حكماً.
(٤) قوله: أكثر من أربع نسوة، الأولى أن يحذف الأكثر ليطابق العنوان
ما في الباب من الأخبار، فإنَّ الخبر الأول دالّ على نهي التزوج على أكثر من أربع
نسوة، والثاني: على منع التزوّج على أربع نسوة، ولأنّ منع التزوّج بعد الأربعة
يستلزم المنع منه بعد أكثرها من غير عكس.
(٥) قوله: فيريد أن يتزوج، أي لواحدة بعد الأربعة، فكان حق العبارة أن
يقول: ويريد بالواو عطفاً على ((يكون)) لا أن يفرِّع على كون أكثر من الأربع عنده،
والظاهر أنه من النَّسّاخ، كذا في شرح القاري، وفيه نظر غير خفي .
(٦) هو الزهري ، فالحديث مرسل وهو حجة .
٤٦٠

رسول الله ◌َ﴾ قال الرجل (١) من ثقيف(٢) - وكان عنده عشر نسوة(٣) -
حين (٤) أسلم الثقفي، فقال له: أمسِكْ منهنّ أربعاً، وفارِقْ سائرَهُنّ.
قال محمد: وبهذا نأخذ(٥). يختار منهن أربعاً أيّتُهُنّ شاء،
ويفارق (٦) ما بقي، وأما أبو حنيفة فقال: نكاح الأربعة الأوّل جائز،
ونكاحُ من بَقِي منهنّ باطل وهو قول إبراهيم النخعي .
(١) قوله: قال لرجل من ثقيف، قال ابن عبد البر في ((شرح الموطأ)) هكذا
رواه جماعة من رواة الموطأ، وأكثر رواة ابن شهاب، ورواه ابن وهب عن يونس عن
ابن شهاب عن عثمان بن محمد بن أبي سويد أن رسول الله وَلقر قال لغيلان بن
سلمة الثقفي حين أسلم فذكره، ووصله معمر عن ابن شهاب عن سالم عن
ابن عمر ، ويقولون إنه من خطأ معمر مما حدّث به بالعراق، كذا في ((شرح
الزرقاني)). وفيه أيضاً قد رواه الترمذي وابن ماجه من طريق معمر عن الزهري عن
سالم عن أبيه، وقال الترمذي: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: هذا غير محفوظ
والصحيح ما روى شعيب وغيرُه عن الزهري قال: حدثت عن عثمان بن محمد بن
أبي سويد الثقفي فذكره.
(٢) قبيلة كبيرة من أهل الطائف والحجاز.
(٣) أي فأسْلَمْنَ معه قاله الزرقاني.
(٤) ظرف لقال. قوله: حين أسلم الثقفي، وهو غيلان بن سلمة بن
معتب بن مالك، أحد وجوه ثقيف ومقدمهم، أسلم بعد فتح الطائف ولم يهاجر،
وتوفي في آخر خلافة عمر رضي الله عنه، ذكره ابن عبد البر في ((الاستيعاب)).
(٥) وبه قال مالك والشافعي وأحمد كما في ((رحمة الأمة)).
(٦) قوله: ويفارق ما بقي، قال القاري: لعل مأخذهما قوله ((وفارق
سائرهن)) حيث لم يقل طلّقْهُنّ، لكن يُشكل بأن عقود الجاهلية قبل الدخول في =
٤٦١