النص المفهرس

صفحات 381-400

ورأيتُك تَلْبَس(١) النِّعالَ(٢) السِّبْتية، ورأيتُكَ تصبُغُ (٣) بالصُّفْرة، ورأيتك
إذا کنت بمگَّة آھلَ(٤) الناس(٥) إذا رأوا
= الألف بدل من إحدى يائَّيْ النسب، ولا يُجمع بين البدل والمُبْدل منه، وفي لغة
قليلة تشديدها على أنَّ الألف زائدة، والمراد بهما الركن اليماني والذي فيه الحجر
الأسود على جهة التغليب.
(١) بفتح الباء.
(٢) قوله: النِّعال السّبتية، النِّعال بالكسر جمع نعل، وهو ما يُلبس في الرجل
لوقاية القدم، والسُّبْتية بالكسر منسوب إلى سبت، وهي جلود البقر المدبوغةُ يُتخذ
منها النعال، سُمِّيت بذلك لأن شعرها سُبِتَ عنها أي حُلِقَتْ، أو لأنها أنْسَبتَ(١)
بالدباغ أي لانت، وكان من عادة العرب لبس النعال من الجلود الغير(٢) مدبوغة
بشعرها، وكانت المدبوغة تعمل بالطائف وغيره، وكان يلبسها أهل الرفاهية، وقيل:
إنه منسوب إلى سوق السَّبْت بالفتح، وقيل: إلى السُّبت بالضم: نبت يُدبغ به،
ويلزم عليهما أن يكون السبتية في الرواية بالفتح أو الضم، ولم يرد في الحديث
على ما أخرجه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم إلاّ
الكسر، كذا حققه أحمد بن محمد المقرىء المغربي في كتابه «فتح المتعال في
مدح خير النعال)) وفصَّلتُ ما يتعلق بهذا الحديث في رسالتي ((غاية المقال في
ما يتعلق بالنعال))، وتعليقاتها المسماة بظفر الأنفال.
(٣) قوله: تصبُغُ، أي ثوبَك أو شعرَك، وهو بضم الموحدة، وحُكي فتحُها
وكسرُها. بالصُّفرة بالضم أي اللون الأصفر بالزعفران أو غيره، وقيل: الصفرة نبت
يُصبغ به أصفر.
(٤) أي رفعوا أصواتهم بالتلبية وأحرموا بالحج .
(٥) أي أكثرهم ممن هو بمكة.
(١) هكذا في الأصل والظاهر انسَبَتَتْ بالدباغ أي لانت، كما في مجمع البحار ١١/٣.
(٢) هكذا في الأصل، والصواب بدون ((ال)) كما نبهنا على ذلك سابقاً.
٣٨٢

الهلال(١) ولم تهلُّلْ أنتَ حتى يكونَ (٢) يومُ التروية(٣)! قال عبد الله:
أما الأركان فإني لم أرَ رسول الله وَله استلم إلَّ اليمانِيَيْن(٤). وأما
النعال السِّبْتية فإني رأيتُ رسولَ الله وَ ل يلبس النعال التي (٥) ليس
فيها(٦) شعر ويتوضَّأُ(٧) فيها، فإني أحبُّ أن أَلْبَسَها(٨). وأما الصُّفْرة
(١) أي هلال ذي الحجة.
(٢) أي يوجد، فهي تامة وما بعده فاعلُه، ويمكن أن يكون ناقصة وما بعده
مفعولُه وفاعله ضمير راجع .
(٣) هو الثامن من ذي الحجة.
(٤) قوله: إلَّ اليمانيين، أي الركن اليماني الذي بجهة اليمن والركن الذي
بجهة أكثر بلاد الهند الذي فيه الحجر الأسود، ولا يستلم الركنين الآخَرَيْن، وهذا
عن النبي وي سلّ متفق عليه، وأما أصحابه فمذهب ابن عمر وعمر وابن عباس وجابر
وأبي هريرة قَصْرُ الاستلام عليهما، ورُوي عن معاوية وابن الزبير مشُ الكل،
وعللوا بأنه ليس شيء من البيت مهجوراً. والآثار عنهم مخرجة في ((مصنّف ابن
أبي شيبة))، و((مسند أحمد)) وغيرهما، وهذا الخلاف قد ارتفع وأجمع من بعدهم
على أنه لا يُستلم إلاّ اليمانيين.
(٥) هذا تفسير للسبتية.
(٦) في نسخة: لها.
(٧) قوله: يتوضأ فيها، الظاهر أن معناه يتوضأ ويغسل الرجلين حال كون
النعلين فيهما ولا بأس به إذا كان النعلان طاهرين، ووصل الماء إلى الرِّجْل
بتمامه، وقال النووي: معناه أنه يتوضأ ويلبسها ورجلاه رطبتان .
(٨) ليحصل الاقتداء به.
٣٨٣

فإني رأيتُ رسولَ اللهِ وَّهِ يصبُغُ (١) بها فأنا أحبُّ أن أصبُغَ بها. وأما
الإِهلال فإني لم أرَ رسولَ الله وَلَهَ يُهِلُّ حتى (٢) تنبعث به راحلته.
قال محمد: وهذا(٣) كلُّه حَسَن، ولا ينبغي أن يستلم من
الأركان، إلَّ الركن اليماني والحَجَر (٤)، وهما اللذان استلمهما
ابن عمر. وهو قول أبي حنيفة والعامة.
٤٧٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سالم بن
عبد الله، أن عبد الله (٥) بن محمد بن أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه
(١) قوله: يصبُغ بها، قال الزرقاني: قال المأزري: قيل: المراد صبغ
الشعر، وقيل: صبغ الثوب والأشبه هو الثاني. قال عياض: هذا أظهر الوجهين وقد
جاءت آثار عن ابن عمر فيها تصفير ابن عمر لحيته واحتجّ بأنه والر كان يصفر لحيته
بالورس والزعفران. رواه أبو داود. وذكر أيضاً في حديث آخر احتجاجه بأنه والأر كان
يصبُغُ بها ثوبه حتى عمامته .
(٢) قوله: حتى تنبعث به، أي تستوي قائمة إلى طريقه يعني أن النبي مثال ):
إنما كان يُحرم حين التوجُّه إلى مكة والشروع في الأعمال فقاس عليه الإِحرام بمكة
يوم التروية لأنه يوم التوجُّه إلى منى ويوم الشروع في أفعال الحج، والمراد بانبعاث
الراحلة انبعاثها به من ذي الحليفة لا من مكة، فإن النبي #* لم يُحرم في حجته
من مكة، وقد ذكرنا سابقاً ما يتعلَّق بهذا المقام فتذكّر.
(٣) أي ما ذُكر في هذه الرواية.
(٤) أي الحجر الأسود.
(٥) قوله: أن عبد الله بن محمد بن أبي بكر، هو أخو القاسم بن محمد من
ثقات التابعين قُتل بالحَرَّة سنة ٦٣. أخبر هو عبدَ الله بن عمر بنصب عبد الله على
أنه مفعول أخبر، فالمُخْبِر هو عبد الله بن محمد والمُخْبَر له ابن عمر، ((عن)) متعلُّق
بأخبر عائشة: وظاهره أن سالماً كان حاضراً لذلك، فتكون من رواية نافع عن =
٣٨٤

أخبر عبدَ الله بن عمر، عن عائشة أنَّ رسول الله وَ إِ قال: ألم (١) تَرَيْ
أن قومَك (٢) حين بَنَوْا(٣) الكعبة اقتصروا عن قواعد (٤) إبراهيم عليه
ـسـ
عبد الله بن محمد، وأخرجه مسلم من رواية نافع عن عبد الله بن محمد، عن
عائشة، كذا ذكره الحافظ ابن حجر وغيره.
(١) بهمزة الاستفهام وفتح التاء والراء وسكون الياء وبحذف النون للجزم أي
ألم تعلمي .
(٢) بكسر الكاف خطاب إلى عائشة وقومها المراد به قریش.
(٣) قوله: حين بنوا الكعبة، أي أرادوا بناءها، وذلك قبل البعثة النبوية
بخمس سنين، وكانت الكعبة قبل ذلك مبنيّة بالرضم(١) ليس فيها مدر ولم تكن
جدرانها مرتفعة، وكان لها بابان فتساقط بناؤها ووصلها الحريق فأرادت قريش تسقيفَها
ورفعَ جدرانها، ولم تكن قبل ذلك مسقُّفة، فبنَوْا الكعبة وسقفوها بالخشب والحجارة
وجعلوا لها باباً واحداً لُيُدخلوا فيها من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا، وقد كانوا
تعاهدوا أن لا يُصرف في بنائها إلاّ المال الطيب، فجمعوه وشرعوا في بنائها
فقصرت بهم النفقة، فأخرجوا قَدْر الحَطيم من الكعبة، ولم يزل ذلك البناء في عهد
النبي عليه ولم يغيِّره لأن قريشاً كانوا قريبي عهد بالكفر والجاهلية، فخاف أن
يطعنوا عليه بهدم الكعبة من غير ضرورة وبقي كذلك إلى عهد الخلفاء حتى جاء
عهد عبد الله بن الزبير وكان قد سمع هذا الحديث من عائشة فهدم الكعبة في عهد
خلافته وبناها على قواعد إبراهيم، ثم لما قُتل ابن الزبير لم يرضَ الحجاج الأمير
من عبد الملك بن مروان إبقاء بناء ابن الزبير فهدمها وأعادها إلى وضع قريش
فكان ما كان كما هو مبسوط في تواريخ البلد الأمين(٢).
(٤) جمع قاعدة بمعنى الأساس.
(١) الرضم واحدته ((رضمة)) الصخور العظيمة.
(٢) وانظر أوجز المسالك ٩٣/٧.
٣٨٥

السلام؟ قالت: فقلت: يا رسول الله، أفلا تردُّها على قواعد إبراهيم؟
قالت: فقال: لولا(١) حِدْثانُ (٢) قومِك بالكفر، قال(٣): فقال (٤)
عبد الله بن عمر: لئن (٥) كانت عائشةُ سمعتْ هذا من رسول الله وَال
ما أرى رسولَ الله وَ لفر ترك (٦) استلام الركنين اللذين يَلِيَان الحِجْر إلاَّ
أن البيت لم يتمَّ على قواعد إبراهيم عليه السلام.
(١) قوله: فقال: لولا ... إلى آخره، وفي رواية: لولا أنَّ قومَك حديث
عهد بالجاهلية لأمرت بالبيت فهُدم، فأدخلت فيه ما أخرج وألزقته بالأرض، وجعلت
له بابين: باباً شرقياً، وباباً غربياً فبلغتُ به أساس إبراهيم. واستنبط من الحديث جواز
ترك ما هو صواب خوف وقوع مَفْسدة أشد منه.
(٢) بالكسر بمعنى الحدوث والقرب.
(٣) أي عبد الله بن محمد.
(٤) حين سمع هذا الحديث.
(٥) قوله: لئن، قال الحافظ ابن حجر والقاضي عياض: ليس هذا شكاً من
ابن عمر في صدق عائشة، لكن يقع في كلام العرب كثيراً صورة التشكيك والمراد
به التقرير.
(٦) قوله: ترك استلام الركنين، أي لمسَهما وتقبيلَهما. اللذين يليان أي
يقربان الحِجْر(١) بالكسر وهو الحطيم: الموضع الذي أخرجته قريش من الكعبة،
وهما ركنان شاميان. ويُعرف اليوم أحدهما بالركن العراقي والآخر بالشامي، إلاّ أن
البيت أي الكعبة لم يتم على قواعد إبراهيم فليس الركنان بحسب بناء الخليل
طرفين للكعبة، ولذا ورد أن ابن الزبير لما بنى الكعبة على قواعد الخليل استلم
الأرکان کلَّها.
(١) وهو معروف على هيئة نصف الدائرة وقدره تسع وثلاثون ذراعاً. تنوير الحوالك ص ٢٦٣.
٣٨٦

...
١
٤١ - (باب الصلاة في الكعبة ودخولها)
٤٧٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر: أن
رسول الله ﴾ دخل (١) الكعبةَ هو وأسامةُ(٢) بن زيد وبلال(٣)
وعثمان (٤) بن طلحة الحَجَبي، فأغلقها(٥) علیه،
(١) كان ذلك يوم الفتح، كما ورد في رواية البخاري.
(٢) قوله: أسامة، بضم الألف ابن زيد بن حارثة بن شراحيل الهاشمي مولى
رسول الله ويسر، له مناقب كثيرة، قال النبي وله لعائشة: أحبِّيه فإني أحبُّه، أخرجه
الترمذي، وولّه إمارة الجيش وفيهم عمر، وعقد له اللواء، توفي بالمدينة أو بوادي
القرى سنة ٥٤، وقيل: غير ذلك، ذكره النووي في ((تهذيب الأسماء واللغات)).
(٣) قوله: وبلال، هو ابن رباح بالفتح الحبشي مؤذن رسول الله وَالخار. كان
قديم الإِسلام والهجرة، وشهد المشاهد كلها، وله مناقب كثيرة، توفي بدمشق
سنة ٢٠، وقيل: سنة ٢١، وقيل بالمدينة وهو غلط، قاله النووي في ((التهذيب))،
وقد ذكرت قدراً من ترجمته في رسالتي ((خير الخبر بأذان خير البشر)» وغيره.
(٤) قوله: وعثمان، هو ابن طلحة بن أبي طلحة بن عبد العزّى بن
عبد الدار، يقال له الحَجَبي بفتح الحاء والجيم لحجبهم الكعبة، ويُعرفون الآن
بالشَّيْبِيِّين نسبة إلى شَيْبة بن عثمان بن أبي طلحة ابن عم عثمان المذكور ههنا.
وخدمة غلق البيت وفتحه وحفظ مفتاحه لم تزل فيهم، ذكره العيني .
(٥) قوله: فأغلقها، أي الكعبة، والضمير إلى عثمان، وإنما أغلقه لكثرة
الناس فخاف أن يزدحموا عليه، أو يصلوا بصلاته فيكون ذلك عندهم من مناسك
الحج(١).
(١) روى ابن أبي شيبة من قول ابن عباس: إن دخول البيت ليس من الحج في شيء. وحكى
القرطبي عن بعض العلماء أن دخول البيت من مناسك الحج، وردَّه بأنَّ النبي ◌َّ إنما
دخله عام الفتح ولم يكن محرماً. فتح الباري ٤٦٦/٣ .
٣٨٧

ومكث(١) فيها، قال عبد الله (٢): فسألت بلالاً حين خرجوا ماذا
صنع (٣) رسول الله وَالر؟ قال: جعل عموداً عن يساره، وعمودين عن
يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه، ثم صلّى (٤)، وكان البيت(٥) يومئذٍ على
ستة أعمدة.
قال محمد: وبهذا نأخذ الصلاة في الكعبة حسنة (٦) جميلة.
وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا.
(١) أي توقُّف فيها زماناً.
(٢) ابن عمر.
(٣) أي في داخل الكعبة.
(٤) قوله: ثم صلّى، أي ركعتين نفلاً، وعند مسلم عن أسامة أن النبي مثل
لم يصل في الكعبة. ولكنه كَبِّر في نواحيه. ووقع عند أبي عَوّانة عن ابن عمر أنه
سأل بلالاً وأسامة - حين خرجا -: هل صلّى رسول اللهِ وَّر فيه؟ فقالا: نعم،
وكذا ورد عند أحمد والطبراني. وجمع بينهما بأن أسامة حيث أثبتها اعتمد في ذلك
على غيره، وحيث نفى أراد ما في علمه، ويحتمل أن يكون أسامة غاب بعد
دخوله، فلم يره يصلي، ويدل عليه ما رواه ابن المنذر من حديثه أن النبي وَليّ رأى
صوراً في الكعبة، فكنت آتيه بماءٍ في الدَّلْو يضرب به الصُوَر. وقال ابن حِبّان:
الأشبه أن يُحمل الخبران على دخولين متغايرين: أحدهما يوم الفتح وصلّى فيه،
والآخر في حجة الوداع، ولم يصل فيه، كذا في ((عمدة القاري)).
(٥) أي كانت الكعبة في ذلك الزمان مبنيّة على ستة أُعمِدة بالفتح وكسر
المیم جمیع عمود.
(٦) أي مستحبة وفضيلة(١) وليست من مناسك الحج .
(١) ويقول الحافظ في الفتح ٤٦٦/٣ ما ملخصه: إن صحة النقل والفرض داخل الكعبة قول =
٣٨٨

٤٢ - (باب الحج عن الميت أو عن الشيخ الكبير)
٤٨٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب أن سليمان بن يسار
أخبره أن عبد الله بن عباس أخبره(١) قال(٢): كان الفضل(٣) بن عباس
رديفَ (٤) رسولِ اللهِ وَالتّر، قال: فأتتْ(٥)
(١) أي سليمانَ بنَ يسار.
(٢) أي ابنُ عباس.
(٣) قوله: الفضل، هو ابن عباس، أخو عبد الله بن عباس ابن عمّ
رسول الله صل، له مناقب كثيرة، شهد حُنَّيْناً وحجةَ الوداع، وخرج إلى الشام بعد
وفاة النبي ◌َّ﴿، وتوفي بناحية الأردنّ في طاعون عَمَواس سنة ١٨، وقيل: توفي
سنة ١٥، وقيل غير ذلك، ذكره ابن الأثير. وهذا الحديث أخرجه أبو داود من
حديث ابن عباس مثل ما ههنا، والأئمة الخمسة من حديث الفضل، فجعله بعضهم
من مسند ابن عباس وبعضهم من مسند الفضل، قال الترمذي: سألت محمّداً
- يعني البخاري - عنه فقال: أصح شيء في هذا الباب ما رواه ابن عباس عن
الفضل، ويحتمل أن يكون سمعه من الفضل وغيره عن النبي ◌َّر، ثم أرسله،
فلم یذکر مَن سمعه منه.
(٤) قوله: رديف، أي راكباً خَلْفَه على بعيرٍ واحد وهو مما لا بأس به، إذا
أطاقته الدابّة .
(٥) وكان ذلك غداةَ جَمْعٍ بيوم النحر، كما في روايةٍ للبخاريِّ والنسائيِّ.
الجمهور، وإليه ذهب أبو حنيفة والشافعي، وعن ابن عباس عدم الصحة مطلقاً للزوم
استدبار بعض الكعبة وقد ورد الأمر باستقبال جميعها، وبه قال بعض المالكية والظاهرية
والطبري، ومشهور قول مالك على رأي المازري منع الفرض ووجوب الإِعادة، وأطلق
الترمذي عنه جواز النفل، فكأنه اختلف النقل عنه. اهـ.
٣٨٩

امرأةٌ من (١) خَتْعَم تستفتيه(٢)، قال: فجعل (٣) الفضل ينظر إليها،
وتنظر إليه، قال: وجعل رسول الله وَل﴿ يَصْرِف وجه الفضل بيده
إلى الشِّقِّ الآخر، فقالت(٤):
ـســـ
(١) قوله: من خَشْعَم، بفتح الخاء وسكون الثاء المثلثة وفتح العين: قبيلة
مشهورة.
(٢) أي تطلب منه الحكم والفتوى.
(٣) قوله: فجعل، أي طفق وشرع الفضل بن عباس ينظر إلى تلك المرأة،
وتنظر تلك المرأة إلى الفضل، وذلك لكون الطبائع مجبولة على النظر إلى الصور
الحسنة، وكان الفضل حسناً جميلاً وتلك المرأة شابة جميلة، والأظهر أن ذلك
النظر لم يكن عن شهوة بل من المباح الذي رُخِّص فيه إذا أُمن من الشهوة، لكن
لمّا خاف النبي ◌َ﴿ أن يجرَّ ذلك إلى فتنة صَرَفَ وجهَ الفضل بيده الشريفة إلى
الشِّقّ - بالكسر وتشديد القاف - الآخر أي الجانب الآخر الذي ليس فيه ذلك
الاحتمال، وقد سئل عنه العباس فقال: لم لَوَّيْتَ عُنُق ابن عمِّك؟ فقال: رأيت شابّاً
وشابّةً فلم آمَن الشيطانَ عليهما، أخرجه الترمذي، وبالغ في دفع الفتنة فصرف
وجهه بيده فإنَّ الإِنكار باليد أقوى من الإِنكار باللسان، وبهذا ظهر أنه لا يصح
استنباط حرمة مطلق النظر إلى وجه الأجنبية ولو في حالة الأمن من هذه القصة(١).
(٤) بيان لاستفتائها.
(١) قال الباجي: يحتمل أن تكون قد سدلت على وجهها ثوباً، فإن المحرمة يجوز لها ذلك
لمعنى الستر، إلَّ أنه كان يبدو من وجهها ما ينظر إليه الفضل. المنتقى ٢٦٧/٢. وفي فتح
الباري ٤ /٧٠ عن العياض: لعل الفضل لم ينظر نظراً ينكر بل خشي عليه أن يؤول إلى
ذلك، أو كان قبل نزول الأمر بإدناء الجلابيب.
وقال الشيخ في (البذل)): وإنما لم يمنعها ولم يأمر بصرف النظر عنه لأن صرف وجه
أحدهما يغني عن الآخر، ويحتمل أن يكون * لم يخف منها الشهوة، كما في الأوجز
٤٨/٧.
٣٩٠

يا رسول الله، إنَّ فريضةَ الله على عباده في الحج أدركتْ أبي شيخاً(١)
كبيراً لا يستطيع أن يُثْبُتَ على الراحلة، أفأحجُ (٢) عنه؟ قال: نعم(٣)،
وذلك (٤) في حجَّة الوداع.
٤٨١ - أخبرنا مالك، أخبرنا أيوب السَّختِيانيّ (٥)، عن
(١) قوله: شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت، بضم الباء أي يقعد ويستقرُّ على
الراحلة، يعني أن الحج افترض على أبي حال كونه شيخاً كبيراً غير قادر على
الذهاب لا ماشياً ولا راكباً بأن أسلم في ذلك الحال، أو أسلم قبله وكان فقيراً
فحصلت له الاستطاعة الموجبة لافتراض الحج في تلك الحالة.
(٢) بهمزة الاستفهام.
(٣) قوله: قال: نعم، أي حجي نائبةً عنه، واستنبط من الحديث جواز حج
المرأة عن الرجل وكذا العكس، ولا خلاف في جوازهما إلاّ ما قال الحسن بن
صالح من عدم جواز حج المرأة عن الرجل، وهو غفلة عن السنّة، وقالت طائفة:
لا يحج أحد عن أحد، روي هذا عن ابن عمر والقاسم والنّخَعي، وقال مالك
والليث: لا يحج أحد عن أحد إلّ عن ميت لم يحج حجة الإِسلام، وقالت الحنفية
والشافعية بجواز الاستنابة للشيخ الفاني وكذا الحج عن الميت، كذا في ((عمدة
القاري)).
(٤) أي كان هذا الاستفتاء والجواب في حجة الوداع سنة عشر.
(٥) قوله: السختياني، نسبة إلى بيع السَّخْتِيان - وهو بفتح السين وسكون
الخاء وكسر التاء الفوقانية وتخفيف الياء التحتية، في الآخر نون - جلود الظأن،
كان أيوب يبيعها، فنسب به، كذا في ((أنساب السَّمعاني)) ومختصره المسمّى
باللباب لابن الأثير الجزري، وأما قول السيوطي في مختصره ((لب اللباب)» إنه بكسر
السين فسبق قلم نبّه عليه عبد الله بن سالم البصري المكِّي.
٣٩١

ابن سيرين(١)، عن رجل أخبره، عن عبد الله بن عباس أن رجلا أتى
النبيَّ وَّهِ فقال: إنَّ أمّي امرأةٌ كبيرة لا نستطيع أن نحملها(٢) على
بعير، وإنْ ربطناها(٣) خفنا أن تموت، أفأحجُّ (٤) عنها؟ قال: نعم.
٤٨٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا أيوب السَّخْتِيَانيّ، عن
ابن سيرين: أن رجلاً كان جَعَلَ (٥) عليه أن لا يبلغ (٦) أحدٌ من وَلَده
(١) قوله: عن ابن سيرين، اسمه محمد، ذكر النووي في ((التهذيب)) أن
أباه سِيْرِين - بكسر السين والراء - كان مولى أنس بن مالك، وله ستة أولاد: محمد
ومَعبد وأنس ويحيى وحفصة وكريمة وكلهم رواة ثقات من أجلَّة التابعين، وكثيراً
ما يطلق ابن سيرين على محمد، هذا أبو بكر البصري الإِمام في التفسير والتعبير
والحديث والفقه، سمع ابن عمر وأبا هريرة وابن الزبير وغيرهم، ولم يسمع عن
ابن عباس فحديثه عنه مرسل، وقد أكثر الأئمة في الثناء عليه، توفي بالبصرة سنة
١١٠ هـ.
(٢) أي لا نقدر أن نركبها على الراحلة خوفاً من سقوطها.
(٣) أي شَدَدْنا بالحبل على البعير خوف السقوط.
(٤) بهمزة استفهام .
(٥) أي نذر وألزم على نفسه.
(٦) قوله: أنْ لا يبلغَ أحد من وَلَد، بفتحتين أو بضم الأول وسكون الثاني .
الحلب، أي حلب اللبن عن الضرع. فيحلِّب، بضم اللام وكسره، أي ولده.
فيشرب، أي ذلك الولد. ويستقيه(١)، أي يسقي الولد ذلك اللبن والده إلاَّ حجَّ
بنفسه وحجَّ به أي الولد، قال ابن سيرين: فبلغ رجل من ولده الذي قال أي إلى :
(١) في نسخة: يسقيه.
٣٩٢

...-
الحَلَبَ فيَحلُبُ فيشرب ويستقيه إلاّ حجَّ وحجَّ به، قال: فبلغ رجلٌ من
ولده الذي قال، وقد كَبِرَ الشيخ، فجاء ابنه إلى النبي ◌َّ فأخبره
الخَبَرَ، فقال إن أبي قد كبر وهو لا يستطيع الحج أفأحج عنه؟ قال:
نعم .
قال محمد: وبهذا نأخذ، لابأس بالحجِّ عن الميت(١) وعن
المرأة والرجل إذا بلغا من الكبر(٢)(٣) ما لا يستطيعان أن يحجّا. وهو
قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا رحمهم الله تعالى. وقال
مالك (٤) بن أنس: لا أرى أن يحجَّ أحدٌ عن أحدٍ .
: مرتبةٍ قال بها ذلك الرجل، وهو أن يقدر على أن يحلب فيشرب ويسقيه. وقد، أي
والحال أنه قد كبِرَ - بكسر الباء - الشيخ أي بلغ الوالد من الشيخوخة وبلغ من
الكبر إلى حد لا يقدر على إيفاء نذره، فجاء ابنه إلى النبي ◌ّله، فأخبره الخبر أي
بَيَّن له كيفية النذر والكبر، فقال: إن أبي قد كبر وضعف وهو لا يستطيع أي لا يقدر
على الحج أفأحج عنه؟ أي نيابة عنه، قال النبي ◌َّهِ: نعم، حُجَّ عنه وأَوْفٍ بنذره.
(١) قوله: عن الميت، أي نيابةً عن الميت فرضاً كان أو نفلاً، فإن كان
فرضاً، وأوصى به الميت سقط عنه وإلّ يجزىء عنه إن شاء الله، وفي النفل(١)
يصل ثوابه إليه .
(٢) بكسر الأول وفتح الثاني.
(٣) أي سناً لا يقدران الحج بنفسهما.
(٤) صاحب الموطأ.
(١) قال الحافظ: وأما النفل فيجوز عند أبي حنيفة خلافاً للشافعي، وعن أحمد روايتان: كذا
في فتح الباري ٦٦/٤ وبسط شيخنا في الأوجز ٤٢/٩ في بيان الحج عن الغير عشرة
أبحاث مفيدة مهمة .
٣٩٣

٤٣ - (باب الصلاة بمنى(١) يوم التروية(٢))
٤٨٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع: أن ابنَ عمر كان(٣) يصلي
الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح بمنى، ثم يغدُو إذا طلعت
الشمس إلى عرفة .
قال محمد: هكذا السنَّة(٤)
(١) قوله: بمنى، بكسر الميم، تصرف ولا تصرف، وهو موضع معروف من
الحرم بين مكة والمزدلفة، حدُّها من جهة المشرق بطن السيل إذا هبطت من وادي
محسر، ومن جهة المغرب جمرة العقبة، سُمِّ به لما يمنى فيه من الدماء أي يُراق
ويُصَبُّ، ذكره النووي في ((التهذيب)).
(٢) أي اليوم الثامن من ذي الحجة .
(٣) قوله: كان يصلي، أي كان يرحل من مكة بعد صلاة الفجر من اليوم
الثامن إلى منى، فيصلي فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح من يوم
عرفة، ثم يذهب في اليوم التاسع غداءً أي صباحاً إذا طلعت الشمس إلى عَرَفة
بفتحتين، ويقال له عرفات أيضاً. قال النووي: اسم لموضع الوقوف سُمِّي بذلك
لأن آدم عرف حواء هناك، وقيل: لأن جبريل عرَّف إبراهيم المناسك هناك،
وجُمعت عرفات لأن كلَّ حدٍّ منه يسمّى عرفة، ولهذا كانت مصروفة كقصبات، قال
النحويون: ويجوز ترك صرفه بناءً على أنها اسم مفرد لبقعة .
(٤) قوله: هكذا السنّة، أي الطريقة المأثورة عن النبي وَلّ وأصحابه، فإنه
ثبت أن النبي وَل خرج من مكة ضحىً من يوم التروية، وغدا إلى عرفات يوم عرفة
بعد الطلوع، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وأحمد والحاكم
وابن خزيمة وغيرهم. وقد أجمع الأئمة على استحباب هذا وأولويته ومنهم من قال
إنه سنة مؤكدة(١).
(١) هكذا في فروع الأئمة الأربعة: أوجز المسالك ٣٥٦/٧.
٣٩٤

فإن عجَّل (١) أو تأخّر فلا بأس إن شاء الله تعالى. وهو قول أبي حنيفة
رحمه الله .
٠٠٠
٤٤ - (باب الغسل بعرفة يوم(٢) عرفة)
٤٨٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع: أن ابن عمر كان يغتسل
بعرفة يوم عرفة حین یرید أن يروح(٣).
قال محمد : هذا (٤) حسن وليس بواجب.
٤٥ - (باب الدَّفْع(٥) من عرفة)
٤٨٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا هشام بن عروة، أنَّ أباه أخبره،
(١) قوله: فإن عجّل، من التعجيل. وفي نسخة: تعجَّل أو تأخّر بأن قدم
بمنى يوم السابع من ذي الحجة أو بعد صلاة الظهر أو العصر يوم التروية، وبأن
يذهب إلى عرفة قبل طلوع يوم عرفة في ليلة عرفة أو يوم التروية أو يذهب إلى عرفة
وقت الضحى يوم عرفة أو بعد الزوال بشرط أن يصل هناك وقت الوقوف فلا بأس
أي هو جائز إلاّ أنه خلاف الأَوْلى، أو خلاف السنَّة، إن شاء الله تعالى، قال
القاري: إنما استثني احتياطاً لاحتمال أن يكون تأخّره عليه السلام في منى كان
للنسك وقصد العبادة أو لضرورة قلَّة الماء بعرفة أو الاستراحة أو لحوق الجماعة
المتأخرة، وعلى كل تقدير فالأولى هو المتابعة.
(٢) أي اليوم التاسع.
(٣) أي يذهب من مقام نزوله إلى جبل الرحمة وموقف الدعاء.
(٤) قوله: هذا حسن، أي هذا الغسل مستحب، وقيل سنة للوقوف وليس
من المناسك الواجبة .
(٥) قوله: الدفع، أي الرجوع من عرفة إلى المزدلفة عند غروب الشمس
يوم عرفة.
٣٩٥

أنه سمع أسامة بن زيد يُحدِّث عن سَيْرٍ (١) رسول الله وَّرِ حين دَفَعَ(٢)
من عَرَفَة، فقال: كان (٣) يَسِيرِ العَنَقَ حتى إذا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ. قال
هشام: والنصّ أرْفَعُ (٤) من العَنَق .
قال محمد: بَلَغَنَا (٥) أنه قال وَلَّ: عليكم بالسَّكِينَةِ (٦) فإِنَّ البرَّ (٧)
(١) أي عن كيفيَّته.
(٢) أي انصرف وذلك في حجة الوداع.
(٣) قوله: كان يسير العَثَقَ، بفتح العين وفتح النون، نوع من السير وهو
أدنى المَشْي، وسير سهلٌ للدوابِّ من غير إسراع حتى إذا وجد فَجْوة - بالفتح -
ما اتسع من الأرض - وفي بعض الروايات فرجة - نصَّ أي أسرع والنصُّ والنصيص
في السير أن لسيار(١) الدابَّة سيراً شديداً. قال ابن بطّال: تعجيل الدفع من عرفة إنما
هو لضيق الوقت لأنهم إنما يدفعون عند سقوط الشمس وبين عرفة والمزدلفة ثلاثة
أميال وعليهم أن يجمعوا المغرب والعشاء في المزدلفة، فتعجَّلوا في السير
لاستعجال الصلاة .
(٤) أي أعلى منه(٢).
(٥) هذا البلاغ أخرجه البخاري(٣) وغيره من حديث ابن عباس.
(٦) أي بالطمأنينة في السير.
(٧) بالكسر أي الطاعة والعبادة.
(١) هكذا في الأصل وهو تحريف. الصواب: ((أن تسار)) كما في الأوجز ٢٩٤/٧.
(٢) قال النووي: هما نوعان من إسراع السير. وفي العنق نوع من الرفق. شرح النووي على
مسلم ٤٢٢/٣.
(٣) رقم الحديث ١٦٦٦ .
٣٩٦

ليس بإيضاع(١) الإِبل وإيجافٍ(٢) الخيل. وبهذا نأخذ وهو قول
أبي حنيفة رحمه الله .
٤٦ - (باب بطن (٣) محسِّر)
٤٨٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع: أن ابن عمر كان (٤) يُحَرِّك
راحلته في بطن محسِّر كقَدْر رمْيَةٍ بحجر.
قال محمَّدٌ: هذا كلُّه وَاسِعٌ (٥) إن شئتَ حَرَّكتَ(٦)، وإن شئت
(١) أي بإسراعه .
(٢) أي إعدائها.
(٣) قوله: باب بَطن، بالفتح. محسِّر، قال العيني في ((البناية شرح الهداية)):
بكسر السين المشدَّدة فاعل من حسَّر بالتشديد لأن فيل أصحاب الفيل(١) حسر فيه أي
أعيى، وهو وادٍ من مزدلفة ومنى، وسمِّي وادي النار، يقال: إن رجلاً اصطاد فيه،
فنزلت نار وأحرقته، وحكمة الإِسراع فيه لمخالفة النصارى لأنه موقفهم.
(٤) قوله: كان يحرِّك، أي تحريكاً زائداً ليسرع في بطن محسِّر كقَدْر رمية
بالكسر بحَجَر أي مقدار إذا رُمي بالحجر فوصل بموضع، وهذا قيل لمخالفة
النصارى كما مر، وقيل: لأنه وادٍ عذَّب به بعض الكفار، فأحب أن يسرع في
الخروج منه، وهو أمر مستحب ليس بواجب.
(٥) أي جائز.
(٦) أي الراحلة للإسراع في وادي محسِّر.
(١) في شرح ((الدسوقي)) على شرح متن ((الخليل)): الحق أن قضية الفيل لم تكن بوادي
محسّر، بل كانت خارج الحرم، وذكر العيني في عمدة القاري ٦٩١/٤ نقلاً عن الطبري
- وهو المحب الطبري - ذلك، ثم قال: قيل هذا غلط لأن الفيل لم يعبر الحرم.
٣٩٧

سِرْتَ على هِيْنَتِكَ(١) بَلَغَنَا(٢) أنَّ النبيَّ وَ قال في السَّيْرَيْن(٣)
جميعاً: عليكم بالسَّكِينَة (٤). حين أفاضَ (٥) من عَرَفَةَ، وحين أُفَاضَ
من المُزْدَلِفَة .
٤٧ - (باب (٦) الصلاة بالمزدلفة)
٤٨٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع: أن عبد الله بن عمر كان
يصلي المغرب والعشاء بالمُزْدَلِفَة جميعاً.
(١) بالفتح أي طريقتك في التوسط.
(٢) قوله: بلغنا، دليل لكون الأمرين جائزَيْن يعني أن النبي ◌َ ﴿ قال في
السيرين جميعاً - أي في السير من عرفة إلى مزدلفة وفي السير من مزدلفة إلى
منى - : عليكم بالسكينة والطمأنينة في المسير، فدل ذلك على عدم الإِسراع.
وفيه أن السكينة في السير الثاني لا ينافي قدراً من الإسراع مع أن هذا القدر
مخصَّص من ذلك المطلق. وليس ذلك ثابتاً بفعل ابن عمر وحده، بل ثبت بفعل
النبي # في حديث جابر الطويل المخرج في الصحاح(١).
(٣) في نسخة: المسيرين.
(٤) بيان للسيرين.
(٥) أي رجع.
(٦) قوله: باب الصلاة بالمزدلفة، بضم الميم وكسر اللام: موضع بين منى =
(١) قال الموفق: يستحب الإسراع في بطن محسِّر وهو ما بين جمع ومنى، فإن كان ماشياً أسرع
وإن كان راكباً حرَّك دابته لأن جابراً قال في صفة حجة النبي # أنه لما أتى بطن محسر
حَرَّك قليلاً. المغني ٤٢٤/٣.
٣٩٨

٤٨٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سالم بن
عبد الله، عن ابن عمر: أن رسول الله وم صلّى المغرب والعشاء(١)
بالمُزْدَلِفَة جميعاً.
٤٨٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن
عدي (٢) بن ثابت الأنصاري، عن عبد الله (٣) بن يزيد الأنصاري
الخطمي، عن أبي أيوب (٤) الأنصاري قال: صلّى رسول اللهِ وَل
المغربَ والعشاءَ بالمُزْدَلِفَة جميعاً(٥) في حَجَّةِ الْوَدَاع.
= وعرفة ما بين وادي محسّر ومأزمي عرفة، وهما جبلان بين المزدلفة وعرفة، واحده
مأزم بكسر الزاء، والحدان خارجان من المزدلفة سمِّي به لازدلاف الناس أي
اقترابهم واجتماعهم بها، وقيل لاجتماع آدم وحواء به، من ثم سمِّ بالجمع أيضاً،
ذكره النووي .
(١) ولم يتنفَّل بينهما.
(٢) هو من ثقات التابعين الكوفيين، وثقه أحمد وغيره، مات سنة ١١٠،
كذا في ((الإِسعاف)).
(٣) قوله: عبد الله، هو عبد الله بن يزيد بن زيد بن حصين الأنصاري
الخطمي، نسبة إلى بني خَطمة بالفتح بطن من الأنصار، وهو صحابي صغير، ذكره
العيني وغيره.
(٤) اسمه خالد بن زید.
(٥) قوله: جميعاً، زاد الطبراني من طريق جابر الجعفي ومحمد بن
أبي ليلى كلاهما عن عديّ بن ثابت بهذا الإِسناد بإقامة واحدة، والجعفي ضعيف،
لكن تقوّى بمتابعة محمد، وبه يُرَدُّ على قول ابن حزم: ليس في حديث أبي أيوب
ذِكْرُ أذان وإقامة، كذا ذكره الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)).
٣٩٩

قال محمد: وبهذا نأخذ. لا يصلي(١) الرجلُ المغربَ حتى يأتي
المُزْدَلِفَة، وإن ذهب نصف الليل، فإذا أتاها أذن وأقام فيصلي المغرب
والعشاءً بأذان(٢) وإقامة واحدة. وهو قول أبي حنيفة رحمه الله والعامة
من فقهائنا .
(١) قوله: لا يصلي، يعني أنَّ تأخير المغرب واجب إلى أن يصل المزدلفة
فيجمع بينه وبين العشاء في المزدلفة وإن ذهب نصف الليل ودخل وقت كراهة
العشاء، فلوصلاها في الطريق أو في عرفة أعاد، وهذا أحد القولين، وبه قال بعض
المالكية، وقال الشافعية وغيرهم: لو جمع قبل جمع أو جمع بينهما تقديماً في
الجمع أجزأ، وفاتت السنّة، والخلاف مبني على أن الجمع بعرفة أو المزدلفة هل
هو للنسك أو للسفر، فمن قال بالأول قال بالأول، ومن قال بالثاني قال بالثاني، كما
بسطه في («ضياء الساري)).
(٢) قوله: بأذان وإقامة واحدة، أي بأذان واحد وإقامة واحدة للأولى فقط،
والمرجَّح هو تعدُّد الإقامة لا الأذان كما بسطه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)).
والمسألة مسدسة فيها ستة أقوال كما فصَّلها في ((فتح الباري))(١) و((عمدة
القاري))(٢): أحدها: الجمع بأذانين وإقامتين، رُوي ذلك عن ابن مسعود عند
البخاري، وعن عمر عند الطحاوي، وبه قال مالك وأكثر أصحابه وليس لهم في
ذلك حديث مرفوع، قاله ابن عبد البر، وقال ابن حزم: لم نجده مروياً عن
رسول الله ﴾﴾ أي بنص صريح صحيح، وذكر ابن عبد البر عن أحمد بن خالد أنه
كان يتعجب من مالك حيث أخذ بحديث ابن مسعود وهو من رواية الكوفيين مع
كونه موقوفاً ومع كونه لم يروه، ويترك ما روى عن أهل المدينة وهو مرفوع، وأُجيب
عنه بأنه اعتمد صنيع عمر وإن كان لم يروه في ((الموطأ)»، وحمل الطحاوي صنيع =
(١) ٥٢٥/٣.
(٢) ٦٨٧/٤.
٤٠٠

.----
٤٨ - (باب ما يَجْرُم على الحاج
بعد رمي جمرة العَقَبة(١) يوم النحر)
٤٩٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع وعبد الله بن دينار، عن
ابن عمر على أنه أذَّن للثانية لكون الناس تفرَّقوا لعشائهم فأذَّن ليجمعهم، وبه نقول
إذا تفرق الناس عن الإمام لأجل عشاء أو لغيره، فأذَّن، لا بأس به، وبمثله يُجاب عن
فعل ابن مسعود. وثانيها: أن يجمع بينهما بأذان وإقامة واحدة وهو مذهب أصحابنا
الحنفية، قال ابن عبد البر: أنا أعجب من الكوفيين أخذوا بما رواه أهل المدينة،
وتركوا ما رَوَوْا عن ابن مسعود مع أنهم لا يعدلون به أحداً. انتهى. وحجتهم في
ذلك حديث جابر أنه و ﴿ جمع بأذان وإقامة واحدة أخرجه ابن أبي شيبة، ورُوي
نحوه من حديث ابن عباس عند أبي الشيخ الأصبهاني من حديث أبي أيوب كما
مر. وثالثها: أن يجمع بأذان واحد وإقامتين، ثبت ذلك من حديث جابر عند مسلم
وابن عمر عند البخاري، وهو الصحيح من مذهب الشافعي ورواية عن أحمد، وبه
قال ابن الماجشون من المالكية وابن حزم من الظاهرية والطحاوي من الحنفية
وقواه. ورابعها: الجمع بإقامتين فقط من غير أذان، وهو رواية عن أحمد وعن
الشافعي، وقال به الثوري وغيره، وهو ظاهر حديث أسامة المرويّ في صحيح
البخاريّ حيث لم يذكر فيه الأذان، وقد رُوي عن ابن عمر من فعله كلّ واحد من
هذه الصفات، أخرجه الطحاوي، وكأنه رآه من الأمر المتخير فيه.
وخامسها: الجمع بالإِقامة الواحدة بلا أذان، أخرجه مسلم وأبو داود عن ابن عمر
أيضاً وهو المشهور من مذهب أحمد. وسادسها: ترك الأذان والإقامة مطلقاً، أخرجه
ابن حزم من فعل ابن عمر أيضاً. هذا كله في جمع التأخير بمزدلفة، وأما جمع
التقديم بعرفات ففيه أقوال ثلاثة، الأول: يؤذِّن للأولى، ويقيم لها فقط، وبه قال
الشافعي. والثاني: يؤذِّن للأولى ويقيم لكل منهما، وهو مذهب الحنفية. الثالث:
تعدُّد الأذان والإقامة كليهما، وهو قول بعض الشافعية. وأرجحها وسطها.
(١) بفتحتين هو اسم لموضع رمي الجمار في طرف مِنَى إلى جهة مكّة، =
٤٠١