النص المفهرس

صفحات 281-300

عبدَ الله(١) بنَ عيّاش بن أبي ربيعة أهدى عاماً(٢) بَدَنتين، إحداهما
بُخْتِيَّة (٣).
قال محمد: وبهذا نأخذ، كلُّ هَذْي تطوُّعِ عَطِب في الطريق (٤)
صنع كما صنع وخلَّى (٥) بينه وبين الناس يأكلونه، ولا يعجبنا(٦) أن
يأكل (٧) منه إلاّ من (٨) كان محتاجاً إليه(٩).
(١) قوله: عبد الله بن عياش، بشدِّ التحتية وشين معجمة ابن أبي ربيعة
اسمه عمرو بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي الصحابي
ابن الصحابي، وُلد بالحبشة. وحفظ عن النبي ◌َّ، ولم يروٍ عنه، وروى عن عمر
وغيره، وأبوه قديم الإِسلام، قاله الزرقاني.
(٢) أي سَنَة من السنين.
(٣) قوله: بُخْتِيَّة، بضم موحّدة وسكون الخاء المعجمة، فتاء فوقيَّة فتحتيّة
مشدّدة، هي الأنثى من الجمال، والذكر البُختي، وهي جمال طوال الأعناق على
ما في ((النهاية)).
(٤) أي قبل أن يصل إلى الحَرَم.
(٥) من التخلية .
(٦) أي لا يجوز عندنا.
(٧) أي صاحب الهَدْي .
(٨) قوله: إلَّ من كان محتاجاً إليه، اعلم أن هدي التطوُّع إذا بلغ الحَرَم
يجوز لصاحبه وغيره من الأغنياء أن يأكل منه، وأما إذا لم يبلغ فلا يجوز لصاحبه أن
يأكل منه ولا لغيره من الأغنياء لأن القربة فيه بالإِراقة إنما تكون في الحرم، وفي
غيره بالتصدُّق.
(٩) أي مضطراً إليه.
٢٨٢

٤٠٧ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن ابن عمر: كان يقول:
الهدي(١) ما قُلِّد أو أُشعر وأُوقف به بعرفة.
٤٠٨ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن ابن عمر: أنه قال: من
نذر بَدَنَةٍ (٢) فإنه يقلِّدها نعلاً، ويُشْعِرُها، ثم يسوقها، فينحرها عند
البيت أو بمنى يوم النحر ليس له مَحِلّ(٣) دون ذلك، ومن نذر
جَزُوراً(٤) من الإِبل أو البقر فإنه يَنْحَرُها حيث(٥) شاء(٦).
قال محمد: وهو قول ابن عمر، وقد جاء عن النبي وَلُ وعن
غيره من أصحابه أنهم رخّصوا في نحر البَدَنة حيث شاء(٧)، وقال
(١) قوله: الهدي ... إلى آخره، في الأثر دليل على استنان الذهاب
بالهدي إلى عرفات كالتقليد والإِشعار، وبه قال أبو حنيفة أنه يُسَنُّ ذلك من غير
وجوب، كذا في ((المحلّ بحلي أسرار الموطا)).
(٢) أي من إبل أو بقرة.
(٣) قوله: ليس له محل دون ذلك، لأنه لمّا عبَّر ببدنة عُلم أنه هَدْي.
(٤) قوله: جَزُوراً، بفتح الجيم وضم الزاي هو من الإِبل خاصة يقع على
الذكر والأنثى، كذا في ((المصباح)) اللغوي، فقوله من الإبل والبقر تعميم باعتبار
الإِطلاق العُرفي، قاله القاري.
(٥) أي من الحرم وغيره وفرق بين نذر البدنة ونذر الجزور بأن الأول خاص
بالحرم والثاني عام.
(٦) قوله: حيث شاء، أي في أي مكان لأنه أراد إطعام لحمه مساكين
موضعه أو ما نوى من الموضع.
(٧) أي الناذر.
٢٨٣

بعضهم: الهَدْي(١) بمكة لأن الله تعالى يقول: ﴿هَدْياً بالغَ الكعبة﴾
ولم يقل ذلك في البَدَنة(٢) فالبَدَنة حيث شاء إلّ أن ينوي الحرم
فلا ينحرها(٣) إلّ فيه (٤). وهو قول أبي حنيفة وإبراهيم النّخَعي
ومالك بن أنس.
٤٠٩ - أخبرنا مالك، أخبرني (٥) عمرو بن عبيد الله الأنصاري
أنه سأل سعيد بن المسيّب عن بَدَنَة جعلَتْها(٦) امرأةٌ عليها، قال: فقال
سعيد: الْبُدْنُ من الإِبل (٧) ومَحِلّ (٨) البُدْن البيت العتيق إلاّ أن تكون(٩)
سمَّتْ مكاناً(١٠) من الأرض فلتنحرها حيث سمَّت، فإنْ لم تجد بَدَنة
فبقرة(١١)فإن لم تكن بقرة فَعَشَرٌ من الغنم،
(١) يعني إذا نذرها هدياً فهو مخصوص بمكة وما حولها.
(٢) أي بل أطلقها.
(٣) أي لا يذبحها.
(٤) فإنما الأعمال بالنيات.
(٥) قوله: أخبرني عمرو بن عبيد الله الأنصاري، ذكره ابن حبان في كتاب
((الثقات)) وسمَّى والده بعبيد، وقال: إنه من بني الحارث بن الخزرج من أهل
المدینة، یروي عن ابن عباس، روی عنه مالك بن أنس وسليمان بن بلال.
(٦) أي ألزمتها على نفسها بأن نذرتها.
(٧) أي دون البقر. هو يوافق قول الشافعي.
(٨) بكسر الحاء أي محل ذبحها الذي يَحِلَّ ذبحه فيه.
(٩) أي المرأة.
(١٠) غير الحَرَم .
(١١) فإنها تقوم مقامها.
٢٨٤

قال(١): ثم سألت سالمَ بن عبد الله فقال: مثل ما قال سعيد بن المسيب
غير أنه قال: إن لم تجد بقرة، فسبع من الغنم، قال: ثم جئتُ(٢)
خارجةَ بنَ زيد بن ثابت فسألتُه، فقال مثلَ ما قال سالم، ثم جئتُ
عبدَ الله (٣) بنَ محمد بنِ عليّ (٤)، فقال مثلَ ما قال سالم بن عبد الله .
قال محمد: البُدْنُ من الإِبل(٥) والبقر، ولها(٦) أن تنحرها حيث
شاءت إلّ أن تنوي الحرم، فلا تنحرها إلاّ في الحرم ويكون(٧) هدياً،
والبَدَنة من الإِبل والبقر تُجزىء(٨) عن سبعة ولا تجزىء عن أكثر من
ذلك، وهو قول أبي حنيفة والعامَّة من فقهائنا.
(١) عمرو بن عبيد الله.
(٢) قوله: ثم جئت خارجة بن زيد بن ثابت، هو أحد الفقهاء السبعة
بالمدينة من أجلّة الثقات، مات سنة تسع وتسعين، وقيل: سنة مائة، قاله
ابن حبان .
(٣) أبو هاشم المدني، وثّقه ابن سعد والنسائي، مات سنة ٩٨، كذا في
«الإسعاف)).
(٤) ابن أبي طالب.
(٥) أي من كليهما في مذهبنا.
(٦) أي للمرأة الناذرة المذكورة.
(٧) أي ويكون بالنية.
(٨) قوله: تجزىء عن سبعة، روى مسلم عن جابر قال: خرجنا مع
رسول الله وَّ مُهِلَّين بالحج، فأمرنا رسولُ اللهِ وَّر أن نشترك في الإِبل والبقر كلُّ
سبعةٍ منا في بدنة. وبهذا قال الشافعي والجمهور سواء كان الهذيُ تطوّعاً أو واجباً،
وسواء كانوا كلَّهم متقرِّبين بذلك أو بعضهم يريد التقرُّب وبعضهم يريد اللحم . =
٢٨٥

= وعن أبي حنيفة يُشترط في الاشتراك أن يكونوا كلُّهم متقرِّبين بالهَدْي. وعن داود
وبعض المالكية: يجوز هذا في هدي التطوُّع دون الواجب. وعن مالك لا يجوز
مطلقاً. واحتج له إسماعيل القاضي بأن حديث جابر إنما كان في الحديبية حيث
كانوا مُحْصَرين، وبأن أبا جمرة خالفه ثقاتُ أصحابٍ ابن عباس، فقد رَوَوْا عنه أن
ما استيسر من الهدي شاة، وساق ذلك بأسانيد صحيحة عنهم. وقد روى ليث عن
طاوس، عن ابن عباس مثل رواية أبي جمرة لكنْ ليثٌ ضعيف. ثم ساق بسنده إلى
محمد بن سيرين عن ابن عباس قال: ما كنتُ أرى أن دماً واحداً لعلَّه يُجزىء
أو يكفي عن أكثر من واحد. وأجاب الحافظ بأن تأويله لحديث جابر بأنه كان في
الحديبية لا يدفع الاحتجاجَ بالحديث أي لثبوت جواز أصل الاشتراك، قال: بل
روى مسلم من طريق أخرى عن جابر في أثناء حديث: فأمرنا رسول الله وَله حين أمرهم
أن يحلوا حجّهم إذا أحللنا أن نُهدي، ويجتمع النفر منا في الهدية. وأقول: بل
كيف يصح تأويله بأنه في الحديبية مع قول جابر: خرجنا مُهِلَّين بالحج، والحديبية
إنما كان فيه الإِهلال بالعمرة، ثم قال الحافظ: وليس بين رواية أبي جمرة - قال:
سألت ابن عباس عن المتعة، فأمرني بها، وسألته عن الهَدْي، فقال: فيها جَزُور
أو بقرة أو شاة أو شرك في دم، رواه البخاري - وبين رواية غيره منافاة لأنه زاد
عليهم ذكر الاشتراك، ووافقهم على ذكر الشاة أي وزيادة الثقة مقبولة. قال: وإنما
أراد ابن عباس بالاقتصار على الشاة الردّ على من زعم اختصاص الهدي بالإِبل
والبقر. قال: وأما رواية محمد بن سيرين عن ابن عباس فمنقطعة، ومع ذلك
لو كانت متصلة احتمل أن يكون ابن عباس أخبر أنه كان لا يرى ذلك من جهة
الاجتهاد، ومتى صح عنده النقل بصحة الاشتراك أفتى به أبا جمرة، وبهذا تجتمع
الأخبار، وهو أولى من الطعن في رواية من أجمع العلماء على توثيقه، وهو
أبو جمرة.
وقد رُوي عن ابن عمر أنه كان لا يرى التشريك، ثم رجع عنه لمّا بلغتْه
السُّنَّة، قال الحافظ: واتفق من قال بالاشتراك على أنه لا يكون في أكثر من سبعة =
٢٨٦

١١ - (باب الرجل يسوقُ بَدَثَة فيضطرّ(١) إلى ركوبها)
٤١٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه أنه قال:
إذا اضطررتَ إلى بَدَنَتِك(٢) فاركبها ركوباً غير فادح(٣).
٤١١ - أخبرنا(٤) مالك، أخبرنا أبو الزِّناد، عن الأعرج، عن
أبي هريرة: أن النبي وَله مرّ على رجل(٥)
إلّ إحدى الروايتين عن سعيد بن المسيب. فقال: تُجزىء عن عشرة، وبه قال
إسحاق بن راهويه وابن خزيمة من الشافعية واحتج لذلك في «صحيحه)) وقوّاه، كذا
في «ضياء الساري)).
(١) بأن عجز عن المشي ولم يجد غيرها. قوله: فيضطرّ إلى ركوبها،
اختلفوا في ركوب البدنة المُهداة، فقال بعضهم: هو واجب لإِطلاق الأمر مع ما فيه
من مخالفة الجاهلية. ورُدّ هذا بأنه عليه السلام لم يركب هَدْيَه، ولا أمر الناس
بركوب هداياهم. ومنهم من قال: له أن يركبها مطلقاً من غير حاجة، وقال أصحابنا
والشافعي: لايركبها إلا عند الحاجة كذا في «مرقاة المفاتيح)).
(٢) أي إلى ركوبها.
(٣) أي غير مثقل ومؤلم، لقوله ويتلقى: اركبها بالمعروف إذا أُلجئت إلى
ظهرها .
(٤) قوله: أخبرنا مالك ... إلى آخره، رواه البخاري عن عبد الله بن
يوسف، ومسلم عن يحيى، وأبو داود عن القعنبي، والنسائي عن قتيبة الأربعة عن
مالك به، وتابعه المغيرة بن عبد الرحمن عند مسلم، وسفيان الثوري عند ابن ماجه،
كلاهما عن أبي الزِّناد به.
(٥) قال الحافظ: لم أقف على اسمه بعد طول البحث، زاد النسائي عن
أنس: وقد جهده المشي، أي وهو عاجز عن مشيه.
٢٨٧

يسوق بَدَنَتَه(١)، فقال له: اركبها، فقال: (٢) إِنها بَدَنَة).
(١) وعند مسلم: بدنة مقلدة.
(٢) قوله: فقال: إنها بدنة، قيل: الظاهر أن الرجل ظن أنه عليه السلام خفي عليه
كونها هدياً، فلذلك قال: إنها بدنة. قال الحافظ: والحقّ أنه لم يخفَ ذلك عليه
لكونها كانت مقلَّدة، ولهذا قال له لما زاد في مراجعته: ويلك. وقال القرطبي:
إنما قال له ويلك تأديباً لأجل مراجعته له مع عدم خفاء الحال عليه. وبهذا جزم
ابن عبد البرّ وابن العربي، وبالغ حتى قال: ولولا أنه ◌َّرَ اشترط على ربِّه ما اشترط
لهلك ذلك الرجل. قال القرطبي : ويحتمل أن يكون فهم عن الرجل أنه يترك
ركوبها على عادة الجاهلية في السائبة وغيرها، فزجره عن ذلك. وعلى الحالتين
فهي إنشاء ورجّحه عياض وغيره، قالوا: والأمر ههنا وإن قلنا إنه للإرشاد لكنه
استحق الذم بتوقّفه عن الامتثال، وقيل: كان الرجل أشرف على هلكة من الجهد.
وويل كلمة تقال لمن وقع في هلكة: فالمعنى أشرفت على الهلكة فاركب.
فعلى هذا هي إخبار، وقيل: هي كلمة تدعم به العرب كلامها، ولا يُقصد معناها
كقولهم: لا أمَّ لك. واستدل به على جواز ركوب الهدي سواء كان واجباً أو متطوِّعاً
به، لكونه وقليل لم يستفصل صاحبَ الهدي عن ذلك، فدل على أن الحكم
لا يختلف. وبالجواز مطلقاً قال عروة بن الزبير، ونسبه ابن المنذر لأحمد وإسحاق،
وبه قال أهل الظاهر، لكن نقل القسطلاني عن ((تنقيح المُقنع)) من كتب الحنابلة
- وعليه الفتوى عندهم - أنّ له ركوبها لحاجة ويضمن نقصَها كمذهب الحنفية.
وجزم النووي بالأول في ((الروضة)) تبعاً لأصله في الضحايا، ونقله في ((شرح
المهذب)) عن القفّال والماوردي، ثم نقل فيه عن أبي حامد والبندنجي وغيرهما
تقييده بالحاجة وهو الذي حكاه الترمذي عن الشافعي وأحمد وإسحاق. وقيّد
صاحب ((الهداية)) من الحنفية جواز ركوبها بالاضطرار إلى ذلك وهو المنقول عن
الشَّعبي عند ابن أبي شيبة. وقال ابن العربي عن مالك: يركب للضرورة فإذا
استراح نزل. وفي المسألة مذهب خامس وهو المنع مطلقاً، نقله ابن العربي عن
أبي حنيفة وشنّع عليه. قال الحافظ: ولكنْ الذي نقله الطحاوي وغيره الجواز بقدر :
٢٨٨

فقال له بعد مرتين: اركبها ويلك(١).
٤١٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن ابن عمر كان يقول: إذا
نتجت (٢) الْبَدَنَة فَلْيَحْمِلْ (٣) ولدَها معها حتى يُنْحر معها، فإنْ لم
يجد (٤) له محملاً فلْيَحْمِلْهُ على أمّه حتى يُنحر(٥) معها .
٤١٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع: أن ابن عمر(٦) أو عمر
- شك محمد _(٧) كان يقول: من أهدى بَدَنَة فَضَلَّتْ(٨) ..
الحاجة إلا أنه قال: ومع ذلك يضمن ما نقص منها بركوبه، وضمان النقص وافق
عليه الشافعية في الهدي المنذور. ومذهب سادس: وهو وجوب الركوب نقله
ابن عبد البر عن بعض أهل الظاهر تمسُّكاً بظاهر الأمر ولمخالفة ما كانوا عليه في
الجاهلية من البحيرة والسائبة. واختلف المُجيزون: هل يحمل المهدي عليها
متاعه، فمنعه مالك، وأجازه الجمهور (١)، كذا في ((الضياء)).
(١) زجراً له ليعلم أن الضرورات تبيح المحظورات.
(٢) يقال: نتجت الناقة ولداً على البناء للفاعل على معنى ولدت وحملت،
كذا في «المصباح المنير)).
(٣) صاحب البَدَنَة .
(٤) وليحيى: فإن لم يوجَدْ له محمل حمل على أمه.
(٥) وجوباً.
(٦) في موطأ يحيى عن ابن عمر من غير شك.
(٧) يعني المصنف نفسه.
(٨) أي الطريق.
(١) ونقل عياض الإجماع على أنه لا يؤجرها. انظر فتح الباري ٥٣٨/٣.
٢٨٩

أو ماتت(١)، فإن كانت نذراً أبدلها(٢)، وإن كانت تطوّعاً، فإن شاء
أبدلها(٣)، وإن شاء تركها(٤).
قال محمد: وبهذا نأخذ، ومن اضطر(٥) إلى ركوب بَدَنَتَّه
فليركبها فإن نقصها ذلك (٦) شيئاً تصدَّق بما نقصها(٧) وهو قول
أبي حنيفة رحمه الله تعالى .
١٢ - (باب المحرم يقتل قَمْلة (٨) أو نحوَها(٩)
أو ينتفُ (١٠) شعراً)
٤١٤ - أخبرنا مالك، عن نافع قال: المُحْرِمُ لا يَصْلُحُ (١١) له أن
(١) قبل بلوغ المَحِلّ.
(٢) أي بمثلها - في نسخة: بدّلها -.
(٣) والأوَّل الأولى.
(٤) أي لم يبدلها.
(٥) بصيغة المجهول.
(٦) أي ركوبها، وحمل متاعه عليه.
(٧) أي بقيمة نقصها.
(٨) قوله: قملة، القمل والقَمْلة بالفتح فالسكون، دويّة تتولد من العرق
والوسخ إذا أصاب ثوباً أو بدناً أو شعراً، يقال له بالفارسية (سيش).
(٩) في نسخة: غيرها.
(١٠) وكذا إذا حلق شعراً أو قطع.
(١١) أي لا يحل له.
٢٩٠

-٠
ينتفَ (١) من شعره شيئاً، ولا يحلقه ولا يقصره إلا أن يصيبه أذى(٢) من
رأسه، فعليه فدية، كما أمره(٣) الله تعالى. ولا يحلّ له أن يقلمَ أظفاره
ولا يقتلَ قَمْلَةً، ولا يطرحها من رأسه إلى الأرض ولا من جسده (٤)
ولا من ثوبه، ولا يقتل الصيد ولا يأمر به (٥) ولا يدل عليه.
قال محمد: وبهذا نأخذ وهو قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى .
(١) النتف (بركندن)(١).
(٢) أي فیحتاج إلى حلق شعره أو قصِّه.
(٣) قوله: كما أمره الله تعالى، أي بقوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى
يَبْلُغَ الهَدْيْ مَحِلَّه فمن كان منكم مريضاً أو به أذىًّ من رأسه فقديةٌ من صيامٍ
أو صدقةٍ أو نُسُك﴾(٢) والصيام مفسَّر بثلاثة أيام، والصدقة بإطعام ستة مساكين لكل
مسكين نصف صاع، والنسك بأدنى ما يُطلق عليه الهدي من غنم أو بقر أو إبل،
وأو للتخيير، وهذا عند العذر كما تقرّر، وأما عند عدمه فيجب عليه دمٌ مع
الإِثم(٣).
(٤) جلده.
(٥) وكذا لا يرمي ثوبه في الشمس بقصد قتل القملة.
(١) بالفارسية.
(٢) سورة البقرة: الآية ١٩٦.
(٣) قال العيني: إذا حلق رأسه أو لبس أو تطيّب عامداً من غير ضرورة فقد حكى ابن عبد البرّ في
((الاستذكار)) عن أبي حنيفة والشافعي وأصحابهما وأبي ثور أن عليه دماً لا غير وأنه لا يخيَّر
إلا في الضرورة. وقال مالك: بئس ما فعل وعليه الفدية، وهو مخيَّر فيها، وقال شيخنا زين
الدين وما حكاه عن الشافعي وأصحابه ليس بجيد، بل المعروف عنهم وجوب الفدية كما
جزم الرافعي. عمدة القاري ١٥٢/١٠.
٢٩١

١٣ - (باب الحجامة(١) للمُحرم)
٤١٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع: أن ابن عمر كان يقول:
لا يحتجم المحرم إلاَّ أن يضطر(٢) إليه(٣) مما لا بدّ منه (٤).
قال محمد: لا بأس بأن يحتجم المحرم(٥) ولكن لا يحلق
شعراً. بلغنا(٦) عن النبي # أنه احتجم وهو صائم محرم. وبهذا
نأخذ، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله والعامّة من فقهائنا .
(١) بالكسر: الاحتجام.
(٢) قوله: أن يضطرّ، لأنه ﴿ ﴿ لم يحتجم إلا لضرورة، فإن احتجم لغير
ضرورة حَرُمَت إن لزم منها قلعُ الشعر، فإن كان في موضع لا شعر فيه فأجازها
الجمهور ولا فدية، وأوجبها الحسن البصري، وكرهها ابن عمر، وبه قال مالك:
لا يحتجم المحرم إلا من ضرورة أي يُكره لأنها قد تؤدِّي لضعفه كما كره صوم عرفة
للحاجّ مع أنّ الصوم أخفّ من الحجامة كذا ذكره الزرقاني .
(٣) أي إلى الاحتجام.
(٤) أي مما لا فرار ولا علاج فيه إلا الحجامة.
(٥) إذا خرج الدم لا يضر اتفاقاً، ولهذا جوّزوا له الفصد إجماعاً.
(٦) قوله: بلغنا ... إلى آخره، أخرجه البخاري وغيره من حديث
ابن عباس أنّ النبي ◌َّ احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم، وأخرج مالك عن
سليمان بن يسار مرسلاً: أنّ النبي ◌َ# احتجم وهو محرم فوق رأسه، وهو يومئذ
بلَحْي جَمل - مكان بطريق مكة - ووصله البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن
بُحَينة. ولأبي داود والنسائي والحاكم عن أنس أنّ النبي ◌َّر احتجم وهو محرم
على ظهر القدم من وجع كان به(١). وفي الباب أخبار كثيرة يحصل بها الكراهة.
(١) قال الحافظ: الجمع بين حديثَي ابن عباس وأنس واضح بالحمل على التعدّد، أشار إليه =
٢٩٢

١٤ - (باب المحرم يُغَطّي(١) وجهه)
٤١٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله (٢) بن أبي بكر، أن
عبد الله بن عامر بن ربيعة أخبره قال: رأيتُ(٣) عثمانَ بنَ عفان
(١) من التغطية بمعنى الستر.
(٢) ابن محمد بن عمرو بن حزم .
(٣) قوله: رأيت عثمان ... إلى آخره، أخرجه مالك أيضاً عن يحيى بن
سعيد عن القاسم بن محمد أنه قال: أخبرني الفرافصة بن عمير الحنفي أنه رأى
عثمان بالعرج يغطي وجهه وهو محرم. ويوافقه ما أخرجه الدارقطني في ((العلل))
عن أبان بن عثمان عن عثمان أنَّ النبي ◌َّ كان يخمّر وجهه وهو محرم. لكن قال
الدارقطني: الصواب أنه موقوف. وبهذا أخذ جماعة من الصحابة ومن بعدهم، منهم
الشافعي وغيره. استدل بعضهم له بما أخرجه الشافعي من حديث إبراهيم
ابن أبي حرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي # قال في الذي
وقص: خمّروا وجهه، ولا تخمّروا رأسه. وبما أخرجه الدارقطني في ((سننه)) عن
ابن عمر أنه قال: إحرام الرجل في رأسه، وإحرام المرأة في وجهها. واستدل
أصحابنا بما أخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنّ
رجلًا أوقصته راحلته وهو محرم فمات فقال رسول الله ◌َله: اغسلوه بماءٍ وسدر
وكفّنوه في ثوبه، ولا تَمَسّوه طيباً، ولا تخمّروا رأسه، ولا وجهه فإنه يُبعث يوم القيامة
ملبّياً. ورواه الباقون ولم يذكروا الوجه. قال أبو عبد الله الحاكم في كتاب ((علوم
الحديث)) ذكر الوجه في هذا الحديث تصحيف في الرواية لإِجماع الثقات الأثبات
على ذكر الرأس، ورُدّ بأن التصحيف إنما يكون في الحروف المتشابهة، وأيُّ تشابُه =
الطبري. اهـ. قلت: بل هو المتعيِّن. أوجز المسالك ٣٤٩/٦. قوله بلحي جمل، وقع في
بعض الروايات بالتثنية وفي بعضها بالإِفراد واللام المفتوحة ويجوز كسرها والمهملة ساكنة،
موضع بطريق مكة.
٢٩٣

بالعَرْجِ(١) وهو محرم في يومٍ صائفٍ(٢) قد غطّى (٣) وَجْهَه (٤)
بقَطِیفة (٥) ..
= بين الوجه والرأس في الحروف، هذا على تقدير أن لا يذكر في الحديث غير
الوجه، فكيف وقد جمع بين الرأس والوجه والروايتان عند مسلم؟ ففي لفظ اقتصر
على الوجه وفي لفظ جمع بينهما. واستدلوا أيضاً بقول ابن عمر: ما فوق الذقن من
الرأس فلا يخمّره المحرم. هذا كله في الرجل، وأما المرأة، فأخرج البخاري من
حديث نافع عن ابن عمر: لا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القُفّازين. ورواه مالك
موقوفاً على ابن عمر. وله طرق في البخاري موصولة ومعلّقة، وأخرج أبو داود
والحاكم من حديث ابن عمر أن النبي وَلّ نهى النساء في إحرامهن عن النقاب.
وأخرج أبو داود وابن ماجه عن عائشة قالت: كان الرُّكبان يمرّ بنا ونحن مع
رسول الله وَ* محرمات، فإذا حاذَوْنا سدَلَتْ إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها،
فإذا جاوزونا كشفنا. وهو محمول على توسيط شيء حاجب بين الوجه وبين
الجلباب. وفي الباب آثار وأخبار مبسوطة في ((تخريج أحاديث الهداية)) للزيلعي،
و«تخريج أحاديث الرافعي)» لابن حجر.
(١) بعين مهملة مفتوحة فراء ساكنة فجيم، موضع بطريق المدينة.
(٢) أي من أيام الصيف.
(٣) قوله: قد غطَّ وجهه، قال الزرقاني: إنه كان يرى جائزاً. وكذا
ابن عباس وابن عوف وابن الزبير وزيد بن ثابت وسعيد وجابر، وبه قال الشافعي .
وقال ابن عمر: يحرم تغطية الوجه، وبه قال مالك وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن،
وفيه الفدية على مشهور المذهب، ولا يجوز تغطية الرأس إجماعاً.
(٤) قوله: وجهه، قال الباجي: يحتمل أن يكون فَعَل ذلك لحاجة إليه، أي
لضرورةٍ دعت إليه، وأن يكون في رأيه مباحاً. وقد خالفه غيره، فقالوا: لا يجوز.
(٥) قوله: بقطيفة، هي دثار له خَمْل. والدِّثار ما يتدثر به الإِنسان أي
ما یتلفّف فيه من کساء أو غيره.
٢٩٤

أُرْجُوان(١) ثم أتي بلحم صيد، فقال: كلوا، قالوا: ألا تأكل؟ قال:
لستُ كهيأتكم، إنما صِيد من أجلي (٢).
٤١٧ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن ابن عمر كان يقول:
ما فوق الذَّقن(٣) من الرأس فلا يخمّره(٤) المحرم.
قال محمد: ويقول ابن عمر نأخذ، وهو قول أبي حنيفة والعامّة
من فقهائنا رحمهم الله تعالى .
١٥ - (باب المُحرم يغسل رأسه، أيغتسل؟(٥))
٤١٨ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع: أنَّ ابنَ عمر كان
لا يغسل (٦) رأسه وهو محرم إلا من الاحتلام (٧).
(١) بضم الهمزة والجيم: صوف أحمر أي فيه خطوط حمر.
(٢) فالمدار على النّة.
(٣) هو مجتمع لَحْيَيْ الإِنسان.
(٤) أي فلا يغطّيه فإن الوجه في حكم الرأس.
(٥) أي بجميع بدنه من غير قصد إزالة وسخه.
(٦) فكان يعمل بالأفضل.
(٧) قوله: إلا من الاحتلام، ولا ينافيه ما سبق من غسله لدخول مكة وعشية
عرفة، فلعله كان يغسل جسده دون رأسه. قال الشافعي: نحن ومالك لا نرى بأساً
أن يغسل المحرم رأسه من غير احتلام، ورُوي أنه عليه السلام اغتسل وهو محرم. ثم
أطال الكلام إلى أن قال: وقد يذهب على ابن عمر وغيره السنن، ولو علمها
ما خالفها. كذا ذكره البيهقي في ((المعرفة)) كذا في ((المحلّى)).
٢٩٥

٤١٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم، عن (١) إبراهيم(٢)
ابن عبد الله بن حنين، عن أبيه: أن عبد الله ابن عباس، والمِسْور(٣) بن
مَخْرَمة تماريا(٤) بالأبْواء(٥)، فقال ابن عباس: يَغْسل(٦) المُحرم رأسه،
وقال(٧) المِسْور: لا .
(١) قوله: عن إبراهيم ... إلى آخره، ليحيى: مالك عن زيد بن أسلم
عن نافع عن إبراهيم بن عبد الله ... إلى آخره. قال ابن عبد البَرّ: لم يتابع أحدٌ من
رواة الموطأ يحيى على إدخال نافع بين زيد وإبراهيم، وهو خطأ لا شك فيه، وهو
مما يُحفظ من خطأ يحيى في ((الموطأ)) وغلطه. وأَمَرَ ابن وضّاح بطرحه(١).
(٢) هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم في الحج، وكذا النسائي
وابن ماجه، كذا في ((إرشاد الساري)).
(٣) قوله: المَسْور، بكسر الميم وسكون السين المهملة وخِفَّة الواو،
وابن مَخرمة بفتح الميم وسكون المعجمة ابن نوفل القرشي، له ولأبيه صحبة، ذكره
في ((الإِصابة)) وغيره.
(٤) أي تشاكًا وتشاحًا وتخالفا في جواز غسل المحرم وعدمه.
(٥) بفتح الهمزة وسكون الموحدة وبالمدّ: جبل بين مكة والمدينة وعنده بلد
يُنسب إليه، كذا في ((النهاية)).
(٦) أي يجوز له.
(٧) قوله: وقال المسور لا، قال الأَبِّي: الظنّ بهما أنهما لا يختلفان إلا
ولكلٍّ منهما مستند. قال عياض: ودلّ كلامُهما أنهما اختلفا في تحريك الشعر إذ
لا خلاف في غسل المحرم رأسه في غسل الجنابة، ولا بدّ من صبّ الماء، فخاف
(١) قلت: فإسقاطه من النسخ المصرية ليس بصحيح لأنه موجود في رواية يحيى، وإن كان
غلطاً في نفسه. وليس في رواية محمد أيضاً. أوجز المسالك ١٦٦/٦.
٢٩٦

فأرسله(١) ابن عباس إلى(٢) أبي أَيُّوب يسأله(٣) فوجده يغتسل بين
القرنين (٤) وهو يُستر(٥) بثوب، قال: فسلَّمت عليه(٦) فقال: من هذا؟
فقلت: أنا عبد الله بن حنين أرسلني إليك ابنُ عباس
= المسور أن يكون في تحريكه باليد قتل بعض دوابّها أو طرحها. وعلم ابن عباس أن
عند أبي أيوب عِلم ذلك.
(١) أي ابن حنين.
(٢) قوله: إلى، قال ابن عبد البرّ: فيه أن الصحابة إذا اختلفوا لم يكن قول
أحدهما حجة على الآخر إلا بدليل.
(٣) أي عن حكم الغُسل للمُحرم.
(٤) قوله: القرنين، تثنية قرن، وهما الخشبتان القائمتان على رأس البئر
وشبههما من البناء ويمد بينهما خشبة يجرّ عليها الحبل المستقى به ويعلو عليها
البكرة، ذكره السيوطي .
(٥) فيه التستّر للغسل.
(٦) قوله: فسلمت عليه ... إلى آخره، قال عياض والنووي وغيرهما: فيه
جواز السلام على المتطهِّر في حال طهارته بخلاف من هو على الحدث، وتعقّبه
الوليّ العراقي بأنه لم يصرِّح بأنه ردّ عليه السلام، بل ظاهره أنه لم يُرُدّ لقوله:
فقال: من هذا؟ بفاء التعقيب الدالّة على أنه لم يفصل بين سلامه وبينها بشيء،
فيدل على عكس ما استدل به فإن قيل: الظاهر أنه ردّ السلام وتَرَكَ ذِكْرَه لوضوحه،
وأما الفاء فهي مثل قوله تعالى: ﴿أن اضرب بعصاك البحر فانفلق﴾ (١) قلتُ: لمّا
لم يصرِّح بذكر ردّ السلام احتمل الردَّ وعدمه فسقط الاستدلال للجانبين. انتهى.
قال الزرقاني : وفيه وقفة.
(١) سورة الشعراء: الآية ٦٣.
٢٩٧

أسألُك(١) كيف (٢) كان رسولُ اللهِ وَِّ يغسل رأسَه وهو مُحْرِم؟ فوضع
يديه على الثوب (٣) وطأطأه (٤) حتى بدا(٥) لي رأسَه، ثم قال الإِنسان(٦)
يصبّ الماءَ عليه: اصبُبْ (٧)، فصبّ على رأسه، ثم حرّك رأسه(٨)
بيده، فأقبل بيده وأدبر، فقال(٩):
.
(١) أي لأن أسأل.
(٢) قوله: كيف كان ... إلى آخره، قال ابن عبد البر: فيه أنَّ ابنَ عباس
كان عنده علم غسل رأس المحرم، أنبأه أبو أيوب أو غيره لأنه كان يأخذ عن
الصحابة. وقال ابن دقيق العيد: هذا يُشعر بأن ابن عباس كان عنده علم بأصل
الغسل، وقال القاري: فيه أنه لم يكن النزاع في كيفية غسله لكنها تفيد زيادة في
بیان جواز فعله. انتهى. وفيه ما فيه.
(٣) أي الساتر له.
(٤) أي أرخاه وأخّره وخفّضه.
(٥) أي ظهر.
(٦) لم يُسَمّ في رواية.
(٧) بضمّ الباء الأولى، أي صبّه.
(٨) وليحيى: بيديه فأقبل بهما وأدبر - أي بهما -.
(٩) قوله: فقال هكذا رأيته يفعل، في هذا الحديث فوائد: منها جواز
اغتسال المحرم وغسله رأسه، وإمرار اليد على شعره بحيث لا ينتف شعراً. ومنها
قبول خبر الواحد وأنّ قبوله كان مشهوراً بين الصحابة. ومنها الرجوع إلى النصّ
وترك الاجتهاد والقياس عند وجود النص. ومنها السلام على المتطهِّر في وضوء
أو غسل بخلاف الجالس على الحدث. ومنها جواز الاستعانة في الطهارة ولكن
الأولى تركها إلا لحاجة. واتفق العلماء على جواز غسل المحرم رأسه وجسده عن =
٢٩٨

هكذا رأيته يفعل(١).
قال محمد: وبقول أبي أيوب نأخذ (٢)، لا نرى بأساً أن يغسلَ
المحرمُ رأسَه(٣) بالماء. وهل يزيده (٤) الماء إلَّ شعثاً(٥)؟!
الجنابة، بل هو واجب عليه وأما غسله للتبرّد فمذهبنا ومذهب الجمهور جوازه
بلا كراهة، ويجوز عند الشافعي غسل رأسه بالسدر والخِطّمي(١) بحيث لا ينتف
شعراً ولا فدية عليه ما لم ينتف شعراً، كذا في ((شرح صحيح مسلم)) للنووي.
(١) أي يغتسل في حال الإِحرام. قوله: يفعل، زاد ابن عيينة: فرجعت
إليهما فأخبرتهما فقال المسور لابن عباس: لا أُماريك أبداً أي لا أجادلك، كذا في
«إرشاد الساري)).
(٢) قوله: نأخذ، لأن المثبتَ مقدَّمٌ على النافي، ولأنّ الأصل الجواز حتى
يثبت دليل على منعه لثبوت ذلك بكثير من الروايات.
(٣) سواء غسل سائر بدنه أم لا .
(٤) أي لا يزيده إلا شعثاً.
(٥) قوله: إلا شعثاً، قيل فيه إن الشعث - محرّكة - انتشار الشعر وتفرُّقه
وتغيُّره كما ينتشر رأس السواك. ولا شك أن بالماء يحصل الاجتماع والالتئام.
انتهى. وفيه نظر، فإن مجرد غسل الرأس دون أن يُنقيّه ويصفيه بالخِطمي أو غير =
(١) قال ابن رشد: اتفقوا على منع غسل رأسه بالخطمي، وقال مالك وأبو حنيفة: إن فعل ذلك
افتدى، وقال أبو ثور وغيره: لا شيء عليه. بداية المجتهد ٤٠٣/١.
وقال العيني: إن غسل رأسه بالخطمي والسدر فإن الفقهاء يكرهونه، وهو قول مالك
وأبو حنيفة والشافعي وأوجب مالك وأبو حنيفة عليه الفدية، وقال الشافعي وأبو ثور: لا شيء
عليه. وفي شرح الوجيز: لا يكره الخطمي والسدر، وفي القديم يُكره ولكن لا فدية عليه.
وبه قال أحمد. انظر: أوجز المسالك ١٧٤/٦ .
٢٩٩

وهو قول (١) أبي حنيفة والعامة من فقهائنا.
٤٢٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا حميد بن قيس المكي، عن
عطاء(٢) بن أبي رَباح (٣)، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال
ليعلى بن مُنِيَّة (٤) وهو يصبّ(٥) على عمر ماءً وعمر يغتسل(٦):
اصْبُتْ(٧) على رأسي، قال له يعلى:
= ذلك يدخل الغبار في أصول الشعر وينتشر بعد الجفاف كانتشار أطراف السواك، بل
أَزْيَد لفقدان التدهين. فلم يزده الماء إلا شعثاً.
(١) قوله: وهو قول أبي حنيفة، وبه قال مالك والشافعي، وعن ابن عباس
قال: يدخل المحرم الحمام، ذكره البخاري تعليقاً ووصله البيهقي والدارقطني من
طريق أيوب عن عكرمة عنه قال: يدخل المحرم الحمام، وينزع رأسه، وإذا انكسر
ظفره طرحه ويقول: أميطوا عنكم الأذى فإن الله لا يصنع بأوساخكم شيئاً. وحكى
ابن أبي شيبة كراهةَ ذلك عن الحسن وعطاء. وهذا كلّه في مجرد الغسل، وأما
غسله بالخِطمي وغيره. فإن الفقهاء يكرهونه. وأوجب مالك والشافعي الفدية عليه،
ورخص عطاء ومجاهد لمن لبّد رأسه ذلك، كذا في ((عمدة القاري بشرح صحيح
البخاري)).
(٢) هو فقيه ثقة فاضل لكنه كثير الإِرسال، مات سنة ١١٤، كذا ذكره
الزرقاني .
(٣) بالفتح اسمه أسلم.
(٤) هي أمّه، واسم أبيه أمية بن أبي عبيدة بن همام وهو صحابي، مات
سنة بضع وأربعين، قاله الزرقاني .
(٥) أي حال اغتساله.
(٦) أي في حال إحرامه .
(٧) مقولة عمر.
٣٠٠

أتريد(١) أن تجعلها(٢) فيَّ؟ إن أمرتني صببتُ، قال: اصْبُبْ. فلم يَزد(٣)
الماء إلاّ شعثاً (٤).
۔
قال محمد: لا نرى بهذا بأساً، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله
والعامّة من فقهائنا رحمهم الله تعالى .
١٦ - (باب ما يُكره للمحرم أن يلبس من الثياب)
٤٢١ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر (٥): أن
رجلاً (٦) سأل رسولَ الله وَّلِ ماذا يَلْبَسُ (٧) المحرمُ من الثياب؟ فقال:
لا يَلْبَسُ (٨)
(١) قوله: أتريد أن تجعلها فيَّ، قال ابن وهب: معناه إنما أفعله طوعاً لك
لفضلك وأمانتك، ولا رأي لي فيه، وقال أبو عمر: أي الفدية إن مات شيء من
دواب رأسك أو زال شيء من الشعر لزمتني الفدية فإن أمرتني كانت عليك.
(٢) أي هذه الخصلة.
(٣) في نسخة: فلن يزيده.
(٤) فلا ينافي ما ورد من أن الحاجّ أشعث.
(٥) قال القاري: هذا الحديث أخرجه الأئمة الستة.
(٦) قال الحافظ: لم أقف على اسمه في شيء من الطرق.
(٧) قوله: ماذا يلبس المحرم؟، وعند البخاري: ما نلبس من الثياب إذا
أحرمنا؟ وعند البيهقي: نادى رجلٌ رسولَ اللهِوَ لّ وهو يخطب بذلك المكان. وأشار
نافع إلى مقدَّم المسجد أي مسجد المدينة. وللبخاري ومسلم عن ابن عباس:
أنه وَل خطب بذلك في عرفات لكن ليس فيه أنه أجاب به السائل فهو محمول على
تعدُّده.
(٨) قوله: لا يلبس، بالرفع خبر عن الحكم الشرعي، أو بمعنى النهي، =
٣٠١