النص المفهرس

صفحات 241-260

الحمدَ (١) والنعمةَ(٢) لك والملك(٣) لا شريك لك (٤)، قال(٥): وكان
عبد الله بن عمر يزيد فيها لَبَّيْكَ لبيك لبيك وسعديك(٦) والخير
بيديك(٧) والرغباء(٧)
= الأخرى. أو كرره باعتبار الحالين المختلفين من الغنى والفقر والنفع والضرر والخير
والشر، أو إشارةً إلى وقوع أحدهما في عالم الأرواح والآخر في عالم الأشباح.
(١) قوله: إنَّ، رُوي بكسر الهمزة، وهو الأكثر والأشهر، وبفتحها على أن
((إنّ)) للتعليل.
(٢) أي المنحة مختصة بكرمك وُجُودك. قوله: والنعمة، المشهور فيه
النصب، وجوّز القاضي عياض الرفع على الابتداء. والخبر محذوف، قال
ابن الأنباري: وإنْ شئتَ جعلتَ خبر إنّ محذوفاً، تقديره إن الحمد لك والنعمة
مستقرّةٌ لك، كذا في ((ضياء الساري)) شرح ((صحيح البخاري)).
(٣) قوله: والملك، بالنصب أيضاً على المشهور، ويجوز الرفع، قال
ابن المنير: قرن الحمد والنعمة، وأفرد المُلك، لأن الحمد متعلَّق بالنعمة، ولهذا
يقال: الحمد لله على نعمه، والملك مستقل.
(٤) كرّره للتأکید.
(٥) أي نافع.
(٦) أي مساعدة لطاعتك بعد مساعدة.
(٧) في نسخة: بيديك لبيك. قوله: بيديك، أي بتصرفك في الدنيا
والأخرى. والاكتفاء بالخير مع أن الخير والشر كلاهما بيديه تأدّباً في نسبة الشر إليه
أو لأن کل شر لا یکون خالیاً عن خیر.
(٨) قوله: والرغباء، قال المأزري: يُروى بفتح الراء والمدّ، وبضم الراء مع
القصر. قال عياض: وحكى أبو علي فيه أيضاً الفتح مع القصر، ومعناه الطلب
والمسألة إلى الله.
٢٤٢

إليك والعمل (١).
قال محمد: وبهذا نأخذ، التلبية (٢) هي التلبية الأولى التي رُوي
عن النبي وَل﴿، وما زدتَ(٣) فحسنٌ (٤)،
(١) أي العمل لك خالصة.
(٢) أي المسنونة.
(٣) قوله: وما زدت، إشارة إلى أنه لا ينقص من التلبية المذكورة المأثورة
عن النبي وَّر، وبه صرّح كثير من أصحابنا المتأخرين، وعلَّلوه بأنه لم يُروَ عن
النبي صل النقص منه، لكن يخدشه ما في صحيح البخاري ومسند أبي داود
الطيالسي عن عائشة قالت: إني لأعلم كيف كان رسول الله يلبي، لبيك اللهم لبيك
لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك.
(٤) قوله: فحسن، فيه إشارة إلى أن تحديد التلبية المأثورة ليس بتحديد
إلزاميٍّ لا يجوز الزيادة عليه، ولذا ثبت عن جماعة الزيادة، فمنهم ابن عمر كما
أخرجه مالك، ومن طريقه الشافعي، وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي،
ومنهم عمر كما في صحيح مسلم من طريق الزهري عن سالم عن أبيه سمعت
رسول الله يُهلّ ملبياً يقول: لبيك، الحديث، قال: وكان عمر يهلّ بهذا، ويزيد:
لبيك اللَّهم لبيك وسعديك، والخير في يديك والرغباء إليك والعمل. وأخرج
ابن أبي شيبة من طريق المسور: كانت تلبية عمر فذكر مثل المرفوع وزاد: لبيك
مرغوباً ومرهوباً إليك ذا النعماء والفضل الحسن. وأخرج سعيد بن منصور في سننه
عن الأسود بن يزيد أنه كان يزيد في التلبية: لبيك غفّارَ الذنوب. بل قد ثبت الزيادة
على التلبية المذكورة من النبي وَله وتقريره عليها، فأخرج النسائي وابن ماجه
وصححه ابن حبان والحاكم من حديث أبي هريرة: كان من تلبية رسول الله ول#
لبيك إله الحقّ لبيك. وأخرجه الحافظ ابن حجر العسقلاني في ((نتائج الأفكار في
تخريج أحاديث الأذكار)) وقال: هو حديث صحيح أخرجه ابن خزيمة والحاكم =
٢٤٣

وهو قول (١) أبي حنيفة والعامّة من فقهائنا.
٤ - (باب متى تُقْطع (٢) التلبية)
٣٨٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا محمد (٣) بن أبي بكر الثقفي،
أنه أخبره أنه سأل أنس بن مالك وهما غاديانٍ(٤) إلى عَرَفَة: كيف كنتم
= وابن حبان، وأخرج الحافظ أيضاً عن جابر: أهلّ رسول الله وٍَّ لبيك اللَّهم لبيك.
فذكرها، قال: والناس يزيدون لبيك ذا المعارج ونحوه من الكلام والنبي يسمع
فلا يردّ عليهم شيئاً، وقال: هذا حديث صحيح أخرجه أبو داود وأصله في مسلم
في حديث جابر الطويل.
(١) قوله: وهو قول أبي حنيفة، وبه قال الثَّوْري والأوزاعي حكاه الطحاوي
وذكر في ((فتح الباري)) و((ضياء الساري)) وغيرهما أنَّ ابن عبد البرّ حكى عن مالك
الكراهة وحكى أهل العراق عن الشافعي يعني في القديم نحوه. وغلطوا، بل لا يكره
عنده ولا يُستحب، وحكى البيهقي في ((المعرفة)) عن الشافعي: لا ضيق على أحد
في قول ما جاء عن ابن عمر غير أن الاختيار عندي أن يُفرد ما رُوي عن النبي ◌ِّ،
قال ابن حجر: هذا أعدل الوجوه، واحتجّ من كره بما رُوي عن سعد بن أبي
وقّاص أنه سمع رجلاً يقول: لبيك ذا المعارج، فقال: إنه لذو المعارج. ولكنا كنا
مع رسول الله لا نقول كذلك أخرجه الطحاوي واختار عدمَ الزيادة وقد مرَّ ما يعارضه
من حديث جابر.
(٢) أي ينتهي بأن لا يُلبي بعده في الحج والعمرة.
(٣) الحجازي، الثقة، وليس له عن أنس ولا غيره سوى هذا الحديث
الواحد، ذكره الزرقاني .
(٤) أي ذاهبان .
٢٤٤

تصنعون (١) مع رسول الله -8﴿ في هذا اليوم؟ قال: كان يُهِلّ (٢) المُهِلّ،
فلا يُنْكَرُ عليه (٣) ويكبّر (٤) المكبّر فلا ينكر عليه .
٣٨٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن عبد الله بن عمر
قال: کلُّ ذلك(٥) قد رأيتُ الناس (٦) يفعلونه، فأما نحن فنكبِّر.
قال محمد: بذلك (٧) نأخذ على أن التلبية هي الواجبة (٨) في
ذلك اليوم إلا أن التكبير (٩) لا يُنكر على حالٍ من الحالات والتلبية
لا ينبغي أن تكون إلا في موضعها(١٠).
(١) أي من جهة التلبية وغيرها من الأذكار.
(٢) أي يلِّي الملّي.
(٣) وفي رواية موسى بن عقبة: لا يَعيب أحدنا صاحبه. وفي مسلم عن
ابن عمر: غدونا مع رسول الله صل﴿ من منى إلى عرفات منّا الملّي، ومنّ المكبّر.
(٤) قوله: ويكبّر المكبّر ... إلى آخره، قال الشيخ وليّ الدين: ظاهر كلام
الخطابي أن العلماء أجمعوا على ترك العمل بهذا الحديث، وأن السنّة في الغدوّ من
منى إلى عرفات التلبية فقط. وحكى المنذري أن بعض العلماء أخذ بظاهره، لكنه
لا يدل على فضل التكبير على التلبية بل على جوازها (١).
(٥) أي ما ذكر من التكبير والتلبية .
(٦) أي الصحابة .
(٧) أي بما سبق من استحباب التلبية بعرفات.
(٨) أي الثابتة .
(٩) ونحوه من الأذكار.
(١٠) أي في محل التلبية وهو الإِحرام.
(١) قال العيني: التكبير المذكور نوع من الذكر أدخله الملِّي في خلال التلبية من غير ترك =
٢٤٥

٣٨٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع: أن عبد الله بن عمر كان
يَدَعُ(١) التلبية(٢) إذا انتهى إلى الحرم حتى يطوف بالبيت والصفا(٣)
والمروة، ثم يلِّي حتى يغدو(٤) من منى إلى عَرَفة، فإذا غدا(٥) ترك
التلبية(٦).
٣٨٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم، عن
أبيه : أن عائشة(٧).
(١) أي يترك في إحرام الحج.
(٢) في نسخة: في الحج التلبية.
(٣) أي ويسعى بينهما.
(٤) أي يذهب غَداً.
(٥) أي ذهب.
(٦) زاد يحيى: وكان يترك التلبية في العمرة إذا دخل الحَرَم.
(٧) قوله: أن عائشة ... إلى آخره، مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه أنَّ
علياً كان يلبّي في الحج حتى إذا زاغت (زالت) الشمس من يوم عرفة قطع التلبية،
قال مالك: وذلك (أي فعل عليّ) الأمر الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا (المدينة
النبوية). وقاله ابن عمر وعائشة وجماعة(١). وقال الجمهور: يلِّ حتى يرمي جمرة
العقبة لما في الصحيحين عن الفضل بن عباس أن النبي (18 لم يزل يلبّي حتى بلغ
الجمرة. ثم اختلفوا فقال أصحاب الرأي وسفيان الثوري والشافعي: يقطعها مع
أول حصاة لظاهر قوله: حتى بلغ الجمرة، وقال أحمد وإسحاق يلِّي إلى فراغ رميها
لرواية أبي داود حديث الفضل: لَّى حتى رمى جمرة العقبة، كذا في ((شرح
الزرقاني)).
=
للتلبية لأن المرويّ عن الشارع أنه لم يقطع التلبية حتى رمى جمرة العقبة. انظر: أوجز
المسالك ٢٧٣/٦ .
(١) هو قول الأوزاعي والليث. لا مع الدراري ١٤٦/٥.
٢٤٦

كانت تترك التلبية إذا راحت إلى الموقف (١).
٣٩٠ - أخبرنا مالك، حدثنا علقمة بن أبي علقمة، أن أمّه (٢)
أخبرته: أن عائشة كانت تنزل بعرفة بنَمِرة (٣)، ثم تحوّلتْ (٤) فنزلت في
الأراك(٥)، فكانت عائشة تُهِلّ (٦) ما كانت في منزلها(٧) ومن كان معها فإذا
ركبتْ وتوجّهتْ إلى الموقف(٨) تركتْ الإِهلال(٩)، وكانت تقيم بمكة
بعد الحج (١٠). فإذا كان قبل هلال المحرم خرجت حتى تأتي
الجحفة(١١)، فتقیم بها حتی تری الهلال(١٢)،
(١) بعرفة بعد الزوال.
(٢) مرجانة مولاة عائشة مقبولة الرواية.
(٣) قوله: بنمرة، أي بموضع يقال له نَمِرة - بفتح النون وكسر الميم -
وكان ذلك عملاً بالسنَّة حيث كان عليه السلام يضرب له خيمة بها، فينزل قبل زمان
الوقوف فیھا.
(٤) لأجل دفع المزاحمة .
(٥) موضع بعرفة قرب نمرة.
(٦) أي تلِّي بلا رفع صوت.
(٧) الموضع الذي نزلت فيه.
(٨) بعرفة .
(٩) التلبية .
(١٠) أي بعد فراغها منه.
(١١) خروجها إلى الجحفة لفضل الإِحرام من الميقات والإِحرام من التنعيم
إنما هو رخصة، والميقات أفضل، قاله أبو عبد الملك.
(١٢) أي هلال المحرم.
٢٤٧

فإذا رأت الهلال أهلّت(١) بالعمرة.
قال محمد: من أحرم (٢) بالحجّ أو قَرَن (٣) لبّى (٤) حتى يرمي
(١) قوله: أهلَّت بالعمرة، أي ليكون عمرتها آفاقية فإنها أفضل من أن تكون
مكية لا سيما والعمرة المكية لا تصح عند طائفة .
(٢) أي مفرداً.
(٣) أي جمع بين الحج والعمرة.
(٤) قوله: لَّى حتى يرمي الجمرة ... إلى آخره، أصله ما ورد في
البخاري وغيره من رواية الفضل: لم يزل النبي ول# يلِي حتى رمى جمرة العقبة.
وروى ابن المنذر قال ابن حجر في ((الفتح)): إسناده صحيح عن ابن عباس أنه كان
يقول: التلبية شعار الحج، فإذا كنت حاجّاً فلبِّ حتى بدء حلِّك، وبدء حلِّك أن
ترمي الجمرة. وأخرج الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) عن عكرمة، قال: وقفت
مع الحسين بن علي فكان يلِّي حتى رمى جمرة العقبة، فقلت: يا أبا عبد الله
ما هذا؟ فقال: كان أبي يفعل ذلك وأخبرني أبي أن رسول الله * كان يفعل
ذلك، قال: فرحت إلى ابن عباس فأخبرته، فقال: صدق، أخبرني الفضل أخي أن
رسول الله لبَّى حتى رمى، وكان رديفَه. ثم أخرج حديث الفضل المذكور بطرق،
ثم أخرج أن عبد الله يعني ابن مسعود كان يلِّي حتى رمي جمرة العقبة ولم يسمع
الناس يلبّون عشيّة عرفة، فقال: أيها الناس أنسيتم؟ والذي نفسي بيده لقد رأيتُ
رسول الله يلِّي حتى رمى جمرة العقبة. ثم أخرج من طريق آخر عن عبد الرحمن
ابن يزيد: حَججتُ مع عبد الله، فلمّا أفاض إلى جمع جعل يلِّي، فقال رجل
أعرابي: هذا؟ فقال عبد الله: أنسي الناس أم ضّوا؟ ثم أخرج بطريق آخر: أن
عبد الله لبّى وهو متوجّه إلى عرفات، فقال أناس: من هذا الأعرابي؟ فقال: أضلّ
الناس أم نسُوا؟ واللهِ ما زال رسول الله يلِّي حتى رمي جمرة العقبة إلا أن يخلط =
٢٤٨

الجمرة بأول (١) حصاة رمي يوم النحر، فعند ذلك (٢) يقطع التلبية.
ذلك بتهليل وتكبير. ثم أخرج عن ابن عباس: كان أسامة بن زيد رِدْف
رسول الله ◌َ﴾ من عرفة إلى المزدلفة. ثم أردف الفضل من مزدلفة إلى منى،
فكلاهما قالا: لم يزل رسول الله ◌َلا يلبي حتى يرمي جمرة العقبة. ثم أخرج عن
عبد الرحمن بن الأسود قال: حججتُ مع الأسود، فلمّا كان يوم عرفة وخطب
ابن الزبير بعرفة، فلما لم يسمعه يلِّي صعد إليه الأسود، فقال: ما يمنعك أن
تلبِّي؟ قال: ويلِّي الرجل إذا كان في مثل مقامي؟ قال الأسود: نعم، سمعتُ
عمر بن الخطاب يلِّي في مثل مقامك، فلبِّى ابن الزبير. ثم قال الطحاوي: ففي
هذه الآثار أن عمر كان يلبِّي بعرفة وهو على المنبر وأن عبد الله بن الزبير فعل
ذلك، وبعده ابن مسعود. فثبت بفعل من ذكرنا لموافقتهم رسول الله وَاليوم أنه لا يقطع
التلبية حتى يرمي جمرة العقبة، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد. انتهى.
(١) روى البيهقي من حديث الفضل: فلم يزل رسول الله صلهم يلِّي حتى
رمي جمرة العقبة وكَبَّر مع كل حصاة. قال البيهقي : تكبيره مع أول كل حصاة دليل
على قطع التلبية بأول حصاة. انتهى.
(٢) قوله: فعند ذلك يقطع التلبية، به قال الشافعي والثوري وأحمد وإسحاق
وأتباعهم إلا أن بعض الشافعية قالوا: يقطعها بعد تمام الرمي، لما روى ابن خزيمة
عن الفضل قالت: أفضتُ مع النبي وَل﴿ من عرفات، فلم يزل يلِّ حتى رمى
جمرة العقبة، فكبّر مع كل حصاة، ثم قطع التلبية مع آخرها حصاة، قال
ابن خزيمة: هذا حديث صحيح مفسِّر لما أبهم في الروايات الأخرى، كذا في
((فتح الباري)) وفيه أيضاً قالت طائفة: يقطعها المحرم إذا دخل الحرم وهو مذهب
ابن عمر لكن كان يعاود التلبية إذا خرج من مكة إلى عرفة، وقالت طائفة يقطعها إذا
راح إلى الموقف، وهو مروي عن عائشة وسعد بن أبي وقاص وعليّ بأسانيد
صحيحة. وبه قال مالك، وقيّده بزوال الشمس يوم عرفة، وهو قول الأوزاعي
والليث. وأشار الطحاوي إلى أنّ كلّ من رُوي عنه ترك التلبية من يوم عرفة محمول :
٢٤٩

ومن أحرم بعمرة مفردة لبّى حتى يستلم (١) الركن للطواف، بذلك
جاءت الآثار عن ابن عباس وغيره وهو قول أبي حنيفة والعامّة من
فقهائنا .
٥ - (باب رفع (٢) الصوت بالتلبية)
٣٩١ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبد الله بن أبي بكر(٣)، أن
عبد الملك (٤) بن أبي بكر بن الحارث بن هشام أخبره، أن
خلّاد(٥) بن السائب الأنصاري .
= على أنه تركها للاشتغال بغيرها من الذكر، لا على أنها لا تُشرع، وجمع بذلك بين
ما اختلف من الآثار.
(١) قوله: حتى يستلم الركن للطواف، هو المرويّ عن ابن عباس كما
أخرجه البيهقي وابن أبي شيبة من طريق عبد الملك بن أبي سليمان: سُئل عطاء
متى يقطع المعتمر التلبية؟ فقال: قال ابن عمر: إذا دخل الحرم. وقال ابن عباس:
حين يمسح الحجر. واختلفت الرواية فيه عن ابن عمر فقال عطاء: إنه قال: إذا
دخل الحَرَم. ويوافقه ما أخرجه مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقطع التلبية
في العمرة إذا دخل الحرم، وأخرج أيضاً عن ابن شهاب: كان عبد الله بن عمر
لا يلِّي وهو يطوف بالبيت. ويخالفه ما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق ابن سيرين:
کان ابن عمر إذا طاف لِّی.
(٢) أي للرجال دون النساء، فإن صوتهن عورة إلّ أن يكون ضرورة.
(٣) ابن محمد بن عمرو بن حزم.
(٤) قوله: عبد الملك، هو عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن
الحارث بن هشام المخزومي المدني، ثقة، مات في خلافة هشام. كذا في
(«تقريب التهذيب)).
(٥) التابعي الثقة، ووهم من زعم أنه صحابيّ، كذا ذكره الزرقاني.
٢٥٠

ثم من بني الحارث (١) بن الخزرج أخبره، أن أباه (٢) أخبره (٣)، أن رسول
الله ◌َل﴾ قال: أتاني جبرئيل عليه السلام فأمرني (٤) أن آمر أصحابي أو
مَن معي (٥) أن يرفعوا أصواتهم بالإِهلال بالتلبية (٦).
(١) قبيلة من الأنصار.
(٢) هو السائب بن خلاد بن سويد المدني، له صحبة، وعمل على اليمن،
مات سنة ٧١هـ ، كذا ذكره الزرقاني.
(٣) قوله: أخبره، قال الزرقاني: هذا الحديث رواه أبو داود عن القعنبي،
عن مالك به، وتابعه ابن جريج - كما أفاده المِزّي ـ وسفيان بن عيينة، عن
عبد الله بن أبي بكر بنحوه عند الترمذي والنسائي وابن ماجه، وصححه الترمذي
وابن خزيمة والحاكم وابن حبان ورجاله ثقات وإن اختلف على التابعي في
صحابيه، فقيل أبوه كما ههنا، وقيل زيد بن خالد، وقيل عن خلاد عن أبيه، عن
زيد بن خالد، وقال ابن عبد البر: هذا حديث اختلف في إسناده اختلافاً كثيراً
وأرجو أنَّ رواية مالك أصح.
(٤) أمر ندب(١) عند الجمهور ووجوب عند الظاهرية .
:
(٥) قوله: أو من معي، قال الزرقاني: بالشك - في رواية يحيى والشافعي
وغيرهما _ من الراوي إشارةً إلى أن المصطفى قال أحد اللفظين، وتجويز ابن الأثير
أن الشك من النبي وَل# لأنه نوع سهو ولا يعصم عنه ركيك متعسف. وفي رواية
القعنبي: ومن معي، قال الولي العراقي: إنه زيادة إيضاح وبيان، ويحتمل أن يريد
بأصحابه الملازمين له المقيمين معه في بلده وبمن معه غيرهم ممن قدم یحج معه.
(٦) عطف بيان أو المعنى في الإِحرام بها.
(١) قال ابن رشد: أوجب أهل الظاهر رفع الصوت بالتلبية، وهو مستحب عند الجمهور وأجمع
أهل العلم على أن تلبية المرأة فيما حكاه أبو عمر هو أن تُسمع نفسها بالقول. ((بداية
المجتهد» ٣٦٤/١.
٢٥١

قال محمد: وبهذا نأخذ، رفع الصوت بالتلبية(١) أفضل. وهو
قول أبي حنيفة والعامَّة من فقهائنا.
٦ - (باب القِرَان (٢) بين الحج والعمرة)
٣٩٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا محمد(٣) بن عبد الرحمن بن
نوفل الأسدي، أنَّ(٤) سليمان بن يسار أخبره: أنَّ رسولَ الله وَِّ عام
حجَّةٍ(٥) الوداع کان مِن أصحابه(٦) من أهَلّ(٧) بحجّ ،
(١) من إخفاضه. قوله: أفضل، وعليه كان عمل الصحابة فأخرج البخاري
عن أنس: صلّى النبي ◌َّ بالمدينة الظهر أربعاً والعصر بذي الحُلَيفة ركعتين،
وسمعتهم يصرخون بهما، أي بالحج والعمرة جميعاً. وأخرج ابن أبي شيبة - قال
ابن حجر: إسناده صحيح - عن بكر بن عبد الله المزني: كنت مع عبد الله بن عمر
فلبّى حتى أسمع ما بين الجبلين. وأخرج أيضاً بإسناد صحيح عن المطلب بن
عبد الله قال: كان أصحاب رسول الله وَلقه يرفعون أصواتهم بالتلبية حتى تتجّ
أصواتهم. وفي الباب أخبار كثيرة وآثار شهيرة.
(٢) قوله: القران، بكسر أي الجمع بين النَّسُكين في سفر واحد، وهو
أفضل عندنا، وقال مالك والشافعي: الإِفراد أفضل، وقال أحمد: التمتّع أفضل.
وسیأتي تفصيله.
(٣) هو أبو الأسود، ثقة، علامة بالمغازي، مات سنة بضع وثلاثين ومائة،
قاله الزرقاني .
(٤) أرسله سليمان ووصله أبو الأسود عن عروة، عن عائشة.
(٥) سنة عشر من الهجرة.
(٦) وهم أكثرهم.
(٧) أي أحرم، من الإِهلال وهو رفع الصوت بالتلبية.
٢٥٢

ومن (١) أَهَلَّ بعمرة، ومنهم من جمع بين الحجِّ والعمرة، فحلَّ(٢) من
كان أهلَّ بالعمرة، وأما من كان أهلَّ بالحج أو جمع بين الحج
والعمرةفلم يحلّوا(٣).
قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة والعامة .
٣٩٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن عبد الله بن عمر
(١) قوله: ومن أهلَّ بعمرة، لا يخالف هذا رواية الأسود في الصحيحين
عن عائشة: خرجنا مع رسول الله وَ لّه لا نرى إلَّ الحج. وللبخاري من وجه آخر عن
أبي الأسود عن عروة عنها: مُهِلَّين بالحج ولمسلم عن القاسم، عنها: لا نذكر إلاّ
الحج. وله أيضاً: ملبِّين بالحج، لأنه يُحمل على أنها ذكرت ما كانوا يعهدونه في
ترك الاعتمار في أشهر الحج، فخرجوا لا يعرفون إلّ الحج، ثم بيَّن لهم النبي ◌َّ
وجوه الإِحرام، وجَوَّز لهم الاعتمار في أشهر الحج، قاله الزرقاني .
(٢) قوله: فحلَّ من كان أهلَّ بالعمرة، لمّا طافوا وسعوا وحلقوا أو قصر من
لم يسق هدياً بإجماع، ومن ساقه عند مالك والشافعي وجماعة قياساً على من
لم يسقه، وقال أبو حنيفة وأحمد وجماعة: لا يحل من عمرته حتى ينحر هديه يوم
النحر، لما في مسلم عن عائشة مرفوعاً: من أحرم بعمرة ولم يهدِ فليتحلَّل، ومن
أحرم بعمرة وأهدى فلا يحل حتى ينحر هديه، ومن أهلّ بحج فليتم حجه. وهو
ظاهر في ما قالوه، وأُجيب بأن هذه الرواية مختصرة من الرواية الأخرى الآتية في
((الموطأ)) والصحيحين عن عائشة مرفوعاً: من كان معه هدي فليهلل بالحج مع
العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعاً، فهذه مفسرة للمحذوف، ذكره
الزرقاني .
(٣) أي لم يخرجوا من الإِحرام إلاّ بعد أن حلقوا بمنى في غير الجماع وبعد
أن طافوا، في سائر المحظورات.
٢٥٣

خرج (١) في الفتنة(٢) معتمراً، وقال(٣): إنْ صُددتُ(٤) عن البيت
صنعنا(٥) كما صنعنا(٦) مع رسول الله وَلقر(٧): قال(٨): فخرج (٩)
فأهلَّ (١٠) بالعمرة وسار، حتى إذا ظهر (١١) على ظهر البيداء التفت إلى
(١) من المدينة .
(٢) قوله: في الفتنة، حين نزل الحجاج لقتال ابن الزبير كما في الصحيحين
من وجه آخر. وذكر أصحاب الأخبار أنه لما مات معاوية بن يزيد بن معاوية
ولم يستخلف بقي الناس بلا خليفة شهرين، فأجمعوا، فبايعوا عبد الله بن الزبير،
وتمَّ له ملك الحجاز والعراق وخراسان، وبايع أهل الشام ومصر مروانَ بن الحَكَم
فلم يزل الأمر كذلك حتى مات مروان، وولي ابنه عبد الملك فمنع الناسُ الحجّ
خوفاً من أن يبايعوا ابن الزبير، ثم بعث جيشاً أمَّر عليه الحجّاج، فقاتل أهل مكة
وحاصرهم حتى غلبهم، وقَتَل ابنَ الزبير وصَلَبه، وذلك سنة ثلاث وسبعين، كذا
ذكره الزرقاني .
(٣) قاله جواباً لقول ولديه عبيد الله وسالم: لا يضرك أن لا تحج العام، إنا
نخاف أن يحال بينك وبين البيت كما في الصحيحين.
(٤) أي مُنعت عن طوافه.
(٥) أي أنا ومن تبعني .
(٦) أي نحن الصحابة.
(٧) من التحلُّل حيث منعوه من دخول مكة بالحُذَيبية.
(٨) نافع.
(٩) ابن عمر.
(١٠) زاد في رواية جويرية: من ذي الحليفة.
(١١) أي صعد.
٢٥٤

أصحابه، وقال: ما أمرهما إلاّ واحد(١)، أُشْهِدُكم(٢) أني قد أوجبتُ(٣)
الحجَّ مع العمرة، فخرج حتى إذا جاء البيت طاف به، وطاف (٤) بين
الصفا والمروة سبعاً(٥) سبعاً لم يَزِدْ (٦) عليه،
(١) أي في الصد وعدمه والجمع أفضل فلا وجه لاقتصاري على العمرة
المفردة .
(٢) قوله: أشهدكم، لم يكتفِ بالنية ليعلم من اقتدى به أنه انتقل نظره
القِران لاستوائهما في حكم الحصر.
(٣) أي أدخلتُ عليها، وجمعتُ بينهما.
(٤) قوله: طاف به، طوافاً واحداً لقرانه بعد الوقوف بعرفة، وبه قال الأئمة
الثلاثة والجمهور، وقال أبو حنيفة والكوفيون: على القارن طوافان وسعيان. وأوَّلوا
قوله طوافاً واحداً على أنه طاف لكلٍّ منهما طوافاً يُشبه الطواف الآخر، ولا يخفى
ما فيه، ويردُّه قوله: ورأى ذلك مجزياً - بضم الميم وسكون الجيم وكسر الزاي
بلا همز - كافياً عنه، كذا ذكره الزرقاني.
(٥) قيد لكلِّ منهما أو للثاني وأطلقه الأول لظهور أمره.
(٦) قوله: لم يزد عليه، أي على الطواف الواحد والسعي الواحد، وفيه
حجة للأئمة الثلاثة القائلين بكفاية الطواف الواحد والسعي الواحد للقارن،
ويوافقهم حديث البخاري وغيره عن عائشة في بيان من حجَّ مع النبي وَّ: فطاف
الذين كانوا أهلّوا بالعمرة بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم حلّوا، ثم طافوا طوافاً
آخر بعد أن رجعوا من منى. وأما الذين جمعوا الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافاً
واحداً. وذكر العيني في ((شرحه)) أنه مذهب عطاء والحسن وطاوس. وقال مجاهد
وجابر بن زيد وشُرَيح القاضي والشَّعبي والنَّخَعي والأوزاعي وابن أبي ليلى =
٢٥٥

ورأى ذلك مُجْزياً(١) عنه وأهدى.
٣٩٤ - أخبرنا مالك، حدثنا صدقة بن يسار المكّي، قال:
= وغيرهم: لا بد للقارن من طوافين وسعيين، وحكى ذلك عن عليّ وعمر والحسن
والحسين وابن مسعود. انتهى ملخصاً. وأخرج الطحاوي مستدلاً لمذهب الحنفية
عن أبي نصر، قال: أهللتُ بالحجِّ، فأدركتُ عليّاً، فقلت له: إني أهللت بالحج،
أفأستطيع أن أضيف إليه عمرة؟ قال: لا، لو كنتَ أهللتَ بالعمرة، ثم أردتَ أن
تضمَّ إليها الحج ضممته، قلت: كيف أصنع إذا أردتُ ذلك؟ قال: تَصُبُّ عليك
إداوة من ماء، ثم تحرم بهما جميعاً، وتطوف لكل واحد منهما طوافاً. وأخرج عن
زياد بن مالك، عن علي وعبد الله قالا: القارن يطوف بطوافين ويسعى بسعيَيْن.
(١) قوله: مجزياً عنه، قال في ((إرشاد الساري)): فيه دليل على أن القارن
يجزيه طواف واحد(١). وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد والجمهور، وقال
أبو حنيفة في آخرين: عليه طوافان وسعيان، واستدل لذلك في ((فتح القدير)) بما
رواه النسائي في ((سننه الكبرى)) عن حماد بن عبد الرحمن الأنصاري، عن
إبراهيم بن محمد بن الحنفية قال: طُفت مع أبي وقد جمع الحج والعمرة فطاف
لهما طوافين، وسعى سعيين، وحدثني أن عليّاً فعل ذلك، وحدثه أن رسول الله وَلقول
فعل ذلك. قال العلامة ابن الهُمام: وحماد هذا وإن ضعَّفه الأزدي فقد ذكره
ابن حبان في ((الثقات)) فلا ينزل حديثه عن درجة الحسن مع أنه رُوي عن علي
(١) اعلم أن ما ورد من الروايات من قولهم: طاف لها طوافاً واحداً مؤوَّل إجماعاً، فإنه يَّ
طاف أولاً عن قدومه مكة كما في حديث جابر الطويل وغيره ثم طاف بعد رجوعه من منى
يوم النحر مع الاختلاف في الروايات في صلاته ومغر الظهر: أكانت بمكة أو بمنى؟ كما في
حديث جابر المذكور وغيره من عدة روايات. فلا يشك أحد فضلاً عن الأئمة من هذين
الطوافين، فلا بد من التأويل لكل واحد فيما ورد من لفظ ((طوافاً واحداً) فهم يقولون طاف
للفرض طوافاً واحداً والطواف الأول كان للقدوم، ونحن نقول طاف للحِلِّ من الإِحرامين
طوافاً واحداً، والطواف الأول كان للعمرة. الكوكب الدري ٢/ ١٥٠.
٢٥٦

سمعتُ عبد الله بن عمر ودخلنا(١) عليه قبلَ يوم التروية(٢) بيومين
أو ثلاثة، ودخل عليه الناس يسألونه(٣)، فدخل عليه رجل من أهل
اليمن ثائرَ(٤) الرأس، فقال: يا أبا عبد الرحمن (٥) إِني ضَفَّرتُ(٦)
رأسي، وأحرمتُ بعمرة مفردة، فماذا ترى(٧)؟ قال ابن عمر: لو كنتُ
معك حين أحرمتَ لأمرتُكَ (٨) أن تُهِلَّ بهما جميعاً، فإذا قدمتَ(٩)
◌ُفْتَ بالبيت(١٠) وبالصفا والمروة وكنتَ على إحرامك، لا تحلَّ من
شيء حتى تحلَّ (١١) منهما جميعاً يوم النحر، وتنحَرَ هَذْيَك(١٢). وقال
بطرق كثيرة مضعَّفة ترتقي إلى الحسن غير أنّا تركناه واقتصرنا على ما هو الحجة
بنفسه بلا ضمّ. انتهى .
(١) أي نحن جماعة من التابعين.
(٢) هو الثامن من ذي الحجة.
(٣) أي ما يتعلَّق بمناسك الحج.
(٤) أي متفرِّق شعر رأسه لفَقْد دهنه وعدم مشطه.
(٥) هو كنية ابن عمر.
(٦) روي بالتشديد والتخفيف أي جعلته ضفائر، كل ضفيرة على حدة.
(٧) أي من الحكم.
(٨) لأن القِران أفضل من التمتع وكذا من الإِفراد.
(٩) أي مكة بعد فرض إحرامك بهما.
(١٠) أي للعمرة.
(١١) بعد أن ترمي الجمرة.
(١٢) أي للقران.
٢٥٧

له(١) ابن عمر: خُذْ ما تطاير(٢) من شعرك، واهْدٍ(٣)، فقالت له
امرأة (٤) في البيت وما هَذْيُه(٥) يا أبا عبد الرحمن؟ قال: هَدْيُه(٦) ثلاثاً،
کل ذلك يقول(٧) هدیه، قال: ثم سكت ابن عمر، حتى إذا أردنا
الخروج قال: أما والله لو لم أجد (٨) إلَّ شاةً لكان أُرى أن أذبحها
أحبّ(٩) إليَّ من أن أصوم(١٠).
(١) وليحيى: فقال اليماني: قد كان ذلك، فقال ابن عمر: خذ ما تطاير من
رأسك واهدٍ.
(٢) أي ما تفرَّق.
(٣) أي اذبح يوم النحر للتمتع.
(٤) أي من أهل العراق، كما ليحيى.
(٥) أي الواجب عليه.
(٦) أي ما يُطلق عليه الهدي من بعير أو بقرة أو شاة.
(٧) أي في جوابها.
(٨) أجمل الهدي أولاً رجاء أنه يأخذ بالأفضل، فلما اضطَرَّ إلى الكلام
صرح.
(٩) قوله: أحب ... إلى آخره، هذا لا يخالف قوله: ﴿ما استيسر من
الهدي﴾ بَدَنة أو بقرة إما لأنه رجع عنه أو لأنه قُيِّد بعدم الوجود، فمن وجد البقرة
أو البدنة فهو أفضل، قال أبو عمر: وهذا أصح من رواية من روى عن ابن عمر:
الصيام أحب إليَّ من الشاة، لأنه معروف من مذهب ابن عمر تفضيل إراقة الدماء
في الحج على سائر الأعمال.
(١٠) أي بدله ثلاثة أيام في الحج وسبعة بعد الرجوع.
٢٥٨

قال محمد: وبهذا نأخذ، القران (١) أفضل، كما قال عبد الله بن
(١) قوله: القران ... إلى آخره، اختلفوا في أيُّها أفضل(١) بحسب
اختلافهم فيما فعله عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع، فمذهب الشافعية
والمالكية أنَّ الإِفراد أفضل بشرط أن يعتمر من عامه لأنه و ◌ّ اختاره أولاً، ولأن رواته
أخصُّ بِه ◌َ له في هذه الحجة فإن منهم جابر، وهو أحسنهم سياقاً لحجه وَلخير، ومنهم
ابن عمر، وقد قال: كنت تحت ناقته يمسني لُعابها أسمعه يلِّي بالحج، وعائشة
وقُربها منه واطِّلاعها على باطن أمره وعلانِيَتِه كله معروف مع فقهها، وابن عباس
وهو بالمحل المعروف من الفقه والفهم الثاقب، ورجَّحه الخطابي أيضاً بأن الخلفاء
الراشدين واظبوا عليه، قال: ولا يُظَنُّ بهم المواظبة على ترك الأفضل، وبأنه
لم يُنقل عن أحد منهم أنه كره الإِفراد وقد نقل عنهم كراهة التمتّع والقران، وبأن
الإِفراد لا يجب فيه دم بالإِجماع بخلاف التمتع والقران. انتهى. قال الحافظ: وهذا
ينبني على أن دم القران دم جُبران، وقد منعه من رجَّح القران، وقال: إنه دم
فضل وثواب كالأضحية، وقال عياض نحو ما قاله الخطابي، وزاد: وقد تضافرت
الروايات الصحيحة بأنه و # كان مفرداً، وأما رواية من روى أنه كان متمتعاً فمعناه
أنه أمر به لأنه صرح بقوله: ولولا أن معي الهدي لأحللتُ، فصحَّ أنه لم يتحلل.
وأما رواية من روى القران فهو إخبار عن آخر أحواله لأنه أدخل العمرة على الحج
لمّا جاء إلى الوادي أي وادي العقيق، وقيل له: قل عمرة في حجة. انتهى. قال
الحافظ: هذا الجمع هو المعتمد، وقد سبق إليه قديماً ابنُّ المنذر وبيَّنه ابن حزم في
حجة الوداع بياناً شافياً، ومهَّده المحبُّ الطبري تمهيداً بالغاً يطول ذكره، ومحصّله
أنَّ كلَّ من رَوى عنه الإِفراد حمل على ما أَهَلَّ به في أول الحال، وكل من روى =
(١) أي مع الاتفاق على جواز الكل، قال النووي: اختلف العلماء في هذه الأنواع الثلاثة أيها
أفضل، فقال الشافعي ومالك وكثيرون: أفضلها الإفراد ثم التمتّع ثم القِران. وقال أحمد
وآخرون: أفضلها التمتّع، وقال أبو حنيفة وآخرون: أفضلها القران. وهذان المذهبان قولان
آخران للشافعي. شرح مسلم للنووي ٣٠١/٣.
٢٥٩

= التمتع أراد ما أمر به أصحابه، وكلّ من روى عنه القِران أراد ما استقر عليه أمره، ثم
قال الحافظ: يترجَّح رواية من روى القِران بأمور، وذكر منها: أنه لم يقل عليه
السلام في شيء من الروايات أفردتُ ولا تمتعتُ، وقال: قرنت، وأيضاً فإنَّ من
روى القران لا يحتمل حديثه التأويل إلَّ بتأمُّل، بخلاف من روى عنه الإِفراد، فإنه
محمول على أول الحال. ومن روى عنه التمتع فإنه محمول على الاقتصار على
سفر واحد للنسكين، وأيضاً فإن رواية القران جاءت عن بضعة عشر صحابياً بأسانيد
جياد، بخلاف روايتي الإِفراد والتمتع، قال الحافظ: وهذا يقتضي رفع الشك عن
ذلك، ومقتضى ذلك أن القران أفضل من الإفراد والتمتع، وهو قول جماعة من
الصحابة والتابعين، وبه قال الثوري وأبو حنيفة وإسحاق بن راهويه، واختاره من
الشافعية المُزَني وابن المنذر وأبو إسحاق المَرْوزي، ومن المتأخرين تقيّ الدين
السُّبْكي، وذهب جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى أن التمتع أفضل
لكونه وَله تمنّه بقوله: لولا أني سقتُ الهدي لأحللت، ولا يتمنى إلَّ الأفضل وهو
قول أحمد في المشهور عنه، وأُجيب عنه بأنه إنما تمناه تطبيباً لقلوب أصحابه
لحزنهم على فوات موافقته، وإلاّ فالأفضل ما اختار الله له واستمرَّ عليه، وحكى
عياض عن بعض العلماء أن الصور الثلاثة في الفضل سواء، وهو مقتضى تصرُّف
ابن خزيمة في صحيحه، وعن أحمد: من ساق الهدي فالقران أفضل له ليوافق فعله
عليه السلام، ومن لم يسق الهدي فالتمتع أفضل له ليوافق ما تمنّاه، زاد بعض
أتباعه: ومن أراد أن يُنشىء لعمرته من بلده سفراً فالإِفراد أفضل له، وهذا أعدل
المذاهب وأشبهها بموافقة الأحاديث الصحيحة، كذا في ((فتح الباري)) و («ضياء
الساري)) وغيرهما من شروح صحيح البخاري، ولابن القيم في كتابه «زاد المعاد
في هَدْي خير العباد)) كلام نفيس طويل في ترجيح القران بنحو عشرين وجهاً
فليراجع إليه(١).
(١) زاد المعاد ١٧٧/١.
٢٦٠

عمر. فإذا كانت العمرة وقد حضر الحج (١)، فطاف لها وسعى،
فليُقَصِّرْ، ثم ليُخْرِمْ بالحج، فإذا كان يوم النحر حلق وشاة تجزئه، كما
قال عبد الله بن عمر، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا.
٣٩٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب: أن محمد(٢) بن
عبد الله بن نَوْفَل بن الحارث بن عبد المطلب حدثنا: أنه سَمِع
سعد بن أبي وقّاص والضحّاك بن قيس عام(٣) حجّ معاوية بن
أبي سفيان وهما يذكران التمتّع (٤) بالعمرة إلى الحج، فقال
الضحّاك بن قيس: لا يصنع ذلك(٥) إلّ من جَهِل (٦) أمرَ الله تعالى،
فقال سعد بن أبي وقاص: بئس ما قلت، قد صنعها(٧)
(١) أي أشهره بأن وقع طوافه فيه أو أكثره.
(٢) الهاشمي المدني مقبول، قاله الزرقاني.
(٣) قوله: عام حج، كان أول حجة حجها بعد الخلافة سنة أربع وأربعين،
وآخر حجة حجها سنة سبع وخمسين، ذكره ابن جرير. والمراد ههنا الأولى لأن
سعداً مات سنة خمس وخمسين على الصحيح، كذا ذكره الزرقاني.
(٤) في نسخة: المتعة.
(٥) أي التمتّع.
(٦) قوله: إلَّا من جهل أمر الله، أي لأنه تعالى قال: ﴿وَأَتِّمُوا الْحَجِّ
وَالْعُمْرَةَ الله﴾(١) فَأَمْرِه بالإِتمام يقتضي استمرار الإِحرام إلى فراغ الحج، ومنع
التحلل، والمتمتِّع يتحلَّل.
(٧) أي المتعة اللغوية، وهي الجمع بين الحج والعمرة، وحُكم القِران =
(١) سورة البقرة: الآية ١٩٦.
٢٦١