النص المفهرس
صفحات 181-200
مُخبر(١). قال محمد: وبهذا نأخذ، من أصبح جنباً من جماع من غير احتلام(٢) في شهر رمضان، ثم اغتسل بعدما طلع الفجر فلا بأس أعلم بمثل هذا من غيرهما، ولأنه موافق للقرآن، فإن الله تعالى أباح الأكل والمباشرة إلى طلوع الفجر، ومعلوم أنه إذا جاز الجماع إلى طلوع الفجر لزم منه أن يصبح جُنُباً، ويصح صومه، وإذا دلّ القرآن وفعل الرسول بيَّر على جواز الصوم لمن أصبح جنباً وجب الجواب عن حديث أبي هريرة، عن الفضل، عن النبي *، وجوابه من ثلاثة أوجه، أحدها: أنه إرشاد إلى الأفضل، فالأفضل أن يغتسل قبل الفجر، ولو خالف جاز، وهذا مذهب أصحابنا وجوابهم عن الحديث، فإن قيل: كيف يقولون: الاغتسال قبل الفجر أفضل وقد ثبت عن النبي وَل خلافه؟ فالجواب أنه فعله لبيان الجواز، ويكون في حقه حينئذٍ أفضل لأنه يتضمَّن البيان للناس، وهذا كما أنه توضأ مرَّة مرَّة، في بعض الأوقات بياناً للجواز، ومعلوم أن الثلاث أفضل. والجواب الثاني: أنه لعله محمول على من أدركه الفجر مجامعاً فاستدام بعد طلوع الفجر عالماً فإنه يفطر. والثالث: جواب ابن المنذر في ما رواه البيهقي عنه أن حديث أبي هريرة منسوخ، وأنه كان في أول الأمر حينما كان الجماع محرَّماً في الليل بعد النوم كما كان الطعام والشراب محرَّماً، ثم نُسخ ولم يعلمه أبو هريرة، فكان يُفتي بما علمه حتى بلغه الناسخ، فرجع إليه، قال ابن المنذر: هذا أحسن ما سمعت فيه، كذا في ((شرح صحيح مسلم))(١) للنووي. (١) للنسائي: أخبرنيه أسامة بن زيد، وله أيضاً: أخبرنيه فلان وفلان، فيحتمل أنه سمعه من الفضل وأسامة فأرسل الحديث أولاً ثم أسنده لمّا سُئل عنه. (٢) قوله: من غير احتلام، إنما ذكره لأن الدليل الذي سيذكره إنما يدل عليه، لا لأن حكمه مخالف لما نحن فيه، بل حكم الاحتلام والجماع سواء، ويدل = (١) ١٦٥/٣، من طبعة دار الشعب. ١٨٢ بذلك، وكتاب الله تعالى يدل على ذلك، قال الله عزَّ وجلّ: ﴿أُحِلَّ لكم (١) ليلةَ الصيامِ الرَّفَتُ(٢) إلى نسائكم ،. = عليه قوله عليه الصلاة والسلام: ثلاث لا يفطّرن الصائم: الحجامة والقيء والاحتلام. أخرجه الترمذي والبيهقي في سننه وابن حبان في ((الضعفاء)) والدارقطني وابن عدي من حديث أبي سعيد الخدري، والبزار وابن عَدِيّ من حديث ابن عباس، والطبراني في ((الأوسط)) من حديث ثوبان. وفي أسانيده كلام يرتفع بكثرة الطرق، كما بسطه الحافظ ابن حجر في ((تخريج أحاديث الهداية)) وغيره. (١) قوله: أُحلَّ لكم، أخرج وكيع وعبد بن حميد والبخاري وأبو داود والترمذي وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه عن البراء قال: كان أصحاب النبي ◌َ ﴿ إذا كان الرجل صائماً فحضر الإفطار، فنام قبل أن يُفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وإنّ قيس بن صرمة الأنصاري كان صائماً وكان يعمل في أرضه، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال: هل عندك طعام؟ قالت: لا، ولكن انطلق فاطلب، فغلبت عيناه فنام، وجاءت امرأته، فلما انتصف النهار غُشي عليه، فذكر ذلك لرسول الله ويعر فنزلت هذه الآية. وأخرج أحمد وابن جرير وابن المنذر بسند حسن عن كعب: كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فنام حَرُم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد، فرجع عمر بن الخطاب من عند النبي وقال ذات ليلة وقد سَمُر عنده، فوجد امرأته قد نامت فأيقظها وأرادها، فقالت: إني نمت، ثم وقع بها، فغدا إلى النبي ◌َّر، فأخبره، فأنزل الله ﴿علم الله أنكم كنتم تختانون﴾(١) الآية. وفي الباب أخبار كثيرة إن شئت الاطلاع عليها فارجع إلى ((الدر المنثور)) للسيوطي . (٢) أي الجماع، به فسَّره ابن عباس، أخرجه عنه ابن المنذر وابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم وعبد الرزاق وعبد بن حُمَيد وغيرهم. (١) سورة البقرة: الآية ١٨٧. ١٨٣ هنَّ (١) لباس لكم وأنتم لباسٌ لهنَّ، علم الله أنكم كنتم تختانون (٢) أنفسكم، فتاب (٣) عليكم وعفا عنكم (٤)، فالآن باشروهنَّ﴾ يعني (٥) الجماع ﴿وابتغُوا (٦) ما كتب الله لكم﴾ يعني (٧) الولد ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيطُ الأبيضُ من الخيط الأسود﴾ يعني (٨) حتى يطلع الفجر. : (١) قوله: هن لباس لكم، أي هن سكن لكم تسكنون إليه في الليل والنهار به فسره ابن عباس، أخرجه عنه الطيالسي. (٢) أي تبالغون في خيانتها لارتكاب جنايتها بالجماع بعد صلاة العشاء أو بعد النوم فإنه كان محرَّماً أولاً، ثم نُسخ. (٣) أي رجع عليكم بالتخفيف. (٤) أي ما صدر وما مضى. (٥) قوله: يعني الجماع، هذا التفسير منقول عن ابن عباس، أخرجه عنه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي من طرق. (٦) أي اطلبوا. (٧) تفسير من الإِمام محمد، قوله: يعني الولد، هذا التفسير أيضاً منقول عن ابن عباس أخرجه عنه ابن جرير وابن أبي حاتم، وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد وقتادة والضحّاك مثله، وأخرج البخاري في ((تاريخه)) عن أنس ﴿ما كتب الله لكم﴾: أي ليلة القدر، وأخرج عبد الرزاق عن قتادة قال: ابتغوا الرخصة التي کتب الله علیکم. (٨) قوله: يعني حتى يطلع الفجر، كان بعض الصحابة لمّا نزل قوله تعالى: حتى يتبيَّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ إذا أراد الصوم ربط في رجله ١٨٤ فإذا (١) كان الرجل (٢) قد رُخِّص له أن يجامع، ويبتغي (٣) الولد، ويأكل ويشرب حتى يطلع الفجر (٤) فمتى يكون الغسل إلاّ بعد طلوع الفجر. فهذا لا بأس به، وهو قول أبي حنيفة ــ رحمه الله تعالى - والعامَّة. ٥ - (باب القُبلة للصائم(٥)) ٣٥١ - أخبرنا مالك، حدثنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن = الخيط الأبيض والأسود فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له الفرق بينهما، فأنزل الله قوله ﴿من الفجر﴾ وبيَّن أن المراد من الخيط الأبيض الفجر أي الصبح الصادق، ومن الأسود الليل، كذا أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما(١). (١) قوله: فإذا كان ... إلى آخره، شروع في وجه دلالة كتاب الله على ما ذكره، وحاصله أن الآية المذكورة أباحت الأكل والشرب والجماع إلى طلوع الفجر فيكون كلِّ منها مباحاً في آخر جزء من أجزاء الليل متَّصلٍ بأول جزء الفجر أيضاً بنص هذه الآية، وهو يقتضي بالضرورة أن يقع الغسل - إذا جامع في آخر الجزء - بعد طلوع الفجر، فدلَّ ذلك على أنه لا بأس به. (٢) الذي يريد الصوم. (٣) هذا قيد اتفاقي . (٤) أي لا يتحقَّق ولا يمكن غسله إلاّ بعد طلوع الفجر. (٥) قوله: باب القبلة للصائم(٢)، اختلف أهل العلم في جواز القبلة (١) انظر عمدة القاري ٢٩٢/٥. (٢) لا بأس بالقبلة للصائم إذا أمن على نفسه الجماع مثل الشيوخ، وتُكره إذا لم يأمن على نفسه كالشبان، وهذا هو مذهب أبي حنيفة والشافعي والثوري والأوزاعي، وحكاه الخطابي عن مالك، وكرهها قوم مطلقاً، وإليه ذهب مالك في المشهور عنه، وأباحها قوم مطلقاً، وإليه ذهب أحمد وإسحاق وداود. ومنهم من أباحها في النفل ومنعها في الفرض، = ١٨٥ يَسَار (١): أنَّ رجلاً (٢) قَبّل امرأةً وهو صائم، = للصائم، فرخّص عمر بن الخطاب وأبو هريرة وعائشة فيها، وقال الشافعي: لا بأس بها إذا لم تحرِّك القبلة شهوته. وقال ابن عباس: يُكره ذلك للشبان، ويرخّص فيه للشيوخ، كذا في ((الكاشف عن حقائق السنن)) للطّيبي رحمه الله. (١) مرسل عند جميع الرواة، ووصله عبد الرزاق بإسناد صحيح عن عطاء، عن رجل من الأنصار. (٢) قوله: أن رجلاً ... إلى آخره، حديث عائشة أن رسول الله صل﴾. كان يُقَبِّل بعض نسائه وهو صائم وكان أَمْلَّكَكُم لإِربه. متفق عليه. وله عندهما ألفاظ، وفي رواية لأبي داود: كان يقبِّلني وهو صائم، ويمصُّ لساني وهو صائم. وفي إسناده أبو يحيى المعرقب، وهو ضعيف وقد وثقه العِجْلي، ولابن حبان في صحيحه عنها: كان يقبِّل بعض نسائه وهو صائم في الفريضة والتطوع. ثم ساق بإسناده أنه و سير كان لا يمس شيئاً من وجهها وهي صائمة، وقال: ليس بين الخبرين تضادٌّ لأنه ◌َّ كان يملك إربه ونبَّه بفعله ذلك على جواز هذا الفعل لمن هو بمثل حاله، وترك استعماله إذا كانت المرأة صائمة علماً منه بما رُكُّب في النساء من الضعف. وفي رواية البخاري: أنه كان رسول الله وَلَّ لَيُقَبِّل بعض أزواجه وهو صائم، ثم ضحكت تعجّباً من نفسها حيث ذكرت هذا الحديث الذي يُستحى من ذكره، لكن غلب عليها مصلحة التبليغ، وقيل: ضحكت سروراً منها، وقيل: أرادت أن تنبِّه بذلك أنها صاحبة القصة. وفي الباب عن أبي هريرة أخرجه أبو داود عن الأغرِّ، عنه: أن رجلاً سأل رسول الله و له عن المباشرة للصائم فرخَّص له وسأله آخر فنهاه، فإذا الذي رخص له شيخ، والذي نهاه شاب، كذا في ((التلخيص الحبير تخريج أحاديث الشرح الكبير)) للحافظ ابن حجر. ومنهم من منعها مطلقاً وذهب إليه طائفة من التابعين، فالأقوال خمسة، وانظر تفصيلها في = عمدة القاري ٩/٦. قلت: ما حُكي عن أحمد هو رواية عنه، وإلّ ففي ((الروض المربع)) تكره القبلة. الأوجز ٤٤/٥. ١٨٦ فوجد(١) من ذلك وَجْداً شديداً، فأرسل امرأتَه تسأل له عن ذلك(٢)، فدخلت على أمِّ سلمة زوج النبي ◌َّل، فأخبرتها أمُّ سلمة: أنَّ رسول اللّهِوَله كان يُقَبِّل(٣) وهو صائم. فرجعتْ إليه فأخبرتْه بذلك ، فزاده ذلك(٤) شرّاً(٥) فقال: إنّا لسنا مثلَ رسول الله وَلِهِ، يُحِلُّ(٦) الله لرسوله(٧) ما شاء، فرجعت (١) قوله: فوجد، أي فاغتمَّ له كثيراً ولم يعدّه أمراً حقيراً، واستحيى أن يَسأل رسول الله وَ﴿ توفيراً . (٢) أي هل يضرُّ صومه ذلك؟ (٣) قوله: كان يقبّل، أي بعض أزواجه أو بنفسها كما يُعلم من رواية البخاري عن زينب بنت أم سلمة عنها أنها كانت هي ورسول الله وسلم يغتسلان في إناء واحد وكان يقبِّلها وهو صائم. ويخالفه ما أخرجه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار))، نا صالح بن عبد الرحمن، نا عبد الله بن يزيد، نا موسى بن عليّ: سمعت أبي يقول: ثني أبو قيس مولى عمرو بن العاص قال: بعثني عبد الله بن عمرو إلى أُمَّ سلمة زوج النبي ◌ِّله فقال: سَلْها أكان رسول الله يقبل وهو صائم؟ فإن قالت: لا، فقل: إنّ عائشة تخبر (١) الناس أنه كان يقبّل وهو صائم، فأتيت أم سلمة فأبلغتها السلام عن عبد الله بن عمرو، وقلت: أكان رسول الله يقبّل وهو صائم فقالت: لا، فقلت: إن عائشة تخبر الناس أنه كان يقبل، فقالت: لعله لم يكن يتمالك عنها حبّاً، أما أنا فلا. والذي يظهر أن الاختلاف محمول على اختلاف الأحوال. (٤) قال الباجي: يعني استدامة الوَجْد إذا لم تأته بما يقنعه. (٥) قوله: شرّاً، أي محنة وبليَّة حيث ظن أنَّ أم سلمة أفتتْ من عندها. (٦) أي يُبيح. اعتقد أن ذلك من خصائصه. (٧) كصوم الوصال والزيادة على أربع في النكاح. (١) في الأصل: ((يخبر))، وهو خطأ. انظر شرح معاني الآثار ٣٤٦/١ ط الهند. ١٨٧ المرأة إلى أم سلمة، فوجدت عندها رسول الله وَال، قال رسول الله وَالر: ما بال(١) هذه المرأة؟ فأخبَرَتْه(٢) أمّ سلمة، فقال: ألا (٣) أخبرتِها أني أُفعل ذلك(٤)؟ قالت: قد أخبرتُها، فذهبتْ إلى زوجها، فأخبرَتْه، فزاده ذلك شرّاً، وقال: إنّا لسنا مثلَ رسول الله ◌َلّ، يُحلُّ الله لرسوله ما شاء(٥)، فغضب(٦) رسول الله وَله، وقال(٧): والله إني لأتقاكم (٨) لله، وأعلمكم بحدوده. (١) أي ما شأنها وأي شيء جاء بها. (٢) أي بأنها تسأل عن القبلة للصائم. (٣) فيه تنبيه على الإِخبار بأفعاله، ويجب عليهن أن يُخبرن بها ليقتدي به الناس . (٤) قال الباجي: فيه إيجاب العمل بخبر الواحد. (٥) قال عياض: لأن السائل جوَّز وقوع النهي عنه منه، لكن لا حرج عليه إذ غُفر له. (٦) قوله: فغضب، لعل سبب غضبه أن الأصل هو العمل بما ثبت عنه حتى یثبت دلیل على تخصيصه . (٧) قوله: وقال: والله ... إلى آخره، قال ابن عبد البر: فيه دلالة على جواز القبلة للشاب والشيخ لأنه لم يقل للمرأة: زوجُك شيخ أو شاب؟ فلو كان بينهما فرق لسألها لأنه المبيِّن عن الله، وقد أجمعوا على أن القبلة لا تُكره لنفسها، وإنما كرهها من كرهها خشية ما تَؤُول إليه، وأجمعوا على أن من قبَّل وسَلِم فلا شيء عليه. فإن أمذى فكذلك عند الحنفية والشافعية، وعليه القضاء عند مالك، وعن أحمد يفطر، وإن أمنى فسد صومه اتفاقاً. (٨) فكيف تجوزون(١) ما نُهِيَ عنه مني؟ (١) في شرح الزرقاني ١٦٢/٢، فكيف تجوزون وقوع ما نُهِي عنه مني. ١٨٨ ٣٥٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو النضر مولى عمر بن عبيد الله: أن عائشة (١) ابنة طلحة(٢) أخبَرَتْه أنها كانت عند عائشة رضي الله عنها زوجِ النبي ﴿ فدخل عليها(٣) زوجُها(٤) هنالك(٥) وهو (٦) عبدُ الله (٧) ابنُ عبد الرحمن ابنٍ أبي بكر (٨)، فقالت له عائشة: ما يمنعك أن تَدْنُوّ(٩) إلى أهلك تقبّلها (١٠) وتلاعبها؟ قال: أقبّلها وأنا صائم؟! قالت (١١): نعم(١٢). (١) القرشية، كانت فائقة الجمال، ثقة، روى لها الستة، كذا ذكره الزُّرقاني . (٢) أحد العشرة المبشرة. (٣) أي على عائشة الصدِّيقة. (٤) أي زوج ابنة طلحة . (٥) أي وكونها عَمَّتَه سبب ذلك. (٦) أي زوجها. (٧) تابعي، روى له الشيخان وغيرهما. (٨) الصدِّيق. (٩) أي تقرب. (١٠) قوله: تقبّلها، لعلها قصدت إفادته الحكم وإلا فمعلوم أنه لا يقبلها بحضور عمته أم المؤمنين، وقال أبو عبد الملك: تريد ما يمنعك إذا دخلتما، ويحتمل أنها شكت لعائشة قِلَّة حاجته إلى النساء، وسألتها أن تكلُّمه. فأفْتَنْه بذلك، إذ صح عندها ملْكَه لنفسه، قاله الزرقاني. (١١) هذا حديث موقوف، حكمه مرفوع. (١٢) قوله: نعم، في هذا دلالة على أنها لا ترى تحريمها ولا أنها من = ١٨٩ ---- - قال محمد: لا بأس (١) بالقُبلة للصائم إذا ملك نفسه عن = الخصائص، وأنه لا فرق بين شاب وشيخ، لأن عبد الله كان شاباً، ولا يعارض هذا ما للنسائي عن الأسود: قلت لعائشة أيباشر الصائم؟ قالت: لا، قلت: أليس كان رسول الله وَ﴾ يباشر وهو صائم؟ قالت: كان أملَكَكُم لإِربه. لأن جوابها للأسود بالمنع محمول على من تحرّكت شهوته لأن فيه تعريضاً لإِفساد العبادة كما أشعر به قولها: وكان أملككم لإِربه، فحاصل ما أشارت إليه إباحة القُبلة والمباشرة بغير جماع لمن ملك إربه دون من لا يملكه، أو يُحمل النهي على التنزيه، فقد رواه أبو يوسف القاضي بلفظ: سئلت عائشة عن المباشرة للصائم؟ فكرهتها، فلا ينافي الإِباحة المستفادة من حديث الباب، ومن قولها: الصائم يحلّ له (١) كلَّ شيء إلا الجماع. رواه الطحاوي، كذا ذكره الزرقاني. (١) قوله: لا بأس ... إلى آخره، هذا الذي ذكره هو طريق الجمع بين الأخبار والآثار المختلفة، فإن بعضها تدل على الجواز، وبعضها على الامتناع، وبعضها على الفرق بين الشاب والشيخ. فمنها حديث عائشة بنت طلحة عن عائشة رضي الله عنها، وحديث زيد بن أسلم عن عطاء، المذكورَيْن في الباب، وهما يدلان على الجواز مطلقاً من غير فرق بين الشاب والشيخ، وأثر ابن عمر المذكور في الباب يدل على المنع مطلقاً، وحديث عائشة أن النبي و# كان يقبّل نساءه وهو صائم المخرَّج في الصحيحين وغيرهما يدل على الجواز، وحديث أبي هريرة عند أبي داود نصّ في الفرق، وقال مالك في ((الموطأ)): قال عروة بن الزبير: لم أرَ القُبلة للصائم تدعو إلى خير، وأخرج عن ابن عباس أنه رخّص للشيخ وكرهها للشاب ، وروى البيهقي بسند صحيح عن عائشة: أنه ◌ّيه رخّص في القبلة للشيخ وهو صائم، ونهى الشباب وقال: الشيخ يملك إربه والشاب يفسد صومه، وأجمع أبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم عن عمر أنه قال: هششتُ فقبلت وأنا صائم؟ فقلت: يا رسول الله صنعتُ اليوم أمراً عظيماً قبّلتُ وأنا صائم، قال: أرأيتَ لو مضمضتَ من الماء وأنت صائم؟ قلت: لا بأس به، قال: فَمَهْ، وأخرج مالك أن سعد بن أبي وقاص وأبا هريرة كانا يرخّصان في القبلة للصائم، (١) في الأصل: ((لها))، وهو تحريف. ١٩٠ الجماع(١) فإن خاف أن لا يملك نفسه فالكفُّ أفضل، وهو قول أبي حنيفة - رحمه الله - والعامّة قبلنا. ٣٥٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر: أنه كان يَنهى (٢) عن القُبلة (٣) والمباشرة (٤) للصائم. ٦ - (باب الحجامة للصائم) ٣٥٤ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع: أن ابن عمر كان يحتجم (٥) وأخرج الطحاوي أنه سئل سعد: أتباشر وأنت صائم؟ قال: نعم، وأخرج الطحاوي أيضاً عن ابن عمر أنه سئل عن القُبلة للصائم، فرخّص للشيخ الكبير وكرهها للشاب، وأخرج عنه عن عمر قال: رأيت النبي ◌ّ في المنام فرأيته لا ينظر إليّ، فقلت: يا رسول الله ما شأني؟ فقال: ألست الذي تقبل وأنت صائم، فقلت: والذي بعثك بالحق إني لا أقبّل بعد هذا. فهذه الأخبار وأمثالها يُعلم منها أنه لا كراهة في القبلة للصائم في نفسها، وإنما كرهها من كرهها لخوف ما تَؤُول إليه، فطريق الجمع أنه إذا ملك نفسه فلا بأس به وإن خاف فالكفّ أفضل. (١) وكذا عن إنزال المني . (٢) قوله: ينهى، أي مطلقاً للشيخ والشاب كليهما كما هو ظاهر العبارة، أو للشاب فقط، كما هو نصّ رواية الطحاوي، وكذلك رُوي النهي عن عمر وغيره، فأخرج الطحاوي عن سعيد بن المسيب أن عمر كان ينهى عن القبلة للصائم، وأخرج أيضاً عن زاذان أنه قال عمر: لأن أعضَّ على جمرة أحبُّ إليّ من أن أقبّل وأنا صائم، وأخرج أيضاً عن ابن مسعود أنه سئل عن القبلة للصائم؟ فقال: يَقضي يوماً آخر، وأخرج - بسند فيه أبو يزيد الضبِّي وقال: هو رجل لا يُعرف - عن ميمونة بنت سعد: أنه سئل رسول الله وَّ ر عنه؟ فقال: أَفطرا جميعاً. وهذا كله محمول على من لا يملك. (٣) لأن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه. (٤) المراد بالمباشرة المسّ والملامسة والملاعبة والمخالطة. (٥) إشارة إلى الرخصة. ١٩١ وهو صائم ثم إنّه كان يحتجم (١) بعد ما تغرب (٢) الشمس. ٣٥٥ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهري: أن سعداً(٣) وابن عمر كانا يحتجمان وهما صائمان . قال محمد: لا بأس بالحجامة للصائم، وإنما گرهت(٤) من أجل الضعف، فإذا أُمن ذلك فلا بأس، وهو قول (٥) أبي حنيفة - رحمه الله -. (١) قال الباجي: لما كَبِرَ وضَعُف خاف أن تضطره الحجامة إلى الفطر. (٢) أي احتياطاً وعملاً بالعزيمة . (٣) أي ابن وقاص. (٤) أي في بعض الروايات. (٥) قوله: وهو قول أبي حنيفة، وبه قال جماعة من الصحابة والتابعين، فأخرج الطحاوي عن أبي سعيد الخدري قال: إنما كرهنا أو كرهت الحجامة للصائم من أجل الضعف. وأخرج عن حميد قال: سئل أنس عن الحجامة للصائم؟ فقال: ما كنت أرى أن الحجامة تُكره للصائم إلا من الجهد. وأخرج عن ثابت البُنَاني قال: سألت أنس بن مالك هل كنتم تكرهون الحجامة للصائم؟ قال: لا ، إلا من أجل الضعف. وأخرج عن ابن عباس أنه قال: إنما كُرهت الحجامة مخافة الضعف. وذكر الحازمي في ((الناسخ والمنسوخ)) أنه مذهب سعد والحسين بن علي وابن مسعود وابن عباس وزيد بن أرقم وابن عمر وأنس وعائشة وأمّ سلمة والشّعبي وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد وعطاء بن يسار وزيد بن أسلم وعِكْرمة وأبي العالية وإبراهيم النّخَعي وسفيان ومالك والشافعي وأصحابه إلا ابن المنذر. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الصائم إذا احتجم في رمضان بطل صومه، منهم عطاء والأوزاعي وأحمد وإسحاق، واستدلالهم في ذلك بحديث = ١٩٢ = مرفوع: أفطر الحجّام والمحجوم، أخرجه أبو داود وابن ماجه والنسائي وابن حبان والحاكم وصححه من حديث ثوبان، وأبوداود والنسائي وغيرهما من حديث شدّاد بن أوس: أنه مرّ مع رسول الله وَل زمن الفتح على رجل يحتجم لثمان عشرة خلت من رمضان، فقال: أفطر الحاجم والمحجوم، والترمذي - وقال: حسن صحيح - من حديث رافع بن خديج، والنسائي والحاكم من حديث أبي موسى، والنسائي من حديث مَعْقِل بن سنان قال: مرّ عليَّ رسول اللّهِوَّ وأنا أحتجم في ثمان عشرة خلت من رمضان فقال ذلك، وأيضاً من حديث أسامة بن زيد والحسن بن علي وعائشة وأبي هريرة وابن عباس، والطبراني من حديث سَمُرة وجابر وابن عَدِيّ في ((الكامل)) من حديث ابن عمر وسعد بن مالك. وله طرق أُخَر كلها مبسوطة في ((تخريج أحاديث الهداية)) للزيلعي وابن حجر. وأجاب عنها الجمهور بأنه منسوخ لأنه كان زمن الفتح، وقد احتجم رسول الله ربّهر عام حجّة الوداع وهو صائم، أخرجه البخاري والترمذي وغيرهما من حديث ابن عباس. ويؤيده ما أخرجه الدارقطني بسند فيه ضعف عن أنس قال: أول ما كرهت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم، فمرّ به رسولُ الله، فقال: أفطر هذان. ثم رخّص النبيِ ﴿ بعدُ في الحجامة. وكذا ما أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) عنه أنَّ النبيّ وَّه احتجم بعد ما قال: أفطر الحاجم والمحجوم، ومنهم من قال: ورود حديث أفطر الحاجم والمحجوم إنما كان لسبب آخر (١) وهو ما أخرجه العُقَيلي في ((الضعفاء)) وغيره عن ابن مسعود أن النبي ◌ََّ مرّ على رجلين يحتجم = (١) قال الطحاوي: ليس فيها (أي في هذه الأحاديث) ما يدل على أن الفطر كان لأجل الحجامة، بل إنما كان ذلك لمعنى آخر وهو أنهما كانا يغتابان رجلاً، فلذلك قال رسول الله * ما قال. وليس إفطارهما ذلك كالإفطار بالأكل والشرب والجماع ولكنه حبط أجرهما باغتيابهما فصارا بذلك مفطِرَيْن، لا أنه إفطار يوجب عليهما القضاء. وهكذا كما قيل الكذب يفطر الصائم ليس يراد به الفطر الذي يوجب القضاء، إنما هو حبوط الأجر بذلك. شرح معاني الآثار ٣٤٩/١. ١٩٣ ٣٥٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا هشام بن عروة قال: ما رأيت(١) أبي (٢) قطّ احتجم إلا وهو صائم. قال محمد: وبه نأخذ، وهو قول أبي حنيفة - رحمه الله تعالى -. ٧ - (باب الصائم يذرعه(٣) القَيْء أو يتقيأ(٤)) ٣٥٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع أن ابن عمر كان يقول: من استقاء(٥) وهو صائم فعليه القضاء، ومن ذرعه القَيْء فليس عليه شيء (٦). قال محمد: وبه (٧) نأخذ، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله تعالی . = أحدهما الآخر، فاغتاب أحدهما ولم ينكر الآخر فقال رسول الله: أفطر الحاجم والمحجوم. قال ابن مسعود لا للحجامة ولكن الغِيبة . (١) لأنه كان يواصل الصوم، قاله ابن عبد البر. (٢) أي عروة بن الزبير بن العوام. (٣) أي يسبقه ويغلبه. (٤) أي عمداً. (٥) أي ملأ فِيه عند أبي يوسف، ومطلقاً عند محمد. (٦) أي لا قضاء، ولا كفارة. (٧) قوله: وبه نأخذ، وبه قال إبراهيم النخعي والقاسم بن محمد وأبو يوسف وعامة العلماء، ذكره الطحاوي. ويؤيده قوله صلجر: من قاء فلا قضاء عليه، ومن استقاء عمداً فعليه القضاء. أخرجه أصحاب السنن الأربعة والدارمي : ١٩٤ ٨- (باب الصوم في السفر) ٣٥٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع: أن ابن عمر كان لا يصوم(١) في السفر. = وابن حبان والحاكم وصححه والطحاوي والدارقطني وغيرهم من حديث أبي هريرة، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وقال الترمذي: حسن غريب، وأخرجه أبو يعلى وأسحاق بن راهويه وابن أبي شيبة. وفي بعض طرقه مقال يرتفع بضمّ بعضها مع بعض. وأما ما ورد أن النبي و إلقاء فأفطر، فمعناه: ضعف وكان الصوم تطوعاً فأفطر عمداً، ذكره الطحاوي(١). ويعضده ما أخرجه ابن ماجه عن فضالة بن عبيد الأنصاري أن النبي صل* خرج عليهم في يوم كان يصومه، فدعا بإناء فشرب، فقلنا: يا رسول الله إنَّ هذا يومٌ كنت تصومه! قال: أجل، ولكني قِئْتُ. (١) قوله: كان لا يصوم في السفر، لأنه كان يرى أن الصوم في السفر لا يجزىء، لأن الفطر عزيمة من الله، وبه قال أبوه عمر، وأبو هريرة، وعبد الرحمن بن عوف، وقوم من أهل الظاهر، ويردّه أحاديث الباب، قاله ابن عبد البرّ. واحتجوا لذلك أيضاً بحديث الصحيحين أنه و # كان في سفر - أي في غزوة الفتح كما في الترمذي -فرأى زحاماً ورجلاً قد ظُلِّل عليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: صائم، فقال: ليس من البر الصوم في السفر - ولفظ مسلم: ليس البر أن تصوموا في السفر - وزاد بعض الرواة: عليكم برخصة الله التي رَخْص لكم، وروايته على لغة حمير في ((مسند أحمد)) قال ابن عبد البر: ولا حجة فيه لأنه عامّ، خرج على سبب، فإن قَصر عليه لم تقم به حجة، وإلا حُمل على من حالَه مثل حال الرجل وبلغ ذلك المبلغ (٢). (١) شرح معاني الآثار ٣٤٨/١. ثم إن كون القيء غير مفطر وكون الاستقاء مفطر وعليه القضاء هو مذهب الأئمة الأربعة، كما في ((عمدة القاري)) ٣٦/٦. (٢) كذا في شرح الزرقاني ١٧٠/٢. ١٩٥ ٣٥٩ - أخبرنا مالك، حدثنا الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله (١)، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن (٢) رسول الله عَل خرج (٣) عام فتح مكة في رمضان، فصام (٤) حتى بلغ الكُدَيد(٥) ثم أفطر(٦) فأفطر الناس معه(٧) وكان فتح مكة في رمضان، قال: وكانوا(٨) يأخذون بالأحدث(٩) فالأحدث من أمر رسول الله وَله. (١) ابن عتبة بن مسعود. (٢) قال أبو الحسن القابسي: هذا من مرسلات الصحابة لأن ابن عباس كان في هذه السنة مقيماً بمكة. (٣) يوم الأربعاء بعد العصر لعشر خَلَوْن من رمضان سنة ثمان من الهجرة. (٤) أي جمیع سیره. (٥) موضع بينه وبين المدينة سبع مراحل ونحوها وبينها وبين مكة مرحلتان أو ثلاث. (٦) قوله: ثم أفطر، لأنه بلغه أن الناس شقّ عليهم الصيام، وقيل له: إنما ينظرون في ما فعلت، فلما استوى على راحلته بعد العصر دعا بإناء من ماء، فوضعه على راحلته ليراه الناس، فشرب فأفطر فناوله رجلاً بجنبه فشرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال: أولئك العصاة أولئك العصاة. رواه مسلم والترمذي عن جابر. قال المازري: احتج به مطرف ومن وافقه من المحدّثين، وهو أحد قولي الشافعي أن من بيّت الصوم في رمضان له أن يفطر، ومنعه الجمهور، وحملوا الحديث على أنه أفطر للتقوِّي على العدوّ والمشقّة الحاصلة له ولهم. (٧) أي حتى بلغوا مكة. (٨) أي الصحابة. قوله: وكانوا، هو قول ابن شهاب كما بُيِّن في رواية البخاري ومسلم، قال الحافظ ابن حجر: وظاهره أنه ذهب إلى أن الصوم في السفر منسوخ ولم يوافق على ذلك. (٩) قوله: بالأحدث فالأحدث، في مسلم عن يونس قال ابن شهاب: وكانوا (١) (١) في الأصل: ((كان))، وهو خطأ. انظر صحيح مسلم ٧٨٥/٢. ١٩٦ قال محمد: من شاء صام(١) في السفر، ومن شاء أفطر، والصوم أفضل(٢) = يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره، ويَرَوْنه الناس المحكم، قال عياض: إنما يكون ناسخاً إذا لم يمكن الجمع أو يكون الأحدث من غيره وفي غير هذه القصة، وأما فيها أعني قضية الصوم فليس بناسخ إلا أن يكون ابن شهاب مال إلى أن الصوم في السفر لا ينعقد كقول أهل الظاهر ولكنه غير معلوم عنه. (١) قوله: من شاء صام في السفر ومن شاء أفطر، لقوله تعالى: ﴿ومن كان مريضاً أو على سفر فعدّةٌ من أيامٍ أُخَر﴾(١)، وقال النبي ◌َطاهر: إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة. أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه وابن جرير وعبد بن حميد والبيهقي في سننه وغيرهم. وأخرج عبد بن حميد والدارقطني عن عائشة قالت: كلَّ قد فَعَل رسول الله، صام وأفطر في السفر. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال: لا أعيب على من صام ولا من أفطر في السفر. وأخرج مالك والشافعي وعبد بن حميد والبخاري وأبو داود عن أنس قال: سافرنا مع رسول الله في رمضان فصام بعضنا، وأفطر بعضنا، فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم. وأخرج مسلم والترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري كنا نسافر مع النبي ◌َّر في شهر رمضان فمنا الصائم ومنا المفطر، فلا يجد المفطر على الصائم ولا الصائم على المفطر. وهذه الأحاديث وأمثالها تشهد بأن حدیث «لیس من البر الصيام في السفر)) أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه والحاكم وغيرهم محمول على ما إذا لم يقو وأورث صومه ضعفاً أو مرضاً كما يُعلم من شأن وروده. (٢) قوله: أفضل لمن قوي عليه، لما أخرج عبد بن حميد عن أبي عياض: خرج النبي ◌َّ ﴿ في رمضان، فنُودي في الناس: من شاء صام ومن شاء أفطر، فقيل لأبي عياض: كيف فعل رسول الله؟ قال: صام وكان أحقّهم بذلك. وورد في = (١) سورة البقرة: الآية ١٨٥. ١٩٧ لمن قوي عليه(١)، وإنما(٢) بلغنا أن النبي * أفطر حين سافر إلى مكة لأن الناس شَكَوْا إليه الجهد (٣) من الصوم، فأفطر لذلك، وقد بلغنا(٤) أن حمزة الأسلمي (٥) سأله عن الصوم في السفر، فقال: إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر. فبهذا(٦) نأخذ، وهو قول (٧) أبي حنيفة ــ رحمه الله - والعامة(٨) من قبلنا. = حديث أبي سعيد الخدري المتقدِّم: كانوا يَرَوْن أن من وجد قوَّة فصام فحسن، ومن وجد ضعفاً فأفطر فحسن. (١) قال القاري: أي لقوله تعالى: ﴿وأن تصوموا خيرٌ لكم﴾(١)، وبه قال مالك والشافعي (٢)، وقال أحمد والأوزاعي: الفطر أفضل مطلقاً لحديث: ليس من البر الصيام في السفر. (٢) قوله: وإنما بلغنا ... إلى آخره، دَفْعٌ لما يُتَوَهَّم أنه لوكان الصوم أفضل عند القوة لما أفطر النبي ◌َّر في سفر الفتح لأنه كان يستطيع ما لا يستطيعه غيره. (٣) بفتح الجيم وضمها: المشقة. (٤) قوله: وقد بلغنا ... إلى آخره، هذا البلاغ أخرجه مالك والشافعي وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدار قطني وصححه والحاكم بعبارات متقاربة . (٥) هو ابن عمر بن عويمر أبو صالح المدني، صحابي جليل، مات سنة ٦١ هـ كذا ذكره الزرقاني. (٦) في بعض النسخ: قال محمد: فهذا. (٧) قوله: وهو قول أبي حنيفة، وكذا أبي يوسف، وبه قال أنس وعائشة وسعيد بن جبير ومجاهد وجابر بن زيد، أخرجه الطحاوي عنهم. (٨) قوله: والعامة من قبلنا، أي أكثر من مضى من الصحابة والتابعين خلافاً (٢) وبه قال أبو حنيفة كما في لامع الدراري ٤١٥/٥. (١) سورة البقرة: الآية ١٨٤. ١٩٨ ٩ - (باب قضاء رمضان هل يُفرَّق؟(١)) ٣٦٠ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع: أن ابن عمر كان يقول(٢): لا يفرّق(٣) قضاء رمضان. ٣٦١ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب: أن ابن عباس (٤) لبعضهم منهم ابن عباس حيث رُوي عنه أنه قال ــ لما سُئل عن الصوم في السفر -: يسروعسر، فخذ بيسر الله. وروى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد أنه قال: الإفطار في السفر العزيمة. ومنهم أبو هريرة حيث أمر رجلاً صام في السفر بالقضاء، أخرجه عبد بن حميد والطحاوي. ومنهم عمر حيث أمر رجلاً صام رمضان في السفر أن يعيد، أخرجه عبد أيضاً. ومنهم ابن عمر حيث قال: لأن أفطر في رمضان أحبّ إليّ من أن أصوم، أخرجه عبد بن حميد. وأخرج أيضاً عنه أنه سُئل عنه فقال: رخصة نزلت من السماء فإن شئتم فردّوها. وأخرج أيضاً أنه قال: لو تصدّقت بصدقة فُرُدّت، ألم تكن تغضب؟ إنما هو صدقة تصدق بها الله عليكم . ويوافقهم حديث: الصيام في السفر كالفطر في الحضر. أخرجه ابن ماجه والبزار من حديث عبد الرحمن بن عوف، وفي سنده كلام، وصحح النسائي وقفه، وعلى تقدیر صحته فهو محمول على من لا یقوى. (١) أي بين الأيام في قضاء الصيام. (٢) مذهب ابن عمر وجوب تتابع القضاء، وكذا رُوي عن علي والحسن والشعبي، وبه قال أهل الظاهر. وذهب الجمهور ومنهم الأئمة الأربعة إلى استحبابه(١). (٣) إمّا استحباباً أو وجوباً، وكأنه قاسه على أداء رمضان، أو لكون القضاء فرضاً كالأداء، فلا ينبغي أن يؤخَّر عند قدرته على ترتيبه، كذا قال القاري. (٤) قوله: أن ابن عباس ... إلى آخره، قال ابن عبد البر: لا أدري عمن أخذ ابن شهاب هذا، وقد صح عن ابن عباس وأبي هريرة أنهما أجازا تفريق قضاء = (١) انظر الأوجز ١٢٨/٥. ١٩٩ وأبا هريرة اختلفا في قضاء رمضان، قال أحدهما(١): يُفَرَّق(٢) بينه، وقال الآخر: لا يفرَّق(٣) بينه. قال محمد: الجمع بينه أفضل وإن فرَّقتَ (٤) وأحصيتَ العِدَّة(٥) فلا بأس بذلك، وهو قول أبي حنيفة - رحمه الله - والعامَّة(٦) قبلنا. = رمضان وقالا: لا بأس بتفريقه لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أيامٍ أُخَر﴾. وفي ((الفتح)): هكذا أخرجه منقطعاً مبهماً، ووصله عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس فيمن عليه قضاء رمضان؟ قال: يقضيه مفرَّقاً. وأخرجه الدارقطني من وجه آخر عن معمر بسنده قال: صُمه كيف شئت، ورویناه في فوائد أحمد بن شبيب، عن أبيه، عن يونس، عن الزهري بلفظ: لا يضرُّك كيف قضيتها، إنما هي عدَّة من أيامٍ أُخَر فأحصه. وقال عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء: أن ابن عباس وأبا هريرة قالا: فرِّقه إذا أحصيته. انتهى . (١) زاد يحيى: لا أدري أيهما قال: يفرَّق، ولا أيهما قال: لا يفرَّق. (٢) أي يجوز أن یفرَّق بین أيام قضائه. (٣) أي بل يجب إيصاله(١). (٤) في نسخة: فرقته. (٥) أي ضبطت العدد، وحفظته لئلا يكون ناقصاً عما هنالك. (٦) قوله: والعامَّة قبلنا، أي من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، فأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: إن شاء تابع، وإن شاء فرَّق، لأن الله يقول: ﴿فِعِدَّةٌ مِن أيامٍ أُخَر﴾. وأخرج ابن أبي شيبة والدارقطني عنه: صُمْه كيف شئت، وقال ابن عمر: صمه كما أفطرته. وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي عن أنس: أنه سئل عنه؟ فقال: إنما قال الله: ﴿فِعِدَّةٌ مِن أيَّامٍ أُخَر﴾ فإذا أحصى العِدَّة فلا بأس بالتفريق. وأخرج ابن أبي شيبة والدارقطني (١) هكذا في الأصل، والظاهر ((اتصاله)). ٢٠٠ ١٠ - (باب من صام تطوعاً ثم أفطر) ٣٦٢ - أخبرنا مالك، حدثنا الزهري: أن عائشة(١) وحفصة = والبيهقي عن أبي عبيدة بن الجرّاح: إن الله لم يرخِّص لكم في فطره وهو يريد أن يشق عليكم في قضائه فأحصِ العدَّة واصنع كيف شئت. وأخرج الدارقطني عن رافع بن خَديج قال: أحص العِدَّة وصم كيف شئت. وكذلك أخرج ابن أبي شيبة والدارقطني عن معاذ. وأخرج الدارقطني عن عمرو بن العاص قال: يفرّق قضاء رمضان. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي هريرة أن امرأةً سألت كيف تقضي رمضان؟ قال: صومي كيف شئت، فإنما يريد الله بكم اليُسر ولا يريد بكم العسر. وأخرج ابن المنذر والدارقطني والبيهقي في سننه عن عائشة نزلت ﴿فعِدَّةٌ من أَيَّامٍ أَخَرَ متابعات﴾ فسقطت متتابعات. قال البيهقي: أي نُسخت. ويؤيِّده ما أخرجه الدارقطني، وضعفه عن أبي هريرة مرفوعاً: من كان عليه صوم رمضان فليسرده ولا يفرِّقه. وأخرج أيضاً وضعفه عن ابن عمر: سُئل النبي ◌َّر عن قضاء رمضان؟ فقال: يقضيه أتباعاً وإن فرَّقه أجزأه. وأخرج الدارقطني وابن أبي شيبة عن محمد بن المنكدر: بلغني أنَّ رسول الله وَليل سئل عن تقطيع قضاء رمضان؟ فقال: ذلك إليك، أرأيتَ لو كان على أحدكم دَيْن فقضى الدرهم والدرهمين، ألم يكن قضاءً؟ قال الدارقطني: إسناده حسن(١) إلاّ أنه مرسل. ثم رواه من طريق آخر موصولاً عن جابر مرفوعاً وضعفه. (١) قوله: أن عائشة ... إلى آخره، وصله ابن عبد البر من طريق عبد العزيز بن يحيى عن مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، وقال: لا يصح عن مالك إلّ المرسل، ووصله النسائي من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة وصالح بن كيسان ويحيى بن سعيد ثلاثتهم عن الزهري، عن عروة، عن عائشة وقال: هذا خطأ، والصواب عن الزهري مرسل ووصله الترمذي والنسائي أيضاً من طريق جعفر بن برقان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، وقال = (١) سنن الدارقطني ٢٤٤/١، وصححه ابن الجوزي كما في نيل الأوطار ١١٥/٤. ٢٠١