النص المفهرس
صفحات 121-140
بها(١)، قال: فأُتي بجنازتها ليلاً(٢)(٣)، فكرهوا(٤) أنْ يُؤذنوا رسولَ الله ◌َيُ بالليل فلما أصبح رسول الله وَليل أُخبر(٥) بالذي كان(٦) من شأنها، فقال رسول الله وَّر: ألم آمركم أن تُؤْذِنُوْنِي؟ فقالوا(٧): يا رسول الله كرهنا(٨) أن نخرجك ليلاً أو(٩) نوقظك، (١) بشهود جنازتها والاستغفار لها. (٢) قوله: ليلاً، لجوازه(١) وإن كان الأفضل تأخيرها للنهار ليكثر من يحضرها من دون مشقَّة ولا تكلُّف. (٣) ولابن أبي شيبة: فأَتَوْه ليؤذنوه فوجدوه نائماً وقد ذهب الليل. (٤) قوله: فكرهوا، إجلالاً له لأنه كان لا يُوقَظ لأنه لا يُدرى ما يحدث له في نومه. زاد ابن أبي شيبة: وتخوَّفوا عليه ظلمةَ الليل وهوامَّ الأرض. (٥) لابن أبي شيبة: فلما أصبح سأل عنها. (٦) أي موتها ودفنها. (٧) في حديث بريدة عند البيهقي: أن الذي أجابه عن سؤاله أبو بكر. (٨) قوله: كرهنا ... إلى آخره، زاد في حديث عامر بن ربيعة: فقال رسول الله وَ﴾: فلا تفعلوا، ادعوني لجنائزكم، أخرجه ابن ماجه. وفي حديث يزيد بن ثابت قال: فلا تفعلوا، لا يموتَنَّ فيكم ميت ما كنت بين أظهركم إلاّ آذنتموني به فإن صلاتي علیه له رحمة، أخرجه أحمد. (٩) شكّ من الراوي. (١) قال العيني: ذهب الحسن البصري وسعيد بن المسيب وقتادة وأحمد في رواية إلى كراهة دفن الميت بالليل لرواية، وقال ابن حزم: لا يجوز أن يُدفن أحد ليلاً إلَّ عَنْ ضرورة، وكل من دُفن ليلاً منه وَ* ومن أزواجه وأصحابه رضي الله عنهم، فإنَّما ذلك لضرورة أوْجبت ذلك ... وذهب النخعي والثوري وعطاء وأبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في الأصح وإسحاق وغيرهم إلى أن دفن الميت بالليل يجوز. اهـ. عمدة القاري ١٥٠/٧ . ١٢٢ قال(١): فخرج رسول الله وَل حتى صفَّ بالناس على قبرها فصلى على قبرها(٢) فكِبَّر أربع تكبيرات(٣). نسى (١) أي أبو أمامة. (٢) قوله: فصلى على قبرها، قال الإِمام أحمد: رُويت الصلاة على القبر من النبي ◌ٍّ﴾ من ستة وجوه حسان. قال ابن عبد البر: بل من تسعة كلها حسان، وساقها كلها بأسانيده في ((تمهيده)) من حديث سهل بن حنيف، وأبي هريرة وعامر بن ربيعة، وابن عباس، وزيد بن ثابت الخمسة في صلاته على المسكينة، وسعد بن عبادة في صلاة المصطفى على أم سعد بعد دفنها بشهر، وحديث الحصين بن وَحْوَح صلاتهمَ* على قبر طلحة بن البراء، وحديث أبي أمامة بن ثعلبة أنه وَيُ رجع من بدر وقد تُوفيت أمّ أبي أمامة فصلى عليها، وحديث أنس أنه صلى على امرأة بعد ما دُفنت، وهو محتمل للمسكينة وغيرها، وكذا ورد من حديث بريد عند البيهقي وسمّاها محجنة. (٣) قوله: أربع تكبيرات، هو المأثور عن عمر والحسن والحسين وزيد بن ثابت وعبد الله بن أبي أوفى وابن عمر وصهيب بن سنان وأبيّ بن كعب والبراء بن عازب وأبي هريرة وعقبة بن عامر، وهو مذهب محمد بن الحنفية والشَّعبيّ وعلقمة وعطاء بن أبي رباح وعمر بن عبد العزيز ومحمد بن علي بن حسين والثوري وأكثر أهل الكوفة ومالك وأكثر أهل الحجاز والأوزاعي وأكثر أهل الشام والشافعي وأحمد في المشهور عنه وإسحاق وغيرهم. وروي عن ابن مسعود وزيد بن أرقم وحذيفة خمس تكبيرات، وروي عن علي ست تكبيرات، ورُوي عن زِرِ بن حبيش سبع، وروي عن أنس وجابر ثلاث تكبيرات، كذا في ((الاعتبار)) للحازمي - رحمه الله - . وقد اختلفت الأخبار المرفوعة في ذلك والأمر واسع، لكن ثبت من طرق كثيرة أن آخر ما كَبَّر على الجنازة كان أربعاً. ولهذا أخذ به أكثر الصحابة، وروى محمد في ((الآثار)) عن النخعي أن الناس كانوا يصلون على الجنائز خمساً وستاً وأربعاً حتى قُبض النبيّ، ثم كُبَّروا كذلك في ولاية أبي بكر، ثم وُلِّي عمر فقال لهم: إنكم معشرَ أصحاب محمد متى تختلفون يختلف الناس بعدكم، والناس حديثو عهد = ١٢٣ قال محمد: وبهذا نأخذ التكبير على الجنازة أربع تكبيرات ولا ينبغي (١) أن يصلِّي (٢) على جنازة قد صلَّي عليها(٣)، وليس (٤) = بالجاهلية فأجمع رأيهم أن ينظروا آخر جنازةٍ كَبِّر عليها النبي ◌َّ فيأخذون به، ويرفضون ما سواه، فنظروا فوجدوا آخر ما كبر أربعاً(١). (١) لأن التنفِّل به غير مشروع. (٢) أي أحد من آحاد الأمة. (٣) قوله: قد صلِّي عليها، سواء كانت المرة الثانية على القبر أو خارجه. وقد اختلفوا في الصلاة على القبر، فقال بجوازها الجمهور، ومنهم الشافعي وأحمد وابن وهب وابن عبد الحكم ومالك في رواية شاذة. والمشهور عنه منعه، وبه قال أبو حنيفة والنخعي وجماعة، وعنهم إن دُفن قبل الصلاة شُرع وإلّ فلا، وأجابوا عن الحديث بأنه من خصائص النبي وَ ل﴿، وردَّه ابن حبان بأنَّ تركَ إنكاره على من صلّى معه على القبر دليل على أنه ليس خاصاً به، وتُعُقِّب بأنَّ الذي يقع بالتبعيَّة لا ينهض دليلاً للأصالة، كذا قال ابن عبد البر والزرقاني والعيني وغيرهم، والكلام في هذه المسألة، وفي تكرار الصلاة على الجنازة، وفي الصلاة على الغائب موضع أنظار وأبحاث لا يتحمّلها المقام . (٤) قوله: وليس ... إلى آخره، لمّا ورد على ما ذكره بأن النبي ◌َّ قد صلّى على من صُلِّي عليه أجاب بما حاصله: أنه من خصوصيات النبي وَّ لأن صلاته على أمته بركة وطهور كما يفيده ما ورد في صحيح مسلم وابن حبان، فصلى على القبر ثم قال: إن هذه القبور مملوءةٌ ظلمة على أهلها وإنَّ الله ينوِّرها لهم بصلاتي عليهم. وفي حديث زيد، فإن صلاتي عليه رحمة. وهذا لا يتحقق في غيره كما أنه صلى على النجاشي مع أنه قد صُلِّي عليه في بلده ومع غيبوبة الجنازة. والكلام بعدُ موضع نظر فإن إثبات الاختصاص أمر عسير، واحتماله وإن = (١) قال ابن عبد البر: انعقد الإجماع بعد ذلك على أربع، أوجز المسالك ٢١٤/٤. ١٢٤ النبي 8* في هذا كغيره (١)، ألا يُرى أنه صلى على النجاشي بالمدينة وقد مات (٢) بالحبشة؟! فصلاة رسول الله وَ ل بركة (٣) وطهور فليست كغيرها من الصلوات، وهو قول أبي حنيفة - رحمه الله - . ١١ - (باب ما روي أنّ الميتُ يعذَّب (٤) ببكاء الحيّ) ٣١٨ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أنه قال: لا تَبْكوا(٥) على موتاكم، فإنَّ الميت يُعذّب (٦) ببكاء أهله عليه . ٣١٩ - أخبرنا مالك، حدثنا عبد الله بن أبي بكر(٧)، عن أبيه = كان كافياً في مقام المنع، لكن لا ينفع في مقام تحقيق المذهب(١). (١) بل له خصوصيات. (٢) ولا شك أنه صُلِّي عليه هناك. (٣) أي كثيرة الخير. (٤) في القبر. (٥) أي بطريق النياحة وإلاّ فأصل البكاء من الرحمة. (٦) قوله: يُعذّب، قال النووي: تأوّله الجمهور على من أوصى أن يُبكى عليه ويناح بعد موته، فنفّذت وصيّته، وقالت طائفة: معناه أنه يُعذّب بسماع بكاء أهله ويرقّ لهم، وإليه ذهب جرير، ورجَّحه عياض، وقالت عائشة: معناه أنّ الكافر يُعذَّب في حال بكاء أهله بذنبه لا ببكائه، قال: والصحيح قول الجمهور. (٧) ابن محمد بن عمر بن حزم. (١) انظر أوجز المسالك ٢٢٣/٤. ١٢٥ عن عَمْرة (١) ابنة عبد الرحمن (٢) أنها أخبرته أنها سمعت عائشةً رضي الله عنها زوجَ النبيّ وَلّ و(٣) ذُكر (٤) لها أن عبد الله بن عمر يقول(٥): إنّ الميت (٦) يُعذّب ببكاء الحيّ، فقالت عائشة: (١) كانت في حجر عائشة، ماتت قبل مائةٍ أو بعدها، كذا قال السيوطي. (٢) ابن سعد بن زرارة. (٣) أي والحال أنه قد ذُكر لعائشة. (٤) قوله: وذُكر، زاد ابن عوانة أن ابن عمر لمّا مات رافع بن خديج قال لهم: لا تبكوا عليه، فإن بكاء الحي على الميت عذاب على الميت، قالت عْرة: فسألت عائشة عن ذلك فقالت يرحمه الله إنما مرّ ... الحديث(١). (٥) أي عن النبي ◌َّر كما في الصحيحين من طريق ابن أبي مُلَيكة عن ابن عمر. (٦) قوله: إن الميت يعذّب ببكاء الحيّ، اختلفوا فيه على أقوال: فمنهم من حمله على ظاهره، وإليه مال ابن عمر كما رواه عبد الرزاق أنه شهد جنازة رافع بن خديج فقال لأهله: إن رافعاً شيخ كبير، لا طاقة له بالعذاب، وإن الميت يُعذّب ببكاء أهله عليه، وهو ظاهر صنيع عمر، حيث منع صهيباً لما قال وا أخاه عند إصابته، وقال: أما علمت أن النبيّ وَّه قال: إن الميت ليُعذّب ببكاء الحيّ. ومنهم من أنكره مطلقاً كما روى أبو يعلى عن أبي هريرة والله لأن انطلق رجل مجاهد في سبيل الله فاستشهد فَعَمِدَتْ امرأتُه سَفَهاً وجهلا فبكت عليه أيُعذَّب هذا الشهيد بذنب هذه السفيهة؟ وقالت طائفة: إن الباء للحال أي أنّ مبدأ عذاب الميت يقع عند بكاء أهله لا بسببه، ولا يخفى ما فيه من التكلف. وقال جمع: إنّ الحديث ورد في معهود معين كما تدل عليه رواية عمرة عن عائشة، وقال جمع: إنه مختَصّ بالكافر لرواية ابن عباس عن عائشة عند البخاري وغيره: والله ما حدَّث = (١) انظر عمدة القاري ٨٢/٨ ولا مع الدراري ٤ /٤٠٩ . ١٢٦ يغفر (١) الله لابن عمر، أما إنه لم يَكْذِب (٢)، ولكنه قد نسي(٣) أو أخطأ(٤)، إنما مرَّ رسول الله وَله على جنازة(٥) يُبكى عليها، فقال: إنهم لَيَبْكون عليها، وإنها لتُعذَّب(٦) في قبرها. قال محمد: وبقول عائشة رضي الله عنها نأخذ(٧) وهو قول أبي حنيفة رحمه الله . ١٢ - (باب القبر يُتّخذ مسجداً أو يُصلَّى (٨) إليه أو يُتوسَّد) ٣٢٠ - أخبرنا مالك، حدثنا الزهري، عن سعيد بن المسيّب، = رسول الله صل﴿ إن الله ليعذّب المؤمن ببكاء أهله عليه، ولكن قال: إن الله ليزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه، وقيل: معنى التعذيب توبيخ الملائكة بما يندبه، كما روى أحمد من حديث أبي موسى مرفوعاً: الميت يعذّب ببكاء الحي إذا قالت النائحة واعضداه واناصراه ، جُبذ الميت، وقيل له أنت عضدها، أنت ناصرها. وروى نحوه ابن ماجه والترمذي، وهو قول حسن مفسّر، وهناك أقوالٌ أُخَرٌ مبسوطةٌ في «فتح الباري)»، وغيره. (١) أي يسامحه فيما ذكر. (٢) أي في نقله. (٣) أي سبب وروده. (٤) في تأويله وحمل الحديث على عمومه . (٥) وليحيى : على يهودية . (٦) أي بذنبها ولم ينفعها بكاؤهم عليه. (٧) أي فإنه مطابق لقوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾(١). (٨) بأن يكون القبر أمامه . (١) سورة الأنعام: الآية ١٦٤ . ١٢٧ عن أبي هريرة: أن رسول الله وَله قال: قاتل (١) اللَّهُ اليهودَ اتّخذوا قبور(٢) أنبيائهم مساجد . ٣٢١ - أخبرنا مالك، قال: بلغني (٣) أنَّ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه کان یتوسّدُ(٤) علیھا (١) أي قتلهم أو لعنهم أو عاداهم، قوله: قاتل الله، المعنى أنهم كانوا يسجدون إلى قبورهم ويتعبَّدون في حضورهم، لكنْ لمّا كان هذا بظاهره يشابه عبادة الأوثان استحقوا أن يُقال قاتلهم الله، وقيل: معناه النهي عن السجود على قبور الأنبياء، وقيل: النهي عن اتخاذها قِبلةً يصلَّى إليها. (٢) قوله: قبور أنبيائهم، ورد في سنن النسائي أن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنّوْا على قبره مسجداً، قال البيضاوي: لمّا كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور أنبيائهم تعظيماً بشأنهم(١) ويجعلونه قِبلةً يتوجّهون إليها في الصلاة ونحوها واتخذوها أوثاناً، لعنهم ومنع المسلمين من ذلك، فأما من اتّخذ مسجداً في جوار صالح لقصد التبُّك لا التعظيم له (٢) ولا التوجُّه نحوه فلا يدخل في ذلك الوعيد، كذا في ((زهر المجتبى)) للسيوطي. (٣) بلاغه صحيح، وقد أخرجه الطحاوي برجال ثقات عن علي، وفي البخاري عن نافع: كان ابن عمر يجلس على القبور. (٤) قوله: كان يتوسَّد عليها، دلّ فعل عليّ على جوازه إذ لا مهانة فيه للقبر وصاحبه ورُوي أنه عليه الصلاة والسلام رأى رجلاً متكياً على قبر، فقال: لا تؤذٍ صاحب القبر، كذا في ((النهاية))، فالنهي للتنزيه، وعَمَل عليّ محمول على الرخصة إذا لم يكن على وجه الإهانة، كذا قال القاري. (١) هكذا في الأصل، والصواب: ((لشأنهم)). (٢) قلت: قوله لا التعظيم له: يقال اتخاذ المساجد بقربه وقصد التبرك به تعظيم له، انظر سبل السلام ١٥٣/١. ١٢٨ ويضطجع (١) عليها. قال بشر: يعني (٢) القبور. (١) قوله: ويضطجع عليها، ورد في صحيح مسلم وغيره عن أبي مَرثد الغَنَوي مرفوعاً: لا تجلسوا على القبور ولا تصلّوا إليها، وعن أبي هريرة مرفوعاً: لأن يَقعد أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر. وأخرج أحمد عن عمروبن حزم مرفوعاً: لا تقعدوا على القبور. وبهذه الأخبار وأمثالها أخذ الشافعي والجمهور فقالوا بحرمة الجلوس على القبر أو كراهته، ذكره النووي وغيره، وذكر الطحاوي - بعدما أخرج الروايات السابقة - عن أبي حنيفة وأبي بوسف ومحمد أن النهي عن الجلوس محمول على الجلوس للتغوّط ونحوه وأما لغير ذلك فلا، وأيّده بما ساقه بإسناده إلى زيد بن ثابت أنه قال: إنما نهى النبيُّ وَّرَ عن الجلوس على القبور لحَدَثٍ غائط أو بول. ثم أخرج عن أبي هريرة مرفوعاً: من جلس على قبر يبول عليه أو يتغوّط فكأنما جلس على جمرة نار، ثم أخرج عن عليّ أنه اضطجع على القبر، وعن ابن عمر أنه كان يجلس على القبور. وهذا التأويل الذي ذكره من حمل أخبار النهي على الجلوس لحَدَثٍ قد ذكره مالك أيضاً ظنّاً، وتعقّبوه بأنه تأويل ضعيف أو باطل لا دلالة عليه في الحديث، وأُجيب · بأن ما ذكره قد ثبت عن زيد بن ثابت، والصحابةُ أعلم بموارد النصوص، والذي يظهر بالنظر الغائر أنّ أكثر أخبار النهي مطلقة، لا دلالة فيه على فرد، وما نقل عن زيد يخالفه ما أخرجه أحمد من حديث عمرو بن حزم: رآني النبي ◌َّله وأنا متَّكىء على قبر فقال: لا تؤذٍ صاحب القبر، وسنده صحيح، فإنّه صريح في أن العلة للنهي هو تأذَّي الميت، غاية ما في الباب أن يكون الجلوس لحدثٍ أشد وأغلظ، والجلوس لغيره والتوسّد ونحوه أخف(١)، وأما فعل عليّ وابن عمر فيُحمل على بيان الجواز. (٢) أي يريد بضمير عليها. (١) الأولى أن يُحمل من هذه الأحاديث ما فيه التغليظ على الجلوس للحدث فإنه يحرم وما لا تغليظ فيه على الجلوس المطلق فإنه مكروه، وهذا التفصيل حسن، قاله أبو الطيب، كذا في الكوكب الدرّي ١٩٦/٢. ١٢٩ (كتاب الزكاة(١)) ١ - (باب زكاة المال) ٣٢٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا(٢) الزُّهري، عن السائب بن يزيد، أنَّ عثمان بن عفان رضي الله عنه كان يقول: هذا(٣) شهر (١) قوله: الزكاة، هو لغة النماء والتطهير، وشرعاً إعطاء جزء من النصاب الحَوْلي إلى فقير ونحوه، وفُرضت بعد الهجرة، فقيل: في السنة الثانية، وقيل: في الأولى، وجزم ابن الأثير بأنه في التاسعة، وادعى ابن حزم أنه قبل الهجرة، وفيهما نظر بيّنه في ((فتح الباري))(١) . (٢) في نسخة: أخبرني . (٣) قوله: هذا شهر، قيل: الإِشارة لرجب وإنه محمول على أنه كان تمام حول المال، لكنه يحتاج إلى نقل، ففي رواية البيهقي عن الزهري: ولم يسمّ لي السائب الشهر، ولم أسأله عنه، كذا في ((شرح الزرقاني))، وفي ((شرح القاري)): هذا إشارة إلى أحد الأشهر المعروفة عندهم، أو إلى شهر فرض فيه. انتهى. وفي ((لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف)) للحافظ زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الشهير بابن رجب الدمشقي الحنبلي المحدث: قد اعتاد أهل هذه البلاد إخراج الزكاة في شهر رجب، ولا أصل لذلك في السُّنَّة ولا عُرف عن أحد من السلف، ولكن روي عن عثمان أنه خطب الناس على المنبر، فقال: إن هذا شهرُ زكاتكم فمن كان عليه دين فليؤد دينه، وليزك ما بقي، خرَّجه مالك، وقد قيل: إن ذلك الشهر الذي كانوا يُخرجون فيه زكاتهم(٢) نُسي = (١) راجع للتفصيل فتح الباري ٢١١/٣ . (٢) كما في لطائف المعارف ص ١٢٥، وفي الأصل: ((زكاته))، وهو تحريف. ١٣٠ زکاتكم، فمن كان علیه دَیْن فليؤدِّ دَیْنه حتى تحصل (١) أموالكم فتؤدوا منها (٢) الزكاة . قال محمد: وبهذا نأخذ، من كان عليه دَيْن وله مال فليدفع دَيْنه من ماله، فإن بقي بعد ذلك (٣) ما (٤) تجبُ فيه الزكاة ففيه زكاة، وتلك (٥) مائتا درهم أو عشرون مثقالاً ذهباً فصاعداً، وإن كان الذي = فلم يُعرف، وقيل: بل كان شهر المحرم لأنه رأس الحول، وقيل: بل كان شهر رمضان لفضله وفضل الصدقة فيه، وروى يزيد الرقاشي عن أنس أن المسلمين كانوا يُخرجون زكاتهم في شعبان تقويةً على الاستعداد لرمضان، وفي الإِسناد ضعف. انتهى كلامه ملخّصاً. (١) لأن ما قابل الدَّيْن لا زكاة فيه. (٢) أي مما يحصل بعد أداء الدَّيْن. (٣) أي أداء الدَّيْن. (٤) أي بقدر النصاب من الذهب أو الفضة أو غيرهما. (٥) أي القدر الذي تجب الزكاة فيه، قوله: وتلك مائتا درهم إلى آخره، لما أخرجه أبو داود من طريق عاصم والحارث عن علي مرفوعاً: إذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء - يعني في الذهب - حتى يكون عشرون ديناراً فإذا كانت لك عشرون ديناراً، وحال الحول، ففيها نصف دينار فما زاد فبحسابه. وفيه الحارث الأعور ضعيف، لكن تابعه عاصم، ووثقه ابن معين والنسائي، فالحديث حسن، ورواه شعبة وسفيان وغيرهما من طريق عاصم موقوفاً على علي، كذا ذكره الزيلعي. وقد ثبت تقدير نصاب الفضة بمائتي درهم من حديث جماعة من الصحابة عند الدارقطني والبزّار وعبد الرزاق وغيرهم. ١٣١ بقي أقل من ذلك(١) بعدما يَدفع من ماله الدَّيْن فليست فيه الزكاة، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله . ٣٢٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا يزيد (٢) بن خُصيفة أنه سأل سليمان (٣) بن يسار عن رجل له مال وعليه مثلُه من الدَّيْن أ (٤) عليه الزكاة؟ فقال: لا . قال محمد: وبهذا نأخذ وهو قول (٥) أبي حنيفة رحمه الله . ٢ - (باب ما (٦) يجب فيه الزكاة) ٣٢٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا محمَّدُ (٧) بنُ عبد الله بنٍ (١) أي من القدر الذي يجب فيه الزكاة. (٢) قوله: يزيد، هو يزيد بن عبد الله بن خُصَيفة بن عبد الله بن يزيد الكندي المدني ثقة من رجال الجميع، وقد يُنسب إلى جده وهو خُصَيفة بصيغة التصغير، كذا في التقريب، وغيره. (٣) أحد الفقهاء. (٤) بهمزة الاستفهام أي هل يجب عليه؟ (٥) وبه قال الشافعي ومالك، وللشافعي في رواية: أن الدَّيْن لا يمنع الزكاة، ذكره الزرقاني . (٦) أي ذِكر مقداره. (٧) هو أبو عبد الله الأنصاري المازني، ثقة، مات سنة ١٣٩ كذا في ((الإِسعاف)) قوله: محمد بن عبد الله ... إلى آخره، هكذا ليحيى وجماعة من رواة ((الموطأ)) فنسب محمداً لأبيه وجده لجده لأنه عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة، وفي رواية التّيسي عن مالك، عن محمد بن عبد الرحمن بن ١٣٢ عبد الرحمن بنٍ أبي صعصعة، عن أبيه(١)، عن أبي سعيد الخُذْري رضي الله عنه أنّ رسول الله و الله قال: ليس فيما دون خمسةٍ(٢) أَوْسُقِ من التمر (٣) صدقة وليس فيما دون خمس (٤) أواق من الوَرْقِ(٥) صدقة، وليس فيما دون خمس ذّوْدٍ (٦) من الإِبل صدقة. أبي صعصعة فنسب محمداً إلى جده وجدَّه إلى جده، وَزعْمُ ابن عبد البر أن حديث محمد عن أبيه خطأ في الإِسناد، وإنما هو محفوظ من حديث يحيى بن عمارة، عن أبي سعيد مردود بنقل البيهقي عن محمد بن يحيى الذهلي أن الطريقين محفوظان، كذا في ((شرح الزرقاني)). (١) هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، وثقه النسائي، كذا في ((الإسعاف)). ء (٢) قوله: خمسة أُوسُق، بفتح الألف وضم السين، جمع وَسق، بفتح الواو أشهر من كسرها، وأصله في اللغة الحمل، والمراد به ستون صاعاً، قاله السيوطي. (٣) قال ابن عبد البر: كأنه جواب السؤال سائل سأله عن نصاب زكاة التمر فلا يمنع الزكاة في غيره من الثمار. (٤) قوله: خمس أواق، يقال: أواقي، بتشديد الياء وتخفيفها، جمع أوقيَّة بضم الهمزة وتشديد الياء وهي أربعون درهماً، ويقال: أواق بحذف الياء، كذا في «التنوير)) . (٥) قوله: من الورق، بكسر الراء وإسكانها وهي ههنا الفضة، مضروبها وغيره، واختلف أهل اللغة في أصله، فقيل يُطلق في الأصل على جميع الفضة وقيل هو حقيقة للمضروب دراهم، كذا في ((التنوير)). (٦) قوله: خمس ذَوْد، بفتح المعجمة وسكون الواو بعدها دال مهملة، هو من الثلاثة إلى العشرة، ولا واحد له من لفظه، ويقال في الواحد: بعير، هذا قول الأكثر، وقال أبو عبيد: من الثنتين إلى العشرة قال: وهو مختص بالإِناث، وقال = ١٣٣ قال محمد: وبهذا نأخذ، وكان أبو حنيفة يأخذ بذلك إلاّ في خصلة (١) واحدة، فإنه(٢) کان يقول: = سيبويه: تقول ثلاث ذود لأن الذود مؤنث، وحُكي فيه الإِضافة والتنوين على البدل من خمس، والأول أشهر وهو كقولك خمس أبعرة وخمسة جمال، وخمس نوق وخمس نسوة، كذا في «ضياء الساري)). (١) أي مسألة منفردة. (٢) قوله: فإنه كان يقول ... إلى آخره، لا خلاف بينه وبين غيره من الأئمة في تقدير نصاب الإِبل والغنم وغيرهما من السوائم بما ورد في الأحاديث، وكذا في تقدير نصاب الذهب والفضة، وإنما وقع الخلاف في تقدير نصاب الحبوب والثمار، فعند الشافعي وأبي يوسف ومحمد والجمهور نصابها خمسة أوسق، فلا شيء في ما دونها لورود ذلك من حديث أبي سعيد وجابر وابن عمر وعمرو بن حزم وغيرهم، كما أخرجه الطحاوي والبخاري ومسلم وأحمد وغيرهم، ولعل الحق يدور حوله، وخالفهم في ذلك جماعة من التابعين، فقالوا: في ما أخرجت الأرض العشر أو نصف العشر من غير تفصيل بين أن يكون قدر خمسة أوسق أو أقل أو أكثر، منهم أبو حنيفة، ومنهم عمر بن عبد العزيز فإنه قال: في ما أنبتت الأرض من قليل أو كثير العشر، أخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة. وأخرج عن مجاهد والنَّخَعي نحوه. واستدلوا لهم بما أخرجه البخاري عن ابن عمر مرفوعاً: في ما سقت السماءُ والعيونُ أو كان عثريّاً(١) العُشْرُ، وفي ما سُقي بالنضح نصف العشر. ولفظ أبي داود: في ما سقت السماءُ والأنهارُ والعيون أو كان بعلا(٢) العشر وفي ما سُقي (١) هو بفتح العين المهملة وفتح الثاء المثلَّثة وكسر الراء وتشديد التحتانية، قال الخطابي: هو الذي يشرب بعروقه من غير سقي. انظر نيل الأوطار ١٤٩/٢. (٢) البعل: بفتح الباء الموحدة وسكون العين المهملة وروي بضمها. قال في ((القاموس)): البعل الأرض المرتفعة تمطر في السنة مرة. وكل نخل وزرع لا يُسقى أو ما سقته السماء. نيل الأوطار ١٤٩/٢. ١٣٤ فيما أخرجت(١) الأرض العُشْرُ من قليل أو كثير، إن كانت تُشْرَبُ سيحاً(٢) أو تسقيها السماء، وإن كانت تُشْرَبُ بغَرب (٣) بالسواني أو النضح نصفُ العشر. وفي صحيح مسلم عن جابر مرفوعاً: في ما سقته الأنهار والغيم العُشر وفي ما سُقي بالسانية نصف العشر. وفي سنن ابن ماجه عن معاذ: بعثني رسول اللّه وَّه إلى اليمن فأمرني أن آخذ مما سقت السماءُ وما سُقي بعلا العشر، وما سُقي بالدوالي نصف العشر. وأُورد بأن هذه الأخبار مبهمة والأولى مفسِّرة، والزيادة من الثقة مقبولة، فيجب حملُ المبهم على المفسّر، وأجيب عنه بأنه إذا ورد حديثان متعارضان أحدهما عامّ والآخر خاصّ فإن عُلم تقدُّم العام على الخاصّ خُصَّ بالخاص، وإن علم تقدم الخاص كان العام ناسخاً له في ما تناولاه وإن لم يعلم التاريخ يجعل العام متأخّراً لما فيه من الاحتياط، وههنا الأخبار الأول خاصة والثانية عامة ولم يُعلم التاريخ فنجعل الثانية مؤخّرة ويعمل بها، كذا قرَّره السغناقي والزيلعي وغيرهما، ومنهم من احتج بما روى أبو مطيع البلخي عن أبي حنيفة عن أبان بن أبي عيّاش، عن رجل، عن رسول الله وسلم قال: في ما سقت السماء العشر، وفي ما سُقي بنضح أو غرب نصفُ العشر في قليله وكثيره، وهو إسناد لا يساوي شيئاً فإن أبان ضعيف جداً، وأبو مطيع قال ابن معين: ليس بشيء، وقال أحمد: لا ينبغي أن يُروى عنه، وقال أبو داود: تركوا حديثه، كذا قال ابن الجوزي في ((التحقيق))، وهو كما قال فإن أبا مطيع البلخي واسمه الحكم بن عبد الله تلميذ الإِمام أبي حنيفة وإن كان من أجلّة الفقهاء لكنه مجروح في الرواية كما بسطته في كتابي ((الفوائد البهيَّة في تراجم الحنفية)). (١) ولو كان من الخضراوات. (٢) أي العين الجارية على وجه الأرض. (٣) بفتح العين المعجمة، أي دلو كبير، كذا في ((المصباح)). وفي معناه الدلو الصغير. ١٣٥ أو دالية (١) فنصفُ عُشر، وهو قول إبراهيم النّخَعي (٢) ومجاهد(٣). ٣ - (باب المال متى تجب فيه الزكاة) ٣٢٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر (٤) قال: لا تجبُ في مالٍ (٥) زكاةٌ حتى يَحولَ (٦) عليه الحوْل. (١) أي دولاب تديره البقر أو غيره. (٢) فإنه قال في كل شيء أخرجت الأرض الصدقة، أخرجه الطحاوي. (٣) قوله: ومجاهد، فإنه قال لمّا سُئل عنه: في ما قلَّ أو كثر العشر أو نصف العشر، أخرجه الطحاوي. (٤) قوله: عن ابن عمر، قال ابن عبد البر: قد رُوي هذا مرفوعاً من حديث عائشة. قال السيوطي: أخرجه ابن ماجه، وفي شرح الزرقاني: أخرجه ابن عبد البر في ((التمهيد))، من طريق عبيد الله بن عبد الله عن نافع، عن ابن عمر مرفوعاً: ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول، وفي إسناده بقية بن الوليد مدلس، وقد رواه بالعنعنة عن إسماعيل بن عياش، عن عبيد الله، وإسماعيل ضعيف في غير الشاميين، قال الدارقطني: والصحيح وقفه كما في ((الموطأ)). وقد أخرجه الدارقطني في ((الغرائب)) مرفوعاً، وضعَّفه. وأخرجه أيضاً من حديث أنس وضعفه، وأخرجه ابن ماجه من حديث عائشة. لكنَّ الإِجماع عليه أغنى عن إسناده. (٥) أي من الأموال الزكوية. (٦) قوله: حتى يحول عليه الحول، روى البيهقي عن أبي بكر وعلي وعائشة موقوفاً عليهم مثل ما رُوي عن ابن عمر، وروى الترمذي والدارقطني والبيهقي من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر مرفوعاً: من استفاد مالاً فلا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول، عبد الرحمن ضعيف، قال الترمذي: والصحيح عن ابن عمر موقوفاً، وكذا قال البيهقي وابن الجوزي ١٣٦ قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله، إلاّ أن يكتسب (١) مالاً فيجمعه (٢) إلى مالٍ عنده مما يُزِّى، فإذا وجبت الزكاة في الأول زكّى الثاني (٣) معه، وهو قول أبي حنيفة وإبراهيم النَّخَعي رحمهما الله تعالى . = وغيرهما، قال البيهقي: الاعتماد في هذا على الآثار عن أبي بكر وغيره، قلت: حديث عليّ الذي أخرجه أبو داود وأحمد والبيهقي لا بأس بإسناده والآثار تعضده، فتصلح للحجّية، كذا في ((تخريج أحاديث الرافعي)) لابن حجر. (١) أي إذا كان من جنس ما عنده، وإن لم يكن من جنسه يستأنف له الحساب من ذلك الوقت، ولا يَجمع، ذَكَره العيني وغيره. (٢) أي فيضمُّه، قوله: فيجمعه ... إلى آخره، وقال الشافعي وأحمد: لا يضم لحديث: من استفاد مالاً فلا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول، أخرجه الترمذي وغيره. وقال أصحابنا: هو حديث ضعيف وعلى تسليم ثبوته فعمومه ليس مراداً للاتفاق على خروج الأرباح والأولاد، فعلَّلنا بالمجانسة، فقلنا: إنما أخرج الأولاد والأرباح للمجانسة لا للتولد، فيجب أن يُخرج المُستفاد(١) إذا كان من جنسه، وهو أدفع للحرج على أصحاب الحِرَف الذين يجدون كل يوم درهماً فأكثر وأقل، فإن في اعتبار الحول لكل مستفاد حرجاً عظيماً، وهو مدفوعٌ بالنص، كذا قرَّره ابن الهُمام وغيره، وذكر العينيُّ أن مذهبنا في هذا الباب هو قول عثمان وابن عباس والحسن البصري والثوري والحسن بن صالح وهو قول مالك في السائمة . (٣) فمن كان عنده مائتا درهم في أول الحول وقد حصل في وسطه مائة درهم مثلاً يُضمّ إلى المائتين، ويُعطي زكاة الكل عند حَوَلان الحول على الأول. (١) المستفاد على نوعين: الأول أن يكون من جنسه، والثاني أن يكون من غير جنسه كما إذا كان له إبل فاستفاد بقراً فلا يُضمُّ إلى الذي عنده بالاتفاق، والأول على نوعين: أحدهما أن = ١٣٧ ٤ - (باب الرجل يكون له الدَّيْن هل عليه فيه زكاة) ٣٢٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا محمد (١) بن عقبة مولى الزبير أنه سأل القاسم بن محمد(٢) عن مكاتَبٍ له قاطعه(٣) بمال عظيم؟ قال(٤): قلت: هل فيه زكاة؟ قال القاسم: إن أبا بكر كان(٥) لا يأخُذُ من مالٍ صدقةً حتى يحول عليه الحول، قال القاسم: وكان أبو بكر إذا أعطى : الناسَ أَعْطِياتِهم (٦) يسأل (٧) الرجل هل عندك من مالٍ (٨) قد وجبت فيه (١) هو أخو موسى بن عقبة المدني، ثقة، كذا في ((التقريب)). (٢) أي ابن أبي بكر الصدِّيق. (٣) قوله: قاطعه، قال أبو عمر: معنى مقاطعة المكاتب أخذ مال معجّل منه دون ما كوتب عليه ليعجل عتقه(١). (٤) أي السائل. (٥) قوله: كان لا يأخذ ... إلى آخره، أي والمقاطعة فائدة لا زكاة فيها حتى يمر عليها عند مستفيدها الحول. (٦) أي أرزاقهم وعطياتهم(٢). (٧) وفي نسخة: سأل. (٨) بأن كان نصاباً مرَّ عليه الحول. يكون المستفاد من الأصل كالأولاد والأرباح فيُضمّ بالإِجماع، والثاني أن يكون مستفاداً = بسبب مقصود كالشراء فإنه يُضمُّ عندنا. الكوكب الدري ١٤/٢ . وانظر البحث الشافي في البدائع ١٣/٢، والمغني ٤٩٦/٢ وما بعدها. (١) شرح الزرقاني ٩٦/٢. (٢) أعطياتهم جمع عطايا جمع عطية، قاله الزرقاني. وقال الباجي: في اللغة اسم لما يعطيه الإِنسان غيرَه على أيَّ وجه كان إلَّ أنه في الشرع واقع على ما يُعطيه الإِمام من بيت المال على سبيل الأرزاق. أوجز المسالك ٢٤٧/٥ . ١٣٨ الزكاة؟ إن قال: نَعَمْ، أخذ من عطائه زكاةَ ذلك المال، وإن قال لا ، سلَّم (١) إليه عطاءه. قال محمد: وبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله . ٣٢٧ - أخبرنا مالك، أخبرني عمر (٢) بن حسين، عن عائشة (٣) بنت قدامة بن مظعون، عن أبيها (٤) قال: كنت إذا قبضتُ(٥) عطائي من عثمان بن عفان سألني هل عندك مالٌ وَجَبَ عليك فيه الزكاة؟ فإن قلت: نَعَمْ، أخذ من عطائي زكاة ذلك المال وإلَّ دفع(٦) إليَّ عطائي . (١) أي لم يأخذ منه شيئاً كما ليحيى. (٢) قوله: عمر بن حسين، ثقة، روى له مسلم والترمذي، وهو عمر بن حسين بن عبد الله الجُمَحي، مولاهم، أبو قدامة المكي، كذا في ((التقريب)). (٣) قوله: عائشة، القُرَشية الجُمَحية الصحابية هي وأمها ريطة بنت سفيان، من المبايعات، كذا في ((الاستيعاب)). (٤) قوله: عن أبيها، قُدامة بضم القاف ابن مظعون بن حبيب بن وهب بن حدافة بن جُمَح القرشي الجُمَحي، خال عبد الله وحفصة ابنيْ عمر بن الخطاب، هاجر إلى أرض الحبشة مع أخويه عثمان بن مظعون وعبد الله بن مظعون، ثم شهد بدراً وسائر المشاهد، وتوفي سنة ست وثلاثين، كذا في ((الاستيعاب)). (٥) أي أيام خلافته . (٦) قوله: وإلاّ دفع إليّ عطائي، في سؤاله كأبي بكر وقولهما: وإن قلت: لا إلخ: دليلٌ على تصديق الناس في أموالهم التي فيها الزكاة، وجواز إخراج زكاة المال من غيره، ولا مخالف لهما إذا كان من جنسه، فإن كان ذهباً عن فضة أو عكسە فخلاف(١). (١) شرح الزرقاني ٩٧/٢. ١٣٩ ٥ - (باب زكاة(١) الحُليّ (٢)) ٣٢٨ - أخبرنا مالك، عن عبد الرحمن بن قاسم، عن أبيه: أن عائشة كانت تلي بنات أخيها(٣) يتامى في حِجْرها، (١) قوله: باب زكاة الحُليّ، اختلفوا فيه، فمذهب مالك وأحمد في رواية وإسحاق والشافعي أنه لا زكاة في الحلي، ومذهبنا وجوب الزكاة فيه، وهو مذهب عمر وابن عمر وابن عمرو وأبي موسى وابن جبير وعطاء وعبد الله بن شداد وطاوس وابن سيرين ومجاهد والضحاك وجابر بن يزيد وعلقمة والأسود وعمر بن عبد العزيز والثوري والزهري، وهو قول عائشة وأم سلمة وفاطمة بنت قيس، كذا ذكره العيني. وقال الأثرم: سمعت أحمد بن حنبل يقول: خمسة من الصحابة كانوا لا يَرَوْنَ في الحُلِيّ زكاةً: أنس بن مالك وجابر وابن عمر وعائشة وأسماء، كذا نقله الزيلعي. أما أثر عائشة (١) فسيأتي في الكتاب، وحمله أصحابنا على أنها إنما لم تخرج الزكاة من حلي بنات أخيها لأنه لا زكاة في مال الصبي، لا لأنه ليس في الحلي زكاة. وأما أثر ابن عمر فسيأتي في الكتاب أيضاً، وحمله أصحابنا على أنه لا زكاة في مال الصبي، وأما عدم أدائه الزكاة من حلي جواريه فيُحمل على أن ابن عمر كان يرى أن المملوك يملك، ولا زكاة عليه. وأما أثر أنس فأخرجه الدارقطني عن علي بن سليمان أنه سأله عن الحلي؟ فقال: ليس فيه زكاة. وأما أثر جابر فأخرجه الشافعي ثم البيهقي عن عمرو بن دينار، قال سمعت ابن خالد يسأل جابراً عن الحلي أفيه زكاة؟ فقال: لا. وأما أثر أسماء فأخرجه الدارقطني أنها كانت تحلّي بناتها الذهب ولا تزگِّیه. (٢) بضم الحاء ويُكْسَر، فكسر اللام وتشديد الياء. وبفتح الحاء فسكون. (٣) أي لأبيها محمد بن أبي بكر، قاله الباجي. (١) وقد ثبت مذهب عائشة رضي الله عنها بخلاف هذا الأثر فإنها رُويت عنها مرفوعاً وموقوفاً الزكاةُ في الحلي، وبسطت الروايات عنها في الأوجز ٢٨١/٥. ١٤٠ لهن(١) حُلِيّ (٢)، فلا تُخرج من حُلِيِّهنّ الزكاة. ٣٢٩ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع: أن ابن عمر كان يُحَلِّى(٣) بناتِهِ وجواريه فلا يُخرج من حُلِيِّهن الزكاة . قال محمد: أمّا ما كان من حُلِيّ جوهرٍ ولؤلؤٍ فليست (٤) فيه الزكاة على كل حال(٥)، وأمَّا ما كان من حُلِيٍّ ذهبٍ أو فضة ففيه (٦) الزكاة(٧) (١) قوله: لهن، قال الباجي: يقتضي مِلْكَهُنّ له، وإن لم يتصرَّفْنَ فيه لکونھن محجورات. (٢) بفتح فسكون مفرد، ويضم وكسر اللام وتشديد الياء جمع. (٣) بتشديد اللام يُلْبِسُهُنّ الحليّ. (٤) قوله : فليست فيه الزكاة ، لأن ما سوى الثَّمَنَين من الذهب والفضة وما يُتَّخذ منهما لا يجب فيه الزكاة إذا لم تكن للتجارة. ويؤيّده ما أخرجه ابن أبي شيبة عن عكرمة قال: ليس في حجر اللؤلؤ ولا في حجر الزمرد زكاة إلا أن يكون للتجارة. وأخرج ابن عدي في ((الكامل)) عن عمروبن أبي عمرو الكلاعي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً: لا زكاة في حجر، وضُعَّف بعمرٍو والكلاعي وقال: إنه مجهول، لا أعلم حدث عنه غير بقية، وأحاديثه منكرة، وذكر ابن حجر أنه قد تابعه عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي ومحمد بن عبد الله العزرمي عن عمرو بن شعيب، وكلاهما متروكان . (٥) أي سواء كان للبالغ أو الصبي. (٦) وأما ما رُوَى عن جابر مرفوعاً: ليس في الحلي زكاةٌ، فباطل، لا أصل له، وإنما هو قول جابر، قاله البيهقي . (٧) قوله: ففيه الزكاة، لما أخرجه أبو داود والنسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن امرأة أتت النبيَّ وَّرَ ومعها ابنةٌ لها وفي يد ابنتها مسكتان = ١٤١