النص المفهرس
صفحات 41-60
أن رسولَ الله وسلم رأى بصاقاً(١) في قبلة(٢) المسجد فحكَّه(٣)(٤)،
ثم أقبل (٥) على الناس،، فقال: إذا كان(٦) أحدُكُم يصلِّي فلا (٧)
يبصقْ (٨) قِبَل وجهه، فإن الله (٩)
= ما يخرج من الخيشوم والحلقوم. البصاق من الفم والمخاط من الأنف والنخامة من
الأنف .
(١) قوله: بصاقاً، بصاد مهملة وفي لغة بالزاء المعجمة، وأخرى بالسين.
وضُعِّفت، والباء مضمومة في الثلاث: هو ما يسيل من الفم، كذا ذكره الزرقاني.
(أ) أي: في حائط من جهة قبلة المسجد.
(٣) قوله: فحكَّه، في رواية أيوب عن نافع، ثم نزل فحكّه بيده، وفيه
إشعار بأنه رآه حال الخطبة، وبه صرَّح به في رواية الإِسماعيلي : زاد (وأحسبه دعا
بزعفران فلطخه به)، زاد عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب: (فلذلك صنع
الزعفران في المساجد)، كذا ذكره الزرقاني .
(٤) أي: أزاله بيده.
(٥) بوجهه الكريم.
(٦) قوله: إذا كان .... إلى آخره، قال الباجي: خصَّ بذلك حال الصلاة لفضيلة
تلك الحال ولأنه حينئذٍ يكون مستقبل القبلة .
(٧) بالجزم على النهي.
(٨) أي: مطلقاً لا في جدار المسجد ولا في غيره.
(٩) قال ابن عبد البر: هو كلام على التعظيم لشأن القبلة. قوله: فإن الله
تعالى، قد نزع به المعتزلة القائلون بأن الله في كل مكان، وهو جهل واضح. وهذا
التعليل يدل على حرمة البزاق في القبلة سواء كان في المسجد أم لا، ولا سيَّما من =
٤٢
تعالى قِبَل(١) وجهه إذا صلَّى.
قال محمد: ينبغي له أن لا يبصق تلقاء(٢) وجهه ولا عن يمينه(٣)
وليبصقْ تحت رجله اليسرى(٤).
٨٧ - (باب الجنب والحائض(٥) يعرقان في ثوب)
٢٨١ - أخبرنا مالك، حدَّثنا نافع، عن ابن عمر: أنه كان
يَعْرَقُ(٦) في الثوب(٧) وهو جنب، ثم يصلي فيه .
= المصلّي، وفي صحيح ابن خزيمة وابن حبان، عن حذيفة مرفوعاً: ((من تفل تجاه
القبلة جاء يوم القيامة وتفله بين عينيه))، ولابن خزيمة، عن ابن عمر مرفوعاً: ((يُبعث
صاحب النخامة في القبلة يوم القيامة وهي في وجهه))، كذا ذكره الزرقاني .
(١) بكسر القاف وفتح الباء أي قدّام وجهه ، قوله : قبل وجهه ، هذا على
التشبيه أي كأن الله في مقابل وجهه، وقال النووي: معناه فإن الله قِبَل الجهة التي
عظَّمها، وقيل: معناه فإن قبلَة اللَّهِ قِبَل وجهه أو ثوابه أو نحو ذلك.
(٢) أي: طرف وجهه لأنه جهة الكعبة.
(٣) لشرف الملك.
(٤) أو عن يساره إن لم يكن هناك رجل ، بذلك وردت الأخبار والسنن،
قوله: وليبصق، أي إذا كان تحت رجله شيء من ثيابه وإلّ فيُكره فوق أرض
المسجد وكذا فوق حصيره.
(٥) حكى النووي الاتفاق على طهارة سؤر الحائض وعَرَقها.
(٦) بفتح الياء والراء.
(٧) الذي هو لابسه، وفي معنى الجنب الحائض والنُّفَساء.
٤٣
قال محمد: وبهذا نأخذ لا بأس به ما لم يُصب (١) الثوب من
المني (٢) (٣) شيء، وهو قول أبي حنيفة - رحمه الله -.
٨٨ - (باب بَدْأ (٤) أمر القِبلة
وما نُسخ من قبلة بيت المقدس)
٢٨٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبدُ الله(٥) بن دينار، عن
عبدِ الله بن عمر قال: بينما الناسُ في صلاة(٦)
(١) قوله: ما لم يصب، لما أخرجه الطحاوي وغيره عن معاوية أنه سأل أمَّ حبيبة:
هل كان النبي يصلّي في الثوب الذي يضاجعك فيه؟ قالت: نعم، إذا لم يُصْبْه
أذى.
(٢) ونحوه من النجاسات.
(٣) فإنه نجس، وأما العرق فليس بنجس(١).
(٤) بالفتح أي ابتداؤه.
(٥) قوله: عبد الله، قال ابن عبد البر: كذا رواه جماعة الرواة إلَّ
عبد العزيز بن يحيى، فإنه رواه عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، والصحيح
ما في ((الموطأ))(٢).
(٦) قوله: في صلاة الصبح، قال الحافظ(٣): هذا لا يخالف حديث البراء =
(١) قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن عرق الجنب طاهر، ثبت ذلك عن
ابن عمر وابن عباس وغيرهما من الفقهاء، كذا في ((الأوجز)) عن ((المغني)) وبسط الكلام
على ذلك العيني فارجع إليه لوشئت، وقال ابن قدامة: سؤر الآدمي طاهر سواء كان مسلماً
أو كافراً عند عامة أهل العلم إلاّ أنه حُكي عن النخعي، أنه كره سؤر الحائض. انظر
الكوكب الدري ١٥٦/١ .
(٢) شرح الزرقاني ٣٩٥/١.
(٣) فتح الباري ٥٠٦/١، ولا مع الدراري ٥٨٥/١.
٤٤
الصبح إذ أتاه(١) رجل (٢)،
= في ((الصحيحين)) أنهم كانوا في صلاة العصر لأن الخبر وصل وقت العصر إلى من
هو داخل المدينة، وهم بنو حارثة، وذلك في حديث البراء، والآتي إليهم بذلك
عبّاد بن بشر، كما رواه ابن مندة وغيره، وقيل: عبّاد بن نَهِيك - بفتح النون وكسر
الهاء - ورجح أبو عمر الأول، وقيل: عباد بن نصر الأنصاري، والمحفوظ عباد بن
بشر، ووصل الخبر وقت الصبح إلى،من هو خارج المدينة، وهم بنو عمرو بن عوف
أهل قُباء، وذلك في حديث ابن عمر.
(١) ولمسلم في صلاة الغداة(١).
(٢) قوله: رجل، ذكر السعد مسعود بن عمر التفتازاني أنّه ابن عمر وأنس،
حيث قال في ((التلويح حاشية التوضيح)) عند قول صدر الشريعة: وأما إخبار الصبي
والمعتوه فلا يُقبل منه في الديانات أصلاً ... إلى آخره، فإن قيل: إن ابن عمر أخبر
أهل قباء بتحويل القبلة فاستداروا كهيئاتهم، وكان صبياً، قلنا: لو سُلِّم كونه صبياً،
فقد رُوي أنه أخبرهم بذلك أنس، فيحتمل أنهما جاءا جميعاً فأخبراهم. انتهى.
قلت: لم أقف لهاتين الروايتين على سند، ولم أطّلع له ما يدلّ عليه من كلمات
المحدِّثين، فإنه لم يذكر أحد منهم أن المُخْبِر بذلك ابن عمر وأنس، بل ذكر
بعضهم عبّاد بن بشر، وبعضهم عبّاد بن نَهيك، حكاهما السيوطي في ((تنوير
الحوالك))(٢)، جزم بالأول القسطلاني في ((إرشاد الساري))، وذكر الحافظ ابن حجر
وكفاك به اطِّلاعاً أن مُخبر أهل قباء لم يسمّ وإن كان ابن طاهر وغيرُه نقلوا أنه
عبّاد بن بشر، ففيه نظر، لأن ذلك إنما ورد في حق بني حارثة في صلاة
العصر، فإن كان ما نقله محفوظاً، فيحتمل أن عبّاداً أتى بني حارثة أولاً في العصر،
ثم توجّه إلى أهل قباء وقت الصبح فأعلمهم بالفجر، ومما يدلّ على تعدّدهما =
(١) أخرجه مسلم في باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة، رقم الحديث ١٤ .
(٢) ٢٠١/١.
٤٥
فقال: إِنَّ رسولَ اللهِ وَ ◌ّهِ قد أُنزل عليه الليلة(١) قرآنٌ(٢) وقد أُمر(٣) أن
يستقبلَ القِبلة، فاستقبَلوها(٤)، وكانت وجوهُهُم إلى الشام(٥)
= ما روى مسلم عن أنس أن رجلاً من بني سلمة مرَّ وهم ركوع في صلاة الفجر.
انتھی(١).
(١) قوله: الليلة، قال الباجي: أضاف النزول إلى الليل على ما بلغه،
ولعله لم يعلم بنزوله قبل ذلك، أو لعله ير أمر باستقبال الكعبة بالوحي، ثم أُنزل
عليه القرآن من الليلة.
(٢) بالتنكير لإِرادة البعضية، والمراد قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَىْ تقلُّب.﴾ الآيات.
(٣) قوله: وقد أُمر، وقع في رواية البخاري أنَّ أول صلاة صلّها
رسول الله ﴿ متوجِّهاً إلى الكعبة العصر، وعند ابن سعد: حُوِّلت القبلة في صلاة
الظهر أو العصر على التردُّد. والتحقيق أنَّ أول صلاةٍ صلّها في بني سَلِمة لمّا مات
بشر بن البراء بن معرور الظهر، وأوَّل صلاةٍ صلاها في المسجد النبوي العصر، كذا
في «فتح الباري)).
(٤) قوله: فاستقبلوها، بفتح الموحّدة على رواية الأكثر، أي: فتحوَّل أهل
قباء إلى جهة الكعبة، ويحتمل أن فاعله النبي وَالر ومن معه، وضمير وجوههم له
أو لأهل قباء، وفي رواية: فاستقبلوها بكسر الموحدة - أمر - ويأتي في ضمير
وجوههم الاحتمالان، وعَوْده إلى أهل قباء أظهر، ويرجِّح رواية الكسر رواية
البخاري في ((التفسير)) بلفظ: وقد أمر أن يستقبل القبلة، ألا فاستقبلوها، فدخول
حرف الاستفتاح يشعر بأن ما بعده أمر لا خبر، قاله الزرقاني(٢).
(٥) أي: بيت المقدس.
(١) فتح الباري ٥٠٦/١.
(٢) ٣٩٦/١.
٤٦
فاستداروا(١) إلى الكعبة.
قال محمد: وبهذا نأخذ فيمن أخطأ القِبلة حتى صلَّى ركعة أو
ركعتين (٢)، ثم عَلِم أنه يصلّي إلى غير القِبلة فلينحرفْ(٣) إلى القِبلة
(١) قوله : فاستداروا، وقع بيان كيفية التحويل في حديث تويلة بنت أسلم
عند ابن أبي حاتم، قالت فيه: فتحوَّل النساء مكان الرجال، والرجال مكان النساء،
فصلَّينا السجدتين الباقيتين إلى المسجد الحرام. وتصويره أن الإِمام تحوَّل من
مكانه إلى مؤخَّر المسجد، لأن من استقبل القبلة استدبر بيت المقدس، وهو لو دار
كما هو في مكانه لم يكن خلفه مكان يسع الصفوف، ولمّا تحوَّل الإِمام تحولت
الأرض، وهذا يستدعي عملاً كثيراً في الصلاة، فيحتمل أنه وقع قبل تحريم العمل
الكثير، ويحتمل أنه اغتُفر للمصلحة أو لم تتوالَ الخُطا عند التحويل، بل وقعت
مفترقة، وفي الحديث دليل على أن حكم الناسخ لا يثبت في حق المكلَّف حتى
يبلغه، لأن أهل قباء لم يُؤمروا بالإِعادة مع أن الأمر باستقبال الكعبة وقع قبل
صلاتهم، واستنبط منه الطحاوي أن من لم تبلغه الدعوة ولم يمكنه استعلام ذلك
فالفرض لا يلزمه، وفيه قبول خبر الواحد(١)، كذا في ((شرح الزرقاني)).
(٢) أي: بعد ما تحرّى فإنه لو صلّى بغير تحرِّ لم يجز، كذا قالوا(٢).
(٣) كأهل قباء إذا علموا أنهم يصلّون إلى غير القبلة .
(١) والأوجه أن الخبر كان محتفاً بالقرائن، أفادت القطع عندهم، وهي انتظاره وصل﴿ من قبل
ذلك، فقد ورد أنه يدعو وينظر إلى السماء. أوجز المسالك ٩٦/٤.
(٢) قال الباجي في المنتقى ٣٤٠/١: ظاهر الحديث يدل على أنهم بنوا على ما تقدم من
صلاتهم، ولو شرع أحد بصلاته إلى غير القبلة وهو يظنها إلى القبلة ثم تبيَّن له، فإن كان
منحرفاً انحرافاً يسيراً رجع إلى القبلة وبنى، وإن كان منحرفاً عنها انحرافاً كثيراً استأنف
الصلاة، والفرق بينه وبين أهل قباء أنهم افتتحوا الصلاة إلى ما شرع لهم من القبلة، فلمّا
طرأ النسخ في نفس العبادة لم يجز إفساد ما تقدَّم منها على الصحة. أهـ.
وفي الأوجز ٩٦/٤: لا تفصيل عند الحنفية، وتصح صلاته بكل حال، ومذهب الشافعية
الإعادة مطلقاً لمن اجتهد في القبلة فأخطأ، كما في الفتح وغيره.
٤٧
فيصلّ ما بقي ويَعتدّ(١) بما مضى، وهو قول أبي حنيفةٍ
- رحمه الله - .
٨٩ - (باب الرجل يصلي بالقوم(٢)
وهو جُنُب أو على غير وضوء)
٢٨٣ - أخبرنا مالك، حدثنا إسماعيلُ بنُ أبي الحكيم أن
سليمان بن يسار أخبره: أن عمرَ بنَ الخطاب صلّى (٣) الصبح، ثم
ركب (٤) إلى الجُرُف(٥)، ثم بعدما طلعت الشمسُ رأى في ثوبه
احتلاماً(٦)، فقال: لقد احتلمتُ، وما شَعَرتُ(٧)، ولقد سلِّط عليّ
الاحتلام منذٌ(٨).
(١) أي : لا يحتاج إلى استئناف الصلاة حتى يجوز أن تقع أربع ركعات
في أربع جهات.
(٢) أي: وهو يظن أنه على طهارة.
(٣) صرح أن صلاته كانت بالناس.
(٤) قوله: ثم ركب إلى الجُرُف، فيه أن الإِمام من وَلِيَ شيئاً من أمور
المسلمین له أن يتعاهد ضیعته وأمور دنياه.
(٥) بضم الجيم والراء وفاء، قال الرافعي: على ثلاثة أميال من المدينة من
جانب الشام.
(٦) أي: أثره وهو المني.
(٧) بفتحتين، أي: علمت.
(٨) قوله: منذ وُلَّيْتُ أمرَ الناس، قال الباجي: يحتمل أن يريد أن ذلك كان
وقتاً لابتلائه لمعنى من المعاني، لم يذكره، ووقّته بما ذكر من ولايته، ويحتمل أن
٤٨
وُلِّيتُ أمرَ النَّاسِ ثم غسل(١) ما رأى في ثوبه،
= شغله بأمر الناس واهتمامه بهم صرفه عن الاشتغال بالنساء فكثر عليه الاحتلام، كذا
في ((التنوير))(١).
(١) قوله: ثم غسل، في غسل عمر الاحتلام من ثوبه دليلٌ على نجاسة
المني لأنه لم يكن ليشتغل مع شغل السفر بغسل شيء طاهر. ولم يختلف العلماء
في ما عدا المني من كل ما يخرج من الذّكر أنه نجس، وفي إجماعهم على ذلك
ما يدل على نجاسة المنيّ المختلّف فيه، ولو لم يكن له علة جامعة إلّ خروجه مع
البول والمذي والودي مخرجاً واحداً لكفَى، وأما الرواية المرفوعة فيه: فروى
عمروبن ميمون، عن سليمان بن يسار، عن عائشة: كنت أغسله من ثوب
رسول الله(٢). وروى همام والأسود عنها قالت: كنت أفركه من ثوب
رسول الله (٣). وحديث همام والأسود أثبت من جهة الإِسناد. وأما اختلاف
السلف والخلف في نجاسة المني، فرُوي عن عمر وابن مسعود وجابر بن سمرة:
أنهم غسلوه، وأمروا بغسله. ومثله عن ابن عمر وعائشة على اختلافٍ عنهما،
وقال مالك: غسل الاحتلام واجب، ولا يجزىء عنده وعند أصحابه في المني وفي
سائر النجاسات إلّ الغسل بالماء، ولا يجزىء فيه الفرك. وأما أبو حنيفة وأصحابه،
فالمنيّ عندهم نَجَس، ويجري فيه الفرك على أصلهم في النجاسة، وقال
الحسن بن حيّ: تُعاد الصلاة من المني في الجسد وإن قلِّ، ولا تعاد من المني
في الثوب، وكان يفتي مع ذلك بفركه عن الثوب. وقال الشافعي: المني طاهر،
ويفركه إن كان يابساً، وإن لم يفركه فلا بأس به. وعند أبي ثور، وأحمد،
وإسحاق، وداود: طاهر كقول الشافعي، ويستحبون غسله رطباً وفركه يابساً، وهو =
(١) ٦٨/١، وانظر المنتقى ١٠١/١، وأوجز المسالك ٢٩٥/١.
(٢) أخرجه البخاري ٥٥/١ .
(٣) سنن ابن ماجه ١ /٩٩.
٤٩
ونَضَحَه(١)، ثم اغتسل ثم قام(٢) فصلى الصبح بعدما طلعت الشمس.
قال محمد: وبهذا نأخذ، ونرى(٣) .
= قول ابن عباس وسعد، كذا في ((الاستذكار)(١).
(١) أي: رشّ ما لم يَرَ فيه أذى، لأنه شكَّ هل أصابه المني أم لا؟ ومن
شك في ذلك وجب نضحه تطييباً للنفس. قوله: ونضحه، لا خلاف بين العلماء في
أن النضح في حديث عمر هذا معناه الرشُّ وهو عند أهل العلم طهارة لما شك فيه
كأنهم جعلوه رافعاً للوسوسة، ندب بعضهم إلى ذلك، وأباه بعضهم، وقال:
لا يزيده النضح إلَّ شراً، كذا قال ابن عبد البرّ(٢).
(٢) قوله : قام، فيه دليل على ما ذكره أصحابنا وغيرهم أنَّ من رأى في ثوبه
أثر احتلام، ولم يتذكَّر المنام وقد صلّى فيه قبل ذلك يحمله على آخر نومة نامها،
ويعيدُ ما صلّى بينه وبين آخر نومته، وهو من فروع الحادث يُضاف إلى أقرب
الأوقات.
(٣) قوله: ونرى ... إلى آخره، فيه خلاف بين الصحابة والتابعين ومن
بعدهم من الأئمة المجتهدين، فقال مالك وأصحابه والثوري والأوزاعي والشافعي :
لا إعادة على من صلّى خلف من نَسِيَ الجنابة وصلّى ثم تذكَّر، إنما الإِعادة على
الإِمام فقط، ورُوي ذلك عن عمر، فإنه لمّا صلّى الصبح بجماعة،، ثم غدا إلى
أرضه بالجُرُف، فوجد في ثوبه احتلاماً أعاد صلاته، ولم يأمرهم بالإِعادة. وروى =
(١) ٣٥٩/١. وذهب الشافعي وأحمد في أصح قوليه وإسحاق إلى أنَّ المنيّ طاهر، وإنما
يغسل الثوب منه لأجل النظافة لا للنجاسة، وروي ذلك عن عليّ وسعد بن أبي وقاص،
وابن عمر وعائشة، وذهب أبو حنيفة ومالك والثوري والأوزاعي، والليث، والحسن بن حي
إلى أنه نجس غير أنَّ أبا حنيفة يقول بإجزاء الفرك، ولا يجزىء عندهما إلاّ الغسل كحكم سائر
النجاسات. هذا ملخّص ما في ((شرح المهذَّب)) ٥٥٤/٢ .
(٢) الاستذكار ٣٦٠/١.
٥٠
أن من علم (١) ذلك ممن صلَّى خلف عمر فعليه أن يعيدَ الصلاة كما
أعادها عمر لأن الإِمام(٢) إذا فسدت صلاته فسدت صلاة من خلفه،
وهو قول أبي حنيفة - رحمه الله - .
= ابن أبي شيبة عن الحارث، عن عليّ في الجنب يصلّي بالقوم، قال: يعيد
ولا يعيدون. وروى أحمد عن عثمان صلّى بالناس الفجر، فلما ارتفع النهار، فإذا
هو بأثر الجنابة، فقال: كبرت، والله،ُ كبرت، فأعاد الصلاة، ولم يأمرهم أن
يعيدوا. وبه قال أحمد حكاه الأثرم، وإسحاق وأبو ثور، وأبو داود، والحسن
وإبراهيم، وسعيد بن جبير، وقال أبو حنيفة والشعبي وحماد بن أبي سليمان: إنه
يجب عليهم الإِعادة أيضاً، وروى عبد الرزاق بسند منقطع عن علي رضي الله
عنه مثله، كذا ذكره ابن عبد البر في ((الاستذكار))(١).
(١) وأما من لم يعلم فلا عليه شيء، لأن التكليف بحسب الوسع.
(٢) قوله: لأن الإِمام ... إلى آخره، تعليل لطيف على مدَّعاه بأن الإِمام
إذا فسدت صلاته فسدت صلاة المؤتم، لأن الإِمام إنما جُعل ليؤتم به، والإِمام
ضامن لصلاة المقتدي كما ورد به الحديث، فصلاة المقتدي مشمولة في صلاة
الإِمام، وصلاة الإِمام متضمّنة لها بصحتها، وفسادها بفسادها، فإذا صلّى الإِمام
جنباً لم تصح صلاته، لفَوات الشرط، وهي متضمّنة لصلاة المؤتَمّ، فتفسد صلاته
أيضاً، فإذا علم ذلك يلزم عليه الإِعادة، ويتفرَّع عليه أنه يلزم الإِمام إذا وقع ذلك
أن يُعلمهم به ليعيدوا صلاتهم، ولو لم يُعلمهم لا إثم عليهم، وهذا التقرير واضح
قويٌّ إلاّ ان یدلَّ دلیل أقوى منه على خلافه.
(١) ٣٦٢/١. وفي أوجز المسالك ٢٩٩/١: واختلف العلماء فيمن صلّى خلف جنب
أو محدث وهو ناسٍ فلم يعلم هو ولا المأمومون حتى فرغوا من الصلاة، فقال الأئمة الثلاثة:
إن صلاة الإِمام باطلة وصلاتهم صحيحة، وروي عن علي أنهم يعيدون، وبه قال
ابن سيرين والشعبي وأبو حنيفة وأصحابه، كذا في ((المغني)).
٥١
٩٠ - (باب الرجل(١) يركع دون(٢) الصفّ
أو يقرأ(٣) في ركوعه)
٢٨٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن أبي أمامة (٤) بن
سهل بن حنيف(٥) أنه قال: دخل (٦) زيد بن ثابت، فوجد الناس
رکوعاً(٧) فرکع(٨)
(١) أي: ما حكمه؟
(٢) أي: قبل بلوغه إلى الصف.
(٣) أي: يقرأ القرآن في ركوعه وسجوده.
(٤) قوله: أبي أمامة، معدود في الصحابة لأن له رؤية، ولم يسمع، اسمه
أسعد، وقيل سعد، مات سنة ١٠٠ هـ ، وأبوه سهل بن حنيف صحابي شهير من
أهل بدر، كذا ذكره الزرقاني .
(٥) بضم المهملة وفتح النون.
(٦) أي: في المسجد.
(٧) أي: راكعين.
(٨) قوله: فركع ثم دبَّ، قال مالك: بلغه أن عبد الله بن مسعود کان یدبّ
راكعاً، قال ابن عبد البر: لا أعلم لهما مخالفاً إلَّ أبا هريرة، فقال: لا تركع حتى
تأخذ مقامك من الصف، قال: وقاله رسول الله وَله، واستحبه الشافعي، قال: فإن
فعل فلا شيء عليه، وأجاز مالك والليث للرجل وحده أن يركع، ويمشي إلى
الصف إذا كان قريباً، وكرهه أبو حنيفة والثوري للواحد(١).
(١) وقال أحمد وإسحاق: من صلّى خلف صف منفرداً فصلاته باطلة. انظر أوجز المسالك
٠٢١٧/٣
٥٢
ثم دبَّ(١) حتى وصل الصف.
قال محمد: هذا يُجزىء(٢)، وأحبُّ(٣) إلينا أن لا يركع حتى
يصل إلى الصف، وهو قول أبي حنيفة - رحمه الله - .
٢٨٥ - قال محمد، حدثنا(٤) المبارك(٥) بن فَضَالة، عن
(١) قوله: ثم دبَّ، دبّ يدب يدرج في المشي رويداً ولا يسرع، كذا في
((مجمع البحار)).
(٢) أي: يكفي ولا يفسد الصلاة لأن العمل قليل ، قوله : يجزىء، أي:
يكفي في الأداء لكن بشرط أن لا تقع ثلاث خطوات متوالية في ركن من أركان
الصلاة، كذا ذكره بعضهم. وفي الخلاصة: إذا مشى في صلاة إن كان قدر صفّ
واحد لا تفسد، وإن كان قدر صفّين بدفعة يفسد، ولو مشى إلى صف، ثم وقف،
ثم إلى صف آخر لا تفسد، وفي ((الظهيرية)) المختار أنه إذا كثر تفسد، كذا قال
علي القاري .
(٣) لينال زيادة الثواب بكثرة الخطى وطول الانتظار والاشتراك في
الجماعة .
(٤) وفي نسخة: عن.
(٥) قوله: المبارك، هو المبارك بن فضالة - بفتح الفاء وتخفيف الضاد
المعجمة - أبو فضالة مولى آل الخطاب العدوي البصري، صدوق يُدَلِّس، قال
أبو زرعة: إذا قال حدَّثنا فهو ثقة، روى عن الحسن البصري وبكر المزني، وعنه
ابن المبارك وغيره، مات سنة ١٦٦هـ على الصحيح، كذا في ((التقريب))
و «الكاشف)».
٥٣
الحسن: أن أبا بكرة(١) رضي الله عنه ركع (٢) دون (٣) الصفّ ثم
مشى (٤) حتى وَصَلَ الصف، فلما قضى صلاته ذَكَر(٥) ذلك
لرسول الله وَ ل﴿، فقال له وَلَه: زادك اللَّهُ حرصاً(٦) ولا تَعُدْ(٧).
(١) هذا الحديث رواه البخاري وأبو داود وأحمد والنسائي. قوله: أن
أبا بكرة: بسكون الكاف نُفيع بن الحارث الثقفي - بضم النون وفتح الفاء وسكون
الياء - كذا في ((جامع الأصول)) لابن الأثير الجزري، وفي ((الاستيعاب)) اسمه
نفيع بن مسروح، وقيل: نفيع بن الحارث بن كلدة، كان نزل يوم الطائف إلى
رسول اللّه ◌َليو، فأسلم في غلمان من غلمان الطائف، فأعتقهم رسول الله وَله وقد
عُدَّ من مواليه، توفي بالبصرة سنة إحدى وقيل: اثنتين وخمسين.
(٢) ليدرك الركعة.
(٣) أي: قبل أن يصل إليه.
(٤) أي: بخطوتين، أو أكثر غير متوالية .
(٥) على البناء للمفعول، وقيل للمعلوم.
(٦) على الطاعة والمبادرة إلى العبادة(١).
(٧) قوله: ولا تَعُد، بفتح التاء وضم العين، من العَوْد، أي: لا تفعل مثل
ما فعلته ثانياً، وروي: لا تَعْدُ - بسكون العين وضم الدال ــ من العدو، أي:
لا تُسرع في المشي إلى الصلاة، وقيل: بضم التاء وكسر العين من الإِعادة أي:
لا تُعد الصلاة التي صلَّيتها، قال القاضي: ذهب الجمهور إلى أنَّ الانفراد خلف
الصف مكروه، وقال النخعي وحماد بن أبي ليلى ووكيع وأحمد: مبطل. والحديث
حجة عليهم، فإن النبي وَلّر لم يأمر أبا بكرة بالإِعادة، ومعنى لا تعد: لا تفعل ثانياً =
(١) دعا له رسول الله ﴿ بالحرص على العبادة لأنه محمود، ولكن بحيث يوافق الشرع، فإن
الحرص على العبادة بوجه لا يوافق الشرع مذموم ولهذا قال: ولا تعد. بذل المجهود
٣٥١/٤.
٥٤
قال محمد: هكذا نقول: وهو يجزىء وأحبّ إلينا أن
لا يُفعل(١).
٢٨٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع(٢) مولى ابن عمر، عن
إبراهيم(٣) بن عبد الله بن حُنين (٤)، عن عبد الله(٥) بن حُنين، عن
= مثلَ ما فعلت، إن جُعل نهياً عن اقتدائه منفرداً وركوعه قبل أن يصلَ إلى الصف،
ولا يدل على فسادِ الصلاة، ويحتمل أن يكون عائداً إلى المشي في الصلاة، فإن
الخطوة والخطوتين وإن لم يفسد الصلاة لكن الأولى التحرز عنها، كذا في
((المرقاة))(١).
(١) قوله: أن لا يُفعل، وما روي عن زيد وابن مسعود، أنهما كانا يفعلان
ذلك، فإما أنه لم يبلغهما الخبر الدالّ على النهي عن ذلك صريحاً، أو حملاه على
نھي إرشاد أو نحو ذلك.
(٢) في الإِسناد ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض، وهو من
اللطائف (٢).
(٣) الهاشمي مولاهم المدني التابعي، قال ابن سعد: ثقة، كثير الحديث
روى له الجميع، مات بعد المائة كذا ذكره الزرقاني .
(٤) مصغراً.
(٥) التابعي الثقة المتوفّى في إمارة يزيد، روى له الجماعة، كذا ذكره
الزرقاني .
(١) ٧٦/٣، وقال القاري: ((قد أبعد من قال: ولا تُعِدْ بضم التاء وكسر العين من الإِعادة، أي:
لا تعد، وأبعد منه من قال إنه بإسكان العين، وضم الدال من العدو، أي: لا تسرع
وكلاهما لا يأتي به رواية .
(٢) شرح الزرقاني ١٦٦/١.
٥٥
علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أن رسول الله وَلّل نهى عن لبس(١)
القَسِّيِّ وعن لبس(٢) الْمُعَصْفَرِ(٣) وعن تَخَتُّمِ الذَّهَبِ وعن قراءة(٤)
القرآن في الركوع(٥).
قال محمد: وبهذا نأخذ، تُكره القراءةُ في الركوع والسجود وهو
(١) قوله: عن لبس القَسِّيِّ، قال الباجي(١): بفتح القاف وتشديد السين،
قال: فسره ابن وهب بأنها ثياب مضلعة، يريد مخطّطة بالحرير، وكانت تعمل
بالقَسّ، وهو موضع بمصر، يلي الفرما، وفي ((النهاية)»: هي ثياب من كُتّان مخلوط
بالحرير يؤتى بهامن مصر نُسبت إلى قرية على ساحل البحر قريباً من تِنَّيس، يُقال لها
القَسّ، بفتح القاف، وبعض أهل الحديث يكسرها، وقيل: أصل القَسِّيّ القزّي،
هو ضرب من الإِبَرَيْسم أبدل الزاء سيناً، كذا في ((التنوير))(٢).
(٢) قوله: وعن ليس المعصفر، أجازه قوم من أهل العلم وكرهه(٣) آخرون
ولا حجة عندي لمن أباحه مع ما جاء من نهيه ◌َّر عن ذلك، كذا قال ابن عبد البر.
(٣) عُصْفُر - بضم أول وضم فاء -: گل کاجيره كه بهندي آنرا كسنبه
گویندوجامه که برنك آن سرخ کرده شود آنرا معصفر گويند (٤) (غياث اللغات).
(٤) قوله: وعن قراءة: إلى آخره، قال الخطابي: لما كان الركوع والسجود
وهما في غاية الذلّ والخضوع مخصوصَيْن بالذكر والتسبيح، نُهي عن القراءة فيهما.
(٥) رواه معمر عن ابن شهاب، عن إبراهيم بن حنين فزاد: والسجود.
(١) ١٤٩/١ .
(٢) ١٠١/١.
(٣) والنهي للتنزيه على المشهور، وكره مالك الثوب المعصفر للرجال في غير الإِحرام. أوجز
المسالك ٧٤/١.
(٤) بالفارسية.
٥٦
قول(١) أبي حنيفة - رحمه الله - .
٩١ - (باب الرجل يصلي (٢) وهو يحمل الشيء)
٢٨٧ - أخبرنا مالك، أخبرني عامر بن عبد الله بن الزبير، عن
عمرو بن سليم الزرقي، عن أبي قتادة السلمي: أن رسول الله
كان يصلِّي (٣) وهو حاملٌ(٤) أمامةَ(٥) بنت (٦).
(١) بل قول الكل لا خلاف فيه (١)، ذكره ابن عبد البر.
(٢) جملة حالية.
(٣) قوله: كان يصلي، أخرج الطبراني في ((الكبير))، عن عمرو بن سليم
الزرقي قال: إن الصلاة التي صلّى رسول الله وٍَّ وهو حاملٌ أَمامة صلاة الصبح،
كذا في «مرقاة الصعود)).
(٤) لأحمد: على رقبته.
(٥) قوله: أمامة، هي أمامة بنت أبي العاص بن الربيع بن عبد العزى بن
عبد شمس بن مناف، وأمها زينب بنت رسول الله، وُلدت على عهد رسول الله { ل﴾ وكان
يحبها وكان ربما حملها على عنقه في الصلاة، وتزوَّجها عليّ بن أبي طالب بعد
فاطمة، فلما قُتل علي تزوَّجها المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب،
فولدت له يحيى وهلكت عنده، وقيل: لم تلد لا لعلي ولا للمغيرة، وليس لزينب
عقب، كذا في ((الاستيعاب)).
(٦) الإضافة: بمعنى اللام، فأظهر في المعطوف وهو قوله ولأبي العاص
ما هو مقدر في المعطوف عليه.
(١) قال ابن رشد في ((بداية المجتهد)) اتفق الجمهور على منع قراءة القرآن في الركوع والسجود
الحديث عليّ. قال الطبري: وهو حديث صحيح به أخذ فقهاء الأمصار، وسار قوم من
التابعين إلى جواز ذلك وهو مذهب البخاري، لأنه لم يصح الحديث عنده. أهـ مختصراً.
ثم هي كراهة تنزيه عند أكثر العلماء. أوجز المسالك ٧٥/١.
٥٧
زينب(١) بنت رسول الله وَلته، ولأبي العاص(٢) بن الربيع، فإذا(٣)
سجد وضعها وإذا (٤) قام حملها .
(١) قوله: زينب، كانت أكبر بنات رسول الله ير أسلمت وهاجرت حين
أبى زوجها أن يُسلم، وتوفَيت في حياة رسول الله وَّل سنة ثمان من الهجرة، كذا
في (الاستيعاب)).
(٢) قوله: ولأبي العاص بن الربيع، اختلف في اسمه فقيل لقيط، وقيل:
مهشم، وقيل: هشيم، وقيل: مهيشم، والأكثر على الأول، أسلم، وردّ رسول الله
زينب إليه، مات سنة ١٢ هـ، كذا في ((الاستيعاب)).
(٣) ولمسلم: إذا ركع وضعها. قوله: فإذا سجد وضعها ... إلى آخره،
اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث، فروى ابن القاسم، عن مالك أنه كان في
النافلة، واستبعده المأزري والقرطبي وعياض لما في مسلم: رأيتُ رسول الله محصله
يؤمُّ الناس وأمامة على عاتقه. ولأبي داود: بينا نحن ننتظر رسول الله صلّ في الظهر
أو العصر، وقد دعاه بلال إلى الصلاة إذ خرج إلينا وأمامة على عاتقه، فقام في
مصلاه، فقمنا خلفه، فكِّر، فكِّرنا وهي في مكانها، وقال النووي: ادعى بعض
المالكية أنه منسوخ، وبعضهم أنه من الخصائص، وبعضهم أنه لضرورة، وكلّها
دعاوى باطلة مردودة لا دليل عليها، وليس في الحديث ما يخالف قواعد الشرع لأن
الآدمي طاهر، وثياب الأطفال وأجسادهم محمولة على الطهارة، والأعمال في
الصلاة لا تبطلها إذا قلَّت أو تفرَّقت وإنما فعله رسول الله وهل﴿ لبيان الجواز(١)، كذا
في ((شرح الزرقاني)).
(٤) في نسخة: فإذا.
(١) في ((التوشيح)) للسيوطي: اختلف في هذا الحديث، فقيل: إنه من الخصائص، وقيل:
منسوخ، وقيل: خاص بالضرورة، وقيل: محمول على قلَّة العمل وهو الأصح. أوجز
المسالك ٢٨٩/٣.
٥٨
..
٩٢ - (باب المرأة تكون بين الرجل يصلّي
وبين القِبلة وهي نائمة أو قائمة (١))
٢٨٨ - أخبرنا مالك، أخبرني أبو النضر(٢) مولى عمر بن
عبيد الله، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن عائشة زوج
النبي * أنها أخبرتْه(٣)، قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله وَل
ورِجلَايَ في القبلة(٤)(٥)، فإذا سجد غَمَزَني (٦)، فقبضتُ رِجْلَيَّ (٧)،
وإذا قام بسطتُها(٨)،
(١) وفي نسخة، أو قاعدة، والمراد بالرجل المصلِّي، وفي نسخة: زيادة
يصلي، وهو صفة الرجل أو حال منه، وقعت معترضة.
(٢) اسمه سالم بن أبي أمية .
(٣) أي: أبا سلمة.
(٤) أي: في مكان سجوده.
(٥) أي: في جهتها.
(٦) أي: طعن بإصبعه فيَّ لأقبض رِجْلَيَّ من قِبلته. قوله. غمزني، قال
النووي: استدل به من يقول لمسُ النساء لا ينقض الوضوء، والجمهور حملوه على
أنه غمزها فوق حائل، وهذا هو الظاهر من حال النائم. وقال الزرقاني: فيه دلالة،
على أن لمس المرأة بلا لذة لا ينقض الوضوء لأن شأن المصلي عدم اللذة،
لا سيَّما النبي ◌ََّ، واحتمال الحائل والخصوصية بعيد، فإن الأصل عدم الحائل،
والخصائص لا تثبت بالاحتمال، وعلى أن المرأة لا تقطع صلاة من صلّى إليها،
وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وجماعة من التابعين وغيرهم.
(٧) بشد الياء، مثنى.
(٨) قوله: بسطتها(١)، بالتثنية عند أكثر رواة البخاري، ولبعض رواته رجليّ،
ولبعضهم بسطتها بالإِفراد فيهما .
(١) هكذا في الأصل، والصحيح: ((بسطتهما)). انظر فتح الباري ٤٩٢/١ .
٥٩
والبيوتُ(١) يومئذٍ ليس فيها مصابيح .
قال محمد: لا بأس (٢) بأن يصلِّيَ الرجل والمرأة نائمة أو قائمة
أو قاعدة بين يديه أو إلى جنبه، أو تصلي إذا كانت(٣) تصلِّي في غير
صلاته، إنما يُكره أن تصلِّيَ إلى جنبه أو بين يديه وهما (٤) في صلاة
واحدة (٥) أو يصلِّيان مع إمام واحد، فإن كانت(٦) كذلك فسدت (٧)
صلاته، وهو (٨) قول أبي حنيفة - رحمه الله - .
(١) قوله: والبيوت ... إلى آخره، قال النووي: أرادت به الاعتذار تقول لو
كانت فيها مصابيح لقبضتُ رجلي عند إرادته السجود ولم أُحْوِجْه إلى غمزي. وقال
ابن عبد البر: قولها يومئذٍ تريد حينئذٍ، إذ المصابيح إنما تُتخذ في الليالي دون
الأيام، وهذا مشهور في لسان العرب، يُعبَّر باليوم عن الحين والوقت كما يُعبَّر به
عن النهار، كذا في ((التنوير))، والظاهر أنه بيان لعادتهم في تلك الأوقات أنهم
لم يكونوا معتادين بالمصابيح في تمام الليل إلاّ عند الضرورة.
(٢) المعنى أن محاذاتها لا تضرّ إذا لم تكن معه في صلاة مشتركة تحريماً وأداء.
(٣) بأن لم يكونا مشتركَيْن تحريماً وأداءً.
(٤) أي: المرأة والرجل.
(٥) أي: هي مقتدية به.
(٦) أي: محاذاتها .
(٧) قوله: فسدت صلاته، لقول ابن مسعود: أخَّروهنَّ من حيث
أخَّرهنَّ الله، أخرجه الطبراني وعبد الرزاق. أفاد ذلك افتراض قيام الرجل أمام
المرأة، فإذا قام إلى جنبها أو خلفها وهما مشتركان في الصلاة فسدت صلاته لأنه
ترك ما فُرِضَ عليه إذ هو المأمور بالتأخير، كذا قالوا، وفي المقام أبحاث وشرائط
مذكورة في كتب الفقه.
(٨) وفيه خلاف الشافعي وغيره وهو الاستحسان.
٦٠
٩٣ - (باب(١) صلاة الخوف(٢))
٢٨٩ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن ابن عمر كان إذا سُئل
عن صلاة الخوف قال: يتقدّمُ(٣) الإِمامُ وطائفةٌ من الناس فيصلَّي بهم
(١) قوله: باب صلاة الخوف، أي صفتها من حيث إنه يحتمل في الصلاة
ما لا يحتمل في غيره، ومنعها ابن الماجشون في الحضر تعلّقاً بمفهوم قوله تعالى:
﴿وإذا ضربتم في الأرض﴾ وأجازها الباقون، وقال أبو يوسف في إحدى الروايتين
عنه وصاحبه الحسن بن زياد اللؤلؤي وإبراهيم بن عُلَّيّة والمزني: لا تُصلَّى بعد
النبيّ ◌َّهَ لمفهوم قوله تعالى: ﴿وإذا كنتَ فيهم﴾. واحتجّ عليهم بإجماع الصحابة
على فعلها بعده وبقوله: ((صلوا كما رأيتموني أصلي))، فمنطوقه مقدّم على ذلك
المفهوم، وقال ابن العربي وغيره: شرط كونه فيهم إنما ورد لبيان الحكم
لا لوجوده، أي بيِّنْ لهم بفعلك لأنه أوضح من القول، ثم الأصل أنّ كل عذر طرأ
على العبادة فهو على التساوي كالقصر، والكيفية وردت لبيان الحذر من العدوّ،
وذلك لا يقتضي التخصيص بقوم دون قوم، كذا في ((شرح الزرقاني))(١).
(٢) قوله: صلاة الخوف، قيل: إنها شُرعت في غزوة ذات الرِّقاع، وهي
سنة خمس من الهجرة، وقيل في غزوة بني النضير، كذا في ((تخريج أحاديث
الهداية)» للزَّيْلعي.
(٣) حيث لا يبلغهم سهام العدوّ.
(١) ٣٦٩/١. وفي أوجز المسالك ٥/٤ -١٢ ههنا ثمانية أبحاث لطيفة لا بدّ لطالب الحديث
من النظر فيها .
٦١