النص المفهرس

صفحات 481-500

قال محمد: وبهذا(١) نأخذ،
التشهُّد، فنصب رجله اليمنى وثنّى اليسرى وجلس على وركه اليسرى، ولم يجلس
= على قدمه، ثم قال: أراني هذا عبد الله بن عبد الله بن عمر وحدَّثني أن أباه كان
يفعل ذلك. فتبَيَّن(١) من رواية القاسم ما أُجمل في رواية ابنه، كذا في ((الفتح)) (٢).
(١) قوله: وبهذا نأخذ، حمل أثر ابن عمر على نصب اليمنى والقعود على
اليسرى بعد ثَّنْيِها وفَرْشها كما هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه في جميع القعدات.
وأقول: فيه نظر، فإن أثر ابن عمر هذا الذي رواه ههنا مجمل لا يكشف المقصود
لأنَّ ثَنْيَ الرِّجل اليسرى عام من أن يجلس عليها أو يجلس على الورك، وقد أوضحه
ما أخرجه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار))، عن يحيى بن سعيد: أن القاسم بن
محمد أراهم الجلوس، فنصب اليمنى وثنّى رجله اليسرى وجلس على وركه
اليسرى ولم يجلس على قدميه، ثم قال: أراني هذا عبدُ الله بن عبد الله بن عمر
وقال: إن أباه كان يفعل ذلك. وكذا أخرجه مالك في ((الموطأ))، عن يحيى، فهذا
يدل على أن ثَنْيَ الرجل المذكور في رواية عبد الرحمن بن القاسم، عن عبدالله بن
عبد الله بن عمر محمول على عطفها من غير جلوس عليها، بل على وركه. وهذا
هو التورُّك المسنون عند الشافعية. فإذَن الأثر المذكور ههنا صار شاهداً لمذهب
الشافعية لا لمذهبنا، وعليه حمله شُرّاح ((الموطأ))، وجعلوه شاهداً لمذهب مالك
وهو التورُّك في جميع القعدات، وكذا حمله الطحاوي في ((شرح معاني الآثار))،
حيث قال بعد إخراج أثر القاسم بن محمد وأثر عبد الله بن عبد الله: فذهب قوم إلى
أن القعود في الصلاة كلُّها أن تنصب رجله اليمنى وتثنى اليسرى، وتقعد على =
(١) قلت: إن رواية القاسم لا تكون بياناً لفعل ابن عمر، لأن هذا قول منه - رضي الله عنه -
وإرشاد إلى فعل السنَّة، ورد ونكير على من اقتدى بفعله، ولذا اعتذر عن فعله بأنه شكوى
في رجله، لا يستطيع الجلوس على هذا النهج، فليتَ شعري كيف يكون فعلُهُ بياناً لقوله
هذا، ولو كان كذلك لكان نكيره وردّه على ابنه عبد الله عبثاً، فلا يمكن أن يكون تفسير هذا
القول إلّ حديث النسائي القولي فتأمل. انظر: أوجز المسالك ١٢٢/٢.
(٢) في نسخة: ((كذا في فتح القدير)).
٤٨١
محلف:

وهو قول أبي حنيفة (١) - رحمه الله -
= الأرض، واحتجّوا في ذلك بما وصفه يحيى بن سعيد في حديثه من القعود، وبقول
عبد الله بن عمر في حديث عبد الرحمن أن تلك سُنَّة الصلاة. انتهى. إلَّ أن يُقال:
قد روى النسائي، عن يحيى، عن القاسم بن محمد، عن عبد الله بن عبد الله بن
عمر، عن أبيه أنه قال: من سنّة الصلاة أن تضجع رجلَك اليسرى وتنصب اليمنى،
وفي رواية له بالطريق المذكور: من سُنَّة الصلاة أن تنصب القدم اليمنى واستقباله
بأصابعها القبلة والجلوس على اليسرى. فهذا يكشف لك أن المراد بالثّنيٍ في
رواية مالك وغيره المختصرة هو عطفها والجلوس عليها، وأمّا ما أراه القاسم يحيى
من صفة القعود وأسنده عن عبد الله بن عبد الله بن عمر أن أباه كان يفعل ذلك فهو
محمول على الهيئة التي كان ابن عمر يقعد عليها بسبب العلة وعدم حمل رجله
القعدة المسنونة، لكن يبقى حينئذٍ أنه يخالف ما ورد في رواية مالك وغيره أن
القعود الذي كان ابن عمر يرتكبه لأجل العلة هو التربُّع، وهو مستعمل في معنيين
أحدهما: أن يخالف بين رجليه فيضع رجله اليمنى تحت ركبته اليسرى ورجله
اليسرى تحت ركبته اليمنى، والثاني: أن يثني رجليه في جانب واحد فتكون رجله
اليسرى تحت فخذه وساقه اليمنى ويثني رجله اليمنى فتكون عند أليته اليمنى، كذا
ذكره الباجي في ((شرح الموطأ))، وقال: يشبه أن يكون هذه أي الأخيرة هي التي
عابها ابن عمر على رَجُل تربَّع، وما أراه القاسمُ يحيى فيه نصب اليمنى فهو ليس
بتربع، بأي معنى أُخذ فلا يمكن حمله على قعود ابن عمر للعلة(١).
(١) قوله: وهو قول أبي حنيفة، وبه قال ابن المبارك والثوري وأهل الكوفة
ذكره الترمذي، وذكر ابن عبد البر أنه مذهب حسن بن حيّ، وكذلك قال الشافعي
في الجلسة الوسطى، وقال في الأخيرة: إنه إذا قعد في الرابعة أماط رجليه جميعاً =
(١) قلت: يمكن حمله على ذلك لأن ابن عمر لأجل شكوى في رجله يجلس كيفما تيسّر عليه،
طوراً يجلس مُقعياً، وطوراً يجلس متربعاً، ويجلس متوركاً، وإن الجالس المعذور يجلس
كيفما تيسَّر عليه. ((أوجز المسالك)) ١٢٣/٢.
٤٨٢
٠٠

= فأخرجهما من وركه اليمنى وأفضى بمقعدته إلى الأرض. وأضجع اليسرى ونصب
اليمنى، وقال أحمد كما قال الشافعي إلاّ في جلسة الصبح. انتهى. وحجتهم في
ذلك ما رواه الجماعة إلَّ مسلماً من حديث أبي حميد في وصفه صلاة
رسول الله وَر قال: فإذا جلس، جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى، وإذا
جلس في الركعة الأخيرة أخّر رجله اليسرى وقعد على شقِّه متورِّكاً، ثم سلم.
وحمل أصحابنا هذا على العذر وعلى بيان الجواز وهو حمل يحتاج إلى دليل، ومال
الطحاوي إلى تضعيفه، وتعقّبه البيهقي وغيره في ذلك بما لا يزيد عليه، وذكر
قاسم بن قطلوبغا في رسالته ((الأسوس في كيفية الجلوس)) في إثبات مذهب الحنفية
أحاديث: كحديث عائشة: كان رسول اللّه ◌ُ لا يفرش رجله اليسرى(١) وينصب اليمنى،
وحديث وائل: صلَّيت خلف رسول الله ﴿ ﴿ فلما قعد وتشهَّد فرش رجله اليسرى.
أخرجه سعيد بن منصور، وحديث المسيء صلاته أنه قال له رسول الله وصلة: فإذا
جلست فاجلس على فخذك اليسرى. أخرجه أحمد وأبو داود، وحديث ابن عمر
رضي الله عنه: من سنة الصلاة ... إلخ. ولا يخفى على الفطن أن هذه الأخبار
وأمثالها بعضها لا تدل على مذهبنا صريحاً، بل يحتمله وغيره وما كان منها دالاً صريحاً
لا يدل على كونه في جميع القعدات على ما هو المدَّعى. وأخرج الطحاوي، عن
وائل: صليت خلف رسول اللّه وَل﴿ل، فقلت: لأحفظنَّ صلاةَ رسول اللّهِوَالله قال:
فلما قعد للتشهُّد فرش رجله اليسرى ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى ووضع
مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم عقد أصابعه وجعل حلقة الإِبهام والوسطى، ثم
جعل يدعو بالأخرى. قال الطحاوي: في قول وائل: ثم عقد أصابعه يدعو، دليل
على أنه كان في آخر الصلاة. انتهى. وهذا يقضي (٢) منه العجب، فإن معنى يدعو
بالأخرى: يشير بالإصبع الأخرى أي: السبابة لا الدعاء الذي يكون في آخر
الصلاة، فليس فيه دليل على ما ذكره، والإِنصاف أنه لم يوجد حديث يدل صريحاً
(١) في الأصل: ((رجله))، والصواب: ((رجله اليسرى)) كما في ((صحيح مسلم)) (٣٥٨/١).
(٢) في الأصل: ((يفضي))، والظاهر: ((يقضي)).
٤٨٣

وكان مالك (١) بن أنس يأخذ بذلك في الركعتين الأوليين (٢)،
وأما في الرابعة فإنه كان يقول: يفضي (٣) الرجل بأَلْيَتْه إلى الأرض،
ويجعل رجليه إلى الجانب الأيمن.
١٥٤ - أخبرنا مالك، أخبرنا صَدَقَة(٤) بن يَسَار، عن
المغيرة (٥) بن حكيم، قال: رأيتُ ابنَ عمر يجلِسُ على عقِبيه (٦) بين
على استنان الجلوس على الرجل اليسرى في القعدة الأخيرة، وحديث أبي حميد
مفصل فَليُحْمل المبهم على المفصل.
(١) قوله: وكان مالك، هذا الذي نسبه قد نسبه غيره إلى الشافعي
وأصحابه، وأما مذهب مالك، فالذي رأيته في كتب أصحابه المعتمدة كاستذكار
ابن عبد البر وشرح الزرقاني ورسالة ابن أبي زيد وغيرها هو التورك في جميع
القعدات، وذكروا في استناده أثر ابن عمر المذكور يحمله على التورك، فلعل
محمّداً اطّلع على أن مذهب مالك هو التفصيل وهو أعلم منّا، وإن لم نجدْه في
موضع من المواضع لا في كتب أصحابنا ولا في كتب المالكية ولا في كتب
الشافعية، فإن الكل يذكرون أن التفصيل مذهب الشافعي، ومذهب مالك التورّك
مطلقاً، ومذهب أصحابنا الافتراش مطلقاً.
(٢) أي: في القعدة الأولى.
(٣) أي: يمس أليته اليسرى بالأرض.
(٤) قوله: صدقة بن يسار، قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: هو ثقة من
الثقات، وقال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح، وقال الآجرِّي، عن
أبي داود: ثقة، قلت: من أهل مكة؟ قال: من أهل الجزيرة، سكن مكة، كذا في
((تهذيب التهذيب)).
(٥) قوله: عن المغيرة بن حكيم، روى عن أبي هريرة وابن عمر، وعنه
نافع وابن جريج وجرير بن حازم، ثقة، كذا في ((الكاشف)) للذهبي.
(٦) قوله: عقبيه، بفتح العين وكسر القاف ويفتح عين وكسرها مع سكون
القاف: مؤخّر القدم إلى موضع الشراك، كذا في ((مجمع البحار)).
٤٨٤

السجدتين في الصلاة، فذكرتُ (١) له فقال(٢): إنما فعلته(٣) منذ اشتكيت.
قال محمد: وبهذا نأخذ، لا ينبغي أن يجلس على عقبيه بين
السجدتین، ولکنه یجلس بينهما کجلوسه(٤) في صلاته،
(١) أي: ذكرت لابن عمر ذلك الجلوس مستفسراً عن حقيقة الأمر.
(٢) قوله: فقال: إنما فعلته منذ اشتكيت، كره الإِقعاء في الصلاة مالك،
وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم، وبه قال إسحاق وأبو عبيد، إلاّ أن أبا عبيد قال:
الإِقعاء جلوس الرجل على أليته، ناصباً فخذيه مثل إقعاء الكلب والسبع،
وهذا إقعاء مجتمع عليه لا يُختلف فيه. وأما الذين أجازوا رجوع المصلِّي على
عقبيه وجلوسه على صدور قدميه بين السجدتين فجماعة، قال طاووس: رأيت
العبادلة يُقعون: ابن عمر وابن عباس وابن الزبير، قال أبو عمر (١): أما ابن عمر فقد
ثبت عنه أنه لم يفعل ذلك إلاّ أنه كان يشتكي، وأن رجليه كانتا لا تحملانه، وقد
قال: إن ذلك ليس سنّة الصلاة، وكفى بهذا، وأما ابن عباس، فذكر عبد الرزاق،
عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه: أنه رأى ابن عمر وابن الزبير وابن عباس
يُقْعون. وذكر أبو داود: نا يحيى بن معين، نا حجاج بن محمد، عن ابن جريج،
أخبرني أبو الزبير أنه سمع طاووساً يقول: قلنا لابن عباس في الإِقعاء بين
السجدتين؟ قال: هي السنَّة، فقلنا: إنّا لنراه جفاء بالرجل، فقال ابن عباس: هي
السنَّة سنَّة نبيك، كذا في ((الاستذكار)).
(٣) المعنى أنه خلاف السنَّة إلَّ أني فعلتُهُ لعذر.
(٤) قوله: كجلوسه في صلاته، أي: الافتراش والجلوس على اليسرى كما
في حديث أبي حميد في صفة صلاة رسول اللّه وصله، ثم كان يهوي إلى الأرض
فيجافي ثم يرفع رأسه، ويثني رجليه اليسرى، فيعتمد عليها، متفق عليه. وعن
ميمونة، كان رسول اللّه ◌َل# إذا سجد أهوى بيديه وإذا قعد اطمأن على فخذه
اليسرى. أخرجه النسائي، كذا ذكره قاسم بن قطلوبغا في ((الأسوس في كيفية الجلوس».
(١) في الأصل: ((أبو عمرو)).
٤٨٥

وهو قول أبي حنيفة(١) - رحمه الله - .
(١) قوله: وهو قول أبي حنيفة، وبه قال الشافعي وأحمد ومالك وقتادة،
وهو مذهب ابن عمر وعلي وأبي هريرة، وجوَّزه عطاء وطاووس وابن أبي مُلَيْكة
ونافع والعبادلة، كذا نقل العيني، عن ابن تيمية، وقد روى الترمذيُّ وابن ماجه،
عن علي مرفوعاً: نهى أن يُقعي الرجل في صلاته. وأخرج مسلم من حديث عائشة
مرفوعاً: كان ينهى عن عُقْبة الشيطان، وأخرج أحمد والبيهقي، عن أبي هريرة:
نهاني رسول الله وَّر عن نقرةٍ كنقرة الدِّيك والتفاتٍ كالتفات الثعلب وإقعاء كإقعاء
الكلب، وروى ابن ماجه، عن أنس مرفوعاً: إذا رفعت رأسك من السجود فلا تُقِع
كما يُقعي الكلب.
ويعارض هذه الأخبار ما أخرجه مسلم والترمذي وغيرهما، عن ابن عباس:
أن الإِقعاء بين السجدتين سنّة النبي وَلّر، واختلف العلماء في ذلك: فمنهم من
قال حديث ابن عباس منسوخ، وردّه النووي بأنه غلط فاحش لعدم تعذّر الجمع،
ولا تاريخ، فكيف يصح النسخ؟! ومنهم من سلك مسلك الجمع، وقالوا: الإِقعاء
على نوعين: أحدهما مستحَبّ وهو أن يضع أليتيه على عقبيه وركبتاه على الأرض
وهو الذي روى مسلم عن ابن عباس ، والثاني أن يضع أليتيه ويديه على
الأرض وينصب ساقيه، وهو إقعاء الكلب المنهيّ عنه . كذا ذكره النوويُّ،
واختاره ابن الهُمام وغيره من أصحابنا، ولا يخفى على الفطن أن أثر ابن عمر الذي
أخرجه محمد صريح في نهي الإِقعاء بالمعنى الثاني أيضاً ولذلك نص محمد بعده
على أنه لا ينبغي، والقول الفيصل في هذا المقام أن الإِقعاء بالمعنى الأول
لا خلاف في كراهتها، وبالمعنى الثاني مختلف فيه بين الصحابة، فأثبت
ابن عباس كونه سنَّة ونفاه ابن عمر، والذي يظهر أن الجلوس بين السجدتين
بالافتراش عزيمة، والإِقعاء فيه بالمعنى الثاني رخصة، قد ظنَّها ابن عباس سنَّة،
وقد أخذ أكثر العلماء في هذا البحث بما دلّ عليه أثر ابن عمر من العزيمة،
وللتفصيل موضعٌ آخر من تأليفي المبسوطة(١).
(١) راجع للتفصيل أيضاً: ((أوجز المسالك)): ١٢٠/٢، و((فتح الملهم)): ١٠٣/١.
٤٨٦
-قدفر
-

٤٤ - (باب صلاة القاعد)
١٥٥ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهري، عن السائب(١) بن
يزيد، عن المطّلب(٢) ابنِ أبي وَدَاعَةَ(٣) السهمي، عن حفصةً (٤)
زوجِ النبيِّ وَّ أنها قالت: ما رأيتُ النبيَّ وَيهِ يصلِّي في سُبحته(٥)
قاعداً(٦) قطُّ حتى كان قبل وفاته بعام(٧)، فكان يصلّي في سبحته
قاعداًا) ويقرأ بالسورة ويرتلّها(٩) حتى تكون أطول من أطول منها (١٠).
(١) آخر من مات بالمدينة من الصحابة سنة إحدى وتسعين أو قبلها، ذكره
الزرقانيُّ وغیرُه.
(٢) قوله: المطّلب، هو عبد الله السهمي، صحابيَّ أسلم يوم الفتح، ونزل
بالمدينة، ومات بها، وأمّه أروى بنت الحارث بن عبد المطلب، بنت عم
النبي و 18، كذا ذكره الزرقاني.
(٣) بفتح الواو والدال، اسمه الحارث بن صبرة بن سُعَيد بالتصغير.
(٤) قوله: حفصة، بنت عمر بن الخطاب تزوجها رسولُ اللهِوَ لَه سنة ثلاث
من الهجرة عند أكثرهم، وقال أبو عبيدة: سنة اثنتين، وتوفي سنة إحدى وأربعين،
وقيل: سبع وعشرين، كذا في ((الاستيعاب)).
(٥) بضم السين وسكون الباء الموحدة، سميت النافلة بذلك لاشتمالها على
التسبيح .
(٦) بل قام حتى تَورَّمت قدماه.
(٧) هذا الحديث رواه مسلم والترمذي، وقال: بعام واحد أو اثنين بالشك.
(٨) ليستديم.
(٩) يقرأها بتمهّل وترسّل.
(١٠) إذا قُرئت بلا ترتيل.
٤٨٧
أ

١٥٦ - أخبرنا مالك، حدثنا إسماعيل (١) بنُ محمد بنِ سعد بنِ
أبي وقاص، عن مولى لعبد الله بن عمرو بن العاص، عن عبدِ الله بنِ
عَمرو: أن رسول الله وَ﴿وقال: صلاةُ أحدِكم وهو قاعد مثلُ (٢)
نصفٍ(٣) صلاتِهِ وهو قائم.
١٥٧ - أخبرنا مالك، حدثنا الزُّهري، أن عبدَ الله بنَ عمرٍو (٤)
قال: لمّا قَدِمنا المدينة نالنا(٥) وياءٌ(٦)
(١) ثقة، حجة، روى له الخمسة، مات سنة ١٣٤هـ، كذا ذكره
الزرقاني .
(٢) قوله: مثل نصف صلاته، إلَّ النبيَّ وََّ فإنَّ صلاته قاعداً لا ينقص
أجرها عن صلاته قائماً لحديث عبد الله بن عمرو المروي في صحيح مسلم
وأبي داود والنسائي، قال: بلغني أن النبي وسلم قال: ((صلاة الرجل قاعداً على
نصف أجر الصلاة))، فأتيته فوجدتُه يصلي جالساً، فوضعتُ يدي على رأسي،
فقال: مالَكَ يا عبد الله؟ فأخبرته، فقال: ((أجل، ولكني لست كأحدكم))، وقد عدَّ
الشافعية هذه المسألة من خصائصه، كذا في ((إرشاد الساري)).
(٣) قوله: مثل نصف صلاته، قال ابن عبد البر: لِمَا في القيام من المشقّة
أو لِمَا شاء الله أنْ يتفضِّل به، المراد بالصلاة النافلة لأن الفرض إن أطاق القيام
فقعد فصلاته باطلة عند الجميع، وإن عجز عنه ففرضه الجلوس اتفاقاً فليس القائم
بأفضل منه .
(٤) قوله: أن عبد الله بن عمرو، قال ابن عبد البر: هو منقطع لأن الزهري
وُلد سنة ثمان وخمسين وابن عمرو مات بعد الستين فلم يَلْقَه.
(٥) أي: أَخَذنا ووصل إلينا.
(٦) بالمد: سرعة الموت وكثرته في الناس.
٤٨٨
سعد ١٤

من وَعْكها(١) شديدٌ، فخرج رسول الله وَلَّ على الناس وهم يُصَلُّون
في سُبْحتهم (٢) قعوداً فقال: صلاةُ القاعد(٣) على نصف صلاة القائم.
١٥٨ - أخبرنا مالك، حدثنا الزّهري، عن أنس (٤) بن مالك:
أن رسول الله وَل ركب فرساً فصُرع (٥) عنه (٦).
(١) قوله: من وعكها، بفتح الواو وسكون العين، قال أهل اللغة: الوعك
لا يكون إلاّ من الحمّى دون سائر الأمراض، قاله ابن عبد البر.
(٢) يعني نافلتهم.
(٣) قوله: فقال: صلاة القاعد، قد عُلم أن هذا محمول عند الأكثر على
النافلة ولا يلزم منه أن لا تزاد صورتها التي ذكرها الخطابيّ، وهي أن يُحمل الحديث
على مريض مفترض يمكنه القيام بمشقّة، فجعل أجر القاعد على النصف ترغيباً له
في القيام مع جواز قعوده، ويشهد له ما رواه أحمد من طريق ابن جُريج، عن
ابن شهاب، عن أنس: قدم النبيُّ وَّرُ المدينةَ وهي محمَّة فحُمَّ الناس، فدخل
المسجد، والناس يصلّون من قعود، فقال رسول الله: صلاة القاعد نصف صلاة
القائم، ورجاله ثقات، وله متابع في النسائي من وجه آخر، كذا ذكره الزرقاني(١).
(٤) قوله: عن أنس، قال ابن عبد البرّ: لم تختلف رواة ((الموطأ)) في
مسنده، ورواه سويد بن سعيد، عن مالك، عن الزهري، عن الأعرج، عن
أبي هريرة، وهو خطأ لم يتابعه عليه أحد.
(٥) بضم الصاد، وكسر راء، أي: سقط من الفرس، وفي أبي داود
وابن خزيمة بسند صحيح، عن جابر، ركب ويطهر فرساً فصرعه على جذع نخلة.
(٦) قال ابن حجر: أفاد ابن حبان أن هذه القصة كانت في ذي الحجة سنة
خمس من الهجرة .
(١) ٢٨١/١، وفتح الباري ٥٨٥/٢.
٤٨٩

فُجُحِشَ شقُّه(١) الأيمن، فصلّى (٢) صلاةً(٣) من الصلوات وهو جالس،
فصلَّینا(٤) جلوساً، فلما.
(١) قوله: فُجُحِش، بضم الجيم ثم حاء مهملة مكسورة أي: خُدش قاله
النووي، وقال ابن عبد البر: الجحش فوق الخدش، وقال الرافعي: يقال جحش
فهو مجحوش إذا أصابه مثل الخدش أو أكثر وانسجح جلده. وكانت قدمه وحلول
انفكّت من الصرعة كما في رواية بشر بن المفضل، عن حميد، عن أنس، عن
الإسماعيلي، قال ابن حجر: ولا ينافي ماههنا لاحتمال وقوع الأمرين، قال:
وأخرج عبد الرزاق في الحديث، عن الزهري قال: فجُحِش ساقُه الأيمن، فزعم
بعضهم أنها مصحَّفة من شقه وليس كذلك لموافقة رواية حميد لها وإنها مفسِّرة
لمحلّ الخَدْش، كذا في ((التنوير))(١).
(٢) قوله: فصلّى صلاة، لم أقف على تعيينها إلَّ أنَّ في حديث أنس:
فصلّى بنا يومئذٍ صلاتها نهارية الظهر أو العصر، كذا في ((الفتح)).
(٣) في أبي داود وابن خزيمة الجزم بأنها فرض.
(٤) قوله: فصلينا جلوساً، قد روى البخاري في ((صحيحه)) حديث أنس من
رواية حميد الطويل عنه مخالفاً لرواية الزهري عنه، ولفظه: أن رسول الله والقر سقط
عن فرسه، فجُحشت ساقه أو كتفه، وآلى من نسائه شهراً. فجلس في مشربة له فأتاه
أصحابه يعودونه، فصلّى بهم جالساً وهم قيام فلما سلَّم، قال: ((إنما جُعل الإِمام
ليؤتم به)) الحديث، ذكره في أوائل الصلاة في (باب الصلاة على السطوح). وتكلف
القرطبي في ((شرح صحيح مسلم)) الجمع، فقال: يُحتمل أن يكون البعض صلوا
قياماً، والبعض جلوساً، فأخبر أنس بالحالتين، وهذا مع ما فيه من التعسُّف ليس في
شيء من الروايات ما يساعده. وقد ظهر لي فيه وجهان: أحدهما: أنهم صلّوا خلفه
قياماً، فلما شعر بهم رسول الله وَ﴿ أَمَرَهم بالجلوس فجلسوا، فأخبر أنس بكلٍّ منهما،
يدلّ عليه حديث عائشة أخرجاه عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت:
اشتكى رسول الله وَّر، فدخل عليه ناس من أصحابه يعودونه، فصلّى جالساً، =
(١) ١٥٥/١.
٤٩٠
---- ...

انصرف قال: إنما جُعل (١) الإِمام لِيُؤْتمَّ به(٢)، إذا صلى قائماً فصلوا
قياماً، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا
ولك (٣) الحمد، وإنْ صلّى قاعداً فصلُّوا(٤)
= فصلوا بصلاته قياماً، فأشار إليهم أن اجلسوا فجلسوا، فلما انصرف قال: ((إنما
جُعل الإِمام ليؤتمّ به)) الحديث، والثاني: وهو الأظهر أنهما كانا في وقتين، وإنما أقرّه
رسول الله خير في إحدى الواقعتين على قيامهم خلفه لأن تلك
الصلاة كانت تطوّعات، والتطوّعات يُحتمل فيها ما لايُحتمل في الفرائض، وقد
صرَّح بذلك في بعض طرقه كما أخرجه أبو داود عن أبي سفيان، عن جابر: ركب
رسول الله فرساً بالمدينة فصرعه على جذع نخلة، فانفكت قدماه، فأتيناه نعوده
فوجدناه في مشربة لعائشة يسبِّح جالساً، فقمنا خلفه، فسكت عنّا، ثم أتيناه مرة
أخرى نعوده فصلى المكتوبة جالساً، فقمنا خلفه، فأشار إلينا فجلسنا، فلما قضى
الصلاة، قال: ((إذا صلى الإِمام جالساً، فصلّوا جلوساً)). الحديث، كذا في ((نصب
الراية لتخريج أحاديث الهداية)) للزيلعي(١).
(١) قال الرافعي: أي نُصب أو اتّخذ أو نحوهما، ويجوز أن يريد إنما
جعل الإِمام إماماً .
(٢) قوله: ليؤتمَّ به، معناه عند الشافعي ليُقتدى به في الأفعال الظاهرة،
ولهذا يجوز أن يصلّي المفترض خلف المتنفل، وبالعكس وعند غيره أنه في الأفعال
الباطنة والظاهرة.
(٣) بالواو لجميع الرواة، عن أنس في حديثه هذا إلّ في رواية شعيب،
عن الزهري رواها البخاري بدونها .
(٤) قوله: فصلّوا قعوداً، قد اختلف أهل العلم في الإِمام يصلّي بالناس =
(١) ٤٤/٢، وأخرجه أبو داود في سننه، من (باب يصلّي الإِمام من قعود) ١٦٤/١، وقد استدلّ
بهذا الحديث الحافظ في فتح الباري ١٥١/٢ على تعدد قصة الصلاة من النافلة في المرة
الأولى والمكتوبة في الثانية. وأما واقعة السقوط من الفرس كانت في السنة الخامسة، كما
في فتح الباري ١٤٩/٢ وعمدة القاري ٧٤٧/٢.
٤٩١

= جالساً من مرض، فقالت طائفة: يصلّون قعوداً اقتداءً به، وذهبوا إلى هذه
الأحاديث، ورأوها محكمة، وممن فعل ذلك جابر بن عبد الله وأبو هريرة وأُسيد بن
حُضَيْرٍ، وبه قال أحمد وإسحاق وطائفة من أهل الحديث، وقال أحمد: كذا قال
النبي و 18، وفعله أربعة من أصحابه، والرابع: هو في خبر قيس بن فهد أنه شكى
على عهد رسول الله ﴿، فكان يؤمُّنا جالساً، ونحن جلوس. وقال أكثر أهل العلم:
يصلّون قياماً، ولا يتابعون الإِمام في الجلوس. ورأوا أنَّ هذه الأحاديث منسوخة بما
روي أن النبي ( صلّى بالناس في مرض وفاته، وهو جالس والناس قيام كما
أخرجه البخاري ومسلم من حديث عائشة، كذا ذكره الحازمي في ((الاعتبار)) (١)
والزيلعيُّ وجمعٌ من العلماء، وقد أنكرِ ابنُ حبان النسخ، فقال في ((صحيحه)) بعدما
أخرج حديث: ((وإذا صلّى جالساً فصلَّوا جلوساً)) فيه بيان واضح أن الإِمام إذا صلّى
قاعداً كان على المؤتَمِّين أن يصلُّوا قعوداً، وأفتى به من الصحابة جابر وأبو هريرة
وأُسيد بن حُضَير وقيس بن فهد، ولم يُروَ عن غيرهم خلاف هذا بإسناد متصل
ولا منقطع فكان إجماعاً سكوتّاً. وقد أفتى به من التابعين جابر بن زيد ولم يروٍ عن
غيره من التابعين خلافه، وأول من أبطل ذلك في الأمة المغيرة بن مقسم وأخذ عنه
حماد بن سليمان، ثم أخذه عن حماد أبو حنيفة وأصحابُه، وأعلى ما احتجّوا به
حديث رواه جابر الجعفي، عن الشعبي، قال: قال رسول اللّه وَالر: لا يُؤَمَّن بعدي
جالساً. وهذا لو صحَّ إسناده لكان مرسلاً. والمرسل لا يقوم به حجة، والعجب أن
أبا حنيفة يجرح جابر الجعفي ويكذُّبه ثم يحتج بحديثه. انتهى ملخّصاً.
أقول: وفيه نظر من وجوه: أحدها: أنه قد ثبت نسخ ذلك بفعل النبي وَل
في آخر أيامه، فلا يُعتبر بما خالفه، وثانيها: أن فتوى الصحابة لم يكن إلّ لأنه
لم يبلغهم الناسخ، قال الشافعي بعدما أخرج بسنده عن جابر وعن أسيد أنهما
فعلا ذلك: في هذا ما يدل على أن الرجل يعلم الشيء عن رسول الله وَيرٍ لا يعلم
خلافه عنه، فيقول بما علم، ثم لا يكون في قوله بما علم وروى حجَّةٌ على أحد =
(١) ص ١٠٩.
٤٩٢
سعد
-. ...

قعوداً(١) أجمعین.
قال محمد: وبهذا نأخذ، صلاة الرجل قاعداً للتطوع مثل
نصف(٢) صلاته قائماً، فأما ما روي من قوله: إذا صلى الإِمام جالساً
فصلوا جلوساً أجمعين، فقد روي ذلك وقد جاء(٣) ما قد نسخه.
= علم أن رسول الله وَلير قال قولاً أو عملاً ينسخ الذي قال به غيره. انتهى. وثالثها:
أن نسبة إبطال ذلك أولاً إلى المغيرة بن مقسم غلط، بل أول من أبطله
رسول الله * بنفسه. ورابعها: أن جعل حديث الشعبي أعلى ما احتجَّت به
الحنفية غير صحيح، فإن أعلى ما يدل على النسخ عندهم وعند غيرهم هو حديث
عائشة، وأما حديث الشعبي، فهو وإن كان ضعيفاً يُذكر للتقوية .
(١) ولو قادرين على القيام.
(٢) أي: في الأجر.
(٣) قوله: وقد جاء ما قد نسخه، قد أخرج الطحاوي في ((شرح معاني
الآثار)) من طريق أبي الزبير، عن جابر، قال: صلّى بنا رسول اللّهِرَ﴾ الظهر
وأبو بكر خلفه فإذا كَبَّر رسول اللّه وَ ل﴿ كَبَّر أبو بكر ليُسمعنا وكنا قياماً، فقال: اجلسوا
أَوْمى بذلك إليهم، فلما قَضَى الصلاةَ قال: كدتم أن تفعلوا فعل فارس والروم
تعظيماً لهم(١) ائتُمُّوا بأئمتكم، فإن صلُّوا قياماً فصلّوا قياماً وإن صلّوا جلوساً فصلّوا
جلوساً. ثم أخرج من طريق ابن وهب، عن مالك حديثَه المذكور في هذا الباب،
ومن طريق ابن وهب، عن الليث ويونس، عن ابن شهاب، عن أنس، ومن طريق
هيثم، عن حميد، عن أنس مثله، ومن طريق ابن وهب، عن مالك، عن هشام بن
عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: صلّى رسول الله وَ﴿ل في بيته وهو شاكٍ، فصلّى
جالساً وصلّى قوم خلفه قياماً، فأشار إليهم أن اجلسوا، فذكر مثله. ومن طريق
شعبة عن يعلى بن عطاء قال: سمعت أبا علقمة يحدث، عن أبي هريرة قال
قال رسول اللّه وَله: من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن أطاع
الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني، فإذا صلّى قائماً فصلّوا قياماً، =
(١) في الأصل: ((بهم))، وهو تحريف.
٤٩٣

= وإن صلّى قاعداً فصلوا قعوداً. ومن طريق أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعاً:
إنما جُعل الإِمام ليؤتمَّ به، فإذا صلّى قاعداً فصلّوا قعوداً. ومن طريق سالم، عن
ابن عمر مثله، ثم قال: فذهب قوم إلى هذا، فقالوا: من صلّى قاعداً من عذر
صلّوا خلفه قعوداً، وإن كانوا مطيقين للقيام. وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: بل
يصلّون خلفه قياماً ولا يسقط عنهم فرض القيام لسقوطه(١) عن إمامهم، ثم ذكر في
حجتهم ما أخرجه بسنده، عن أبي إسحاق، عن أرقم بن شرحبيل قال: سافرتُ مع
ابن عباس من المدينة إلى الشام، فقال: إن رسول الله * لمّا مرض مرضه الذي
مات فيه كان في بيت عائشة، فقال: ادعوا لي عليّاً، فقالت عائشة: ألا ندعولك
أبا بكر؟ قال: ادعوه، ثم قالت حفصة: ألا ندعو لك عمر؟ قال: ادعوه، فقالت
أم الفضل: ألا ندعو لك عمَّك العباس؟ قال: ادعوه، فلما حضروا، قال: ليصلِّ
بالناس أبو بكر، فتقدم أبو بكر، فصلّى بالناس ووجد رسولُ اللهِ وَلّ من نفسه خفّة،
فخرج يُهادى بين رجلين، فلما أحسَّه أبو بكر ذهب يتأخر، فأشار إليه مكانك،
فاستمر رسول الله وَّر من حيث انتهى أبوبكر من القراءة وأبو بكر قائم
ورسول الله ﴿ جالس، فَأَتَّمَّ أبو بكر به وائتمَّ الناس بأبي بكر. قال الطحاوي: ففي
هذا الحديث أن أبا بكر ائتم برسول الله ﴿ قائماً وهو قاعد. وهذا من فعل
رسول الله 85* بعد قوله ما قال، ثم أخرج من طريق موسى بن عائشة، عن
عبيد الله، عن عائشة نحوه، وفيه أن الصلاة التي كان خرج فيها كانت صلاة الظهر،
فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأومى إليه أن لا يتأخَّر، وقال لهما: أجلساني إلى
جنبه، فجعل أبو بكر يصلّي وهو قائم لصلاة رسول الله يوم18 وهو قاعد. ومن طريق
الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة نحوه، ثم ذكر وجه النظر في عدم
سقوط القيام من المؤتمّ، وقال بعد ذلك: فثبت بذلك أن الصحيحَ أن القيام واجب
عليه في الصلاة إذا دخل مع من قد سقط عنه فرض القيام في صلاته لم تسقط عنه
بدخوله من القيام ما كان واجباً عليه قبل ذلك. وهذا قول أبي حنيفة ومحمد =
(١) في الأصل: ((لسكوته))، وهو تحريف.
٤٩٤

= وأبي يوسف غير أن محمد بن الحسن يقول: لا يجوز لصحيح أن يأتم بمريض
يصلّي قاعداً، وإن كان يركع ويسجد، ويذهب إلى أن ما كان من صلاة
رسول اللّه وَ لل قاعداً في مرضه بالناس وهم قيام كان مخصوصاً لأنه قد فعل فيها
ما لا يجوز لأحد بعده أن يفعله من أخذه القرآن من حيث انتهى أبو بكر وخروج
أبي بكر من الإِمامة إلى أن صار مأموماً في صلاة واحدة، وهذا لا يكون لأحدٍ بعده
باتفاق المسلمين. انتهى كلام الطحاويّ ملخصاً.
وفي ((الهداية وشرحه البناية)) للعيني: ويصلي القائم خلف القاعد عند
أبي حنيفة وأبي يوسف، والمراد من القاعد الذي يركع ويسجد، أما القاعد الذي
يومىء فلا يجوز اقتداء القائم به اتفاقاً، وبه قال الشافعي ومالك في رواية استحساناً،
وقال أحمد والأوزاعي: يصلون خلفه قعوداً، وبه قال حماد بن زيد وإسحاق
وابن المنذر: وهو المروي عن أربعة من الصحابة، لكن عند أحمد بشرطين: الأول
أن يكون المريض إمامَ حيّ، والثاني: أن يكون المرض مما يُرجى زواله بخلاف
الزمانة. واحتجوا على ذلك بحديث أنس مرفوعاً: ((إنما جُعل الإِمام ليؤتمّ به))
الحديث، وقال محمد: لا يجوز وبه قال مالك في رواية ابن القاسم عنه قياساً، أشار
إليه بقوله: وهو القياس لقوة حال القائم، فيكون اقتداء كامل الحال بناقص الحال
فلا يجوز كاقتداء القارىء بالأميّ ونحن تركناه بالنص وهو ما روي أنه وُّ صلّى آخر
صلاته قاعداً والقومُ خلفه قيام. وفي كلام البخاري ما يقتضي الميل إلى أن
حديث: ((وإذا صلّى جالساً فصلّوا جلوساً)) منسوخ، فإنه قال بعدما رواه قال
الحميدي: هذا منسوخ بأنه عليه السلام آخِر ما صلّى صلّى قاعداً والناس خلفه قیام،
وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من فعله. انتهى ملخصاً. وهذه العبارات وغيرها من
كلمات الفقهاء الأثبات دالَّة صريحاً على أن محمداً مخالفٌ لهما في هذه المسألة،
فعندهما اقتداء الصحيح بالمريض القاعد جائز قياماً ولا يجوز له القعود أخذاً من
الصلاة النبوية في آخر عمره وقولاً بنسخ: ((إذا جلس فاجلسوا)). وعند محمد
لا يسقط عن الصحيح القيام لكن لا يجوز اقتداؤه بالمريض، بل قال: أخذاً بالقياس =
٤٩٥

= فهو موافق لهما في عدم سقوط القيام من المقتدي الصحيح بمتابعة إمامه ومخالف
في جواز اقتداء القائم بالقاعد، كيف ولو كان القيام عنده يسقط عن القاعد بمتابعة
الإِمام لما خالفهما في جواز اقتدائه بالمريض، بل قال بجوازه مع سقوط القيام كما
قال به أحمد وغيره. إذا عرفت هذا، فنقول: معنى قوله ههنا وقد جاء ما قد نسخه أنه
قد روي ما قد نسخ ما استفيد بالحديث السابق من جواز اقتداء القادر بالمعذور
الجالس وسقوط القيام عن القادر وهو حديث: ((لا يَؤُمَّنَّ الناسَ أحدٌ بعدي جالساً))،
فإنه يدل على منع إمامة المعذور الجالس لغيره وأنه خصوصية له وَله، ويدل أيضاً
على عدم سقوط القيام عن المقتدي بمتابعة إمامه، فإنه لو كان كذلك لما كان
للمنع وجه، ويدل على ما ذكرنا أنه جعل الناسخ هذا الحديث الدالّ على عدم
جواز إمامة المعذور ليكون موافقاً لمذهبه، ولو كان مقصوده نسخَ سقوط القيام
فحسب مع جواز الاقتداء لاستدل بخبر الصلاة النبوية في مرض وفاته، وقد تسامح
القاري حيث فهم التنافي بين كلام محمد ههنا وبين ما في عامّة الكتب، فقال بعدما
نقل عن ((شرح مختصر الوقاية)) للشُمُنِّي ما يدلّ على الخلاف: وفي ((الهداية)):
يصلّي القائم خلف القاعد خلافاً لمحمد، فهذا يدلّ على أن محمداً مخالف في
المسألة وعبارة محمد مشيرة إلى أنه موافق، ولعلَّ منه روايتين، أو مراده بالنسخ نسخ
وجوب قعود المأمومين من غير عذر مع الإِمام قاعداً بعذر، فإن الإِجماع على
خلافه. انتهى كلامه. ومنشأ فهمه أنه رأى ههنا أن محمداً قائل بنسخ الحديث
السابق، وهما أيضاً يقولان به، ففهم أنه موافق لهما وليس كذلك، فإنهما قائلان
بنسخ سقوط القيام عن المأموم القادر مع جواز اقتدائه بالمعذور القاعد، ومحمد
قائل بنسخ جواز الاقتداء المستفاد من قوله : ((وإن صلّى قاعداً فصلّوا قعوداً))،
أيضاً، كيف لا ، ولو كان مراده نسخ سقوط القيام فحسب على طبق قولهما لما صحَّ
الاستدلال بالحديث الذي ذكره، فإنه يدل على عدم صحة إمامة الجالس بعده والتر ،
وهو مخالف لقولهما. وبالجملة فكون عبارة محمد ههنا مشيرة إلى الموافقة غير
صحيح، وأما ما وجَّهه به من أن المراد به نسخ وجوب قعود المأمومين لكونه خلاف =
٤٩٦
ـفف

١٥٩ - قال محمد: حدثنا (١) بشر، حدثنا أحمد، أخبرنا
إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعي، عن جابر بن يزيد
الجُعْفي ،
= الإِجماع، ففيه أولاً أن كونه مخالفاً للإجماع غير صحيح ولو كان لعرفه أحمد وحماد
وغيرهما على ما مرّ، وثانياً فلأن الحديث الذي ذكره لا يدلّ على هذا النسخ، وثالثاً
أن الحكم بنسخ الوجوب يشير إلى بقاء الجواز مع أنه أيضاً ليس بباقٍ عند محمد،
ورابعاً أن الوجوب والجواز في سقوط قيام المأموم فرع جواز ائتمامه وهو ليس بجائز
عنده، فاحفظ هذا، فإنه مما ألهمني الله تعالى في هذا الوقت فله الحمد على هذا.
(١) قوله: حدثنا بشر(١) ... إلخ، هكذا في بعض النسخ، وفي
بعضها: حدثنا بسر بالسين المهملة، وفي بعضها: حدثنا محمد بن بشر،
ولم أعرف إلى الآن تعيُّنه وتعيّن شيخه أحمد حتى أعرف من كتب الرجال توثيقهما
أو عدمه، فلعلَّ الله يتفضَّل عليَّ بعد هذا بمعرفته. وإسرائيل بن يونس قد مرَّت
ترجمته، وأمّا جابر الجعفي هو متكلّم فيه وبعض النقاد وإن وثَّقوه لكن جمهورهم
- منهم أبو حنيفة - جرَّحوه وتركوه، فذكر السمعاني في ((الأنساب)) بعدما ذكر أنَّ
الجُعْفي - بالضم ثم السكون- نسبة إلى قبيلة بالكوفة وهي جعفي بن سعد من
مذحج أبو يزيد جابر الجعفي من أهل الكوفة يروي، عن عطاء والشعبي، وروى
عنه الثوري وشعبة مات سنة ١٢٨ هـ كان سبائياً من أصحاب عبد الله بن سبأ. وكان =
يقول: إن علياً رضي الله عنه يرجع إلى الدنيا، قال يحيى بن معين: كان كذّاباً،
(١) والسند هنا فيه اضطراب لسقوط بعض الرواة منه، وإدخال بعض الرواة فيه خطأ من الناسخ مما
كان سبباً في عدم تعيين الرواة وجهالتهم. فالمراد بمحمد في أول السند: هو أبو علي
الصّاف وبشر شيخه، فهو بشربن موسى الأسدي، والمراد بأحمد هو أحمد بن مهران
النسوي، صاحب محمد، وراوي الموطأ عنه، وإسرائيل هو شيخ محمد بن الحسن الإِمام،
وقد سقط من السند (محمد)) من بين أحمد وإسرائيل، كما يظهر من المخطوطة بدار الكتب
المصرية رقم (ب ). وأدخل الناسخ في الحديث هنا خاصة عدة من الرواة المتأخرين عن
محمد في صلب السند، وهي عادة كثير من المتقدمين (بلوغ الأماني للعلامة زاهد
الکوثري، ص ٦٦).
٠٠
٤٩٧

= يؤمن بالرجعة. انتهى. وذكر في ((تهذيب التهذيب)): جابر بن يزيد بن الحارث
أبو عبد الله الجعفي، ويقال: أبو يزيد الكوفي، روى عن أبي الطفيل
وأبي الضحى وعكرمة وعطاء وطاووس وجماعة، وعنه شعبة والثوري وإسرائيل
والحسن بن حَيّ وشَريك ومسعر وغيرهم، قال ابن علية، عن شعبة: جابر صدوق
في الحديث، وقال وكيعٍ: مهما شككتم في شيء فلا تشكّوا في أنَّ جابراً ثقة، وقال
الثوري لشعبة: لئن تكلّمتَ في جابر لأتكلّم فيك، وقال ابن معين: كان كذّاباً،
وقال مرة: لا يكتب حديثه، وقال يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن أبي خالد قال
الشعبي لجابر: لا تموت حتى تكذب على رسول الله *، قال إسماعيل: فما
مضت الأيام والليالي إلَّ اتَّهم بالكذب، وقيل الزائدة: لم لا تروي عن
ابن أبي ليلى وجابر الجعفي والكلبي؟ فقال: أما الجعفي فكان والله كذّاباً يؤمن
بالرجعة، وقال أبو يحيى الحِمّاني، عن أبي حنيفة ما لقيت فيمن لقيت أكذب من
الجعفي، ما أتيته بشيءٍ من رائي إلّ أتى فيه بأثر، وزعم أن عنده ثلاثين ألف حديث
لم يظهرها، وقال أحمد: تركه يحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي، وقال
النسائي: متروك الحديث، وقال مرة: ليس بثقة، لا يُكتب حديثه، وقال الحاكم:
ذاهب الحديث ، وقال ابن عَدِيّ : له أحاديث صالحة ، وهو إلى الضعف أقرب
من الصدق ، وقال أيوب وليث بن أبي سليم والجوزجاني : كذاب ، وكذا قال
ابن عيينة وأحمد وسعيد بن جبير. انتهى ملخصاً. وأما عامر الشعبي فهو عامر بن
شراحيل - بالفتح - الشعبي الكوفي نسبة إلى شعب - بالفتح - بطن من همدان،
كان من كبار التابعين، فقيهاً، شاعراً، روى عن مائة وخمسين من الصحابة، مات
سنة ١٠٤ هـ وقيل: سنة ١٠٩ هـ، ذكره السَّمعاني. وذكر في ((تهذيب التهذيب)): قال
مكحول: ما رأيت أفقه منه، وقال ابن عيينة: كان الناس بعد الصحابة: الشعبيُّ
في زمانه والثوريُّ في زمانه، وقال ابن معين: إذا حدَّث الشعبيّ، عن رجل فسماه
فهو ثقة، وقال هو وأبو زرعة: ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال العجلي :
لا يكاد يرسل الشعبي إلاّ صحيحاً، وقال أبو داود: مرسل الشعبي عندي أحب من
مرسل النّخَعي. انتهى ملخصاً.
٤٩٨
.....

عن عامر الشّعبي قال(١): قال رسول الله وَله: لا يؤمَّنَّ الناسَ أحدٌ
بعدي جالساً.
فأخذ (٢) الناس بهذا.
(١) قوله: قال، كذا أخرجه الدارقطني والبيهقي في سننهما، عن جابر، عن
الشعبي، وقال الدارقطني لم يروه عن الشعبي إلّ الجعفي وهو متروك، والحديث
مرسل، وقال عبد الحق في ((أحكامه)): رواه عن الجعفي مجالد وهو أيضاً ضعيف،
وقال البيهقي في ((المعرفة)): فيه جابر الجعفي، متروك، ثم قد اختلف عليه فيه،
فرواه ابن عيينة عنه كما تقدَّم، ورواه ابن طهمان، عنه، عن الحكم، قال: كتب
عمر لا يؤمَّن أحد جالساً بعد النبي ◌َّرَ، وهذا مرسل موقوف، كذا ذكر الزيلعي،
وفي ((إرشاد السَّاري))، عند ذكر حديث الصلاة النبوية قاعداً والناس قاموا خلفه في
مرض موته: هو حجة واضحة لصحة إمامة القاعد المعذور للقائم، وخالف ذلك
مالك في المشهور(١) عنه ومحمد بن الحسن في ما حكاه الطحاوي، وقد أجاب
الشافعي عن الاستدلال بحديث جابر، عن الشعبي مرسلاً مرفوعاً: ((لا يؤمّنَّ أحد
بعدي جالساً))، فقال: قد علم من احتج بهذا أنْ لا حجة له فيه لأنه مرسل، ومن
رواية رجل يرغب أهل العلم عن الرواية عنه، أي: جابر الجعفي. انتهى.
ولا يخفى أن المرسل مقبول عند جمهور العلماء لا سيَّما مراسيل الشعبي كما مرَّ
فالقدح بالإِرسال ليس بشيء، نعم القدح بجابر لا سيَّما على رأي أبي حنيفة له
اعتداد .
(٢) هذا من كلام الشعبي أو من كلام محمد، والظاهر الاحتمال الأخير.
(١) رواه ابن القاسم كما قاله ابن رشد. واحتجَّ برواية فيها الجعفي مع إرسالها، كما في عمدة
القاري ٢٧٥/٢، و٧٤٦/٢، وفتح الباري ١٧٦/٢، وإليه ذهب محمد بن الحسن من
أصحاب إمامنا أبي حنيفة، بل كره ابن القاسم ومحمد بن الحسن، وأكثر المالكية إمامة
القاعد للقاعدين من المرض أيضاً، ومنعها بعضهم كما في شرح التقريب للعراقي
٣١٣٦/٢.
٤٩٩

٤٥ - (باب الصلاة في الثوب الواحد)
١٦٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا(١) بكيرُ(٢) بن عبد الله بن الأشجّ،
عن بُسْر(٣) بن سعيد، عن عبيد الله (٤) الخَوْلاني قال: كانت ميمونةُ(٥)
زوجُ النبيِّ ◌َلي تصلِّي(٦) في الدُّرع والخمار، ولیس عليها إزار.
١٦١ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن سعيد بن
المسیّب،
(١) قوله: أخبرنا بكير، هكذا في نسخ عديدة، وفي ((موطأ يحيى)): مالك
عن الثقة عنده وهو الليث بن سعد، ذكره الدارقطني، وقال منصور بن سلمة: هذا
مما رواه مالك عن الليث، ذكره ابن عبد البر وقال: أكثر ما في كتب مالك عن
بكير يقول أصحابه: إنه أخذه من كتب بكير كان أخذها من مخرمة ابنه، فنظر فيها.
انتهى. لكن هذا لا يتأتّى ههنا كذا ذكره الزرقاني (١).
(٢) ثقة روى له الستة، مات سنة عشرين ومئة أو بعدها، كذا قال الزرقاني.
(٣) المدني العابد، ثقة حافظ، من رجال الجميع، قاله الزرقاني.
(٤) ربيب ميمونة، ثقة، روى له الشيخان ذكره الزرقاني.
(٥) قوله: كانت ميمونة، هي بنت الحارث الهلالية، كان اسمها برة،
فسمّاها رسول الله ◌َّ ميمونة، توفيت بسرف سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة ست
وسين، وقيل: ثلاث وستين، كذا في ((الاستيعاب في أحوال الأصحاب))،
لا بن عبد البر.
(٦) قوله: تصلي، لأن ذلك جائز، وإن كان الأفضل أن يكون تحت الثوب
مئزر.
(١) ٢٩١/١.
٥٠٠