النص المفهرس
صفحات 401-420
= والثالث: أنه لا يقرأ شيئاً في ما جهر ولا في ما أسرَّ، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وهو قول جابر بن عبد الله وزيد بن ثابت، ورُوي ذلك عن علي وابن مسعود. وبه قال الثوري وابن عيينة وابن أبي ليلى والحسن بن صالح بن حَيّ وإبراهيم النخعي وأصحاب ابن مسعود، كذا ذكره ابن عبد البر في ((الاستذكار)) و «التمهيد)). أما حجة أصحاب القول الأول، فاستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىء الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوْا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾(١)، وقالوا: إن نزوله كان في شأن القراءة خلف الإِمام(٢)، فقد أخرج ابن مردويه والبيهقيّ، عن ابن عباس، قال: صلّى النبيِ وَّرَ، فقرأ خلفه قوم، فخلطوا عليه، فنزلت هذه الآية. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم والبيهقي، عن محمد بن كعب القُرَظي: كان رسول الله وَّر إذا قرأ في الصلاة أجابه من وراءه، إذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم، قالوا مثلَ ما يقول حتى تنقضي فاتحة الكتاب والسورة، فنزلت. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم والبيهقي، عن مجاهد قال: قرأ رجل من الأنصار خلف النبي ◌َ #9، فنزلت. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في كتاب ((القراءة))، عن عبد الله بن مغفَّل: أنه سُئل: أَكلّ من سمع القرآن وجب عليه الاستماع والإنصات؟ قال: إنما أُنزلت هذه الآية: ﴿فَاسْتَمِعُوْا لَهُ وأَنْصِتُوْا﴾ في قراءة الإِمام. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، والبيهقي، عن ابن مسعود: أنه صلّى بأصحابه، فسمع ناساً يقرؤون خلفه، فقال: أما آن لكم أن تفهموه؟ أما آن لكم أن تعقلوه؟ ﴿وإذا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوْا لَه﴾. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي وابن عساكر عن أبي هريرة أنه قال: نزلت هذه الآية في رفع الأصوات، وهم خلف رسول الله بِّر في الصلاة. وأخرج ابن جرير والبيهقي عن الزهري: نزلت هذه الآية في فتىّ من الأنصار كان رسولُ الله كلما قرأ شيئاً قرأه . = (١) سورة الأعراف: رقم الآية ٢٠٤ . (٢) وذكر الزيلعي أخباراً في أنّ هذه الآية نزلت في القراءة خلف الإِمام ٤٣٢/١. ٤٠١ = وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ والبيهقي، عن أبي العالية أن النبي وسلم كان إذا صلّى بأصحابه، فقرأ، فقرأ أصحابه، فنزلت. وأخرج ابن أبي شيبة في ((المصنّف))، عن إبراهيم: كان النبي وَليم يقرأ، ورجل يقرأ، فنزلت. وإذا ثبت هذا، فنقول: من المعلوم أن الاستماع إنما يكون في ما جهر به الإِمام، فَيَتْرُك المؤتمّ فيه القراءة، ويؤيده من الأحاديث قوله مَ له: ((وإِذَا قَرَأَ الإِمام فأنْصِتُوْ))، أخرجه أبو داود وابن ماجه والبزار وابن عديّ من حديث أبي موسى، والنسائي وابن ماجه من حديث أبي هريرة، وأخرجهما ابن عبد البر في ((التمهيد))، ونقل عن أحمد أنه صححه، ولأبي داود وغيره في صحته كلام، قد تعقّبه المنذري وغيره. فهذا في ما جهر الإِمام، وأما في ما أسرَّ، فيقرأ أخذاً بعموم لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب، وغير ذلك من الأحاديث. وأما أصحاب القول الثاني، فأقوى حججهم حديث عبادة: كنا خلف رسول اللّه وَالله في صلاة الفجر، فقرأ فتُقْلَتْ عليه القراءة، فلما فرغ قال: لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟ قلنا: نعم، يا رسول الله، فقال: فلا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها. أخرجه أبو داود والترمذي وحسَّنه والنسائي والدارقطني وأبو نعيم في ((حلية الأولياء))، وابن حبان والحاكم. وأما أصحاب القول الثالث، فاستدلوا بحديث: ((من كان له إمام فقراءة الإِمام قراءة له)) وسنذكر طرقه إن شاء الله تعالى، وبآثار الصحابة التي ستأتي. والكلام في هذا المبحث طويل وموضعه شرحي لشرح الوقاية المسمّى بـ ((السعاية في كشف ما في شرح الوقاية))، وفقنا الله لاختتامه(١). وقد أفردتُ لهذه المسألة رسالة سميتها بـ ((إمام الكلام فيما يتعلق بالقراءة خلف الإِمام))(٢). (١) بلغ الكتاب إلى (فروع مهمة متعلّقة بالقراءة في الصلاة)، وقد انتقل مؤلَّفه إلى جوار رحمة الله تعالى، وطبع الكتاب في مجلد ضخم في جزأين من باكستان سنة ١٩٧٦م. (٢) وطُبع الكتاب من مدينة لكنؤ بالهند سنة ١٣٠٤ هـ . ٤٠٢ ١١١ - أخبرنا مالك(١)، حدثنا الزهري، عن ابن أُكَيْمة (٢) الليثي (٣)، عن أبي هريرة: أنَّ رسول الله وَّهِ انصرف من صلاة(٤) جهر فيها بالقراءة، فقال: هل قرأ معي منكم من أحد؟ فقال الرجل: أنا يا رسول الله، قال(٥): فقال: إني أُقُول(٦) مالي أُنَازَع (٧) القرآن (٨)؟ (١) قوله: مالك، قال ميرك نقلاً عن ابن الملقِّن: حديث أبي هريرة هذا رواه مالك والشافعي والأربعة، وصححه ابن حبان، وضعَّفه البيهقي والحميدي، وبهذا يُعلم أن قول النووي اتفقوا على ضعف هذا الحديث غير صحيح، كذا في ((مرقاة المفاتيح شرح المشكاة)). (٢) قوله: ابن أُكْيْمة، بضم الهمزة وفتح الكاف مصغر أكمة، واسمه عمارة، بضم المهملة، والتخفيف، والهاء، وقيل: عَمَار بالفتح والتخفيف، وقيل: عمرو، بفتح العين، وقيل: عامر الليثي أبو الوليد المدني، ثقة، مات سنة إحدى ومائة، قاله الزرقاني . (٣) ولابن عبد البر من طريق سفيان، عن الزهري، قال: سمعت ابن أكيمة يحدث سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة. (٤) رواه أبو داود، عن سفيان، عن الزهري بسنده، فقال: نظنّ أنها صلاة الصبح . (٥) أي: أبو هريرة. (٦) هو بمعنى التثريب واللوم لمن فعل ذلك. (٧) بفتح الزاء، والقرآن منصوب على أنه مفعول ثانٍ، نقله ميرك، وفي نسخة بكسر الزاء. (٨) قوله: مَالي أَنَازَعُ القرآن، قال الخطابي: أي أُداخل فيه، وأُشارَك = ٤٠٣ : فانتهى الناس (١) عن القراءة(٢) مع رسول الله وَ ل فيما جهربه من الصلاة(٣) حين سمعوا ذلك. ١١٢ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع، عن ابن عمر: أنه كان إذا سئل هل يقرأ أحد مع الإِمام؟ قال: إذا صلّى أحدكم مع الإِمام فحسْبُه(٤) = وأغالَب عليه، وقال في ((النهاية)): أي: أَجاذب في قراءته كأنهم جهروا بالقراءة خلفه، فشغلوه، كذا في ((مرقاة الصعود)). (١) قوله: فانتهى الناس، أكثر رواة ابن شهاب عنه لهذا الحديث يجعلونه كلام ابن شهاب، ومنهم من يجعله من كلام أبي هريرة. وفقه هذا الحديث الذي من أجله جيء به هو ترك القراءة مع الإِمام في كل صلاة يجهر فيها الإِمام بالقراءة، فلا يجوز أن يقرأ معه إذا جهر بأم القرآن، ولا غيرها، على ظاهر الحديث وعمومه، كذا قال ابن عبد البر. (٢) قوله: عن القراءة، قال المجوِّزون لقراءة أم القرآن في الجهرية أيضاً، معناه عن الجهر بالقراءة أو عن قراءة السورة، لئلا يخالف حديث عبادة، فإنه صريح في تجويز قراءة أم القرآن في الجهرية، وقال بعضهم: انتهاء الناس إنما كان برأيهم لا بأمر الرسول، فلا حجة فيه. وفيه نظر ظاهر، لأن انتهاءهم كان بعد توبيخ النبي وَلّ لهم(١)، والظاهر اطّلاعُه عليه وإقراره بالانتهاء. وأما المانعون مطلقاً، فمنهم من أخذ بظاهر ما ورد في بعض الروايات: فانتهى الناس عن القراءة خلف رسول الله وَالر، وهو أخذ غير ظاهر، لورود قيد ((فيما جهر فيه)) في بعضها، وبعض الروايات يفسِّر بعضاً. والحق أن ظاهر هذا الحديث مؤيِّد لما اختاره مالك. (٣) في نسخة: الصلوات. (٤) أي : يكفيه. (١) في الأصل: ((عليهم))، والظاهر: ((لهم)). ٤٠٤ --. قراءة الإِمام، وكان ابن عمر لا يقرأ مع الإِمام (١). ١١٣ - أخبرنا مالك، حدثنا وهب بن كيسان أنه سمع (٢) جابر بن عبد الله يقول: من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأمّ القرآن، فلم يصل (٣) إلَّ وراء الإِمام (٤). ١١٤ - أخبرنا مالك، أخبرني العلاء(٥) بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحُرَقَة (٦) (١) قوله: لا يقرأ مع الإِمام، قال ابن عبد البر: ظاهر هذا أنه كان لا يرى القراءة في سر الإِمام ولا جهره، ولكنْ قَيّده مالك بترجمة الباب أن ذلك في ما جهر به الإِمام بما علم من المعنى. ويدل على صحته ما رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن الزهري، عن سالم: أن ابن عمر كان يُنصت للإِمام في ما جهر فيه، ولا يقرأ معه، وهو يدل على أنه كان يقرأ معه في ما أسرَّ فيه. (٢) قوله: سمع، قال أبو عبد الملك: هذا الحديث موقوف، وقد أسنده بعضهم، أي: رفعه، ورواه الترمذي من طريق معن عن مالك به موقوفاً، وقال: حسن صحيح . (٣) لأنه ترك ركناً من أركان الصلاة، وفيه وجوبها في كل ركعة. (٤) قال أحمد: فهذا صحابي تأوَّل قوله مَله: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) على ما إذا كان وحده، نقله الترمذي . (٥) قوله: أخبرني العلاء، هكذا في ((الموطأ)) عند جميع رواته وانفرد مطرف في غير ((الموطأ))، فرواه عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي السائب، وليس بمحفوظ، قاله الزرقاني . (٦) قوله: مولى الحُرَقة، بضم الحاء المهملة، وفتح الراء المهملة بعدها قاف، قبيلة من همدان، قاله ابن حبان، أو من جهينة، قاله الدارقطني، وهو الصحيح، كذا في ((أنساب السمعاني)). ٤٠٥ أنه سمع أبا السائب(١) مولى هشام بن زهرة يقول: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله وَل﴾ يقول: من صلى صلاةً (٢) لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فھي خداج(٣) هي خداج. (١) قوله: أبا السائب، قال الحافظ: يقال: اسمه عبد الله بن السائب الأنصاري، المدني. ثقة، روى له مسلم، والأربعة، والبخاري في ((جزء القراءة)) وهو مولى هشام بن زهرة، ويقال: مولى عبد الله بن هشام بن زهرة، ويقال: مولى بني زهرة. (٢) قوله: من صلى صلاة ... إلخ، فيه من الفقه إيجاب قراءة فاتحة الكتاب في كل صلاة، وأن الصلاة إذا لم يُقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج وإن قُرىء فيها بغيرها من القرآن، والخداج، النقصان والفساد، من ذلك قولهم: أخدجت الناقة، وخدجت إذا ولدت قبل تمام وقتها، قبل تمام الخلق، وذلك نتاج فاسد، وقد زعم من لم يوجب قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة أن قوله: خداج يدل على جواز الصلاة لأنه النقصان، والصلاة الناقصة جائزة. وهذا تحكّم فاسد(١) والنظر يوجب أن لا يجوز الصلاة، لأنها صلاة لم تتم، ومن خرج من صلاته قبل أن يعيدها، فعليه إعادتها . وأما اختلاف العلماء في هذا الباب، فإن مالكاً والشافعي وأحمد وإسحاق وأبا ثور وداود قالوا: لا صلاة إلَّ بفاتحة الكتاب، وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي: إنْ تركها عامداً وقرأ غيرها أجزأه، على اختلاف عن الأوزاعي، وقال الطبري: يقرأ المصلي بأم القرآن في كل ركعة، فإن لم يقرأها لم يُجْز إلا مثلها من القرآن عدد آياتها وحروفها، كذا في ((الاستذكار))(٢). (٣) بكسر الخاء المعجمة، أي: ذات خداج، أي: نقصان. (١) والظاهر أنّ هذا ردّ على الحنفية لأن عامتهم يزعمون أن الحنفية قالوا بجواز الصلاة بدون الفاتحة، ولذا تعجّب الحافظ في ((الفتح)) أشدّ التعجُّب، والحقيقة ليست كذلك لأن (٢) ١٤٥/٢. الحنفية قالوا بوجوب الفاتحة، انظر أوجز المسالك ٩٧/٢. ٤٠٦ - -- هي خِداج(١) غير تمام(٢). قال(٣): قلت: يا أبا هريرة، إني أحياناً أكون وراء الإِمام؟ قال: فغمز ذراعي (٤) وقال: يا فارسي، اقرأ بها(٥) في نفسك(٦)، إني سمعت رسول الله وَله يقول: قال الله عزّ وجلّ: قُسمت(٧) (١) ذکره ثلاثاً للتأكید. (٢) قوله: غير تمام، هو تأكيد، فهو حجة قوية على وجوب قراءتها في كل صلاة، لكنه محمول عند مالك ومن وافقه على الإِمام والفذّ، لقوله وَله: ((إذا قرأ فأنصتوا»، رواه مسلم. (٣) أبو السائب. (٤) قوله: فغمز ذراعي، قال الباجي: هو على معنى التأنيس له، وتنبيهه على فهم مراده والبعث له على جمع ذهنه وفهمه لجوابه. (٥) قوله: اقرأ بها، أي سرّاً، وبه استدل من جوَّز قراءة أم القرآن خلف الإِمام، في الجهرية أيضاً، وظاهر القرآن والأحاديث يردّه إلّا أن يَتَبَّع سكتات الإِمام، ويقرأ بها فيها سرّاً، فحينئذٍ لا يكون مخالفاً للقرآن والحديث. (٦) قوله: في نفسك، قال الباجي: أي بتحريك اللسان، بالتكلم، وإن لم يُسمع نفسه، رواه سحنون، عن أبي القاسم: قال: ولو أسمع نفسه يسيراً كان أحبّ إليّ. (٧) قوله: قُسمت الصلاة، قال العلماء: أراد بالصلاة ههنا الفاتحة، سُمِّيت بذلك لأنها لا تصح إلاّ بها، كقولهم: الحج عرفة، والمراد قسمتها من جهة المعنى لأن نصفها الأول تحميد الله وتمجيده، وثناء عليه وتفويض إليه، والثاني سؤال وتضرُّع وافتقار، واحتجَّ القائلون بأن البسملة ليست من الفاتحة بهذا الحديث، قال النووي: وهو من أوضح ما احتجوا به لأنها سبع آيات بالإِجماع، فثلاث في أولها ثناء، أوَّلها الحمد، ثلاث دعاء أولها: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ = ٤٠٧ = والسابعة متوسطة، وهي: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾. قالوا: ولأنَّه لم يذكر البسملة في ما عدّدها، ولو كانت منها لذكرها، كذا في ((التنوير)). وقال الزيلعي في ((نصب الراية»: هذا الحديث ظاهر في أن البسملة ليست من الفاتحة وإلاّ لابتدأ بها لأن هذا محل بيان واستقصاء لآيات السورة، والحاجة إلى قراءة البسملة أمسٌ . واعترض بعض المتأخرين على هذا الحدیث بوجهین: أحدهما: قال: لا تغترّ بكون هذا الحديث في مسلم، فإن العلاء بن عبد الرحمن قد تكلم فيه ابن معين، فقال: الناس يتقون حديثه، وليس حديثه بحجة، مضطرب الحديث، ليس بذاك، هو ضعيف، رُوي عنه جميع هذه الألفاظ، وقال ابن عدي: ليس بالقوي، وقد انفرد بهذا الحديث، فلا يُحتَجّ به. الثاني: قال: وعلى تقدير صحته، فقد جاء في بعض الروايات عنه ذكر التسمية، كما أخرجه الدارقطني، عن عبيد الله بن زياد بن سمعان، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة: سمعت رسول الله وسلم يقول: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي، يقول العبد إذا افتتح الصلاة: باسم الله الرحمن الرحيم، فيذكرني عبدي، ثم يقول: الحمد لله رب العالمين، فأقول حمدني عبدي ... الحديث، وهذا القائل حمله الجهل والتعصب على أَنْ تَرَكَ الحديث الصحيح. وضعَّفه لكونه غير موافق لمذهبه، مع أنه روى عن العلاء الأئمة الثقات، كمالك، وسفيان بن عيينة، وابن جريج، وشعبة، وعبد العزيز الدراوردي، وإسماعيل بن حفص، وغيرهم، والعلاء نفسه ثقة صدوق. وهذه الرواية مما انفرد بها ابن سمعان، وهو كذّاب، ولم يخرجها أحد من أصحاب الكتب الستة، ولا المصنفات المشهورة، ولا المسانيد المعروفة، وإنما رواه الدارقطني في ((سننه)) التي يروي فيها غرائب الحديث، وقال عَقيبه: وعبيدالله بن زياد بن سمعان متروك الحديث، وذكره في ((عِلَلِه)) وأطال الكلام. انتهى. وقد بسطت المسألة في رسالتي: ((إحكام القنطرة في أحكام البسملة)). ٤٠٨ .لــ- ٤ الصلاة بيني(١) وبين عبدي نصفين، فنصفها لي(٢)، ونصفها لعبدي (٣)، ولعبدي ما سأل (٤)، قال رسول الله وَله: اقرؤا (٥)، يقول العبد: الحمد لله رب العالمين، يقول الله: حمدني عبدي، يقول العبد: الرحمن الرحيم، يقول الله: أثنى عليّ عبدي (٦)، يقول العبد: مالِكِ يوم الدين، يقول الله: مجَّدني (٧) عبدي، يقول العبد : إيّاك نعبد وإياك نستعين، فهذه الآية (٨) بيني وبين عبدي، ولعبدي (٩) ما سأل، يقول العبد: اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت (١) قدَّم نفسه لأنه الواجب الوجود لنفسه، وإنما استفاد العبد الوجود منه. (٢) هو: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ، مَالِكِ يَوْمِ آلدینِ﴾. (٣) وهو من: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخره. (٤) أي: مِنِّي إعطاءه. (٥) قوله: اقرؤا، لمسلم من رواية ابن عيينة، عن العلاء إسقاط هذه الجملة، وقال عقب قوله: ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد ... إلخ. (٦) جاء جواباً لقوله: الرحمن الرحيم (١) لاشتمال اللفظين على الصفات الذاتية والفعلية . (٧) قوله: مجَّدني: التمجيد الثناء بصفات الجلال، والتحميد الثناء بجميل الفعال، ويقال أثني في ذلك كلُّه. (٨) قوله: بيني وبين عبدي، قال الباجي: معناه أن بعض الآية تعظيم الباري وبعضها استعانة على أمرٍ دينه ودنياه من العبد به . (٩) من العون . (١) في الأصل: ((الرحمن الرحيم))، والظاهر لقوله: ((الرحمن الرحيم)). ٤٠٩ عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين ، فهؤلاء (١) لعبدي(٢) ولعبدي ما سأل(٣). قال محمد: لا قراءة (٤) خلف الإِمام فيما جهر فيه ولا فيما لم يجهر، بذلك جاءت عامة الآثار(٥). (١) أي: مختصة بالعبد. (٢) قوله: لعبدي، لأنها دعاؤه بالتوفيق إلى صراط من أنعم عليهم والعصمة من صراط المغضوب عليهم ولا الضالين. (٣) من الهداية وما بعدها. (٤) قوله: لا قراءة ... إلخ، كلام محمد هذا وكلامه في ((كتاب الآثار)) بعد إخراج قول إبراهيم، قال: ما قرأ علقمة بن قيس قط فيما يجهر فيه، ولا في الركعتين الأخريين أم القرآن ولا غيرها خلف الإِمام، أخرجه عن أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، ثم قال: وبه نأخذ، لا نرى القراءة خلف الإِمام في شيء من الصلاة يجهر فيه أو لا يجهر فيه. انتهى. وكلامه فيه بعدما أخرج عن أبي حنيفة ، عن حماد، عن سعيد بن جبير أنه قال: اقْرأْ خلف الإمام في الظهر والعصر، ولا تقرأ في ما سوى ذلك، قال محمد: لا ينبغي أن يقرأ خلف الإِمام في شيء من الصلوات. انتهى. صريح في بطلان قول عليَّ القاري في ((شرح المشكاة)»: الإِمام محمد من أئمتنا يوافق الشافعيّ في القراءة خلف الإِمام في السرية، وهو أظهر في الجمع بين الروايات الحديثية، وهو مذهب مالك. انتهى. وقد ذكر صاحب ((الهداية)). و((جامع المضمرات)) وغيرهما أيضاً أن على قول محمد يُستحسن قراءة أم القرآن خلف الإِمام على سبيل الاحتياط، ولكن قال ابن الهُمام: الأصح أن قول محمد كقولهما، فإن عباراته في كتبه مصرِّحة بالتجافي عن خلافه، والحق أنه وإن كان ضعيفاً رواية لكنه قوي دراية. (٥) قوله: عامة الآثار، أي: عن الصحابة والتابعين، بل وعن النبي اقمثل: ٤١٠ ---- = أيضاً. فمنهم: زيد بن ثابت، أخرجه مسلم في باب سجود التلاوة بسنده، عن عطاء بن يسار أنه سأل زيداً عن القراءة مع الإِمام، فقال: لا قراءة مع الإِمام في شيء. وأخرجه الطحاوي، عن عطاء أنه سمع زيد بن ثابت يقول: لا يقرأ خلف الإِمام في شيء من الصلاة وأخرج أيضاً عن حيوة بن شريح، عن بكر بن عمر، عن عبد الله بن مقسم أنه سأل عبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وجابراً قالوا: لا يقرأ خلف الإِمام في شيء من الصلاة. وعارض بعضهم بما رُوي عن زيد أنه قال: من قرأ خلف الإِمام فصلاته تامة، ولا إعادة عليه، وجعله دليلاً على فساد ما رُوي عنه من تركه القراءة. وفيه نظر، فإنه لا معارضة لأنه لا يلزم من كون الصلاة تامة وعدم وجوب الإِعادة إلَّ عدم كون الترك لازماً، وهو أمر آخر. ومنهم: عليّ، كما أخرجه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق أنه قال: من قرأ خلف الإِمام فقد أخطأ الفطرة، وأخرجه الدارقطني من طرق، وقال: لا يصح إسناده، وقال ابن حبان في ((كتاب الضعفاء)): هذا يرويه ابن أبي ليلى الأنصاري، وهو باطل، ويكفي في بطلانه إجماع المسلمين، وعبد الله بن أبي ليلى هذا رجل مجهول. انتهى. وقال ابن عبد البر. هذا لو صحَّ احتمل أن يكون في صلاة الجهر لأنه حينئذٍ يكون مخالفاً للكتاب والسنَّة، فكيف وهو غير ثابت عن عليّ رضي الله عنه. انتھی . ومنهم: جابر بن عبد الله، كما ذكره محمد سابقاً، وقد أخرجه الترمذي أيضاً وقال: حسن صحيح، والطحاوي، وأخرجه الدارقطني، عن جابر مرفوعاً، وأعلَّه بأن في سنده يحيى بن سلام، وهو ضعيف، والصواب وقفه. وأخرج ابن أبي شيبة في ((مصنّفه))، عن جابر قال: لا يقرأ خلف الإِمام، لا إن جهر، ولا إن خافت. وأخرج عبد الرزاق، والطحاوي، عن عبد الله بن مقسم، قال: سألت جابر بن عبدالله: يقرأ خلف الإِمام في الظهر والعصر؟ قال: لا . ومنهم: أبو الدرداء، أخرج النسائي بسنده، عن كثير بن مرة، عن = ٤١١ = أبي الدرداء سمعه يقول: سئل رسول الله ﴿ أَفي كل صلاة قراءة؟ قال: نعم، قال رجل من الأنصار: وجبت هذه، فالتفت إليّ، وكنت أقرب القوم منه، فقال: ما أرى الإِمام إذا أمَّ القوم إلّ قد كفاهم، قال النسائي: هذا عن رسول الله و ل* خطأ، إنما هو قول أبي الدرداء. وقال الطحاوي بعد ما أخرج عن عائشة مرفوعاً: كل صلاة لم يُقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج، وعن أبي هريرة حديثه الذي مر برواية محمد: فذهب إلى هذه الآثار قوم، وأوجبوا القراءة خلف الإِمام في سائر الصلوات بفاتحة الكتاب، وخالفهم في ذلك آخرون، وكان من الحجة لهم أن حديثي أبي هريرة وعائشة اللَّذَيْن رَوَوْهما عن رسول الله وَ ◌ّر ليس في ذلك دليل على أنه أراد بذلك الصلاة التي تكون فيها قراءة الإِمام، وقد رأينا أبا الدرداء سمع من رسول الله صلّ في ذلك مثل هذا، فلم يكن عنده على المأموم، حدثنا بحر بن نصر، نا عبد الله بن وهب، حدَّثني معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مرَّة الحضرمي، عن أبي الدرداء أن رجلاً قال: يا رسول الله بَ﴿ل في الصلاة قرآن؟ قال: نعم، فقال رجل من الأنصار: وجبت، قال: وقال أبو الدرداء: ما أرى أن الإِمام إذا أمَّ القوم فقد كفاهم. انتهى ملخّصاً. ومنهم: ابن عمر وابن مسعود وعمر وسعد، كما أخرج محمد عنهم، وسيأتي ما له وما عليه. ومنهم: ابن عباس، كما أخرجه الطحاوي، عن أبي حمزة، قلت لابن عباس: أَقْرأُ والإِمام بين يدي؟ فقال: لا. وذكر العيني في ((شرح الهداية)): قد رُوي منع القراءة عن ثمانين نفراً من الصحابة، منهم: المرتضى والعبادلة الثلاثة، وذكر الشيخ الإِمام السبذموني في ((كشف الأسرار))، عن عبد الله بن زيد بن أسلم، عن أبيه أنه قال: عشرة من الصحابة ينهون عن القراءة خلف الإِمام أشد النهي : أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد، وابن مسعود، وزید، وابن عمر، وابن عباس. انتھی . ٤١٢ i " -- وهو قول أبي حنيفة(١) - رحمه الله - . ١١٥ - قال محمد: أخبرنا عبيد الله (٢) بن عمر بن حفص بن = وهذا كله محتاج إلى تحقيق الأسانيد إليهم، وقال الحافظ ابن حجر في ((الدراية في تخريج أحاديث الهداية)): إنما يثبت ذلك، أي: المنع، عن ابن عمر وجابر وزيد بن ثابت وابن مسعود، وجاء عن سعد وعمر وابن عباس وعلي، وقد أثبت البخاري، عن عمر وأبيّ بن كعب وحذيفة وأبي هريرة وعائشة وعبادة وأبي سعيد في آخرين أنهم كانوا يرون القراءة خلف الإِمام. انتهى. وقال ابن عبد البر: ما أعلم في هذا الباب من الصحابة من صحَّ عنه ما ذهب إليه الکوفیون فیه من غیر اختلاف عنه إلاّ جابر وحده. انتهى. (١) قوله: وهو قول أبي حنيفة، قد مرَّ معنا ذِكْر من وافقه في هذا في ما مرَّ، وذَكَر أكثر أصحابنا أن القراءة خلف الإِمام عند أبي حنيفة وأصحابه مكروه تحريماً، بل بالغ بعضهم، فقالوا بفساد الصلاة به، وهو مبالغة شنيعة يكرهها من له خبرة بالحديث، وعلَّلوا الكراهية بورود التشدد عن الصحابة، وفيه أنه إذا حقق آثار الصحابة بأسانيدها فبعد ثبوتها إنما تدل على إجزاء قراءة الإِمام عن قراءة المأموم، لا على الكراهة، والآثار التي فيها التشدد لا تثبت سنداً على الطريق المحقق. فإذن القول بالإِجزاء فقط من دون كراهة أو منع أسلم، وأرجو أن يكون هو مذهب أبي حنيفة وصاحبيه كما قال ابن حبان في كتاب ((الضعفاء»: أهل الكوفة إنما اختاروا تَرْكَ القراءة لا أنهم لم يجيزوه. انتهى . (٢) قوله: أخبرنا عبيد الله، مصغّراً، ابن عمر بن حفص بن عاصم ابن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، أبو عثمان العمري العدوى المدني من أجلّة الثقات، روى عن أم خالد بنت خالد الصحابية حديثاً، وعن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسالم بن عبد الله بن عمر، وعطاء، ونافع، والمَقْبُري، والزهري، وغيرهم، وعنه شعبة والسفيانان ويحيى القطان، وغيرهم، قال النسائي: ثقة = ٤١٣ عاصم بن عمر بن الخطاب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: من صلى خلف الإِمام(١) كَفَتْه قراءته . = ثبت، وقال أبو حاتم: سألت أحمد عن عبيد الله، ومالك، وأيوب: أيّهم أثبت في نافع؟ فقال: عبيد الله أحفظهم وأثبتهم، وأكثرهم رواية، وقال أحمد بن صالح: عبيد الله أحبّ إليّ من مالك في نافع، مات سنة ١٤٧ هـ بالمدينة، كذا ذكر الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)). (١) قوله: خلف الإِمام ... إلخ، ظاهرُ هذا وما بعده، وما أخرجه سابقاً من طريق مالك: أن ابن عمر كان لا يرى القراءة خلف الإِمام في السرية والجهرية كليهما. لكن أخرج عبد الرزاق عن سالم أن ابن عمر كان ينصت للإِمام في ما جهر فيه، ولا يقرأ معه. وأخرج الطحاوي عن مجاهد قال: سمعت عبد الله بن عمر يقرأ خلف الإِمام في صلاة الظهر من سورة مريم. وأخرج أيضاً عنه: صليت مع ابن عمر الظهر والعصر، وكان يقرأ خلف الإِمام، وهذا دالَّ صريحاً على أنه ممَّن يرى القراءة في السرية دون الجهرية، ويمكن الجمع بأن كفاية قراءة الإمام لا يستلزم أن تمتنع، فيجوز أن يكون رأيه كفاية القراءة من الإِمام في الجهريّة والسريّة كليهما، وجوازها في السرية دون الجهرية لئلا تُخِلّ بالاستماع. وهذا هو الذي أميل إليه وإلى أنه يُعمل بالقراءة في الجهرية لو وجد سكتات الإِمام، وبهذا تجتمع الأخبار المرفوعة، فإن حديث: ((وإذا قرأ فأنصتوا)) مع قوله تعالى: ﴿فاستمعوا له وأنصتوا﴾ صريح في منع القراءة خلف الإمام حين قراءته الإِخلاله بالاستماع، وحديث عبادة صريح في تجويز قراءة أمّ القرآن في الجهرية، وحديث ((قراءة الإِمام قراءة له)) صريح في كفاية قراءة الإِمام، فالأولى أن يُختار طريق الجمع، ويُقال: تجوز القراءة خلف الإِمام في السِرِّية، وفي الجهرية إن وجد الفرصة بين السكتات، وإلَّ لا، لئلا يُخِلَّ بالاستماع المفروض، ومع ذلك لو لم يقرأ فيهما أجزأ لكفاية قراءة الإِمام. والحقّ أن المسألة مختلَفُ فيها بين الصحابة والتابعين، واختلاف الأئمة مأخوذ من اختلافهم، فكُلَّ اختار ما ترجَّح عنده، ولكلٍّ وجهةٌ هو مولِّيها فاستبقوا الخيرات. ٤١٤ - - ١١٦ - قال محمد: أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي (١)، أخبرني أنس بن سيرين(٢)، عن ابن عمر: أنه سأل عن القراءة خلف الإِمام، قال: تكفيك قراءة الإِمام (٣). ١١٧ - قال محمد: أخبرنا أبو حنيفة، قال حدثنا أبو الحسن (١) قوله: المسعودي، نسبة إلى مسعود والد عبد الله بن مسعود، وقد اشتهر به جماعة من أولاده كما ذكره السمعاني، منهم: عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الهذلي الكوفي، روى عن أبيه وعليّ والأشعث بن قيس ومسروق، وعنه أبناه القاسم ومعن، وسماك بن حرب، وأبو إسحاق السبيعي، وغيرهم، قال يعقوب بن شيبة: كان ثقة، قليل الحديث، مات سنة ٧٩هـ، ومنهم: وهو المذكور ههنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الكوفي المسعودي هكذا ذكر في نسبه في ((تهذيب التهذيب)) و((تذكرة الحفاظ))، والذي في ((التقريب))، و ((الأنساب)): عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، روى عن أبي إسحاق السبيعي وأبي إسحاق الشيباني والقاسم بن عبد الرحمن المسعودي وعليّ بن الأقمر وعون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وغيرهم، وعنه السفيانان، وشعبة، وجعفر بن عون، وعبد الله بن المبارك، وغيرهم، وثّقه ابن معين وابن المديني وأحمد وغيرهم، وكان قد اختلط في آخر عمره، توفي في سنة ١٦٠هـ. (٢) قوله: أنس بن سيرين، هو أبو موسى، أنس بن سيرين الأنصاري المدني، مولى أنس أخو محمد بن سيرين، روى عن مولاه، وابن عباس، وابن عمر، وجماعة، وعنه شعبة، والحمّادان، وثّقه ابن معين، والنسائي، وأبو حاتم، وابن سعد، والعِجْلي، مات سنة ١١٨ هـ، وقيل: ١٢٥ هـ، كذا في «تهذيب التهذيب)). (٣) كذا أخرجه الطحاوي من طريق شعبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر. ٤١٥ موسى بن أبي عائشة(١)، عن عبد الله بن شدّاد بن الهاد(٢)، عن جابر بن عبد الله، عن النبي وَلل، أنه قال: (٣) من صلى خلف الإِمام (١) قوله: أبو الحسن موسى بن أبي عائشة، قال القاري في ((سند الأنام شرح مسند الإمام)): هو من أكابر التابعين. انتهى. وفي ((تقريب التهذيب)): موسى بن أبي عائشة الهَمْداني، بسكون الميم، مولاهم أبو الحسن الكوفي، ثقة عابد، وفي (الكاشف)» موسى بن أبي عائشة الهَمْداني الكوفي، عن سعيد بن جبير، وعبد الله بن شدّاد وعنه شعبة، وجرير، وعبيدة، وکان إذا رئي ذكر الله. انتهى . (٢) قوله: عن عبد الله بن شدّاد، هو أبو الوليد الليثي المدني عبد الله بن شدّاد بتشديد الدال الأولى، قيل: اسمه أسامة، وشدّاد، ولقبه ابن الهاد، اسمه عمرو، ولقبه الهادي، وقيل: اسمه أسامة بن عمرو بن عبد الله بن جابر بن بشر، روى شدّاد، عن النبي وَّر، وله صحبة، ذكره ابن سعد فيمن شهد الخندق، وكان سكن المدينة ثم تحول إلى الكوفة، وابنه عبد الله روى عن أبيه وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وخالته أسماء بنت عميس زوجة أبي بكر الصديق، وخالته لأمه ميمونة أم المؤمنين، وعائشة، وأم سلمة وغيرهم، وعنه جماعة، قال العِجْلي والخطيب: هو من كبار التابعين، وثقاتهم، وقال أبو زرعة والنسائي وابن سعد: ثقة. وذكر ابن عبد البر في ((الاستيعاب)) أنه ولد على عهد رسول الله وَالتى، وقال الميموني: سئل أحمد هل سمع من النبي وَل﴿ شيئاً؟ قال: لا، مات سنة ٨١ هـ، وقيل سنة ٨٢هـ، كذا في ((تهذيب التهذيب)). (٣) قوله: أنه قال ... إلخ، هذا الحديث قد رُوي عن طريق جماعة من الصحابة: فمنهم: أبو سعيد الخدري. أخرج ابن عدي في ((الكامل))، عن إسماعيل بن عمرو بن نجيح، عن الحسن بن صالح، عن أبي هارون العبدي، عنه مرفوعاً: ((من كان له إمام فقراءة الإِمام له قراءة)). وأعله ابن عدي بأنه لا يُتابع عليه إسماعيل، وهو ضعيف. وردَّه الزيلعي بأنه قد تابعه النضر بن عبد الله، أخرجه الطبراني في ((الأوسط))، عن محمد بن إبراهيم بن عامر بن إبراهيم الأصبهاني، قال: حدثني أبي، عن جدي، عن النضر بن عبد الله، عن الحسن بن صالح، به سنداً ومتناً . = ٤١٦ نفسه -.. = ومنهم: أنس. روى ابن حبان في ((كتاب الضعفاء))، عن ابن سالم، عن أنس مرفوعاً: ((من كان له إمام فقراءة الإِمام قراءة له)). وأعلَّه بابن سالم، وقال: إنه يخالف الثقات، ولا يعجبني الرواية عنه، فكيف الاحتجاج به، روى عنه المجاهيل والضعفاء. ومنهم: أبو هريرة. أخرج الدارقطني في ((سننه))، عن محمد، عن عبّاد الرازي، عن إسماعيل بن إبراهيم التيمي، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة نحوه مرفوعاً. قال الدارقطني: تفرد به محمد بن عباد الرازي، وهو ضعيف . ومنهم: ابن عباس. أخرج الدارقطني، عن عاصم بن عبد العزيز المدني، عن عون بن عبد الله بن عتبة، عنه مرفوعاً: ((تكفيك قراءة الإِمام خافت أو جهر)). قال الدارقطني: قال أبو موسى: قلت لأحمد في حديث ابن عباس هذا، فقال: حديث منكر، ثم قال الدارقطني في موضع آخر: عاصم بن عبد العزيز ليس بالقوي ورفعُه وهم. ومنهم: ابن عمر. أخرج الدارقطني، عن محمد بن الفضل بن عطية، عن أبيه، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه مرفوعاً: ((من كان له إمام فقراءته له قراءة)). وأعلَّه بأن محمد بن الفضل متروك. ثم أخرجه عن خارجة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعاً، وقال: رفْعُه وهم. ثم أخرجه عن أحمد بن حنبل: نا إسماعيل بن علية، عن نافع، عن ابن عمر موقوفاً عليه: ((يكفيك قراءة الإِمام)»، وقال: الوقف هو الصواب. ومنهم: جابر بن عبد الله، ولحديثه طرق منها: طريق محمد، عن أبي حنيفة، عن موسى بن أبي عائشة، عن ابن شدّاد، عن جابر، وهو أحسن طرقه، حكم عليه ابن الهُمام بأنه صحيح، على شرط الشيخين، وقال العيني: هو حديث صحيح، أما أبو حنيفة فأبو حنيفة، وموسى بن أبي عائشة الكوفي من الثقات الأثبات من رجال الصحيحين، وعبد الله بن شدّاد من كبار الشاميين وثقاتهم، وهو = ٤١٧ = حديث صحيح. انتهى. وأخرجه الدارقطني من طريق أبي حنيفة، وعن الحسن بن عمارة بسنده، عن جابر مرفوعاً، وقال: هذا الحديث لم يسنده، عن جابر غير أبي حنيفة، وابن عمارة، وهما ضعيفان، وقد رواه الثوري، وأبو الأحوص، وشعبة، وإسرائيل، وشريك، وأبو خالد، وابن عيينة، وجرير بن عبد الحميد، وغيرهم، عن موسى مرسلاً، وهو الصواب. انتهى. وردّه العيني بأن الزيادة من الثقة مقبولة، والمراسيل عندنا حجة، وسئل يحيى بن معين عن أبي حنيفة؟ فقال: ما سمعت أحداً ضعَّفه، فقد ظهر لنا من هذا تحامل الدارقطني، وتعصبه، ومن أين له تضعيف أبي حنيفة، وهو مستحق التضعيف، وقد روى في ((مسنده)) أحاديث سقيمة ومعلولة، ومنكرة وموضوعة. انتهى. وقال ابن الهُمام في ((فتح القدير)): قولهم: الحفاظ الذين عدوهم لم يرفعوه غير صحيح، قال أحمد بن منيع في ((مسنده)): نا إسحاق الأزرق، نا سفيان الأزرق، نا سفيان وشريك، عن موسى بن أبي عائشة، عن ابن شدّاد، عن جابر(١)، قال: ونا جرير، عن موسى بن أبي عائشة مرفوعاً، ولم يذكر عن جابر ورواه عبد بن حميد، نا أبونعيم، نا الحسن بن صالح، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعاً، فهؤلاء سفيان وشريك وجرير وأبو الزبير رفعوه بالطرق الصحيحة، فبطل عدّهم في من لم يرفعه. انتهى. ومنها طريق محمد الذي ذكره بعد الطريق المذكور وهو طريق سهل بن العباس، عن ابن عُليَّة، عن أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر، وقد أخرجه الطبراني أيضاً في ((الأوسط)) من هذا الطريق، وقال: لم يرو أحدٌ عن ابن علية مرفوعاً إلاّ سهل، ورواه غيره موقوفاً. وأخرجه الدارقطني، وأعلَّه بأن سهل متروك، ليس بثقة. وأخرجه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) من طريق الحسن بن صالح، عن جابر الجعفي والليث بن أبي سليم، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعاً، وكذلك أخرجه ابن عدي، وأعلَّه = (١) قال النيموي: رجالهم كلهم ثقات فثبت متابعة الإمام أبي حنيفة باثنين، أحدهما: سفيان، وثانيهما: شريك، والثقة يسند الحديث ويرسله أخرى. ولهذا الحديث طرق أخرى عند الدارقطني وغيره يشد بعضها بعضاً وإن ضعفت ((آثار السنن مع التعليق الحسن)) [١ - ٨٧]. ٤١٨ ...... فإِنَّ قراءة الإِمام له قراءة(١). ١١٨ - قال محمد: حدثنا الشيخ أبو علي (٢)، قال حدثنا محمود بن محمد المروزي، قال: حدثنا سهل بن العباس الترمذي، = الدارقطني بأن الحسن قرن جابراً بالليث، والليث ضعفه أحمد والنسائي وابن معين، ولكنه مع ضعفه يُكتب حديثه، فإن الثقات رووا عنه، كشعبة والثوري وغيرهما ، وأخرجه ابن ماجه من طريق جابر الجعفي عن أبي الزبير ، عن جابر مرفوعاً: ((من كان له إمام فقراءة الإِمام قراءة له))، وفيه جابر الجعفي متكلّم فيه ، قد وثّقه سفيان وشعبة ووكيع ، وضعَّفه أبو حنيفة والنسائي وعبد الرحمن بن مهدي وأبو داود ، وكما بسطه الذهبي في ((ميزان الاعتدال)). وأخرج الدارقطني في ((غرائب مالك)) من طريق مالك، عن وهب بن كيسان، عن جابر مرفوعاً نحوه، فقال: هذا باطل عن مالك، لا يصح عنه، ولا عن وهب، وفيه عاصم بن عصام لا يُعرف. هذا خلاصة الكلام في طرق هذا الحديث، وتلخّص منه أن بعض طرقه صحيحة أو حسنة، ليس فيه شيء يوجب القدح عند التحقيق، وبعضها صحيحة مرسلة وإن لم تصح مسندة، والمراسيل مقبولة، وبعضها ضعيفة ينجبر ضعفها بضمّ بعضها إلى بعض، وبه ظهر أن قول الحافظ ابن حجر في ((تخريج أحاديث الرافعي)» أن طرقه كلها معلولة ليس على ما ينبغي، وكذا قال البخاري في رسالة ((القراءة خلف الإِمام)) أنه حديث لم يثبت عند أهل العلم من أهل الحجاز والعراق، لإِرساله، وانقطاعه، أما إرساله، فرواه عبد الله بن شدّاد، عن النبي ◌َّ، وأما انقطاعه فرواه الحسن بن صالح، عن جابر(١)، عن أبي الزبير، عن جابر، ولا يُدرى أسمع من أبي الزبير أم لا؟ انتهى. ولا يخلو عن خدشات واضحة. (١) فلا يحتاج المؤتم أن يقرأ خلف الإِمام، لأن الإِمام قد قام مقامه. (٢) حدثنا الشيخ أبو علي .. . إلخ، رجال هذا السند من إسماعیل إلی جابر = (١) الجعفي . : ٤١٩ = ثقات. أما جابر، فجابر من أجلَّة الصحابة، وقد مرَّت ترجمته غير مرة. وأما الراوي عنه علي ما في نسخ هذا الكتاب الموجودة ابن الزبير، والمشهور الموجود في غير هذا الكتاب أبو الزبير وهو محمد بن مسلم بن تَدْرُس، بفتح التاء وسكون الدال على صيغة المضارع، المكي، مولى حكيم بن حزام، من تابعي مكة، سمع جابراً، وعائشة، وابن عباس، وابن عمر، وغيرهم، وعنه مالك، والسفيانان، وأيوب السختياني، وابن جريج، وشعبة، والثوري، وغيرهم، حافظ ثقة، توفي سنة ١٢٨ هـ، كذا في ((جامع الأصول)) و ((الكاشف)). وأما الراوي عنه، فهو أيوب بن أبي تميمة كيسان السختياني أبو بكر البصري، رأى أنساً، وروى عن عطاء وعكرمة وعمرو بن دينار والقاسم بن محمد وعبد الرحمن بن القاسم وغيرهم، وعنه شعبة والحمّادان والسفيانان ومالك وابن علية وغيرهم، قال ابن سعد: كان ثقةً ثبتاً في الحديث، جامعاً، كبيرَ العلم، حجةً، عدلاً، وقال أبو حاتم: هو ثقة لا يُسأل عن مثله، وقال علي: أثبت الناس في نافع أيوب وعبيد الله ومالك، وقد أكثر الثقات في الثناء عليه كما بسطه في ((تهذيب الكمال)) و((تهذيب التهذيب)) و((تذكرة الحفاظ)»، مات سنة ١٣١ هـ. وأما الراوي عنه، فهو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي مولاهم أبو بشر البصري، واشتهر بابن علية، وهو بضم العين وفتح اللام وتشديد الياء، مصغراً اسم أمه، وقيل: جدته أم أمه، وكان يكره أن يقال له ذلك حتى كان يقول: من قال لي: ابن علية فقد اغتابني. روى عن عبد العزيز بن صهيب، وحُمَيْد الطويل، وأيوب وابن عون وغيرهم، وعنه شعبة، وابن جريج، وغيرهم، وثّقه ابن سعد والنسائي وغيرهما، مات سنة ٩٣هـ ، وله ترجمة طويلة مشتملة على ثناءٍ كبير في ((تهذيب التهذيب)) وغيره. وأما الراوي عن إسماعيل بن علية يعني سهل بن العباس الترمذي نسبة إلى ترمذ بكسر التاء والميم بينهما راء ساكنة أو بضم التاء أو بفتحها والأول هو المشهور، مدينة مما يلي (١) بلخ، قاله السمعاني. فقد قال الذهبي في ((ميزان الاعتدال)): تركه الدارقطني، وقال: ليس بثقة، انتهى . = (١) في الأصل: ((يلي))، والصواب: «مما يلي)). ٤٢٠ - -