النص المفهرس
صفحات 381-400
وإذا انحطّ (١) للسجود الثاني = كان رسول الله وَ لجه وأبو بكر وعمر يُتمّون التكبير، يكبِّرون إذا سجدوا، وإذا رفعوا، وإذا قاموا من الركعة. وأخرج عن أبي هريرة نحو ما أخرجه مالك، ثم قال الطحاوي(١): فكانت هذه الآثار المروية عن رسول الله وَلي في التكبير في كل خفض ورفع أظهر من حديث عبد الرحمن بن أبزى(٢)، وأكثر تواتراً، وقد عمل بها أبو بكر وعمر وعلي، وتواتر بها العمل إلى يومنا هذا. انتهى كلامه. وفي ((الوسائل إلى معرفة الأوائل)) للسيوطي: أول من نقص التكبير معاوية، كان إذا قال: سمع الله لمن حمده انحطّ إلى السجود ولم يكِّر، أسنده العسكري، عن الشعبي. وأخرج ابن أبي شيبة، عن إبراهيم أنه قال: أول من نقص زياد. انتهى. وفي ((الاستذكار)) بعد ذكر حديث أبي هريرة، وحديث أبي موسى: (إِما نسيناها وإما تركناها عمداً)، وغير ذلك. هذا يدلك على أن التكبير في غير الإِحرام لم يتلقَّه السلف من الصحابة والتابعين على الوجوب، ولا على أنه من مؤكّدات السنن، بل قد قال قوم من أهل العلم: إن التكبير هو إذن بحركات الإِمام، وشعار الصلاة، وليس بسنَّة إلا في الجماعة، ولهذا ذكر مالكٌ في هذا الباب حديثَه، عن علي بن حسين وأبي هريرة مرفوعين، وعن ابن عمر وجابر فعلهما، ليُبِيِّن بذلك أن التكبير في كل خفض ورفع سنّة مسنونة، وإن لم يعمل بها بعض الصحابة، فالحجة في السنّة، لا في ما خالفها. انتهى ملخّصاً (٣). (١) أي: انخفض. --. (١) ١٣٠/١. (٢) ضعّف الحافظ في الفتح ٢٢٣/٢ حديث عبد الرحمن بن أبْزى، وقال: وقد نقل البخاري في ((التاريخ))، عن أبي داود الطيالسي أنه قال: هذا عندنا باطل. وقال الطبري والبزّار: تفرد به الحسن بن عمران وهو مجهول: قال: وأجيب على تقدير صحته بأنه فعل ذلك لبيان الجواز، أو المراد لم يتم الجهر به، أو لم يمدّه. اهـ . (٣) الاستذكار ١٣١/٢. ٣٨١ كَبَّر. فأما رفع اليدين في الصلاة فإنه يرفع اليدين (١) حذو الأذنين (٢) (١) من دون مطأطأة الرأس عند التّكبير كما يفعله بعض الناس، فإنه بدعة، ذكره محمد بن محمد الشهير بابن أمير الحاج في (حَلْبة المجلَّ شرح منية المصلي)»(١). (٢) قوله: حذو الأذنين، لما روى مسلم، عن وائل أنه رأى النبيَّ وَّ رفع يديه حين دخل في الصلاة حيال أذنيه، ثم التحف بثوبه ... الحديث. وأخرج أحمد وإسحاق بن راهويه والدارقطني والطحاوي، عن البراء: كان رسول الله وله إذا صلّى رفع يديه حتى تكون إبهاماه حذاء أذنيه. وأخرج الحاكم - وقال: صحيح على شرط الشيخين - والدارقطني والبيهقي، عن أنس: رأيت رسول الله وَلَ كَّر، فحاذى بإبهاميه أذنيه ... الحديث. وأخرج أبو داود ومسلم والنسائي وغيرهم، عن مالك بن الحُوَيرث: رأيت رسول الله وَّر يرفع يديه إذا كُبَّر، وإذا رفع رأسه من الركوع حتى يبلغ بهما فروع أذنيه. ويعارض هذه الأحاديث رواية ابن عمر التي أخرجها مالك وأبو داود والنسائي ومسلم والطحاوي وغيرهم. وأخرج الجماعة إلا مسلماً من حديث أبي حُمَيد الساعدي: ((رفع يديه حتى يحاذي بهما مَنْكِبيه)). وأخرج أبو داود والطحاوي من حديث عليٍّ نحوه. وباختلاف الآثار اختلف العلماء، فاختار الشافعي وأصحابه كما هو المشهور حذو المنكبين، واختار أصحابنا حذو الأذنين، وسلك الطحاوي على أن الرفع حذوّ المنكبين كان لعذر حيث أخرج، عن وائل: أتيتُ النبيَّ وَل﴿ فرأيته يرفع يديه حذاء أذنيه، إذا كبّر، وإذا ركع، وإذا سجد، ثم أتيته من العام المقبل وعليهم الأكسية والبرانس، فكانوا يرفعون أيديهم فيها. وأشار شريك الراوي، عن عاصم، عن كليب، عن وائل إلى صدره، ثم قال الطحاوي: فأخبر وائل في حديثه هذا أن رفعهم إلى مناكبهم إنما كان لأن أيديهم تحت ثيابهم، فعملنا بالروايتين، فجلعنا الرفع إذا كانت اليدان = (١) في الأصل: ((حلية المحلي))، وهو تحريف. ٣٨٢ في ابتداء الصلاة(١) مرَّةً واحدة، = تحت الثياب لعلَّة البرد إلى منتهى ما يُستطاع إليه الرفع، وهو المنكبان، وإذا كانا باديتين رفعهما إلى الأذنين، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد. انتهى. وقال العيني في ((البناية)): لا حاجة إلى هذه التكلَّفات، وقد صحَّ الخبر في ما قلنا وفي ما قاله الشافعي، فاختار الشافعي حديث أبي حميد، واختار أصحابنا حديث وائل وغيره، وقد قال أبو عمر (١) بن عبد البر: اختلفتْ الآثار، عن النبي وَل وعن الصحابة ومن بعدهم، فروي عنه عليه السلام الرفع فوق الأذنين، وروي عنه أنه کان یرفع حذاء الأذنين، وروي عنه حذو منكبيه، وروي عنه إلى صدره، وكلُّها آثار مشهورة محفوظة، وهذا يدل على التوسعة في ذلك. انتهى (٢)، وفي ((شرح مسند الإِمام)» لعلي القاري: الأظهر أنه سير كان يرفع يديه من غير تقييد إلى هيئة خاصة، فأحياناً كان يرفع إلى حيال منكبيه، وأحياناً إلى شَحْمَتي أذنيه. انتهى. (١) قوله: في ابتداء الصلاة، إما قبل التكبير كما أخرجه النسائي، عن ابن عمر: رأيت رسولَ الله وَّه إذا قام إلى الصلاة رفع يديه، حتى يكونا حذو منكبيه، ثم يكِّر. وأخرج ابن حِبّان، عن أبي حميد: كان رسول الله وَ ل* إذا قام إلى الصلاة استقبل القبلة، ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم قال: الله أكبر. وإما مع التكبير كما أخرجه أبو داود، عن وائل: أنه رأى رسولَ الله ◌ُّر يرفع يديه مع التكبير. وإما بعد التكبير كما أخرجه مسلم، عن أبي قلابة: أنه رأى مالك بن الحويرث إذا صلّى كَبَّر، ثم رفع يديه، وحدَّث أن رسول الله وَلو كان يفعل هكذا. والكل واسع ثابت إلا أنه رجَّح أكثر مشائخنا (٣) تقديم الرفع. (١) في الأصل: ((أبو عمرو))، وهو تحريف. (٢) قال الشيخ في الأوجز ٤٢/٢: الاختلاف فيه كأنه لفظيّ، لأن ابن الهمام من الحنفية قال: لا تعارض بين الروايتين. (٣) والأصح عند الشافعية والمالكية المقارنة، وفي المغني عند الحنابلة المقارنة كذا في الأوجز ٠٤٣/٢ ٣٨٣ ثم لا يرفع (١) في شيء من الصلاة (٢) بعد ذلك، وهذا كله قول أبي حنيفة(٣) - رحمه الله تعالى - وفي (١) قوله: ثم لا يرفع: ولورفع لا تفسد صلاته كما في ((الذخيرة)) وفتاوى الولوالجي وغيرهما من الكتب المعتمدة، وحكى بعض أصحابنا عن مكحولٍ النسفي أنه روي، عن أبي حنيفة فساد الصلاة به، واغتَرَّ بهذه الرواية أمير الكاتب الإِتقاني صاحب ((غاية البيان)) فاختار الفساد، وقد ردًّ عليه السبكي في عصره أحسن ردّ كما ذكره ابن حجر في ((الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة))، وصنَّف محمود بن أحمد بن مسعود القونوي الحنفي رسالة نفيسة في إبطال قول الفساد، وحقق فيها أن رواية مكحول شاذة مردودة، وأنه رجل مجهول لا عبرة لروايته، وقد فصلتُ في هذا الباب تفصيلاً حسناً في ترجمة مكحول في كتاب: ((طبقات الحنفية)) المسمَّى بالفوائد البهية في تراجم الحنفية، فليرجع إليه. (٢) أي: في جزء من أجزاء الصلاة. (٣) قوله: قول أبي حنيفة، ووافقه في عدم الرفع إلَّ مرة الثوريُّ والحسنُ بن حَيّ وسائر فقهاء الكوفة قديماً وحديثاً، وهو قول ابن مسعود وأصحابه، وقال أبو عبد الله محمد بن نصر المَرْوزي: لا نعلم مصراً من الأمصار تركوا بإجماعهم رفعَ اليدين عند الخفض والرفع إلا أهل الكوفة، واختلفت الرواية فيه، عن مالك، فمرة قال: يرفع، ومرة قال: لا يرفع، وعليه جمهور أصحابه، وقال الأوزاعي والشافعي وأحمد وأبو عبيد وأبو ثور وابن راهويه ومحمد بن جرير الطبري وجماعة أهل الحديث بالرفع إلا أن منهم من يرفع عند السجود أيضاً، ومنهم من لا يرفع عنده. ورُوي الرفع في الرفع والخفض، عن جماعة من الصحابة، منهم ابن عمر وأبو موسى وأبو سعيد الخدري وأبو الدرداء وأنس وابن عباس وجابر، وروَى الرفعَ، عن النبي ﴿ نحو ثلاثة وعشرين رجلاً من الصحابة كما ذكره جماعة من أهل الحديث، كذا في ((الاستذكار))(١) لابن عبد البر. وذكر السيوطي في رسالته : (١) ١٢٣/٢ - ١٢٥. ٣٨٤ ذلك (١) آثار كثيرة (٢). = ((الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة)) أن حديث الرفع متواتر(١)، عن النبي وََّ، أخرجه الشيخان، عن ابن عمر ومالك بن الحويرث، ومسلم، عن وائل بن حُجْر، والأربعة، عن عليّ، وأبو داود، عن سهل بن سعد، وابن الزبير وابن عباس ومحمد بن مسلمة وأبي أسيد وأبي قتادة وأبي هريرة وابن ماجه، عن أنس وجابر وعمير الليثي، وأحمد، عن الحكم بن عمير، والبيهقي، عن أبي بكر رضي الله عنه والبراء، والدارقطني، عن عمر. وأبي موسى، والطبراني، عن عقبة بن عامر ومعاذ بن جبل. (١) أي: في عدم رفع اليدين إلا مرَّة. (٢) قوله: آثار كثيرة، عن جماعة من الصحابة: منهم ابن عمر وعلي وابن مسعود، كما أخرجه المؤلف وسيأتي ذكر ما لها وما عليها. ومنهم: عمر بن الخطاب، روى الطحاوي والبيهقي من حديث الحسن بن عيّاش، عن عبد الملك بن الحسن، عن الزبيربن عدي، عن إبراهيم، عن الأسود، قال: رأيت عمر يرفع يديه في أول تكبيرة ثم لا يعود، ورأيت إبراهيم والشعبي يفعلان ذلك. قال الطحاوي: فهذا عمر لم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى، والحديث صحيح لأن الحسن بن عيّاش وإن كان هذا الحديث دار عليه، فإنه ثقة، حجة، = (١) قال في ((نيل الفرقدين)) ص ٢٢: إن الرفع متواتر إسناداً وعملاً، ولا يُشك فيه، ولم يُنسخ ولا حرف منه، وإنما بقي الكلام في الأفضلية، وصرَّح أبو بكر الجصاص في ((أحكام القرآن)) أنه من الاختلاف المباح، وفي ص ١٢٣: حكى ذلك من الحافظ أبي عمر (أي: ابن عبد البر) من المالكية، ومن الحافظ ابن تيمية والحافظ ابن القيم من الحنابلة. وأما الترك، فأحاديثه قليلة ومع هذا هو ثابت بلا مرية، وهو متواتر عملاً لا إسناداً عند أهل الكوفة، وقد كان في سائر البلاد تاركون وكثير من التاركين في المدينة في عهد مالك، وعليه بنى مختاره، وكان أكثر أهل مكة يرفعون فبنى عليه الشافعي. ((معارف السنن) ٤٥٩/٢. ٣٨٥ ----------- = ذكر ذلك يحيى بن معين وغيره. انتهى . ٤ واعترضه الحاكم على ما نقله الزيلعي في ((تخريج أحاديث الهداية))، بأنها رواية شاذة، لا يعارض بها الأخبار الصحيحة عن طاووس، عن كيسان، عن ابن عمر أن عمر(١) كان يرفع يديه في الركوع، وعند الرفع منه، انتهى. ومنهم أبو سعيد الخدري، أخرج البيهقي، عن سوار بن مصعب، عن عطية العوفي أن أبا سعيد الخدري وابن عمر كانا يرفعان أيديهما أول ما يكِّران، ثم لا يعودان. وأعله البيهقي بأن عطية سيِّىء الحال، وسوار أسوأ منه، قال البخاري: سوار منكر الحديث، وعن ابن معين غير محتج به. ويخالف هذا الأثر ما أخرجه البيهقي، عن ليث، عن عطاء، قال: رأيت جابر بن عبد الله وابن عمر وأبا سعيد وابن عباس وابن الزبير وأبا هريرة يرفعون أيديهم إذا افتتحوا الصلاة، وإذا ركعوا، وإذا رفعوا. وفيه ليث بن أبي سليم مختلف فيه، وأخرج أيضاً عن سعيد بن المسيَّب، قال: رأيت عمر يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع. وفي سنده من استضعف. ومنهم عبد الله بن الزبير كما حكاه صاحب (النهاية)) وغيرُه من شراح ((الهداية)) أنه رأى رجلاً يرفع يديه في الصلاة عند الركوع، وعند الرفع، فقال له: لا تفعل، فإن هذا شيء فعله رسول الله و ◌َّ ثم تركه، لكن هذا الأثر لم يجده المخرجون المحدثون مسنداً في كتب الحديث، مع أنه أخرج البخاري في رسالة ((رفع اليدين))، عن عبد الله بن الزبير أنه كان يرفع يديه عند الخفض والرفع، وكذا أخرجه، عن ابن عباس وابن عمر وأبي سعيد وجابر وأبي هريرة وأنس أنهم كانوا يرفعون أيديهم. وأخرج البيهقي، عن الحسين، قال: سألت طاووساً عن رفع اليدين في الصلاة، فقال: رأيت عبدَ الله بنّ عباس وابنَ الزبير وابنَ عمر يرفعون أيديهم إذا افتتحوا الصلاة، وإذا ركعوا، وإذا سجدوا. وأخرج أيضاً، عن عبد الرزاق قال: ما رأيت أحسنَ صلاةً من ابن جريج رأيته يرفع = : (١) في معارف السنن ٢ / ٤٧٠، قال: أعلَّه المحدثون، وصححوه عن ابن عمر، عنه وَ﴾، ولم يثبت عن عمر غير هذا. ٣٨٦ أحد. = يديه إذا افتتح، وإذا ركع، وإذا رفع. وأخذ ابن جريج صلاته عن عطاء بن أبي رباح وأخذ عطاء، عن عبد الله بن الزبير، وأخذ ابن الزبير، عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه. ومنهم ابن عباس، حكى عنه بعض أصحابنا أنه قال: كان رسول الله وَي# يرفع يديه كلما ركع، وكلما رفع، ثم صار إلى افتتاح الصلاة، وترك ما سوى ذلك. لكنه أثر لم يثبته المحدثون، والثابت عندهم خلافه، قال ابن الجوزي في ((التحقيق))، بعد ذكر ما حكاه أصحابنا، عن ابن عباس وابن الزبير: هذان الحديثان لا يُعرفان أصلاً، وإنما المحفوظ عنهما خلاف ذلك، فقد أخرج أبو داود، عن ميمون أنه رأى ابن الزبير يشير بكفيه حين يقوم، وحين يركع، وحين يسجد، وحين ينهض للقيام، فانطلقتُ إلى ابن عباس، فقلت: إني رأيتُ ابن الزبير صلّى صلاة لم أرَ أحداً يصلّيها، فوصفت له، فقال: إنْ أحببتَ أن تنظر إلى صلاة رسول اللّه وَ﴿، فاقتدٍ بصلاة عبد الله بن الزبير. انتهى. وردَّه العينيّ بأن قوله: لا يُعرفان، لا يستلزم عدم معرفة أصحابنا، هذا ودعوى النافي ليست بحجة على المثبت، وأصحابنا أيضاً ثقات، لا يَرَوْن الاحتجاج بما لم يثبت عندهم صحته. انتهى. وفيه نظر ظاهر، فإنه ما لم يوجد سند أثر ابن عباس وابن الزبير في كتاب من كتب الأحاديث المعتبرة كيف يعتبر به بمجرَّد حسن الظن بالناقلين، مع ثبوت خلافه عنهما، بالأسانيد العديدة. ومنهم أبو بكر الصديق أخرج الدارقطني وابن عدي، عن محمد بن جابر، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: صلَّيتُ مع رسول الله و 18 وأبي بكر وعمر، فلم يرفعوا أيديهم إلَّ عند استفتاح الصلاة. وفيه محمد بن جابر، متكلّم فيه، ويخالفه ما أخرجه أبو داود، عن ميمون كما مرَّ نقلاً عن ((التحقيق)). ومنهم العشرة المبشرة، كما حكى بعض أصحابنا، عن ابن عباس أنه قال: لم يكن العشرة المبشرة يرفعون أيديهم إلاّ عند الافتتاح، ذكره الشيخ عبد الحق الدهلوي في ((شرح سفر السعادة))، ولا عبرة بهذا الأثر ما لم يوجد سنده عند مهرة الفن، مع ثبوت خلافه في كتب الحديث ومما يؤيد عدم الرفع من الأخبار المرفوعة ما أخرجه الترمذي وحسَّنه والنسائي وأبو داود، عن = ٣٨٧ ١٠٥ - قال محمد: أخبرنا محمد بن أبان بن صالح، عن عاصم بن كُلَيْب(١) الجرمي، = علقمة قال: قال عبد الله بن مسعود: ألا أصلّ بكم صلاة رسول الله وَالتّر، فصلّى، فلم يرفع يديه إلا أول مرة. وأخرج أبو داود، عن البراء: كان رسول الله وَ ل* إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب أذنيه، ثم لا يعود. وأخرج البيهقي من حديث ابن عمر وعباد بن الزبير مثله. وللمحدثين على طرق هذه الأخبار كلمات تدل على عدم صحتها، لكن لا يخفى على الماهر أن طرق حديث ابن مسعود تبلغ درجة الحسن. والقدر المتحقّق في هذا الباب هو ثبوت الرفع وتركه كليهما عن رسول الله ** إلا أن رواة الرفع من الصحابة جم غفير، ورواة الترك جماعة قليلة، مع عدم صحة الطرق عنهم إلا عن ابن مسعود، وكذلك ثبت الترك، عن ابن مسعود وأصحابه بأسانيد محتجّة بها، فإذن نختار أن الرفع ليس بسنة مؤكدة يُلام تاركها إلا أن ثبوته عن النبي ◌َّ أكثر وأرجح. وأما دعوى نسخه كما صدر عن الطحاوي مغتراً بحسن الظن بالصحابة التاركين، وابن الهُمام والعيني، وغيرهم من أصحابنا، فليست بمبرهن عليها بما يشفي العليل ويروي الغليل. (١) قوله: عن عاصم بن كليب، هو عاصم بن كليب مصغراً، ابن شهاب بن المجنون الجرمي الكوفي، روى عن أبيه وأبي بريدة وعلقمة بن وائل بن حجر وغيرهم، وعنه شعبة، والسفيانان، وغيرهم، وثّقه النسائي، وابن معين، وقال أبو داود: كان من أفضل أهل الكوفة، وذكره ابن حبان في الثقات، وأرَّخ وفاته سنة ١٣٧ هـ. وأبوه كليب بن شهاب ثقة، كذا في ((تهذيب التهذيب)) و((الكاشف))، وفي ((أنساب السمعاني)): الجرمي: بفتح الجيم وسكون الراء المهملة نسبة إلى جَرْم، قبيلة باليمن، ومنها من الصحابة: شهاب بن المجنون الجَرْمي جَدّ عاصم بن کلیب. ٣٨٨ عن أبيه قال: رأيت عليّ بن أبي طالب(١) رفع يديه في التكبيرة الأولى (٢) من الصلاة المكتوبة، ولم يرفعهما فيما سوى ذلك. ١٠٦ - قال محمد: أخبرنا محمد بن أبان بن صالح، عن (١) قوله: رأيت علي بن أبي طالب، كذا أخرجه الطحاوي، عن أبي بكر النهشلي، عن عاصم، عن أبيه، أن علياً كان يرفع في أول تكبيرة من الصلاة، ثم لا يعود، وقال الدارقطني في ((علله)): اختلف علي أبي بكر النهشلي فيه، فرواه عبد الرحيم بن سليمان عنه، عن عاصم، عن أبيه مرفوعاً، ووهم في رفعه، وخالفه جماعة من الثقات: منهم عبد الرحمن بن مهدي وموسی بن داود وأحمد بن يونس وغيرهم. فَرَوَوْه، عن أبي بكر النهشلي موقوفاً على علي، وهو الصواب. وكذلك رواه محمد بن أبان، عن عاصم موقوفاً. انتهى. وقال عثمان بن سعيد الدارمي: قد روي من طرقٍ واهية، عن علي أنه كان يرفع يديه في أول تكبيرة، ثم لا يعود، وهذا ضعيف، إذ لا يُظَنّ بعليٍّ أنه يَختار فعلَه على فعلِ النبي ◌ِ ل*، وهو قد روي عنه أنه كان يرفع يديه عند الركوع والرفع. انتهى. وتعقّبه ابن دقيق العيد في ((الإِمام)» بأن ما قاله ضعيف، فإنه جعل روايته مع حسن الظن بعليّ في ترك المخالفة دليلاً على ضعف هذه الرواية، وخصمه يعكس الأمر، ويجعل فعل عليّ رضي الله عنه بعد الرسول دليلاً على نسخ ما تقدم. انتهى. وذَكَر الطحاويّ بعد روايته، عن عليّ: لم يكن عليّ ليرى النبيَّ وَله يرفع، ثم يتركه إلَّ وقد ثبت عنده نسخه. انتهى . وفيه نظر، فقد يجوز أن يكون ترك عليّ وكذا ترك ابن مسعود، وترك غيرهما من الصحابة إنْ ثبت عنهم، لأنهم لم يروا الرفع سنَّةً مؤكّدة يلزم الأخذ بها ولا ينحصر ذلك في النسخ، بل لا يُعتبر بنسخ أمر ثابت عن رسول الله وَله بمجرد حسن الظن بالصحابي مع إمكان الجمع بين فعل الرسول وفعله. (٢) عند افتتاح الصلاة. ٣٨٩ حماد، عن إبراهيم النّخَعي، قال: لا ترفع يديك في شيء من الصلاة بعد التكبيرة الأولى . ١٠٧ - قال محمد: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم (١)، أخبرنا خُصَين بن عبد الرحمن(٢)، (١) قوله: يعقوب بن إبراهيم، هو الإِمام أبو يوسف القاضي صاحب الإِمام أبي حنيفة، قال الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)): القاضي أبو يوسف فقيه العراقيين يعقوب بن إبراهيم الأنصاري الكوفي، صاحب أبي حنيفة، سمع هشام بن عروة وأبا إسحاق الشيباني وعطاء بن السائب وطبقتهم. وعنه محمد بن الحسن الفقيه وأحمد بن حنبل وبشربن الوليد ويحيى بن معين، نشأ في طلب العلم، وكان أبوه فقيراً، فكان أبو حنيفة يتعاهده، قال المزني: هو أتبع القوم للحديث. وقال يحيى بن معين: ليس في أصحاب الرأي أحد أكثر حديثاً ولا أثبت من أبي يوسف، وقال أحمد: كان منصفاً في الحديث، مات في ربيع الآخر سنة ١٨٢ هـ عن سبعين سنة إلا سنة وله أخبار في العلم والسيادة، قد أفردته وأفردت صاحبه محمد بن الحسن في جزء، وأكبر شيخ له حصين بن عبد الرحمن. انتهى ملخّصاً. وله ترجمة طويلة في ((أنساب السمعاني))، قد ذكرته في مقدمة هذه الحواشي وذكرت ترجمتّه أيضاً في ((مقدمة الهداية)) وفي ((النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير)) وفي ((الفوائد البهية في تراجم الحنفية)). (٢) قوله: أخبرنا حصين بن عبد الرحمن، هو حصين، بالضم، ابن عبد الرحمن السلمي، الكوفي، أبو الهذيل، ابن عم منصور بن المعتمر، حدث عن جابر بن سمرة، وعمارة بن رويبة وابن أبي ليلى، وأبي وائل، وعنه شعبة، وأبو عوانة، وآخرون، كان ثقةً حجةً حافظاً عالي الإِسناد. قال أحمد: حصين ثقة، مأمون، من كبار أصحاب الحديث، عاش ثلاثاً وتسعين سنة، ومات سنة ١٣٦ هـ، كذا في ((تذكرة الحفاظ)). ٣٩٠ قال: دخلت أنا وعمرو بن مرّة (١) على إبراهيم النخعي، قال عمرو: حدثني علقمة بن وائل الحضرمي، عن (١) قوله: وعمرو بن مرّة، هو أبو عبد الله عَمرو، بالفتح، بن مُرَّة، بضم الميم، وتشديد الراء، ابن عبد الله بن طارق بن الحارث بن سلمة بن كعب بن وائل بن جمل بن كنانة بن ناجية بن مراد الجملي المرادي الكوفي الأعمى. روى عن عبد الله بن أبي أوفى وأبي وائل وسعيد بن المسيب وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعمرو بن ميمون الأودي، وسعيد بن جبير، ومصعب بن سعد والنَّخَعي وغيرهم، وعنه ابنه عبد الله وأبو إسحاق السَّبيعي والأعمش ومنصور وحصين ابن عبد الرحمن والثوري وشعبة وغيرهم. قال ابن معين: ثقة، وأبو حاتم: صدوق، ثقة، وشعبة: كان أكثرهم علماً، وما رأيت أحداً من أصحاب الحديث إلا يدلّس إلا ابنَ عون، وعمرو بن مرة، ومسعر، لم يكن بالكوفة أحبّ إليّ، ولا أفضل منه، ذكره ابن حبان في كتاب ((الثقات))، وقال: كان مرجئاً، مات سنة ١١٦ هـ، وثّقه ابن نمير ويعقوب بن سفيان كذا في ((تهذيب التهذيب» و ((الكاشف)» و «تذكرة الحفاظ)) وقد أخطأ القاريّ حيث قال: دخلت أنا وعمرو بن مرّة، بضم الميم وتشديد الراء، يُكنى أبا مريم الجهني، شهد أكثر المشاهد، وسكن الشام، مات في أيام معاوية، روى عنه جماعة، كذا في ((أسماء رجال المشكاة)) لصاحب المشكاة في فصل الصحابة. انتهى كلامه. وجه الخطأ من وجوه: أحدها: أنه لو كان الداخل على النخعي مع حصين عمرو بن مُرّة الصحابي لذَكَرَ رؤيته الرفع أو عدمه، فإنه صحب النبيَّ وَّر، وشهد معه المشاهد، وصلّى معه غير مرة، فكيف يصحّ أن يروي عن وائل بواسطة ابنه الرفعَ ثم يسكت على ردّ النخعي بفعل ابن مسعود وروايته ولا يذكره ما رآه رفعاً كان أو غير رفع؟! ثانيها: عن(١) عمرو بن مرّة هذا لم يذكره أحد من نقّاد الرجال في ما علمنا من جملة الرواة، عن علقمة بن وائل. في الأصل: ((عن))، وهي زائدة. ٣٩١ أبيه(١): أنه صلى مع رسول الله، فرآه يرفع يديه إذا كُبَّر، وإذا ركع، ... وثالثها: أنه لم يذكره أحد في علمنا ممن روى عنه حصين، بل المذكور في = شيوخ حصين ورواة علقمة هو الذي ذكرناه. ورابعها: أن هذا الصحابي مات في أيام معاوية، ووفاة معاوية كانت سنة ستين أو تسع وخمسين على ما في ((استعياب ابن عبد البر)» وغيره من كتب أخبار الصحابة، فلا بد أن يكون وفاة عمرو بن مرّة قبله، وقد ذكر ابن حبان في ((كتاب الثقات))، أن ولادة إبراهيم النخعي سنة خمسين، وكذا ذكره غيره، فعلى هذا يكون النخعي يوم موت معاوية ابن تسع أو عشر سنين، وعند موت عمرو بن مرة الجهني أصغر منه، فهل يتصور أن يحضر عمرو بن مرّة عند هذا الصبي صغير السن بكثير، ويروي عنده الرفع، عن علقمة، عن أبيه، ويرد عليه هذا الصبي؟! وأما الحوالة إلى ((أسماء رجال المشكاة)) فلا تنفع، فإنه لم يذكر صاحب («المشكاة)) أن عمرو بن مرّة أينما ذكر هو هذا، بل إنما ذكر هو عمرو بن مرّة المذكور في ((المشكاة)) وإني أتعجّب من العلامة القاري كيف يخطىء خطأً كثيراً في تعيين الرواة في شرحه ((الموطأ))، وشرحه لمسند الإمام الأعظم وغيرهما، مع جلالته وتوغَّله في فنون الحديث ومتعلّقاته، والله يسامح عنا وعنه. (١) قوله: عن أبيه، أي: وائل الحَضْرمي، بفتح الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة وفتح الراء المهملة نسبة إلى حضرموت، بلدة في اليمن، وكان وائل بن حُجْر - بضم الحاء المهملة وسكون الجيم - ملكاً عظيماً بها، فلما بلغه ظهور النبي ري ترك ملكه، ونهض إليه، فبشّر النبي و ﴿ بقدومه قبل قدومه بثلاثة أيام، ولما قدم قرَّبه من مجلسه وقال: هذا وائل أتاكم من أرض اليمن - أرض بعيدة - طائعاً، غير مُكْرَه، راغباً في الله ورسوله، اللهم بارك في وائل وولده، ثم أقطع له أرضاً، وكانت وفاته في إمارة معاوية، حدّث عنه بنوه علقمة وعبد الجبار، كذا في ((أنساب السمعاني)). وفي ((جامع الأصول)) لابن الأثير: أبو هنيدة وائل بن حجر بن ربيعة بن وائل الحضرمي كان قَيْلاً من أقيال حضرموت، وأبوه كان من = ٣٩٢ .. نقط - -- وإذا رفع(١)، قال إبراهيم: ما أدري (٢) لعلّه لم يَرَ النبي ◌َّ يصلي .. = ملوكهم وفد على النبي ◌َّ فأسلم، وبشّر به قبل قدومه. انتهى. وفي ((تهذيب التهذيب)»: علقمة بن وائل بن حجر الحضرمي الكندي الكوفي، روى عن أبيه والمغيرة بن شعبة وطارق بن سويد، وعنه أخوه عبدالجباروابن أخيه سعيد وعمرو بن مرَّة وسماك بن حرب، وغيرهم، ذكره ابن حبان في ((الثقات)) وقال ابن سعد: كان ثقةً، قليل الحديث. وحكى العسكري عن ابن معين أنه قال: علقمة، عن أبيه مرسل. انتهى . (١) رأسه من الركوع. (٢) قوله: ما أدري ... إلخ، استبعاد من إبراهيم النخعي رواية وائل بأن ابن مسعود كان صاحب رسول الله وَّر في السفر والحضر ومصاحبته أتمّ وأزيد من مصاحبة وائل، فكيف يعقل أن يحفظ رفع اليدين وائل ولا يحفظ ابن مسعود، فلو كان رفع اليدين من رسول الله ير لحفظه ابن مسعود ولم يتركه مع أنه لم يرفع إلا مرة، ولم يرو الرفعَ، عن رسول اللهِ وَ﴿، بل رُوي عنه تركه، وهذا الأثر عن النخعي قد أخرجه الدارقطني أيضاً عن حصين، قال: دخلنا على إبراهيم النخعي، فحدثه عمرو بن مرَّة، قال: صلينا في مسجد الحضرميين فحدَّثني علقمة بن وائل، عن أبيه، أنه رأى رسول الله وَل ﴿ يرفع يديه حين يفتتح، وإذا ركع، وإذا سجد، فقال إبراهيم: ما رأى أباه رسول الله إلا ذلك اليوم، فحفظ عنه ذلك، وعبد الله بن مسعود لم يحفظه إنما رفع اليدين عند افتتاح الصلاة. ورواه أبو يعلى في ((مسنده)) ولفظه: أحفظ وائل ونسي ابن مسعود، ولم يحفظه؟! إنما رفع اليدين عند افتتاح الصلاة. وأخرجه الطحاوي، عن حصين، عن عمرو بن مرّة قال: دخلت مسجد حضرموت، فإذا علقمة بن وائل يحدّث، عن أبيه أن رسول الله وسر كان يرفع يديه قبل الركوع وبعده، فذكرت ذلك لإبراهيم فغضب، وقال: رآه هو ولم يَرَه ابن مسعود ولا أصحابه. وأخرج عن المغيرة قال: قلت لإِبراهيم: حدّث وائل أنه رأى النبيّ ◌َ﴾ يرفع يديه إذا افتتح، وإذا ركعَ، وإذا رفع؟ فقال: إنْ كان رآه مرة يفعل، = ٣٩٣ = فقد رآه عبد الله خمسين مرة، لا يفعل ذلك. وههنا أبحاث: الأول: ما نقله البيهقي في كتاب ((المعرفة))، عن الشافعي أنه قال: الأَوْلَى أن يُؤخذ بقول وائل لأنه صحابي جليل، فكيف يُرَدُّ حديثه بقول رجل ممن هو دونه؟! والثاني: ما قاله البخاري في رسالة ((رفع اليدين)): إن كلام إبراهيم هذا ظن منه لا يرفع به رواية وائل، بل أخبر أنه رأى النبيَّ ◌َ لا يصلي فرفع يديه، وكذلك رأى أصحابه غير مرة يرفعون أيديهم، كما بَّنه زائدة، فقال: نا عاصم، نا أبي، عن وائل بن حجر: أنه رأى النبي ◌َل# يصلي، فرفع يديه في الركوع، وفي الرفع منه، قال: ثم أتيتهم بعد ذلك، فرأيت الناس في زمان برد عليهم جُلّ الثياب تتحرك أيديهم من تحت الثياب. والثالث: ما نقله الزيلعي، عن الفقيه أبي بكر بن إسحاق أنه قال: ما ذكره إبراهيم علَّة لا يساوي سماعها، لأن رفع اليدين قد صحَّ، عن النبيِ وَّر ثم عن الخلفاء الراشدين، ثم عن الصحابة والتابعين، وليس في نسيان ابن مسعود لذلك ما يُستغرب، فقد نسي من القرآن ما لم يختلف فيه المسلمون فيه وهو المعوِّدتان، ونسي ما اتفق العلماء على نسخه كالتطبيق في الركوع، وقيام الاثنين خلف الإِمام، ونسي كيفية جمع النبي بَّ بعرفة، ونسي ما لم يختلف العلماء فيه من وضع المرفق والساعد على الأرض في السجود، ونسي كيف قرأ رسول الله: ﴿وما خَلَقَ الذكر والأنثى﴾، وإذا جاز على ابن مسعود أن ينسى مثل هذا في الصلاة كيف لا يجوز مثله في رفع الیدین؟ انتهى . والرابع: أن وائلًا ليس بمتفرِّد في رواية الرفع، عن النبي 183، بل قد اشترك معه جمع كثير كما مرّ ذكره سابقاً، بل ليس في الصحابة من روى ترك الرفع فقط إلّ ابن مسعود، وأما من عداهم، فمنهم من لم تُرو عنه إلّ رواية الرفع، ومنهم من روى عنه حديث الرفعِ وتركِه كليهما كابن عمر والبراء إلاّ أن أسانيد رواية الرفع = ٣٩٤ - - . إلَّ ذلك اليوم فحفظ هذا(١) = أوثق وأثبت، فعند ذلك لو عُورض كلام إبراهيم بأنه يُستبعد أن يكون ترك الرفع حفظه ابن مسعود فقط ولم يحفظه من عداه من أجلّة الصحابة الذين كانوا مصاحِبين لرسول الله ﴿ مثل مصاحبة ابن مسعود أو أكثر لكان له وجه. والخامس: أنه لا يلزم من ترك ابن مسعود الرفع وأصحابه عدم ثبوت رواية وائل، فيجوز أن يكون تركهم لأنهم رأوا الرفع غير لازم، لا لأنه غير ثابت، أو لأنهم رجَّحوا أحد الفعلين الثابتين، عن رسول الله وَلتر الرفع والترك فداوموا عليه وتركوا الآخر، ولا يلزم منه بطلان الآخر. السادس: أنه قد أخذ ابن مسعود بالتطبيق في الركوع، وداوم عليه أصحابه، وكذلك أخذوا بقيام الإِمام في الوسط إذا كان من يقتدي به اثنين مع ثبوت ترك ذلك عن النبي ول﴿ وعن جمهور أصحابه بعده بأسانيد صحاح. فلِمَ لا يُعتبر فعل ابن مسعود في هذين الأمرين. وأمثال ذلك؟ . .. فما هو الجواب هناك هو الجواب ههنا(١)، والإِنصاف في هذا المقام أنه لا سبیل إلی ردّ روايات الرفع برواية ابن مسعود وفعله وأصحابه ودعوی عدم ثبوت الرفع ولا إلى رد روايات الترك بالكلية ودعوى عدم ثبوته، ولا إلى دعوى نسخ الرفع ما لم يثبت ذلك بنص عن الشارع، بل يُوفى كلٍّ من الأمرين حظّه، ويقال: كل منهما ثابت، وفعل الصحابة والتابعين مختلف، وليس أحدهما بلازم يُلام تاركُه، مع القول برجحان ثبوت الرفع عن رسول الله زيتلتر . (١) أي: الرفع. (١) قد ردّ الحافظ ابن التركماني جميع إيرادات البيهقي في الجوهر النقي ١٣٩/١ - ١٤٠، فارجع إليه . ٣٩٥ سلط خ منه، ولم يحفظه ابن مسعود وأصحابه(١) ما سمعته(٢) من أحد منهم، إنما كانوا يرفعون أيديهم في بَدْء (٣) الصلاة حين يكبِّرون. ١٠٨ - قال محمد: أخبرنا محمد بن أبان بن صالح، عن عبد العزيز بن حكيم (٤)، قال: رأيت ابن عمر (٥) يرفع يديه حذاء أذنيه (١) قال القاري: أي: وسائر أصحاب النبي وَله. انتهى. وفيه ما فيه، والظاهر أنَّ ضمير أصحابه راجع إلى ابن مسعود. (٢) أي: الرفع. (٣) البَدْء بالفتح، الابتداء. (٤) قوله: عن عبد العزيز بن حكيم، ذكره ابن حبان في ((ثقات التابعين))(١)، حيث قال: عبد العزيز بن حكيم الحضرمي كنيته أبو يحيى، يروي عن ابن عمر، عداده في أهل الكوفة، روى عنه الثوري وإسرائيل، مات بعد سنة ١٣٠ هـ، وهو الذي يقال له ابن أبي حكيم. انتهى. وفي ((ميزان الاعتدال)) قال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي . (٥) قوله: قال: رأيت ابن عمر ... إلخ، المشهور في كتب أصول أصحابنا أن مجاهداً قال: صحبت ابن عمر عشر سنين، فلم أره(٢) يرفع يديه إلّ مرة. وقالوا: قد روى ابن عمر حديث الرفع عن رسول الله رضيه وتركه والصحابي الراوي إذا ترك مروياً ظاهراً في معناه غير محتمل للتأويل، يُسقط الاحتجاج بالمروي، وقد روى الطحاوي من حديث أبي بكر بن عيّاش، عن حصين، عن مجاهد أنه قال: صلَّيت خلف ابن عمر، فلم يكن يرفع يديه إلّ في التكبيرة الأولى من الصلاة، ثم قال: فهذا ابن عمر قد رأى النبي ◌َل# يرفع، ثم قد ترك هو الرفع بعد النبي ◌َلآ ، ولا یکون ذلك إلاّ وقد ثبت عنده نسخه. = (١) انظر ترجمته في كتاب الثقات ١٢٥/٥، والتاريخ الكبير: ١١/٢/٣. (٢) في الأصل: ((فلم أر))، والظاهر: ((فلم أره)). ٣٩٦ = وههنا أبحاث: الأول: مطالبته إسناد ما نقلوه عن مجاهد من أنه صحب عشر سنين، ولم يرَ ابن عمر فيها يرفع يديه إلَّا في التكبير الأول. والثاني: المعارضة بخبر طاووس وغيره من الثقات أنهم رأوا ابن عمر يرفع. والثالث: أن في طريق الطحاوي أبو بكر بن عيّاش، وهو متكلَّم فيه لا توازي روايته رواية غيره من الثقات. قال البيهقي في كتاب ((المعرفة)) بعد ما أخرج حديث مجاهد من طريق ابن عيّاش، قال البخاري: أبو بكر بن عيّاش اختلط بآخره، وقد رواه الربيع وليث وطاووس وسالم ونافع وأبو الزبير ومحارب بن دثار وغيرهم قالوا: رأينا ابن عمر يرفع يديه إذا كُبَّر، وإذا رفع، وكان يرويه أبو بكر قديماً، عن حصين، عن إبراهيم، عن ابن مسعود مرسلاً موقوفاً أن ابن مسعود كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، ثم لا يرفعهما بعد، وهذا هو المحفوظ عن أبي بكر بن عيّاش، والأول خطأ فاحش لمخالفته الثقات عن ابن عمر. انتهى. فإن قلتَ آخذاً من ((شرح معاني الآثار))، أنه يجوز أن يكون ابن عمر فعل ما رآه طاووس قبل أن يقوم الحجة بنسخه، ثم لمّا ثبت الحجة بنسخه عنده تركه، وفَعَل ما ذكره مجاهد، قلتُ: هذا مما لا يقوم به الحجة، فإن لقائل أن يعارض ويقول: يجوز أن يكون فعل ابن عمر ما رواه مجاهد قبل أن تقوم الحجة بلزوم الرفع، ثم لما ثبتَتْ عنده التزم الرفع على أن احتمال النسخ احتمال من غير دليل، فلا يُسْمِعْ. فإن قال قائل: الدليل هو خلاف الراوي مرويِّه، قلنا: لا يوجب ذلك النسخ كما مرّ. والثالث: وهو أحسنها أنا سلَّمنا ثبوتَ الترك عن ابن عمر، لكن يجوز أن يكون تركه لبيان الجواز، أو لعدم رؤيته الرفع سنّة لازمة، فلا يقدح ذلك في ثبوت الرفع عنه، وعن رسول الله الآلات . الرابع: أن ترك الراوي مروّه إنما يكون مسقطاً للاحتجاج عند الحنفية إذا كان خلافُه بيقين، كما هو مصرَّح في كتبهم وههنا ليس كذلك، لجواز أن يكون = ٣٩٧ في أول تكبيرة افتتاح الصلاة، ولم يرفعهما فيما سوى ذلك(١). ١٠٩ - قال محمد: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله النَّهْشَليُّ (٢)، عن عاصم بن كُلَيب الجَرْمي، عن أبيه - وكان(٣) من أصحاب علي - : أنَّ عليّ بن أبي طالب - كرَّم الله وجهه - كان يرفع يديه في التكبيرة الأولى التي يفتتح بها الصلاة، ثم لا يرفعهما في شيء من الصلاة . = الرفع الثابت عن رسول الله وَ﴿ حمله ابن عمر على العزيمة، وتَرَكَ أحياناً بياناً للرخصة، فليس تركه خلافاً لروايته بيقين. الخامس: أنه لا شبهة في أن ابن عمر قد روى عن رسول الله صلقل حديث الرفع، بل ورد في بعض الروايات عنه أنه قال: كان رسول الله وَيقول إذا افتتح الصلاة رفع يديه، وإذا ركع، وإذا رفع، وكان لا يفعل ذلك في السجود، فما زالت تلك صلاته حتى لقي الله، أخرجه البيهقي. ولا شك أيضاً في أنه ثبت عن ابن عمر بروايات الثقات فعل الرفع، وورد عنه برواية مجاهد وعبد العزيز بن حكيم الترك، فالأولى أن يُحمل الترك المرويّ عنه على وجه يستقيم ثبوت الرفع منه، ولا يخالف روايته أيضاً، إلا أن يُجعل تركه مضاداً لفعله، ومُسقطاً للأمر الثابت، عن رسول الله ﴾ بروايته ورواية غيره. (١) أي: في الركوع والرفع وغير ذلك. (٢) قوله: أخبرنا أبو بكر بن عبد الله النهشلي، نسبة إلى بني نَهْشل، بفتح النون وسكون الهاء، وفتح الشين المعجمة بعدها لام، قبيلة. ذكره السمعاني في ((الأنساب)). وفي ((التقريب)) و((الكاشف)): أبو بكر النهشلي الكوفي، قيل: اسمه عبد الله بن قطاف أو ابن أبي قطاف، وقيل: وهب، وقيل: معاوية صدوق ثقة، توفي سنة ١٦٦. انتهى. لعله هو. (٣) الضمير إلى كُلَيْب. ٣٩٨ - مقشة .... ١١٠ - قال محمد: أخبرنا الثوري، حدثنا حصين، عن إبراهيم(١)، عن ابن مسعود: أنه كان يرفع(٢) يديه إذا افتتح الصلاة. (١) هو: إبراهيم بن يزيد النخعي. (٢) قوله: أنه كان يرفع ... إلخ، أخرجه الطحاوي من طريق حصين عن إبراهيم قال: كان عبد الله لا يرفع يديه في شيء من الصلاة إلّ في الافتتاح. وقال: فإن قالوا ما ذكرتموه عن إبراهيم عن عبد الله غير متصل، قيل لهم: كان إبراهيم إذا أرسل عن عبد الله لم يرسله إلَّ بعد صِحَّتِه عنده وتَوَاتُرِ الرواية، عن عبد الله، قد قال له الأعمش: إذا حدثتني فأسند، فقال: إذا قلتُ لك: قال عبد الله، فلم أقل ذلك حتى حدثّنيه جماعة عن عبد الله، وإذا قلتُ: حدثني فلان، عن عبد الله فهو الذي حدثني، حدثنا بذلك إبراهيم بن مرزوق، قال: نا ابن وهب، أو بشر بن عمر - شك أبو جعفر الطحاوي - عن سعيد، عن الأعمش بذلك، فكذلك هذا الذي أرسله إبراهيم عن عبد الله، لم يرسله إلّ ومخرجه عنده أصح من مخرج ما يرويه رجل بعينه عن عبد الله. انتهى كلامه. وفي ((الاستذكار)) لابن عبد البر: لم يُروَ عن أحد من الصحابة تركُ الرفع ممن لم يُختلف عنه فيه إلاّ ابن مسعود وحده. وروى الكوفيون عن علي مثل ذلك، وروى المدنيون عنه الرفع، من حديث عبيد الله بن أبي رافع. وكذلك اختلف عن أبي هريرة، فروى عنه أبو جعفر القاري ونُعيم المُجْمر أنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، ويكِّر في كل خفض ورفع، ويقول: أنا أشبهكم بصلاة رسول اللّه ◌َ لر، وروى عنه عبد الرحمن بن هرمز الأعرج أنه كان يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع رأسه، وهذه الرواية أَوْلى لما فيها من الزيادة. ورُوي الرفع عن جماعة من التابعين بالحجاز والعراق والشام منهم القاسم بن محمد والحسن وسالم وابن سيرين وعطاء وطاووس ومجاهد ونافع مولى ابن عمر وعمر بن عبد العزيز وابن أبي نجيح وقتادة. انتهى ملخّصاً. = ٣٩٩ ٣٤ - (باب القراءة في الصلاة خلف الإِمام)(١) = فائدة: قال صاحب ((الكنز المدفون والفلك المشحون)): وقفت على كتاب لبعض المشايخ الحنفية ذكر فيها مسائل خلاف، ومن عجائب ما فيه الاستدلال على ترك رفع اليدين في الانتقالات بقوله تعالى: ﴿ألم ترَ إلى الذين قِيلَ لَّهُمْ كُفّوْا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوْا الصَّلاَةَ﴾(١) وما زلتُ أحكي ذلك لأصحابنا على سبيل التعجّب إلى أن ظفرتُ في ((تفسير الثعلبي)) بما يهوّن عنده هذا العظيم، وذلك أنه حكى في سورة الأعراف، عن التّوخي القاضي أنه قال في قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِيْنَتَكُمُ عنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾(٢): إن المراد بالزينة رفع اليدين في الصلاة. فهذا في هذا الطرف، وذاك في الطرف الآخر. (١) قوله: خلف الإِمام، اختلف فيه العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم على أقوال: الأول: أنه يقرأ مع الإِمام في ما أسرّ، ولا يقرأ في ما جهر، وإليه ذهب مالك، وبه قال سعيد بن المسيّب، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وسالم بن عبد الله بن عمر، وابن شهاب، وقتادة، وعبد الله بن المبارك، وأحمد، وإسحاق، والطبري، إلا أن أحمد قال: إن سمع في الجهرية لا يقرأ وإلّ قرأ. واختلف عن علي وعمر وابن مسعود، فُرُوي عنهم أن المأموم لا يقرأ وراء الإِمام لا في ما أسرَّ ولا في ما جهر، وروي عنهم أنه يقرأ في ما أسرَّ لا في ما جهر، وهو أحد قولي الشافعي كان يقوله بالعراق، وهو المرويّ عن أبي بن كعب وعبد الله بن عمر. والثاني: أنه يقرأ بأم الكتاب في ما جهر وفي ما أسرَّ، وبه قال الشافعي بمصر، وعليه أكثر أصحابه، والأوزاعي، والليث بن سعد، وأبو ثور. وهو قول عبادة بن الصامت، وعبد الله بن عباس، واختلف فيه عن أبي هريرة، وبه قال عروة بن الزبير وسعيد بن جبير والحسن البصري ومكحول. = (١) سورة النساء: آية ٧٧ . (٢) سورة الأعراف: آية ٣١. ٤٠٠