النص المفهرس

صفحات 361-380

ولا يجب(١) أن يُزاد في النداء ما لم يكن منه (٢).
= هذا الطريق، فقال: عن الزهري، عن حفص بن عمر بن سعد المؤذن: أن سعداً
كان يؤذن، قال حفص: فحدَّثني أهلي أن بلالاً فذكره. وروى ابن ماجه، عن
سالم، عن أبيه، قصة اهتمامهم بما يجمعون به الناس قبل أن يشرع الأذان، وفي
آخره زاد بلال في نداء صلاة الغداة الصلاة خير من النوم، فأقرَّها رسول الله وَله .
وإسناده ضعيف جداً. وروى السَّرَّاج والطبراني والبيهقي من حديث ابن عجلان،
عن نافع عن ابن عمر، قال: كان الأذان الأول بعد حي على الفلاح الصلاة خير من
النوم مرتين، وسنده حسن. هذا ما ذكره الحافظ ابن حجر العسقلاني في ((تخريج
أحاديث شرح الرافعي))(١).
وفي الباب أخبار وآثار أُخَر قد مر نبذٌ منها، فيثبت بضم بعضها ببعض - وإن
كان طرق بعضها ضعيفة - كون هذه الزيادة في أذان الصبح لابعده وهو مذهب الكافّة .
(١) قوله: ولا يجب، هكذا بالجيم في الأصل، والمعنى لا ينبغي، والظاهر
أنه تصحيف ((لا يحب)) أي: لا يستحسن، كذا قال القاري.
(٢) قوله: ما لم يكن منه، يشير إلى حديث ((من أحدث في أمرنا هذا
ما ليس منه فهو ردّ))، وكأنه أشار إلى أن الصلاة خير من النوم ليس من الأذان، أو إلى أنَّ
حيّ على خير العمل ليس من الأذان، أي: من الأذان المعروف بين مؤذّني
رسول الله* المأثور عنه، فإن كان المراد هو الأول كما يقتضيه ضم جملة
ولا يجب ... إلخ، بقوله: يكون في نداء الصبح بعد الفراغ من النداء، فقد عرفت
ما فيه من أن زيادة الصلاة خير من النوم وإن لم تكن في حديث بَدْء الأذان لكنها
ثبت الأمر بها بعد ذلك، فليست زيادته زيادة ما ليس منه. وإن كان المراد هو الثاني
وهو الأولى بأن يجعل قوله ولا يجب إلى آخره بياناً لعدم زيادة حي على خير العمل
فيخدشه ما أخرجه الحافظ أبو الشيخ بن حَيّان(٢) في كتاب ((الأذان))، عن سعد القَرَظ، =
(١) (٢٠١/١).
(٢) في الأصل: ((ابن حبان))، وفي ((سير أعلام النبلاء)) (٢٦٧/١٦)، و((طبقات الحفاظ)) =
٣٦١
I .d.

٣٠ - (باب المشي إلى الصلاة وفضل المساجد)
٩٣ - أخبرنا مالك، حدثنا علاء بنُ عبد الرحمن(١) بنٍ
يعقوب، عن أبيه(٢)، أنه سمع أبا هريرة، قال: قال رسولُ الله وَله: إذا
ثُوِّبَ بالصلاةِ(٣)
قال: كان بلال ينادي بالصبح فيقول: حي على خير العمل، فأمره رسول الله وَلَّ أن
= يجعل مكانها الصلاة خير من النوم، وترك حي على خير العمل. ذكره الشيخ
عبد الحق الدهلوي في ((فتح المنان))، وقد مرَّ من رواية البيهقي، مثله، وذكر
نور الدين علي الحلبي في كتابه «إنسان العيون في سيرة النبي المأمون)) نقل عن
ابن عمر، وعن علي بن الحسين أنهما كانا يقولان في أذانهما بعد حيّ على الفلاح
حي على خير العمل. انتهى. فإن هذه الأخبار تدل على أن لهذه الزيادة أصلاً في
الشرع فلم تكن مما ليس منه، ويمكن أن يُقال: إن رواية البيهقي وأبي الشيخ قد
تُكُلُّم في طريقهما، فإن كانت ثابتة دلَّت على هجران هذه الزيادة وإقامة الصلاة خير
من النوم مقامه، فصارت بعد تلك الإِقامة مما ليس منه، وأما فعل ابن عمر وغيره
فلم يكن دائماً بل أحياناً لبيان الجواز، ولو ثبت عن واحدٍ منهما دوامُه أو عن
غيرهما، فالأذان المعروف عن مؤذِّني رسول الله وَلّ الثابت بتعليمه الخالي عن
هذه الزيادة يُقدَّم عليه، فافهم فإن المقام حقيق بالتأمل.
(١) هو تابعي کابنه .
(٢) هو عبد الرحمن بن يعقوب الجهني المدني، قال النسائي: ليس به
بأس. وابنه العلاء أبو شِبْل ـ بالكسر - المدني صدوق، كذا في ((الإِسعاف))
و ((التقریب)).
(٣) قوله: إذا ثُوِّب، أي: أقيم، وأصل ثاب رجع، يقال: ثاب إلى
المريض جسمه، فكأن المؤذِّن رجع إلى ضرب من الأذان للصلاة، وقد جاء هذا
الحديث عن أبي هريرة بلفظ: ((إذا أقيمت الصلاة))، وهو يبيِّن أن التثويب ها هنا =
(ص ٣٨١): ((ابن حيّان))، هو أبو محمد عبد الله بن جعفر بن حيان الأصبهاني المعروف
بأبي الشيخ (ت ٣٦٩هـ).
٣٦٢
.- -

فلا تأتُوها تسعَوْن(١) وأَتُوها وعليكم السكينة(٢)، فما أدركتُمْ(٣) فصلُوا
وما فاتَكُمْ (٤)
= الإقامة، وهي رواية الصحيحين من وجه آخر عن أبي هريرة، وفي رواية لهما
أيضاً: ((إذا سمعتم الإِقامة)). وهي أخص من قوله في حديث أبي قتادة عندهما
أيضاً: ((إذا أتيتم الصلاة)).
(١) قوله: تسعَوْن، السعي ها هنا المشي على الأقدام بسرعة والاشتداد
فيه، وهو مشهور في اللغة، ومنه السعي بين الصفا والمروة، وقد يكون السعي في
كلام العرب العمل بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ آلآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾، وقوله
تعالى: ﴿إِنَّ سعيكم لشتى﴾ ونحو هذا كثير، قاله ابن عبد البر.
(٢) بالرفع على أنها جملة في موضع الحال، وضبطه القرطبي بالنصب
على الإِغراء.
(٣) قوله: فما أدركتم فصلوا، جواب شرط محذوف، أي: إذا فعلتم
ما أمرتكم به من السكينة فما أدركتم ... إلخ.
(٤) قوله: وما فاتكم فأتمّوا، قال الحازمي في كتاب ((الناسخ والمنسوخ)):
أخبرنا محمد بن عمر بن أحمد الحافظ، أنا الحسن بن أحمد القاري، أنا أبو نعيم،
نا سليمان بن أحمد، نا أبو زرعة، نا يحيى بن صالح، نا فليح، عن زيد بن
أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل،
قال: كنا نأتي الصلاة، أو يجيء رجل وقد سُبق بشيء من الصلاة أشار إليه الذي
يليه: قد سُبقت بكذا وكذا، فيقضي، قال: فكنا بين راكع وساجد وقائم وقاعد،
فجئتُ يوماً وقد سُبقت ببعض الصلاة وأُشير إليَّ بالذي سُبقت به، فقلت: لا أجده
على حال إلَّ كنت عليها، فلما فرغ رسول الله وَلّ قمت وصلَّت، فاستقبل
رسول الله يج على الناس وقال: من القائل كذا وكذا، قالوا: معاذ بن جبل، فقال:
((قد سنَّ لكم معاذ فاقتدوا به، إذا جاء أحدكم وقد سُبق بشيء من الصلاة فليصل
مع الإِمام بصلاته، فإذا فرغ الإِمام فليقضِ ما سبقه به)).
11
٣٦٣
د

فَأَتِّمُّوا(١)، فإنَّ أحدَكم في صلاة
=
قال الشافعي: إذا سبق الإِمام الرجل الركعة فجاء الرجل فركع تلك الركعة
لنفسه ثم دخل مع الإِمام في صلاته حتى يكملها فصلاته فاسدة وعليه أن يعيد
الصلاة، ولا يجوز أن يبتدىء الصلاة لنفسه ثم يأتم بغيره، وهذا منسوخ قد كان
المسلمون يصنعونه حتى جاء عبد الله بن مسعود أو معاذ بن جبل، وقد سبقه
النبي * بشيء من الصلاة، فدخل معه ثم قام يقضي، فقال رسول الله وقال: ((إن
ابن مسعود - أو معاذاً - سنَّ لكم فاتبعوهما)).
(١) قوله: فأتمّوا، فيه دليل على أن ما أدركه فهو أول صلاته، وقد ذكر في
((التمهيد)) من قال في هذا الحديث ((فاقضوا)).
وهذان اللفظان تأوَّلهما العلماء في ما يدركه المصلّي من صلاته مع الإِمام
هل هو أول صلاته أو آخرها؟ ولذلك اختلفت أقوالهم فيها(١)، فأما مالك،
فاختلفت الرواية عنه، فروى سحنون، عن جماعة من أصحاب مالك، عنه أن
ما أدرك فهو أول صلاته ويقضي ما فاته، وهذا هو المشهور من مذهبه، وهو قول
الأوزاعي والشافعي ومحمد بن الحسن وأحمد بن حنبل، وداود والطبري، وروى
أشهب، عن مالك، أن ما أدرك فهو آخر صلاته، وهو قول أبي حنيفة والثوري
والحسن بن حَيّ، وذكر الطحاوي، عن محمد عن أبي حنيفة أن الذي يقضى هو
أول صلاته ولم يحكِ خلافاً. وأما السلف فرُوي عن عمر وعليّ وأبي الدرداء:
ما أدركتَ فاجعله آخر صلاتك، وليست الأسانيد عنهم بالقوية، وعن ابن عمر
ومجاهد وابن سيرين مثل ذلك، وصحَّ عن سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز
ومكحول وعطاء والزهري والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز ما أدركت فاجعله أول
صلاتك، واحتجَّ القائلون بأن ما أُدرك فهو أول صلاته بقوله وَّ: ((ما أدركتم
فصلّوا، وما فاتكم فأتمّوا))، قالوا: والتمام هو الآخر، واحتجَّ الآخرون بقوله:
((وما فاتكم فاقضوا))، فالذي يقضيه هو الفائت، كذا في ((الاستذكار)).
(١) أوجز المسالك (١٢/٢).
٣٦٤
--

ما كان(١) يَعْمِدُ (٢) إلى الصلاة .
قال محمد: لا تَعْجَلَنَّ (٣) بركوعٍ ولا افتتاحٍ حتى تصل(٤) إلى
الصف وتقومَ فيه، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله.
(١) قوله: ما كان يعمد إلى الصلاة، يدل على أن الماشي إلى الصلاة
كالمنتظر لها وهما من الفضل سواء بالمصلّي إن شاء الله تعالى على ظاهر الآثار،
وهذا يسير في فضل الله ورحمته لعباده، كما أنه من غلبه نوم عن صلاةٍ كانت عادة
له، كُتب له أجر صلاة، وكان نومه عليه صدقة، كذا قال ابن عبد البر.
(٢) بكسر الميم، أي: يقصد.
(٣) أيها المصلّي .
(٤) قوله: حتى تصل إلى الصف وتقوم فيه، استنبط من النهي عن الإتيان
ساعياً وكون عامِدِ الصلاة في الصلاة من حيث الثواب، وذلك لأن العَجَلة في
الاشتراك قبل الوصول إلى الصف يفوِّت كثرة الخطا، وامتداد زمان العمد إلى
الصلاة مع لزوم قيامه خلف صف مع غير إتمامه، وقد ورد فيه نص صريح هو
ما أخرجه البخاري وغيره، عن أبي بكرة أنه دخل المسجد ورسول الله (يسير راكع،
فركع دون الصف، ثم دبَّ حتى انتهى إلى الصف، فلمّا سَلَّم قال: ((إني سمعت
نَفّساً عالياً فأيّكم الذي ركع دون الصف ثم مشى إلى الصف، فقال أبو بكرة: أنا
يا رسول الله، خشيت أن تفوتني الركعة فركعت دون الصف ثم لحقت بالصف،
فقال النبي 18َّ: «زادك الله حرصاً ولا تعد)). قال الزيلعي في ((تخريج أحاديث
الهداية)): إرشاد إلى المستقبل بما هو أفضل منه، ولو لم يكن مجزئاً لأمره بالإِعادة،
والنهي إنما وقع عن السرعة والعجلة إلى الصلاة، كأنه أَحَبَّ له أن يدخل الصف
ولو فاتته الركعة، ولا يعمل بالركوع دون الصف، يدل عليه ما رواه البخاري في
كتابه المفرد في ((القراءة خلف الإِمام)): ولا تعد، صلِّ ما أدركتَ واقضِ ما سبقت.
فهذه الزيادة دلَّتْ على ذلك، ويقوّيها حديث: وعليكم السكينة فما أدركتم فصلّوا
وما فاتكم فاقضوا.
٣٦٥

٩٤ - أخبرنا مالك، حدَّثنا نافع: أن ابن عمر سمع الإِقامة وهو
بالبقيع فَأَسْرَعَ المشي(١).
قال محمد: وهذا(٢) لا بأس به ما لم يُجْهِدْ نفسَه(٣).
(١) قوله: فأسرع المشي، ورُوي عنه أنه كان يهرول إلى الصلاة، وعن
ابن مسعود أنه قال: لو قرأت: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ لسَعَيْتُ حتى يسقط ردائي،
وكان يقرأ: ﴿فَآَمْضُوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، وهي قراءة عمر أيضاً. وعن ابن مسعود أيضاً:
أحق ما سَعَيْنا إليه الصلاة. وعن الأسود بن يزيد وسعيد بن جبير وعبد الرحمن بن
يزيد، أنهم كانوا يهرولون إلى الصلاة.
فهؤلاء كلهم ذهبوا إلى أنَّ من خاف فوت الوقت سعى، ومن لم يخف مشى
على هيأة، وقد رُوي عن ابن مسعود خلاف ذلك، أنه قال: إذا أتيتم الصلاة فأتوها
وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلّوا وما فاتكم فأتمّوا، وروى عنه أبو الأحوص، أنه
قال: لقد رأيتُنا وإنا لنقارب بين الخطا. وروى ثابت، عن أنس، قال: خرجت مع
زيد بن ثابت، إلى المسجد، فأسرعت المشي فحبسني. وعن أبي ذرّ، قال: إذا
أقيمت الصلاة فامشِ إليها كما كنت تمشي فصل ما أدركت واقضٍ ما سبقك.
وهذه الآثار كلها مذكورة بطرقها في ((التمهيد)) وقد اختلف السلف في هذا
الباب كما ترى، وعلى القول بظاهر حديث النبي صل# في هذا الباب جمهور
العلماء وجماعة الفقهاء، كذا في ((الاستذكار)».
(٢) أي: الإِسراع .
(٣) قوله: ما لم يُجهد نفسه، أي: لا يكلف نفسه ولا يحمل عليه مشقة،
ويشير بقوله لا بأس به إلى الجواز وإلى أن النهي عن الإِتيان ساعياً في الحديث
المرفوع ليس نهي تحريم بل نهي استحباب إرشاداً إلى الأليق الأفضل.
٣٦٦

٩٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا سُمَيِّ (١) أنه سمع أبا بكر(٢) يعني
ابنَ عبد الرحمن(٣) يقول: من غدا(٤) أو راح(٥) إلى المسجد لا يريد
غيرَه ليتعلَّمَ خيراً أو يُعَلَّمَه ثم رجَعَ إلى بيته الذي خرج منه كان(٦)
كالمجاهد في سبيل الله رَجَع (٧) غائماً.
٣١ - (باب الرجل يصلِّ وقد أخذ (٨) المؤذِّنُ في الإِقامة)
٩٦ - أخبرنا مالك، أخبرنا شَرِيك (٩) بن عبد الله بن
(١) مولى أبي بكر.
(٢) قوله: أبا بكر، قيل اسمه محمد، وقيل: أبوبكر وكنيته أبو
عبد الرحمن، والصحيح أن اسمه وكنيته واحد، وكان مكفوفاً، وثقه العجلي وغيره،
مات سنة ٩٣هـ، كذا في ((الإِسعاف)).
(٣) ابن الحارث بن هشام.
(٤) ذهب وقت الغداة أوَّلَ النهار.
(٥) من الزوال.
(٦) في الثواب.
(٧) إلى بيته بعد الفراغ من الجهاد وأخذ الغنيمة.
(٨) أي : شرع.
(٩) قوله: شَريك بن عبد الله بن أبي نمر، أبو عبد الله المدني، وثقه
ابن سعد وأبو داود، وقال ابن معين والنسائي: لا بأس به، وقال ابن عدي: إذا روى
عنه ثقة فلا بأس به، كذا في ((هدي(١) الساري)) مقدمة ((فتح الباري)) للحافظ
ابن حجر.
(١) في الأصل: ((الهدي الساري))، وهو تحريف.
٣٦٧

أبي نُمَيْر (١)، أنَّ أبا سلمة بنَ عبدِ الرحمنِ بن عوف قال(٢): سَمِعَ
قومٌ (٣) الإِقامةَ فقاموا يصلّون، فخرج عليهم النبيُّ وَّ، فقال:
أصلاتان (٤) معاً(٥)؟!
قال محمد: يُكره (٦) إِذا أُقيمت الصلاة أن يُصلِّيَ الرجلُ
(١) قوله: أبي نمير، بضم النون وفتح الميم مصغراً، كذا وجدناه في بعض
النسخ، وفي نسخة يحيى ((أبي نمر) وضبطه الزرقاني بفتح النون وكسر الميم.
(٢) قوله: قال، قال ابن عبد البر: لم يختلف الرواة، عن مالك في إرسال
هذا الحديث إلَّ الوليد بن مسلم، فإنه رواه، عن مالك، عن شريك، عن أنس.
ورواه الدراوردي، عن شريك، فأسنده عن أبي سلمة، عن عائشة. ثم أخرجه
ابن عبد البر من الطريقين وقال: قد رُوي هذا الحديث بهذا المعنى من حديث
عبد الله بن سَرْجِس وابن بُحَيْنة وأبي هريرة.
(٣) أي: بعض من كان في المسجد النبوي .
(٤) قوله: أصلاتان معاً، قال ابن عبد البر: قوله هذا وقوله في حديث
ابن بحينة: ((أتصلّيهما أربعاً))، وفي حديث ابن سرجس: ((أيتهما صلاتك))، كل
هذا إنكار منه لذلك الفعل.
(٥) أي: أتجمعون الصلاتين معاً.
(٦) قوله: يكره، لما أخرجه مسلم وأصحاب السنن وابن خزيمة وابن حبان
وغيره من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((إذا أُقيمت الصلاة فلا صلاة إلَّ المكتوبة))،
وفي رواية للطحاوي: ((إلّ التي أُقيمت لها))، وفي رواية ابن عَدِيّ، قيل:
يا رسول الله، ولا ركعتي الفجر؟ قال: ولا ركعتي الفجر، وإسناده حسن، قاله
الزرقاني. وقد يعارض هذه الزيادة بما رُوي: ((إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلَّ المكتوبة
إلاّ ركعتي الصبح))، لكنه من رواية عبّاد بن كثير وحجّاج بن نصير وهما ضعيفان،
ذكره الشوكاني .
٣٦٨

تطوعاً(١) غير ركعَتَّيْ الفجر(٢) خاصة، فإنه لا بأس بأن يصلِّيَهُما
(١) أي: نفلاً أوسُنَّة، فإن الكل يُسمّى تطوُّعاً لكونه زائداً على الفرائض.
(٢) قوله: غير ركعتي الفجر، أي: الركعتين اللتين تصلَّيان قبل فرض
الصبح، لما رُوي، عن عبد الله بن أبي موسى، عن أبيه: دعا سعيد بن العاص،
أبا موسى وحذيفة وابن مسعود قبل أن يصلي الغداة، فلما خرجوا من عنده أقيمت
الصلاة، فجلس عبد الله بن مسعود إلى أسطوانة من المسجد يصلي ركعتين، ثم
دخل المسجد ودخل في الصلاة. وعن أبي مخلد: دخلت مع ابن عمر وابن عباس
والإِمام يصلّي، فأما ابن عمر فقد دخل في الصف، وأما ابن عباس، فصلّى ركعتين
ثم دخل مع الإِمام، فلمّا سلّم الإِمام قعد ابن عمر، فلما طلعت الشمس ركع
ركعتين. وعن محمد بن كعب: خرج ابن عمر من بيته، فأقيمت صلاة الصبح،
فركع ركعتين قبل أن يدخل المسجد وهو في الطريق، ثم دخل المسجد فصلّى
الصبح مع الناس. وعن زيد بن أسلم، أن ابن عمر جاء والإِمام يصلّي صلاة
الصبح ولم يكن صلّى الركعتين قبل صلاة الصبح، فصلاهما في حُجْرة حفصة، ثم
صلّى مع الإِمام. وعن أبي الدرداء: أنه كان يدخل المسجد والناس صفوف في
صلاة الفجر، فيصلّي الركعتين في ناحية، ثم يدخل مع القوم في الصلاة. أخرج
هذه الآثار الطحاوي في ((شرح معاني الآثار))، وأخرج أيضاً عن مسروق
وأبي عثمان النهدي والحسن إجازة أداء ركعتي الفجر إذا أُقيمت الصلاة. وذكر أن
معنى فلا صلاة إلّ المكتوبة: النهي عن أداء التطوّع في موضع الفرض، فإنه يلزم
حينئذٍ الوصل، وبَسَط الكلام فيه. لكن لا يخفى على الماهر أن ظاهر الأخبار
المرفوعة هو المنع، من ذلك حديث أبي سلمة المذكور في الكتاب، فإن القصة
المذكورة فيه قد وقعت في صلاة الصبح كما صرَّح به الشراح، ووقع في موطأ
يحيى بعد هذه الرواية: وذلك في صلاة الصبح في الركعتين اللتين قبل الصبح.
ومن ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما، عن عبد الله بن مالك بن بُحَينة: مرَّ
النبي وَلّه برجل وقد أُقيمت الصلاة يصلّ ركعتين، فلما انصرف لاث به الناس، =
٣٦٩
....

الرجل(١) وإنْ(٢) أخذَ المؤذِّنُ في الإِقامة، وكذلك ينبغي، وهو قول
أبي حنيفة رحمه الله(٣).
٣٢ - (باب تسوية (٤) الصف)(٥)
فقال له رسول الله وبلجر: الصبح أربعاً؟ الصبح أربعاً؟ قال القسطلاني: الرجل هو
عبد الله الراوي كما عند أحمد بلفظ: أن النبي ◌َّهُ مرَّ به وهو يصلّي. ولا يعارضه
ما عند ابن حبان وابن خزيمة أنه ابن عباس، لأنهما واقعتان. انتهى .
وأخرج الطحاوي، عن عبد الله بن سرجس، أن رجلاً جاء ورسول الله وال
في صلاة الصبح، فركع ركعتين خلف الناس، ثم دخل مع النبيّ صل*، فلما
قضى رسول الله وَل صلاته، قال: يا فلان، أجعلتَ صلاتك التي صلَّتَ معنا
أو التي صلَّيتَ وحدك؟ وكذلك أخرجه أبو داود وغيره. وحمل الطحاوي هذه الأخبار
على أنهم صلّوا في الصفوف لا فصل بينهم وبين المصلّين بالجماعة، فلذلك
زجرهم النبي ◌ّ، لكنه حَمْل من غير دليل معتدٍّ به، بل سياق بعض الروايات
يخالفه .
(١) خارج المسجد، أو في ناحية المسجد خارج الصفوف.
(٢) وَصْلية .
(٣) وبه قال أبو يوسف، ذكره الطحاوي.
(٤) هو اعتدال القامة بها على سمت واحد(١).
(٥) قوله: تسوية الصف، قال ابن حزم بوجوب تسوية الصفوف لقول
النبيِ وَل﴿: ((لَتُسَوُنَّ صفوفكم أو ليخالِفَنَّ اللَّهُ بين وجوهكم))، متفق عليه، لكن
ما رواه البخاري: ((سوُّوا صفوفكم، فإن تسوية الصف من تمام الصلاة)) يصرفه إلى
السنَّة، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك.
(١) ويستحب للإِمام تسوية الصفوف كذا في المغني ٤٥٨/١، ولعله متفق عند الكلّ ويُكره
تركها، وراجع للتفصيل فتح الباري ١٧٥/٢، وعمدة القاري ٧٨٩/٢.
٣٧٠

٩٧ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، عن ابن عمر: أنَّ عمر بن
الخطاب كان يأمر(١) رِجَالاً (٢) بتسوية الصفوف، فَإذا جاؤوه فأخْبَرُوه
بتسويتها کبّر(٣) بعدُ .
٩٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو سُهَيْل بن مالك (٤) وأَبو النَّضر
مولَى عُمر بن عُبيد الله، عن مالك بن أبي عامر الأنصاري (٥): أن
عثمان بن عفَّان كان يقول في خُطبته: إذا قامت الصلاةُ، فاعْدِلُوا(٦)
الصفُوفَ، وحَاذُوا(٧) بالمَناكِب، فإنَّ اعتدال الصفوف من تمام
(١) قوله: كان يأمر، قال الباجي: مقتضاه أنه وكلّ من يُسَوِّي الناس في
الصفوف، وهو مندوب.
(٢) أي: من أصحابه.
(٣) أي قال: الله أكبر.
(٤) قوله: أبو سهيل بن مالك، هو عمّ مالك بن أنس، اسمه نافع، وثّقه
أحمد وأبو حاتم والنسائي، كذا في ((الإِسعاف)).
(٥) الأصبحي من كبار التابعين، ثقة، روى له الجميع، مات سنة ٧٤هـ
على الصحيح، وهو جَدّ الإِمام مالك والد أبي سهيل، كذا قال السيوطي وغيره.
(٦) أي: سوّوا.
(٧) قوله: حاذُوا، أي: قابلوا المناكب بأن لا يكون بعضُها متقدماً وبعضُها
متأخِّراً، وهو المراد بقول أنس: (كان أحدُنا يُلزق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه =
....-
٣٧١
٠.٤

الصلاة(١). ثم لا يكبِّر حتى يأتيه رجال قد وكَّلهم(٢) بتسوية الصفوف،
فیخبرونه أن قد استوتْ فیکبِّر.
قال محمد: ينبغي للقوم إذا قال المؤذِّن حيَّ على الفلاح أن
يقوموا(٣) إلى الصلاة(٤) فيصُفّوا
= بقدمه)، وقول النعمان بن بشير: (رأيت الرجل منا يلزق كعبه بكعب صاحبه)(١)،
ذکرهما البخاري في صحيحه.
(١) أي: من كمال صلاة الجماعة.
(٢) بخفة الكاف وتشديدها.
(٣) في (ن)»: يقدموا.
(٤) قوله: أن يقوموا، إلى الصلاة، اختلفوا فيه: فقال الشافعي والجمهور:
يقومون عند الفراغ من الإقامة، وهو قول أبي يوسف، وعن مالك: يقومون عند
أوَّلها، وفي ((الموطأ)) أنه يرى ذلك على طاقة الناس، فإن فيهم الثقيل والخفيف،
كذا ذكره القسطلاني في ((إرشاد الساري)) وفي ((الاستذكار)): قد ذكرنا في ((التمهيد))
بالأسانيد، عن عمروبن مهاجر: رأيت عمر بن عبد العزيز ومحمد بن مسلم الزهري
وسليمان بن حبيب يقومون إلى الصلاة في أول نداء(٢) من الإقامة، قال: وكان
عمر بن عبد العزيز، إذا قال المؤذِّن: قد قامت الصلاة عدّل الصفوف بيده عن يمينه =
(١) زعم بعض الناس أنه على الحقيقة، وليس الأمر كذلك، بل المراد بذلك مبالغة الراوي في
تعديل الصف، وسدّ الخلل كما في فتح الباري، ١٧٦/٢، والعمدة ٢٩٤/٢. وهذا يردّ
على الذين يدَّعون العمل بالسنَّة في بلادنا حيث يجتهدون في إلزاق كعابهم بكعاب
القائمين في الصف ويفرجون جداً للتفريج بين قدميهم ممايؤدي إلى تكلّف وتصنّع، وقد
وقعوا فيه لعدم تنُّههم للغرض، ولجمودهم بظاهر الألفاظ، (معارف السنن) ٢٩٢/١.
(٢) في الاستذكار ١٠٣/٢، بدله (بدء).
٣٧٢
..------

ويُسَوُّوا(١) الصفوف ويحاذُوا(٢) بين المناكب، فإذا أقامَ (٣) المؤذن الصلاةَ
كَبَّرِ الإِمامُ، وهو قولُ أبي حَنْفة - رحمه الله -.
= وعن يساره، فإذا فرغ كَبِّر، وعن أبي يعلى (١): رأيت أنس بن مالك إذا قيل: قد
قامت الصلاة قام فوثب، وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا لم يكن معهم الإِمام في
المسجد، فإنهم لا يقومون حتى يروا الإِمام لحديث أبي قتادة، عن النبي ◌ِ لمٍ:
((إذا أُقيمت الصلاة، فلا تقوموا حتى تروني)) وهو قول الشافعي وداود، وإذا كان
معهم فإنهم يقومون إذا قال: حيّ على الفلاح. انتهى ملخّصاً(٢).
(١) من تسوية .
(٢) من المحاذاة، أي: يقابلوا بين مناكبهم.
(٣) فإذا أقام، أي: قال: قد قامت الصلاة، وهو محتمل لأمرين: الشروع
فيه والفراغ منه، وذكر في ((جامع الرموز))، عن ((المحيط)) و((الخلاصة)) أن الأول
قول الطرفين والثاني قول أبي يوسف، والصحيح هو الأول كما في ((المحيط))
والأصح هو الثاني كما في ((الخلاصة)). قلت: روى أبو داود، عن أبي أمامة أن
بلالاً أخذ في الإِقامة، فلما أن قال: قد قامت الصلاة، قال رسول الله: أقامها الله
وأدامها، وقال في سائر الإِقامة كنحو حديث ابن عمر في الأذان، أي: أجاب كل
كلمة بمثلها إلّ الحيعلتين. فهذا يدل على أن النبي ◌َّ كَّر بعدما تمَّت الإِقامة
بجميع كلماتها. وأخرج ابن عبد البرّ في ((الاستذكار))، عن بلال، أنه قال
لرسول الله وهي: لا تسبقني بآمين(٣)، وقال: فيه دليل على أن رسول الله وَلو كان
=
(١) في الأصل أبي العلاء. وهو تحريف.
(٢) الاستذكار ١٠٣/٢ - ١٠٤.
(٣) السنن الكبرى للبيهقي ٢٣/٢.
٣٧٣

٣٣ - (باب افتتاح (١) الصلاة)
٩٩ - أخبرنا مالك، حدَّثنا الزُّهرِيُّ، عن سالم بن عبدِ الله بن
عُمر أنَّ عَبْد اللَّهِ بنَ عُمَر قال: كان(٢) رسُوْلُ اللهِوَِّ إِذَا اقْتَتْح (٣)
= يكبِّر، ويقرأ، وبلال في إقامة الصلاة(١). انتهى.
وفيه نظر لا يخفى، والأمر في هذا الباب واسع، ليس له حد مضيق في
الشرع، واختلاف العلماء في ذلك لاختيار الأفضل بحسب ما لاح لهم(٢).
(١) أي: ابتدائها.
(٢) قوله: كان ... إلخ، هذا أحد الأحاديث الأربعة التي رفعها سالم، عن
أبيه ووقفها نافع، عن ابن عمر، والقول فيها قول سالم، والثاني: ((من باع عبداً وله
مال ... ))، جعله نافع، عن ابن عمر، عن عمر، والثالث: ((الناس كإبل مائة
لا تجد فيها راحلة))، والرابع: ((في ما سقت السماء والعيون أو كان بَعْلاً العشر،
وما سُقي بالنضح نصف العشر)). كذا في ((التنوير)).
(٣) قال ابن المنذر: لم يختلف أهل العلم أن رسول الله ميل كان يرفع يديه
إذا افتتح، نقله ابن دقيق العيد في ((الإِمام)).
(١) الاستذكار ١٠٥/٢ .
(٢) وذهب عامة العلماء إلى أنه يُستحب أن لا يكبِّر الإِمام حتى يفرغ المؤذن من الإقامة،
ومذهب الشافعي وطائفة أنه يُستحب أن لا يقوم حتى يفرغ المؤذن من الإِقامة، وهو قول
أبي يوسف، وعن مالك: السنّة في الشروع في الصلاة بعد الإقامة وبداية استواء الصف،
وقال أحمد: إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة يقوم. وقال أبو حنيفة ومحمد: يقومون في
الصف إذا قال: حي على الصلاة، فإذا قال: قد قامت الصلاة كَبَّر الإِمام لأنه أمين الشرع،
وقد أخبر بقيامها فيجب تصديقه، وإذا لم يكن الإِمام في المسجد فقد ذهب الجمهور إلى
أنهم لا يقومون حتى يروه، كذا في ((عمدة القاري)) ٦٧٦/٥.
٣٧٤
--.

الصَّلاة(١) رفع (٢) يديه(٣) حِذَاءَ (٤) مَنْكِبَيْهِ، وإذا كَبَّر(٥) للرُّكُوع رفع
یدیه(٦) ،
(١) قوله: افتتح الصلاة(١): استند به صاحب ((البحر)) أن وقت الرفع قبل
التكبير، وفيه نظر لأنه يحتمل أن يكون معناه إذا كبّر رفع يديه، لأن افتتاح الصلاة
إنما هو بالتكبير، نعم، إن كان المراد بالافتتاح إرادة الافتتاح لتم الاستشهاد.
(٢) هذا مستحب عند جمهور العلماء، لا واجب كما قال الأوزاعي
والحُمَيْدي وابن خزيمة وداود وبعض الشافعية والمالكية.
(٣) قوله: رفع يديه، معنى رفع اليدين عند الافتتاح وغيره خضوع،
واستكانة، وابتهال، وتعظيم الله تعالى، واتّباع لسنّة نبيه وَلِ(٢).
(٤) بالكسر: أي: مقابله.
(٥) قوله: إذا كُبَّر ... إلخ، رواه يحيى ولم يذكر فيه الرفع عند الانحطاط
إلى الركوع، وتابعه على ذلك جماعة من الرواة، للموطأ عن مالك، ورواه جماعة
عن مالك، فذكروا فيه الرفع عند الانحطاط، وهو الصواب، وكذلك رواه سائر مَن
رواه من أصحاب ابن شهاب عنه(٣). كذا في ((التنوير)).
(٦) أي: حذو منكبيه.
(١) قال الباجي: افتتاح الصلاة يكون بالنطق، ولا يكون بمجرَّد النية، لمن يقدر على النطق.
أوجز المسالك ٤١/٢.
(٢) الاستذكار ١٢٢/٢.
(٣) في الأوجز ٤٤/٢، قال ابن عبد البر: هو الصواب. قلت: هو وهم منه وكذلك ((إن سائر
من رواه، عن ابن شهاب ذكره)) سهو منه، فإن الحديث أخرجه الزبيدي عن الزهري عند
أبي داود وليس فيه ذكر الرفع عند الركوع، وأيضاً لم يختلف فيه على الزهري فقط، بل
اختلف سالم ونافع على ابن عمر رضي الله عنهما، كما لا يخفى على من سهر الليالي في
تفحّص كتب الحديث.
٣٧٥

وإِذا رفع رأسه من الرُّكوع رفع يديْه، ثم قال: سمع اللّهُ(١) لمن حمده،
ثم قال (٢): ربَّنا ولك الحمد(٣).
(١) معنى سمع ها هنا: أجاب.
(٢) قوله: ثم قال، قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وجماعة من أهل
الحديث: إن الإِمام يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، وحجَّتهم حديث
ابن عمر، ورواه أبو سعيد الخُذْري وعبد الله بن أبي أوفى وأبو هريرة، وقال
جماعة: يقتصر على سمع الله لمن حمده، وحجتهم حديث أنس، عن النبي ◌َّى :
فإذا رفع الإِمام فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد.
كذا في ((الاستذكار))(١).
(٣) قوله: ربنا ولك الحمد، قال الرافعي: روينا في حديث ابن عمر:
ربنا لك الحمد، بإسقاط الواو وبإثباتها والروايتان معاً صحيحتان. انتهى.
قلت: الرواية بإثبات الواو متفق عليها، وأما بإسقاطها ففي صحيح
أبي عَوَانة: وقال الأصمعي: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الواو في: ((ربنا ولك
الحمد)»، فقال: زائدة، وقال النووي: يحتمل أنها عاطفة على محذوف، أي:
أطعنا لك وحمدناك، ولك الحمد، كذا في ((التلخيص(٢) الحبير في تخريج أحاديث
الشرح الكبير))، للحافظ ابن حجر، وعند البخاري، عن المقبري، عن
أبي هريرة: كان رسول الله إذا قال: سمع الله لمن حمده، قال: اللهم ربنا ولك
الحمد. وعند أبي داود الطيالسي، عن ابن أبي ذئب عنه: كان إذا رفع رأسه من
الركوع قال: اللهم ربنا لك الحمد، كذا في «ضياء الساري))(٣).
(١) ١٢٨/٢.
(٢) في الأصل: ((تلخيص الحبير))، وهو تحريف.
(٣) هو شرح على البخاري للشيخ عبد الله بن سالم البصري المكي، المتوفى سنة ١١٣٤ .
مقدمة ((لامع الدراري))، ص ٤٥٧ .
٣٧٦

١٠٠ - أخبرنا مالك، حدثنا نافع أن عبد الله بن عمر: كان(١)
إذا ابتدأَ الصلاة رفع يديه حَذْوَ مَنْكِبَيْه، وإذا رفع رأسه من الركوع(٢)
رفعهما دون ذلك(٣)
(١) قوله: كان ... إلخ، الثابت، عن ابن عمر بالأسانيد الصحيحة هو أنه
كان يرفع عند الافتتاح، وعند الرفع من الركوع، وعند الركوع حسبما رواه مرفوعاً،
وأخرج الطحاوي بسنده، عن أبي بكر بن أبي عيّاش، عن حصين، عن مجاهد،
قال: صليت خلف ابن عمر، فلم يكن يرفع يديه إلّ في التكبيرة الأولى، ثم قال
الطحاوي: فلا يكون هذا من ابن عمر إلا وقد ثبت عنده نسخ ما رأى النبي وم85 *.
انتھی .
وفيه نظر لوجوه: أحدها: أنه سند معلول لا يوازي الأسانيد الصحيحة، فقد
أخرجه البيهقي من الطريق المذكور في كتاب ((المعرفة))، وأسند، عن البخاري أنه
قال: ابن عياش قد اختلط بآخره، وقد رواه الربيع وليث وطاووس وسالم ونافع
وأبو الزبير ومحارب بن دثار وغيرهم قالوا: رأينا ابن عمر يرفع يديه إذا كُبَّر وإذا
رفع، وكان أبو بكر بن عيّاش يرويه قديماً، عن حصين، عن إبراهيم، عن
ابن مسعود مرسلاً موقوفاً: أنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، ثم لا يرفعهما بعد.
وهذا هو المحفوظ، عن ابن عياش، والأول خطأ فاحش لمخالفته الثقات، عن
ابن عمر. انتهى. وثانيها: أنه لو ثبت، عن ابن عمر ترك ذلك فلا يثبت منه نسخ
فعل رسول الله وسير الثابت بالطرق الصحيحة، عن الجمع العظيم إلا إذا كان فيه
تصريح، عن النبي ◌َّ﴾، وإذ ليس فليس. وثالثها: أن ترك ابن عمر لعله يكون
لبيان الجواز، فلا يلزم منه النسخ .
(٢) في نسخة: ركوعه.
(٣) قوله: دون ذلك، يعارضه قول ابن جريج: قلت لنافع: أكان ابن عمر
يجعل الأولى أرفعهنّ؟ قال: لا. ذكره أبو داود.
٣٧٧

١٠١ - أخبرنا مالك، حدثنا وهبُ بن كيسان(١)، عن جابر بن
عبد اللَّهِ الأنصاري: أنهُ يُعَلِّمُهم (٢) التكبير في الصلاة، أمرنا(٣) أن
تكبِّر كلما خفضنا ورفعنا.
١٠٢ - أخبرنا مالك، أخبرني ابن شهاب الزهريّ، عن
علي بن الحسين (٤) بن علي بن أبي طالبٍ أنه قال(٥): كان
رسول الله و ◌َر يكبِّر كلما(٦) خفض، وكلما رفع، فلم تزل تلك صلاته
حَتى لقي (٧) اللَّهَ عزّ وجلّ .
(١) هو أبو نعيم المدني، وثقه النسائي وابن سعد، مات سنة ١٢٧ هـ، كذا
في ((الإسعاف)).
(٢) أي: أصحابه التابعين، وفي نسخة: كان يعلِّمهم.
(٣) بيان للتعليم.
(٤) هو أبو الحسين زين العابدين، قال ابن سعد: كان ثقةً مأموناً كثير
الأحاديث، مات سنة ٩٢هـ، كذا في ((الإِسعاف)).
(٥) قوله: أنّه قال ... إلخ، قال ابن عبد البر: لا أعلم خلافاً من رواة الموطأ
في إرسال هذا الحديث. رواه عبد الوهاب بن عطاء، عن مالك، عن ابن شهاب،
عن علي بن حسين، عن أبيه موصولاً: ورواه عبد الرحمن بن خالد، عن أبيه، عن
مالك، عن ابن شهاب، عن عليّ بن الحسين، عن عليّ، ولا يصح فيه إلاّ ما في
((الموطأ)) مرسلاً.
(٦) ظاهر الحديث عمومه في جميع الانتقالات، لكن خُصَّ منه الرفع من
الركوع بالإجماع .
(٧) بارتحاله من الدنيا.
٣٧٨

١٠٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا ابن شهاب، عن أبي سلمة بن
عبد الرحمن بن عوف، أنَّه أخبره أنَّ أبا هريرة: كان يصلِّي بهم، فكِّر
كلما خفض ورفع، ثم انصرف(١) قال: والله إني (٢) لأشبهكم(٣) صلاةً
برسول الله
٠
١٠٤ - أخبرنا مالك، أخبرني نعيم المُجْمر(٤) وأبو جعفر
القارىء(٥)، أن أبا هريرة: كان يصلي بهم، فكبّر كلما خفض ورفع،
قال أبو جعفر: وكان يرفع يديه حين يكبِّرُ ويفتح (٦) الصلاة.
قال محمد: السنّة أن يكبِّر الرجل في صلاته كلما خفض (٧)
(١) من الصلاة.
(٢) قال الرافعي: هذه الكلمة مع الفعل المأتي به نازلةٌ منزلة حكاية
فعله ◌َلخلية .
(٣) قوله: لأشبهكم ... إلخ، هذا يدلَّك على أن التكبير في الخفض والرفع
لم يكن مستعملاً عندهم ولا ظاهراً فيهم، كذا في ((الاستذكار)).
(٤) هو نعيم المُجْمر بن عبد الله، أبو عبد الله المدني، وثّقه ابن معين
وأبو حاتم وغيرهما.
(٥) أبو جعفر القارىء: اسمه يزيد بن القعقاع المدني المخزومي، وقيل:
جندب بن فيروز، وقيل: فيروز، ثقة، مات سنة سبع وعشرين ومائة، وقيل: سنة
ثلاثين، كذا قال الزرقاني .
(٦) في نسخة : يفتتح .
(٧) كلما خفض وكلما رفع لما أخرجه الترمذي والنسائي من حديث
ابن مسعود: كان النبي ◌َّ يكِّر في كل خفض ورفع وقيام وقعود وأبو بكر وعمر . =
٣٧٩

وكلما رفع، وإذا انحطّ (١) للسجود كبّر،
= وأخرجه أحمد والدارمي وإسحاق بن راهويه والطبراني وابن أبي شيبة. وفي
((الصحيحين)) من حديث أبي هريرة: كان رسول الله صَلّ إذا قام إلى الصلاة يكبّر
حين يقوم، ثم يكبِّر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من
الركوع، ثم يقول وهو قائم: ربنا ولك الحمد، ثم يكبر حين يهوي ساجداً، ثم
يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبِّر حين يسجد، ثم يكِّر حين يرفع رأسه، ثم يفعل
ذلك في الصلاة كلُّها، ويكبِّر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس، وفي
((الصحيحين))، عن عمران بن حُصين أنه صلّى خلف علي بن أبي طالب بالبصرة،
فقال: ذكَّرنا هذا الرجل صلاةَ رسول الله وَ له، فذكر أنه كان يكبِّر كلما رفع وكلما
خفض، وفي الباب عن أبي موسى عند أحمد والطحاوي، وابن عمر عند أحمد
والنسائي، وعبد الله بن زيد عند سعيد بن منصور، ووائل بن حُجْر عند ابن حِبَّان،
وجابر عند البزار، وغيرهم عند غيرهم.
(١) قوله: وإذا انحط ... إلخ، مصرَّح به لكونه محل الخلاف أخذاً مما
أخرجه أبو داود، عن عبد الرحمن بن أَبْزَى أنه صلّى مع رسول الله وَّر وكان لا يتم
التكبير، قال أبو داود: ومعناه إذا رفع رأسه من الركوع، وأراد أن يسجد لم يكبِّر
وإذا قام من السجود لم يكبِّر. وأخرجه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) وقال:
فذهب قوم إلى هذا، فكانوا لا يكبِّرون في الصلاة إذا خفضوا، ويكبِّرون إذا رفعوا،
وكذلك كان بنو أمية يفعلون ذلك(١)، وخالفهم في ذلك آخرون، فكَبَّروا في الخفض
والرفع جميعاً، وذهبوا في ذلك إلى ما تواترت به الآثار عن رسول الله ◌َيقر. انتهى.
ثم أخرج عن عبد الله بن مسعود، قال: أنا رأيت رسول الله وَّر يكبِّر في كل خفض
ورفع. وأخرج عن عكرمة، قال: صلّى بنا أبو هريرة، فكان يكبّر إذا رفع، وإذا
خفض، فأتيتُ ابن عباس، فأخبرته، فقال: أوليس سنَّة أبي القاسم ◌َِّ؟ وأخرج
عن أبي موسى، قال: ذكَّرنا عليٍّ صلاةً كنّا نصلّيها مع رسول الله وَّ إما نسيناها،
وإما تركناها عمداً، كان يكبِّر كلَّما خفض ورفع، وكلَّما سجد. وأخرج عن أنس:
(١) في الأصل: ((يفعل ذلك)).
٣٨٠
.منظمة