النص المفهرس

صفحات 301-320

عن أنس بن مالك وعن الحسن البصري (١) ، كلاهما يَرْفَعُهُ(٢) إلى
النبيِّ وَل أنه قال:
=
والذي أظن أنَّ هذا من النَّسّاخِ، فإن هذه الرواية بعينها وجدتها في كتاب
الحجّ وفيه: محمد أخبرنا الربيع بن صبيح البصري، عن يزيد الرّقاشي، عن أنس
وعن الحسن البصري كلاهما يرفعه ... إلخ، وقال الذهبي في ((الكاشف)) في
ترجمته: يزيد بن أبان الرقاشي العابد، عن أنس والحسن، وعنه صالح المُرِّي
وحماد بن سلمة، ضعيف. انتهى. وذكر في (تهذيب التهذيب)) في ترجمة الربيع:
يزيد الرقاشي من شيوخه، وليس لسعيد فيه ذكر، (١) [وقال أبو عيسى الترمذي في آخر
شمائله - عندما روى حديثاً من طريق يزيد الفارسي، عن ابن عباس - : يزيد
الفارسي ، هو يزيد بن هرمز، وهو أقدم من يزيد الرقاشي، وروى يزيد الفارسي
عن ابن عباس أحاديث، ويزيد الرقاشي لم يدرك ابن عباس، وهو يزيد بن أبان
الرقاشي، وهو يروي عن أنس بن مالك، ويزيد الفارسي، ويزيد الرقاشي كلاهما
من أهل البصرة، انتهى].
(١) قوله: وعن الحسن البصري، هو من أَجِلَّة التابعين الحسن بن
أبي الحسن يسار، أمه مولاة لأم سلمة، وُلد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، وقدم من
المدينة إلى البصرة بعد مقتل (٢) عثمان، روى عن جماعة من الصحابة، وروى عنه
جمع من التابعين، كان إماماً ثقة ذا علم وزهد وورع وعبادة، مات في رجب سنة
١١٠ هـ، كذا في ((جامع الأصول))، وله ترجمة طويلة في ((تهذيب التهذيب))
وغيره.
(٢) وفي نسخة يرفعانه. قوله: كلاهما يرفعه، أخرجه أبو داود والترمذي
والنسائي عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي صل﴿، قال الترمذي: حسن
صحيح، وقد روي عن الحسن مرسلاً، وأخرجه أحمد في مسنده والبيهقي في سننه
وابن أبي شيبة في مصنفه، وأعلَّه بعض المحدثين بأن الحسن لم يسمع من سمرة، =
(٢) في الأصل: ((قتل))، والصواب: ((مقتل)).
(١) زاد في نسخة .
٣٠١

من توضَّأ يوم الجمعة فبها ونِعْمَتْ(١) ومن اغتسل فالغُسْل أفضل.
= كما قال ابن حبان في النوع الرابع من القسم الخامس: الحسن لم يسمع من سمرة
شيئاً، وكذا قال ابن معين وشعبة، وقال الدارقطني: الحسن اختلف في سماعه عن
سمرة، والحسن لم يسمع من سمرة إلاّ حديث العقيقة.
والجواب عنه أنه نقل البخاري في أول ((تاريخه الوسط))، عن علي بن
المديني أن سماع الحسن من سمرة صحيح. ونقله الترمذي عن البخاري وسكت
عليه. واختاره الحاكم في المستدرك، والبزار، فُيُقدَّم إثبات هؤلاء على نفي
أولئك، وأما مرسله فهو مقبول، فإنَّ مراسيل الحسن معتمدة، وقد روى هذا
الحديث جمع من الصحابة غير سمرة، أخرجه أصحاب الكتب المعتمدة، وضَعْفُ
بعضها ينجبر بالبعض، منهم أنس أخرجه ابن ماجه عنه مرفوعاً: ((من توضأ يوم
الجمعة فبها ونِعْمَتْ تجزىء عنه الفريضة، ومن اغتسل فالغسل أفضل)) وأخرجه
الطحاوي والبزار والطبراني في ((المعجم الوسط)). ومنهم أبو سعيد الخدري أخرج
حديثه البيهقي والبزار. ومنهم أبو هريرة أخرج حديثه البزار وابن عدي. ومنهم
جابر أخرجه عبد بن حميد وعبد الرزاق وابن عدي. ومنهم عبد الرحمن بن سمرة
أخرجه الطبراني والعُقَيلي. ومنهم ابن عباس أخرجه البيهقي .
وبالجملة هذا الحديث له أصل أصيل، وهو دالّ على أن الغُسل ليس
بواجب، وإلَّ فكيف يكون مجرّد الوضوء حسناً، واستدلَّ به بعضهم على الاستحباب،
وهو كذلك لولا ثبوت مواظبة النبي وبسطر على الغسل يوم الجمعة فإنها دالّة على
الاستنان .
(١) قوله: فيها ونعمت، قال الأصمعي: معناه فبالسنَّة أخذ ونعمت السنَّة،
وقال أبو حامد: معناه فبالرخصة أخذ لأن السنّة الغسل، وقال الحافظ أبو الفضل
العراقي: أي فبطهارة الوضوء حصل الواجب في التطهير للجمعة ونِعْمَت الخصلة
هي، أي الطهارة، وهو بكسر النون وسكون العين في المشهور، ورُوي بفتح النون
وكسر العين، وهو الأصل في هذه اللفظة، ورُوي نَعِمتَ بفتح النون وكسر العين
٣٠٢
١

٦٤ - قال محمد: أخبرنا محمد بنُ أبانَ(١) بنِ صالح، عن
حمّاد(٢)، عن إبراهيمَ النَّخَعي، قال: سألته عن الغُسْل يوم الجمعة،
والغسل من الحجامة، والغسل في العيدين؟ قال: إن اغتسلتَ
فحسنٌ، وإنْ تركتَ فليسَ عليك(٣)، فقلت له: ألم يقل
رسول الله وَله: من راح (٤) إلى الجمعة فليغتسل (٥)؟ قال: بلى، ولكنْ
ليس من الأمور الواجبة، وإنما(٦)
= وفتح التاء، أي نعمك الله، قال النووي في ((شرح المهذب)): هذا تصحيف نبّهتُ
عليه لئلا يُغترّ به، كذا في ((زهر (١) الربى على المجتبى)) للسيوطي.
(١) قوله: محمد بن أبان بن صالح، بفتح الألف وخفة الباء الموحدة، هو
ممن ضعفه جمع من النقّاد، ففي ((ميزان الاعتدال)) للذهبي: محمد بن أبان بن
صالح القرشي ويقال له الجعفي الكوفي حدَّث عن زيد بن أسلم وغيره، ضعَّفه
أبو داود وابن معين، وقال البخاري: ليس بالقويّ، وقيل كان مرجئاً، انتهى. وفي
(لسان الميزان)) للحافظ ابن حجر: قال النسائي: محمد بن أبان بن صالح القرشي
كوفي، ليس بثقة. وقال ابن حيان: ضعيف. وقال أحمد: لم يكن ممن يكذب. وقال
ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: ليس بالقوي، يُكتب حديثه ولا يحتج به،
وقال البخاري في ((التاريخ)): يتكلمون في حفظه لا يُعتمد عليه.
!
(٢) ابن أبي سليمان.
(٣) أي: لا يلزم عليك من تركه شيء.
(٤) أي: ذهب.
(٥) فإنه أمر، وظاهر الأمر للوجوب.
(٦) يريد أنه ليس كل أمر في الشرع فهو للَّزوم والوجوب، بل قد يكون
الأمر للاستحسان والإِباحة .
(١) في الأصل: ((زهرة الربى))، وهو تحريف.
٣٠٣

هو كقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾، فمن أَشْهَدَ فقد أَحْسَنَ،
ومن تَرَكِ(١) فليس عليه، وكقوله تعالى(٢): ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ
فَأَنْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ ﴾، فمن انتشر فلا بأس ومن جلس فلا بأس.
قال حماد(٣): ولقد رأيتُ إبراهيمَ النَّخَعي يأتي العيدين (٤)
وما يغتسل (٥).
٦٥ - قال محمد: أخبرنا محمد بن أبان، عن ابن جُرَيْج (٦)،
(١) قوله: ومن ترك فليس عليه، أي: من ترك الإِشهاد على المبايعة،
فليس عليه شيء، فإنّ الأمر للندب والاستحباب، لا للإِلزام والإِيجاب، هذا هو
قول الجمهور. وقال الضحاك: هو عزم من الله تعالى، والإِشهاد واجب في صغير
الحق وكبيره. كذا نقله البغوي في ((معالم التنزيل)).
٠
(٢) قوله: وكقوله تعالى: ﴿فإذا قُضِيَتِ ... ﴾، أي: أُدِّت، فإن القضاء
يُستعمل لمعنى الأداء ﴿الصلاة﴾، أي: صلاة الجمعة ﴿فَانْتَشِرُوْا فِي الْأَرْضِ﴾
للتجارة والتصرّف في حوائجكم ﴿وَابْتَغُوْا مِنْ فَضْلِ الله﴾ يعني الرزق، وهذا أمر
إباحة، كقوله تعالى: ﴿وإذا حَلَلْتُم فاصطادوا﴾. وقال ابن عباس: إن شئتَ
فأخرج، وإن شئتَ فاقعد، وإن شئتَ فصلِّ إلى العصر. كذا قال البغوي .
(٣) يريد تأييد قول النخعي بفعل.
(٤) أي: إلى المصلَّى لصلاة العيدين.
(٥) ظناً منه أنه من الأمور المستحبة فمن ترك فلا حرج.
(٦) قوله: عن ابن جُرَيْج، بضم الجيم مصغراً آخره جيم أيضاً، هو
عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي، مولاهم المكي الفقيه، ثقة فاضل،
توفي سنة خمسين بعد المائة أو بعدها، كذا في ((التقريب)) و ((الكاشف)).
٣٠٤

عن عطاء بن أبي رَبَاح قال: كنّا جلوساً(١) عند عبد الله بن عباس،
فحضرت الصلاةُ(٢)، أي الجمعة، فدعا بوَضوء(٣) فتوضَّا(٤)، فقال له
بعضُ أصحابه: ألا تَغْتَسِلُ؟ قال: اليومَ يومٌ بارِدٌ(٥)، فتوضّأ(٦).
٦٦ - قال محمد: أخبرنا سَلّام(٧) بن سُلَيْمٍ (٨) الحنفي (٩)،
عن منصور، عن إبراهيم(١٠) قال: كان علقمةُ بن قَيْسِ إذا سافر
لم يصلِّ الضحى(١١) ولم يغتسِلْ يومَ الجمعة(١٢).
(١) أي : جالسین.
(٢) أي: جاء وقتها.
(٣) أي: ماء يتوضأ به.
(٤) أي: أراد أن يتوضأ.
(٥) يورث الغسل فيه الكُلْفة.
(٦) قوله: فتوضأ، تأكيد لتوضأ الأول إن كان الأول على معناه، وإن كان
على معنى الإِرادة فهو تأسيس، ويمكن أن يكون معناه، فثبت على وضوئه
ولم يتوجّه إلى الغسل.
(٧) بفتح الأول وتشديد الثاني .
(٨) بصيغة التصغير.
(٩) نسبة إلى قبيلة بني حنيفة، لا إلى الإمام أبي حنيفة كما ظنّه القاري.
(١٠) أي: النخعي.
(١١) قوله: لم يصلِّ، قال القاري: أي: لم يصلِّ الضحى، فإنها مستحبة،
وقد تصدَّق الله عن المسافر ببعض الفرائض فكيف بالسنَّة .
(١٢) قوله: ولم يغتسل يوم الجمعة، فيه دلالة على أن غُسل يوم الجمعة
٣٠٥
F
-

٦٧ - قال محمد: أخبرنا سفيان الثوريّ(١)، حدثنا منصور(٢)،
عن مجاهد(٣) .
= لصلاة الجمعة لا لنفس اليوم فيسقط استنانه عمَّن تسقط عنه صلاة الجمعة
كالمسافر، وقد اختلف فيه، فقيل: إنه لليوم ونسبه إلى الحسنِ بن زياد صاحب
((الهداية)) وغيره، ونسبه العيني في ((شرحه)) إلى محمد وداود الظاهري. والثاني وهو
الصحيح عند الجمهور أنه للصلاة لظاهر الأحاديث: ((إذا جاء أحدكم
الجمعة ... ))، ونحو ذلك. ومنشأ الخلاف أنّ من لا تجب عليه الجمعة ليس لهم
الغسل على القول الأول دون الثاني .
(١) قوله: سفيان الثوري، هو أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري
الكوفي، نسبة إلى ثور - بالفتح - بن عبد مناة بن أد بن طانجة، قبيلة، روى عن
جماعة كثيرة، وعنه جماعة غفيرة، كما بسطه المِزِّي في ((تهذيب الكمال))، وذكر
في ترجمته: قال شعبة وابن عيينة وأبو عاصم وابن معين: هو أمير المؤمنين في
الحديث، وقال ابن المبارك: كتبتُ عن ألف ومائة شيخ ما كتبتُ عن أفضل من
سفيان، وقال شعبة: سفيان أحفظ مني، وقال ابن مهدي: كان وهب يقدِّم سفيان
في الحفظ على مالك، وقال الدُّوري: رأيت يحيى بن معين لا يقدِّم على سفيان
في زمانه أحداً في الفقه والحديث والزهد وكلُّ شيء، مولده سنة ٩٧هـ ، وتوفي
بالبصرة سنة ١٦١هـ . انتهى ملخّصاً.
(٢) أي: ابن المعتمر الكوفي .
(٣) قوله: عن مجاهد، هو ابن جَبْر - بفتح الجيم وسكون الباء الموحدة -
أبو الحجاج المخزومي مولاهم المكي المقرىء المفسّر الحافظ، سمع سعداً
وعائشة وأبا هريرة، وابن عباس، ولزمه مدة، وقرأ عليه القرآن، وروى عنه الأعمش
ومنصور وابن عون وقتادة وغيرهم، قال قتادة: أعلم من بقي بالتفسير مجاهد، وقال
ابن جريج: لأن أكون سمعت من مجاهد أحبُّ إليَّ من أهلي ومالي، وكان من
أعيان الثقات، كذا في ((تذكرة الحفاظ)) للذهبي، وذكر في التقريب وغيره أن وفاته
كانت سنة إحدى، أو اثنتين أو ثلاث أو أربع ومائة .
٣٠٦
- -

قال: من اعْتَسَلَ يومَ الجمعة بعد طلوع الفجر (١) أجزأه(٢) عن غُسْلِ
يوم الجمعة .
٦٨ - قال محمد: أخبرنا عبّادُ بنُ العوّام(٣)،
(١) وأما إن اغتسل قبل طلوع الفجر فظاهر الأخبار أنه لا يكفي في إحراز
الفضيلة .
(٢) قوله: أجزاه، يشير إلى أنه لا يُشترط اتصال الغسل بذهابه إلى
المسجد، بل لو اغتسل بعد طلوع الفجر الصادق من الجمعة كفى ذلك، وقال
الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)): استدل مالك بالحديث في أنه يُعتبر أن يكون
الغسل متصلاً بالذهاب، ووافقه الأوزاعي والليث، والجمهور قالوا: يجزىء من
بعد الفجر، وقال الأثرم: سمعت أحمد بن حنبل سئل عمن اغتسل ثم أحدث هل
يكفيه الوضوء؟ فقال: نعم، ولم أرَ فيه أعلى من حديث ابن أَبْزى. يشير إلى ما أخرجه
ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيح، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أَبْزى، عن أبيه، وله
صحبة: أنه كان يغتسل يوم الجمعة ثم يحدث فيتوضأ ولا يعيد الغسل. انتهى.
وذكر صاحب ((خلاصة الفتاوى)) و((البناية)) وغيرهما: أنه لو اغتسل يوم الجمعة ثم
أحدث وصلّى بوضوء مستحدث لا ينال ثواب غسل الجمعة عند أبي يوسف،
وعند الحسن ينال. وفيه نظر بأن هذا الغسل كما هو مقتضى الأحاديث للنظافة ودفع
الرائحة لا للطهارة فلا يضر تخلَّل الحدث، وذكر في ((الخلاصة)) أيضاً أنه لو اغتسل
قبل الصبح ودام على ذلك حتى صلّى به الجمعة ينال فضل الغسل عند أبي يوسف
وعند الحسن لا. وفيه نظر ذكره الزيلعي في ((شرح الكنز)) وهو أنه لا يُشترط وجود
الاغتسال في ما سُنَّ الاغتسال لأجله، وإنما يشترط أن يكون متطهِّراً، فينبغي
الإِجزاء في الصورة المذكورة عند الحسن أيضاً. وقد صرَّح به قاضي خان في
«فتاواه)).
-
(٣) قوله: أخبرنا عبّاد(١) بن العوّام، بتشديد الباء الموحدة والواو، قال
---
(١) في نسخة، قال محمد: أخبرنا سفيان الثوري، عن عبّاد بن العوام.
٣٠٧
ـفسد

أخبرنا يحيى بن سعيد، عن عَمْرة(١)، عن عائشة، قالت(٢):
= الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)»: عباد بن العوام الإِمام المحدث أبو سهل الواسطي.
وثَّقه أبو داود وغيره، قال ابن سعد: كان من نبلاء الرجال في كل أمر، وكان يتشيّع
فحبسه الرشيد زماناً، ثم خلّى عنه، فأقام ببغداد، واختلف في وفاته بعد سنة ثمانين
ومائة على أقوال: سنة ثلاثٍ، أو خمس، أو ست، أو سبع، وهو متفق على
الاحتجاج به. انتهى ملخّصاً.
(١) قوله: عن عَمرة، بالفتح. بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، كانت
في حجر عائشة وربتها، وروت عنها كثيراً من حديثها وعن غيرها(١)، وروى عنها
جماعة، منهم يحيى بن سعيد الأنصاري، وابنه أبو الرجال محمد بن
عبد الرحمن بن حارثة، وأبو بكر محمد بن عمرو بن حزم، ماتت سنة ثلاث ومائة،
وهي من التابعيات المشهورات، كذا قال ابن الأثير الجزري في ((جامع الأصول)).
(٢) قوله: قالت ... إلخ، أخرجه أبو داود عنها بلفظ: كان الناس مهّانَ
أنفسهم، فيروحون إلى الجمعة بهيآتهم، فقيل لهم: لو اغتسلتم. ورُوي عن
عكرمة أن ناساً من أهل العراق جاؤوا إلى ابن عباس، فقالوا: أترى الغسل يوم
الجمعة واجباً؟ قال: لا، ولكنه أطهر، وسأخبركم كيفَ بَدْءُ الغسل: كان الناس
مجهودين يَلْبسون الصوف ويعملون على ظهورهم، وكان مسجدهم ضيِّقاً مقارب
السقف، فخرج رسول الله وَليل في يومٍ حار، وعرق الناس في ذلك الصوف، حتى
ثارت منهم رياح آذى بذلك بعضهم بعضاً، فلما وجد رسولُ اللهِوَ ر تلك الريح
قال: أيها الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا وليمسَّ أحدكم أفضل ما يجد من دُهنه وطيبه،
قال ابن عباس: ثم جاء الله بالخير، ولبسوا غير الصوف، وكُفُوا العمل، ووسِّع
مسجدهم، وذهب بعض الذي كان يؤذي بعضهم بعضاً من العرق. وفي رواية
النسائي، عن عائشة: إنما كان الناس يسكنون العالية فيحضرون الجمعة وبهم
وسخ، فإذا أصابهم الريح سطعت أرواحهم فيتأذّى به الناس، فذكروا ذلك
لرسول الله وَله، فقال: أولا يغتسلون؟ وفي لفظ مسلم: كان الناس ينتابون الجمعة =
(١) في الأصل: ((وغيرها))، والظاهر: ((عن غيرها)).
٣٠٨

كان الناسُ عُمّالَ أُنفسِهِم(١)، فكانوا يَرُوحون إلى الجمعة(٢) بهيآتهم،
فكان يقال لهم(٣): لو اغتسلتُم(٤)(٥).
= من منازلهم ومن العوالي، فيأتون في العباء ويصيبهم الغبار، فيخرج منهم الريح،
فأتى رسولَ الله ◌َّ إنسانٌ منهم وهو عندي، فقال: لو أنكم تطهّرتم ليومكم هذا.
وقال الطحاوي بعدما رَوى عن ابن عباس نحوَ ما مرَّ: فهذا ابن عباس يُخبر أن
الأمر الذي أمر رسول الله وَل﴿ به لم يكن للوجوب عليهم، وإنما كان لعلَّة، ثم
ذهبت تلك العلَّة، فذهب الغسل، هو أحد من روى عن رسول الله وَ ل ل أنه كان يأمر
بالغسل، وقال بعد رواية قول عائشة: فهذه عائشة تخبر بأن رسول الله (وَل* إنما
نَذَبَهم إلى الغسل للعلَّة كما أخبر بها ابن عباس وأنه لم يجعل ذلك عليهم حتماً.
انتھی .
(١) أي: يعملون بأيديهم لأنفسهم بالمزارعة وغيرها ولم يكن لهم خوادم.
(٢) قوله: إلى الجمعة، أي: يذهبون لصلاة الجمعة على هيآتهم ولباسهم
المعتاد من غير غسل، ولا استعمال طيب ولا تغيير لباس.
(٣) أي: من حضرة الرسالة(١).
(٤) أي: لكان أَوْلِى.
(٥) قوله: لو اغتسلتم، دلَّ هذا الخبر على أن الغسل إنما يُعتدُّ به إذا كان
قبل الصلاة، فإن اغتسل بعد الصلاة لا يُعتدُّ به، وقد حكى ابن عبد البر الإجماع
عليه، وذهب ابن حزم الظاهري ومن تبعه إلى أنه يُكتفى بالغسل يوم الجمعة سواء
كان قبل الصلاة أو بعدها، وهو خلاف الأحاديث الواردة في شرعية الغسل، وقد ردَّه
ابن حجر في «فتح الباري» بأحسن ردّ.
(١) أي من الرسول (څچل# .
٣٠٩
سادة

١٨ - (باب الاغتسال يومَ العيدين)
٦٩ - أخبرنا مالك، حدَّثنا نافع: أن ابن عمر كان يغتسل قبل
أن يَغْدُوَ(١) (٢) إلى العيد.
٧٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا(٣) نافع، عن ابن عمر: أنه كان
يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو.
قال محمد: الغُسْلُ يومَ العيد حَسَنٌ (٤) وليس بواجب، وهو قول
أبي حنيفة رحمه الله .
(١) أي: يذهب بالغداء.
(٢) قوله: قبل أن يغدو، استنبط منه صاحب ((البحر الرائق)) أن غُسل العيد
للصلاة لا لليوم، وذكر الياس زاده في ((شرح النقاية)): لم يُنقل في هذا الغسل أنه
لليوم أو للصلاة. وينبغي أن يكون مثل الجمعة، لأن في العيدين أيضاً الاجتماع،
فُيُستحبّ الاغتسال دفعاً للرائحة الكريهة. انتهى.
(٣) وفي نسخة: أخبرني.
(٤) قوله: حسن، هذا يشتمل الاستنان والاستحباب، فمن قال باستنان
غسل يوم الجمعة، قال باستنان غسل العيدين، ومن قال باستحبابه، قال باستحبابه.
والأرجح هو الأول لما روى ابن ماجه عن الفاكه بن سعد: أن رسول الله والأر كان
يغتسل يوم الفطر ويوم الأضحى. قال الحافظ ابن حجر في ((تخريج أحاديث شرح
الوجيز)) للرافعي: رواه البزار والبغوي وابن قانع وعبد الله بن أحمد في زيادات
المسند من حديث الفاكه، وإسناده ضعيف، ورواه البزار من حديث أبي رافع،
وإسناده ضعيف أيضاً، وفي الباب من الموقوف عن علي رواه الشافعي. وعن
ابن عمر رواه مالك، وروى البيهقي عن عروة بن الزبير أنه اغتسل للعيد وقال: إنه
السُّنَّة.
٣١٠
نقدية
..

١٩ - (باب التيمُم (١) بالصَّعِيد)
٧١ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أنه أقبل هو وعبد الله بن عمر
من الجُرْف(٢) حتى إذا كان بالمِرْبَد(٣) نزل عبدُ الله بنُ عمر فتيمم (٤)
صعيداً طيباً، فمسح وجْهَه ويديه إلى المرفقين(٥)، ثم صلى (٦).
(١) قوله: التيمُم، هو في اللغة القصد، وفي الشرع القصد إلى الصعيد
لمسح الوجه واليدين بنيّة استباحة الصلاة وغيرها.
(٢) بضم فسكون، أو بضمتين: موضع على ثلاثة أميال من المدينة.
(٣) قوله: بالمِرْبَد، بكسر الميم وسكون الراء وموحدة مفتوحة ودال مهملة
على ميل(١) أو ميلين من المدينة، قاله الباجي.
(٤) قوله: فتيمّم، قال الباجي: فيه التيمم في الحضر لعدم الماء، إذ ليس
بين الجرف والمدينة مسافة القصر، قال محمد بن مسلمة: وإنما تيمّم بالمربد، لأنه
خاف فوات الوقت يعني المستحب، وروى في البخاري أنه دخل المدينة والشمس
مرتفعة ولم يُعِد، وإلى جوازه في الحضر ذهب مالك وأصحابه وأبو حنيفة
والشافعي، وقال زفر وأبو يوسف: لا يجوز التيمّم في الحضر بحال، كذا قال
الزرقاني .
... ..
(٥) أي: معهما.
(٦) حفظاً للوقت.
(١) قلت: لعله أزيد من ميل وأقل من ميلين، فحذف الكسر مرة، واعتبر به أخرى، لأن المِرْبَد
مجلس الإِبل وفضاء وراء البيوت ترتفق به كذا في ((عمدة القاري))، وهو لا يكون إلاّ
بقرب المدينة متصلاً بها، جزم الحافظ في ((الفتح)) بأنه من المدينة على ميل (٣٧٤/١).
والميل: هو ثلاث فراسخ بغلبة الظن، وفي ((الطحطاوي على مراقي الفلاح)) (ص ٦٦):
الميل في اللغة منتهى مدّ البصر.
٣١١

٧٢ - أخبرنا مالك، أخبرنا عبدُ الرحمن(١) بنُ القاسم، عن
أبيه(٢)، عن عائشةَ رضي الله عنها أنها قالت: خرجنا مع رسول الله وَل
في بعض أسفاره(٣)
(١) قوله: عبد الرحمن، هو ابن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق
المدني الفقيه، وثّقه أحمد وغير واحد، مات بالشام سنة ١٢٦ هـ، كذا في
«الإِسعاف)).
(٢) قوله: عن أبيه، هو ابن محمد بن أبي بكر الصديق المدني، قال
ابن سعد: ثقة رفيع، عالم فقيه ورع، مات سنة ست ومائة على الصحيح، كذا قال
السيوطي وغيره.
(٣) في نسخة ((الأسفار)) قوله: في بعض أسفاره، قال ابن حجر في ((فتح
الباري)): قال ابن عبد البر في ((التمهيد)): يُقال إنه كان في غزاة بني المصطلق،
وجزم بذلك في ((الاستذكار)) وسبقه إلى ذلك ابن سعد وابن حبان، وغزاة
بني المصطلق هي غزاة المُرَيْسيع، وفيها (١) وقعت قصة الإِفك لعائشة، وكان ابتداء
ذلك بسبب وقوع عقدها، فإن كان ما صرَّحوا به ثابتاً حُمل على أنه سقط منها في
تلك السفرة مرتين. لاختلاف القصتين كما هو بيِّن في سياقهما، واستبعد بعض
شيوخنا ذلك، قال: لأن المريسيع من ناحية مكة بين قديد والساحل، وهذه القصة
كانت من ناحية خيبر لقولها في الحديث: حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش،
وهما بين المدينة وخيبر. جزم به النووي.
قلت: وما جزم به مخالف لما جزم به ابن التّين، فإنه قال: البيداء هي
ذو الحُلَيْفة بالقرب من المدينة من طريق مكة، وذات الجيش وراء ذي الحليفة،
وقال أبو عُبَيد البكري في ((معجمه)): البيداء أدنى إلى مكة من ذي الحليفة، ثم
ساق حديث عائشة، ثم ساق حديث ابن عمر قال: بيداؤكم هذه التي تكذبون فيها :
ما أهلَّ رسول الله وَلَهَ إلَّ من عند المسجد ... الحديث. قال: والبيداء هو الشرف=
(١) في الأصل: ((وفيه))، والظاهر: ((وفيها)).
٣١٢

حتى إذا كنّا بالبيداءِ أو (١) بذاتِ الجيش انقطع(٢) عِقْدي (٣)، فأقام (٤)
رسولُ اللهِ وَلِّ على التماسِهِ(٥)، وأقام الناسُ وليسوا على ماءٍ (٦)
وليس معهم ماءً، فأتى الناسُ إلى أبي بكر(٧) فقالوا: ألا ترى إلى
ما صنعت عائشة؟ أقامت (٨)
= الذي قُدّام ذي الحُلَيفة في طريق مكة، وذات الجيش من المدينة على بريد، وبينها
وبين العقيق سبعة أميال، والعقيق من طريق مكة، لا من طريق خيبر، فاستقام
ما قاله ابن التين.
(١) الشك من عائشة .
(٢) قوله: انقطع، في التفسير من رواية عمرو بن الحارث: سقطت قِلادة
لي بالبيداء ونحن داخلون المدينة، فأناخ رسول الله وَله ونزل، وهذا مُشعر بأن ذلك
كان عند قربهم من المدينة، كذا في ((الفتح)).
(٣) قوله: عِقْد، بكسر المهملة كلَّ ما يعقد ويعلق في العنق، ويسمّى قلادة،
ولأبي داود من حديث عمار أنه كان من جزع ظفار، وفي رواية عمروبن الحارث:
سقطت قلادة لي، وفي رواية عروة عنها: أنها استعارت قلادة من أسماء فهلكت،
أي: ضاعت. والجمع بينهما أن إضافة القلادة إلى عائشة لكونها في يدها
وتصرُّفها، وإلى أسماء لكونها مِلْكَها، كذا في ((الفتح)).
(٤) قوله: فأقام، فيه اعتناء الإِمام بحفظ حقوق المسلمين وإن قلَّت، فقد
نقل ابن بطّال أن ثمن العقد كان اثني عشر درهماً، قاله في ((الفتح)).
(٥) أي: لأجل طلبه.
(٦) استدل بذلك على جواز الإقامة في المكان الذي لا ماء فيه.
(٧) فيه شكوى المرأة إلى أبيها وإن كان لها زوج.
(٨) أُسند الفعل إليها، لأنه كان بسببها.
٣١٣

برسول الله ◌َ* وبالناس وليسوا على ماءٍ(١) وليس معهم ماءً، قالت: فجاء
أبو بكرٍ (٢) رضي الله عنه ورسولُ اللهِ وَليهِ واضحٌ رأسَه على فخذي قد
نام، فقال: حبستِ(٣) رسولَ الله وَلَهُ والناسَ وليسوا على ماءٍ وليس
معهم ماءٌ، قالت: فعاتَبَني وقال ما شاءَ الله (٤) أن يقول، وجعل
يَطْعُنُني (٥) بيدِهِ في خاصرتي (٦)، فلا يمنعني من التحرُّكِ إِلَّ رأسُ (٧)
رسولِ الله وَّليّ على فخذي، فنام رسولُ اللهِ وَليل حتى أصبح(٨) على
غير ماءٍ، فأنزل الله
.
(١) جملة حالية.
(٢) فيه جواز دخول الرجل على بنته، وإن كان زوجها عندها إذا علم رضاه
بذلك.
(٣) منعتٍ.
(٤) أي: من كلمات الزجر والعتاب.
(٥) قوله: يطعنني، بضم العين وكذا جميع ما هو حسّي، وأما المعنوي،
فيقال: يطعَن بالفتح، هذا هو المشهور فيهما، وحُكي فيهما معاً الفتح والضم، كذا
في ((التنوير)).
(٦) خصر الإِنسان بفتح المعجمة وسكون المهملة: وسط الإِنسان.
(٧) أي: كونه واستقراره.
(٨) قوله: حتى أصبح، قال بعضهم: ليس معناه بيان غاية النوم إلى
الصباح، بل بيان غاية فقد الماء إلى الصباح، لأنه قَّد قوله ((حتى أصبح)) بقوله:
((على غير ماء))، أي: آل أمره إلى أن أصبح على غير ماء. وأما رواية عمرو بن
الحارث فلفظها: ثم إن النبي * استيقظ وحضرت الصبح، فإن أعربت الواو
حالية كان دليلاً على أن الاستيقاظ وقع حال وجود الصباح وهو الظاهر، واستُدِلَّ به =
٣١٤
-.-

تعالى آية التيمُّم(١) فتيمَّمُوا(٢)، فقال أُسَيد(٣)(٤)(٥) بن حُضَيْر(٦):
ما هي بأوَّلِ بركتكم (٧) ..
= على أن طلب الماء لا يجب إلاّ بعد دخول الوقت لقوله في رواية عمر بعد قوله
حضرت الصبح: فالتمس الماء فلم يوجد، وعلى أن الوضوء كان واجباً عليهم قبل
نزول آية الوضوء، ولذا استعظموا نزولهم على غير ماء، كذا في ((الفتح)).
(١) قوله: آية التيمّم، قال ابن العربي: هذه معضلة ما وجدت لدائها من
دواء، لأنّا لا نعلم أي الآيتين عَنَتْ، وقال ابن بطال: هي آية النساء أو آية المائدة،
وقال القرطبي: هي آية النساء، ووجهه بأن آية المائدة تسمّى آية الوضوء، وأورد
الواحدي في ((أسباب النزول)) الحديث عند ذكر آية النساء أيضاً، وخفي على
الجميع ما ظهر للبخاري من أن المراد آية المائدة بغير تردُّد لرواية عمرو بن الحارث
إذ صرَّح فيها بقوله: فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ... ﴾
الآية، كذا في ((الفتح)).
(٢) يحتمل أن يكون حكاية عن فعل الصحابة، ويحتمل أن يكون حكاية
لبعض الآية.
(٣) بالتصغير.
(٤) أبو يحيى الأنصاري الصحابي الجليل، مات سنة عشرين أو إحدى
وعشرين.
(٥) قوله: فقال أسید، إنما قال ما قال دون غيره، لأنہ کان رأس مَن بُعث
في طلب العقد الذي ضاع، كذا في ((الفتح)).
(٦) بمهملة ثم معجمة مصغراً.
(٧) قوله: ما هي بأول بركتكم، أي: بل هي مسبوقة بغيرها من البركات،
وفي رواية هشام بن عروة: فو الله ما نزل بكِ أمر تكرهينه إلّا جعل الله للمسلمين فيه
خيراً. وهذا يُشعر بأن هذه القصة كانت بعد قصة الإفك، فيقوى قول من ذهب إلى =
٣١٥
قد

يا آل أبي بكر (١)، قالت: وبعثنا البعيرَ التي كنتُ عليه(٢) فوجدنا(٣)
العِقْدَ تحته.
قال محمد: وبهذا نأخذ، والتيمُّمُ ضربتان، ضربةٌ للوجه،
وضربة لليدين إلى المرفقين، وهو قول أبي حنيفة (٤) رحمه الله .
= تعدُّد ضياع العقد، وممن جزم بذلك محمد بن حبيب الأخباري، فقال: سقط عقد
عائشة في غزوة ذات الرقاع وغزوة بني المصطلق. وقد اختلف أهل المغازي في أنّ
أي هاتين الغزوتين كانت أولاً، وقد روى ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة: لما
نزلت آية التيمم لم أدرِ كيف أصنع. فهذا يدل على تأخرها عن غزوة
بني المصطلق، لأن إسلام أبي هريرة كان سنة سبع، ومما يدل على تأخر القصة
عن قصة الإِفك، أيضاً ما رواه الطبراني من طريق عبّاد بن عبد الله بن الزبير، عن
عائشة، قالت: لما كان من أمر عِقْدي ما كان، وقال أهل الإِفك ما قالوا، خرجتُ
مع رسول اللّه وَّيه في غزوة أخرى، فسقط أيضاً عِقْدي حتى حبس الناس على
التماسه، فقال لي أبو بكر: يا بُنَّة في كل سفرة تكونين عناءً وبلاءً على الناس.
فأنزل الله الرخصة في التيمم، فقال أبو بكر: إنكِ المباركة. وفي إسناده محمد بن
حميد الرازي، وفيه مقال: كذا في ((الفتح)).
(١) المراد به نفسه وأهله وأتباعه.
(٢) حالة السير.
(٣) ظاهر في أن الذين توجَّهوا في طلبه أولاً لم يجدوه.
(٤) قوله: وهو قول أبي حنيفة، وبه قال الثوري والليث بن سعد والشافعي
وابن أبي سلمة وغيرهم، أنه لا يجزيه إلَّ ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى
المرفقين. وبه قال مالك، إلاّ أنه لا يرى البلوغ إلى المرفقين فرضاً (١)، وممن رُوي =
(١) رُوي عن مالك، أنه يجعل مسح الكفين مفروضاً وما زاد إلى المرفقين سنة، عمدة القاري
١٧٢/٢.
٣١٦
....

٢٠ - (باب الرجل يصيب من امرأته أو يباشرها(١) وهي حائض)
٧٣ - أخبرنا مالك، أخبرنا نافع، أن عبد الله بن عمر(٢) أرسل
إلى عائشة يسألُها هل يباشر(٣) الرجلُ امرأتُهُ وهي حائض؟ فقالت (٤):
= عنه التيمم إلى المرفقين: عبدُ الله بن عمر، والشعبي، والحسن البصري،
وسالم بن عبد الله بن عمر، وقال الأوزاعي: ضربتان، ضربة للوجه وضربة لليدين
إلى الكوعين، وبه قال أحمد وإسحاق بن راهويه وداود والطبري، وقال ابن
أبي ليلى والحسن بن حَيّ: التيمم ضربتان، يمسح بكل ضربة وجهه وذراعيه.
وقال الزهري: يبلغ بالمسح إلّ الآباط، ورُوي عنه إلى الكوعين، ورُوي عنه ضربة
واحدة، كذا ذكره ابن عبد البر. وقد اختلفت الأخبار والآثار في كيفية التيمم: هل
هي ضربة أم ضربتان؟ وهل ضربة اليدين إلى الآباط أو إلى المرفقين أو إلى
الكوعين؟ وباختلافه تفرَّقت الفقهاء وصار كلَّ إلى ما رواه أو أدّى الاجتهاد في نظره
ترجيحه، والذي يتحقّق بعد غموض الفكر وغوص النظر ترجيح تعدّد الضربة على
توحدها، وترجيح افتراض بلوغ مسح اليدين إلى الكوعين، واستحباب ما عدا ذلك
إلى المرفقين، كما حقّقه ابن حجر في ((فتح الباري)) والنووي في ((شرح صحيح
مسلم)) وغيرهما، والكلام ههنا طويل لا يسعه هذا المقام.
(١) مباشرة الرجل امرأته، التقاء بشرَتَيْهما إلَّ الجماع، كذا في ((إرشاد
الساري)».
(٢) قوله: أن عبد الله بن عمر، هكذا في أكثر نسخ موطأ محمد، وفي رواية
يحيى للموطأ: أن عُبيد الله بن عبد الله بن عمر أرسل ... الحديث. وهو بضم
العين شقيق سالم، ثقة، مات سنة ست ومائة.
(٣) أي: بالعناق، ونحوه.
(٤) قوله: فقالت، أفتته بفعله ولي مع أزواجه، كما في الصحيحين عنها،
وعن ميمونة أيضاً.
٣١٧

لِتَشُدَّ(١) إزارَها على أسفَلِها(٢)، ثم يباشرها إن شاء(٣).
قال محمد: وبهذا نأخذ، لا بأس بذلك (٤) وهو قول
أبي حنيفة (٥)
(١) بكسراللام وشدّ الدال المفتوحة، أي: لتربط.
(٢) أي: ما بين سُرَّتها وركبتها.
(٣) أي: أراد.
(٤) أي: بالمباشرة بما فوق الإِزار.
(٥) قوله: وهو قول أبي حنيفة، قال مالك والأوزاعي والشافعي وأبو حنيفة
وأبو يوسف: له منها ما فوق الإِزار، وهو قول سالم بن عبد الله والقاسم بن محمد،
وحجّتهم تواطؤ الآثار، عن عائشة وميمونة وأمِّ سلمة، عن النبي وَّل أنه كان يأمر إحداهن
إذا كانت حائضاً أن تشدَّ عليها إزارها، ثم يباشرها. وقال سفيان الثوري ومحمد بن
الحسن وبعض أصحاب الشافعي: يجتنب موضع الدم. وممَّن رُوي عنه هذا
المعنى ابنُ عباس ومسروق بن الأجدع وإبراهيم النخعي وعكرمة، وهو قول داود بن
علي، وحجتهم حديث ثابت، عن أنس، عن النبي و ﴿، قال: ((اصنعوا كلَّ شيء
ما خلا النكاح))، وفي رواية ما خلا الجماع، كذا في ((الاستذكار)). وفي ((فتح
الباري)»: ذهب كثير من السلف والثوري وأحمد وإسحاق إلى أنَّ الذي يمتنع من
الاستمتاع بالحائض الفرج فقط، وبه قال محمد بن الحسن من الحنفية. ورجَّحه
الطحاوي، وهو اختيار أصبغ من المالكية وأحد القولين أو الوجهين للشافعية،
واختاره ابن المنذر، وقال النووي: هو الأرجح دليلاً، لحديث أنس في مسلم:
اصنعوا كلَّ شيء إلاّ النكاح. وحملوا حديث الباب وشبهه على الاستحباب جمعاً
بين الأدلة(١).
(١) انظر فتح الملهم (١ /٤٥٧)، ففيه بحث نفيس حول هذه المسألة.
٣١٨

والعامَّةِ من فقهائنا(١).
٧٤ - أخبرنا مالك، أخبرني الثقة عندي، عن سالم (٢) بن
عبد الله وسليمان(٣) بن يسار: أنهما سُئِلا عن الحائض هل يصيبها(٤)
زوجُها إذا رأت الطّهْرَ قبل أن تغتسل؟ فقالا: لا حتى تغتسل (٥).
قال محمد: وبهذا نأخذ(٦)، لا تُباشَرُ حائضٌ عندنا حتى تحلّ
(١) أي: فقهاء الكوفة.
(٢) أحد الفقهاء السبعة .
(٣) أحد السبعة .
(٤) أي: يجامعها.
.... .
(٥) قوله: لا حتى تغتسل، فإن قيل: إن في قول الله عزَّ وجلَّ:
﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ دليلاً على أنهن إذا طهرن من المحيض حلَّ ما حَرُمَ
عليهن من المحيض(١)، لأن حتى غاية، فما بعدها بخلاف ما قبلها، فالجواب أن في
قوله تعالى: ﴿فإذا تطهُّرن﴾ دليلاً على تحريم الوطء بعد الطهر حتى يتطهَّرن
بالماء، لأن تطَهّرن تَفَعّلن من الطهارة، كذا في ((الاستذكار)).
------
......
(٦) قوله: وبهذا نأخذ، قال مالك وأكثر أهل المدينة: إذا انقطع عنها الدم
لم يجز وطيها حتى تغتسل، وبه قال الشافعي والطبري، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف
ومحمد: إن انقطع دمها بعد مضي عشرة أيام كان له أن يطأها قبل الغسل، وإن
كان انقطاعه قبل العشر لم يجز حتى تغتسل، أو يدخل عليها وقت الصلاة.
قال أبو عمر: هذا تحكّم لا وجه له، كذا في ((الاستذكار))، وظاهر إطلاق
محمد ههنا عدم التفصيل، لكن المشهور في كتب أصحابنا التفصيل بين ما إذا
انقطع الدم لعشرة أيام، فيحل وطيها قبل الاغتسال وبين ما إذا انقطع لأقل منه، فلا
يحل قبل أن تتطهر أو يمضي عليه وقت ذلك، ووجَّهوه بأنه قد قُرىء قوله تعالى : =
(١) هكذا في الأصل، وفي الاستذكار: (٢٦/٢): ((ما حرم منهن من أجل المحيض)).
٣١٩

لها الصلاة(١) أو تَجِبَ عليها(٢)، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله .
٧٥ - أخبرنا مالك، أخبرنا زيد بن أسلم (٣) (٤): أن رجلاً(٥)
سأل النبيّ ◌َّ ما يحلّ لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: تشدّ(٦)
علیھا(٧) إزارها،
= ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ بالتخفيف وبالتشديد، والقراءتان كالآيتين، فيُحمل الأول على
الأول، والثاني على الثاني، وههنا مذهب آخر وهو أنه يحل الوطي بمجرد الانقطاع
مطلقاً، لكن بعد إصابة الماء بالوضوء، أخرجه ابن جرير عن طاؤوس ومجاهد،
قالا: إذا طهرت أمرها بالوضوء وأصاب منها. وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد
وعطاء، قالا: إذا رأت الطهر فلا بأس أن تستطيب بالماء ويأتيها قبل أن تغتسل.
(١) بأن تطهر وتغتسل.
(٢) بأن يمضي وقت تقدر فيه أن تغتسل وتشرع في الصلاة.
(٣) كذا أخرجه البيهقي أيضاً عن زيد بن أسلم، ذكره السيوطي في ((الدر
المنثور)» وكذلك أخرجه الدارمي مرسلاً.
(٤) قوله: أخبرنا زيد بن أسلم، قال ابن عبد البر: لا أعلم أحداً روى هذا
مسنداً بهذا اللفظ ومعناه صحيح ثابت.
(٥) قوله: أن رجلاً، قد روى أبو داود، عن عبد الله بن سعد، قال: سألت
رسول الله وَ# ما يحلّ لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: لك ما فوق الإِزار.
وأخرجه أحمد وابن ماجه كذلك، وأخرج أحمد وأبوداود، عن معاذ بن جبل، قال:
سألت رسول الله وَالثَّ عما يحلّ للرجل من امرأته، وهي حائض؟ قال: ((ما فوق
الإِزار، والتعفّف عن ذلك أفضل)). وبه عُلم اسم السائل.
(٦) في نسخة: لتشد(١).
(٧) قوله: تشدّ عليها، بفتح التاء وضم الشين والدال، خبر معناه الأمر،
(١) بفتح التاء وضم الشين المعجمة آخره دال معناه الأمر، أوجز المسالك: ٢٢٦/١.
٣٢٠