النص المفهرس
صفحات 181-200
مِنْ مُقَدَّمِ رأسِهِ حتى ذَهَبَ بهما(١) إلى قَفَاه(٢)، ثُمَّ رَدّهُما إلى المكانِ الَّذِي منه بَدَأَ، ثمّ غَسَلَ رِجْلَيْه(٣). قال محمد: هَذَا حَسَنٌ (٤) والوُضوءُ ثَلَاثاً ثلاثاً(٥) أَفْضَلُ (٦). = لم يجىء في حديث عبد الله بن زيد للأذنين ذكر، ويمكن أن يكون ذلك لأن اسم الرأس يضمهما، وتعقّبه الشيخ ولي الدين بأن الحاكم والبيهقي أخرجا من حديثه: رأيت رسول الله وسلم يتوضأ فأخذ ماءً لأذنيه خلاف الماء الذي مسح به رأسه. وقالا صحيح، كذا في ((التنوير))(١). (١) أي: الیدین. (٢) بالفتح منتهى الرأس من المؤخَّر. (٣) زاد وهيب في روايته عند البخاري إلى الكعبين. (٤) قوله: هذا حسن، إشارة إلى ما ورد في رواية عبد الله بن زيد من تثليث غسل بعض الأعضاء وتثنية غسل بعضها، وقد اختلفت الروايات، عن النبي وقال: في ذلك باختلاف الأحوال: ففي بعضها تثليث غسل الكُلّ، وفي بعضها تثنية غسل الكُلّ، وفي بعضها إفراد غسل الكُلّ، وفي بعضها تثليث البعض وتثنية البعض، وكذا مسح الرأس ورد في بعضها الإِفراد، وفي بعضها التعدّد، والكل جائز ثابت، غاية ما في الباب أن يكون بعضها أقوى ثبوتاً من بعض . (٥) أي: في المغسولات دون المسح. (٦) قوله: أفضل، لما روي أنه ◌ّ﴾ توضَّأ مرة مرة وقال: هذا وضوءٌ لا يقبل الله الصلاة إلّ به، وتوضأ مرتين مرتين وقال: هذا وضوءُ مَن يُضاعَفُ له الأجر مرتين، وتوضأ ثلاثاً وقال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي، أخرجه الدارقطني والبيهقي، وروى نحوَه ابنُ ماجه وأحمد والطبراني وابن حبان وغيرهم = (١) ٤٢/١. ١٨١ والاثنان يُجْزِيَان، والواحدةُ إذا أَسْبَغَتْ(١) تُجزىء أيضاً(٢)، وهو (٣) قول أبي حنيفة . ٦ - أخبرنا مالك، حدثنا أبو الزِّناد(٤)، = بأسانيد يقوِّي بعضها بعضاً، والمتكفّل لبسطه شرحي شرح الوقاية المسمّى ((بالسعاية في كشف ما في شرح الوقاية))(١). (١) قوله: أسبغت، بصيغة الخطاب أو بالتأنيث مجهولاً، أي: إذا استوعبت، كذا في ((شرح الموطأ)) لعليّ القاري. (٢) قوله: تجزىء أيضاً(٢)، أي: بلا كراهة كما في ((جامع المُضْمَرَات)) عن شرح الطحاوي، أو مع كراهة كما هو ظاهر كلام الجمهور حيث عدّوا التثليث من السنن المؤكَّدة، وذُكر في (البناية)) و((جامع المضمرات)) و((المجتبى)) و((الخلاصة)) وغيرها أنه إن اعتاد الاكتفاء بالواحدة أو الاثنين أثم وإلا لا. (٣) قوله: وهو، أي: كون الثلاث أفضل، وجواز الاكتفاء بالواحدة والثنتين. (٤) قوله: أبو الزُّناد، بكسر الزاي، هو عبد الله بن ذكوان وأبو الزناد لقبه، وكان يغضب منه لما فيه من معنى يلازم النار، لكنه اشتهر به لجودة ذهنه، قال البخاري: أصح أسانيد أبي هريرة: أبو الزناد عن الأعرج عنه، قال الواقدي: مات سنة ١٣٠ هـ، كذا قال السيوطي وغيره(٣). (١) ٤٩/١. (٢) والكل جائز إذا استوعب ولا إثم عليه، لأن الإِثم بترك الواجب دون السنَّة، واختاره صاحب الهداية ٦/١. وقال القاري: إن الواجب هو المرة الواحدة وتثليث الغسل سنّة. مرقاة المفاتيح ٢ /١٥ . (٣) إسعاف المبطأ ص ٢٢ . ١٨٢ عن عبد الرحمن(١) الأعْرَج(٢)، عن أبي هريرة، قال: إذا توضَّأ أحدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ في أنفِهِ(٣)، ثم لِيَستَنْثِر (٤). ٧ - أخبرنا مالكٌ، حَدَّثَنا الزُّهري، عَنْ أَبِي إِدْرِيْسَ(٥) الخَوْلانيِّ (٦)، عن أبي هريرة: أن رسولَ اللهِ وَلِّ قَالَ: ((من توضّأَ فَلْيَسْتنثِر(٧)، (١) هو عبد الرحمن بن هرمز، اشتهر بالأعرج، وثّقه يحيى والعجلي، مات سنة ١١٧ هـ بالإسكندرية، كذا قال السيوطي وغيره(١). (٢) قوله: الأعرج: قال السُّمعاني في ((الأنساب)): الأعرج بفتح الألف وسكون العين المهملة وفتح الراء في آخره جيم، هذه النسبة إلى العرج، والمشهور بها أبو حازم عبد الرحمن بن هرمز بن كيسان الأعرج مولى محمد بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب يروي عن أبي هريرة روى عنه الزهري وأبو الزِّناد. (٣) رواه القعنبي وابن بكير وأكثر الرواة، فقالوا: في أنفه ماء، قاله السيوطي . (٤) في نسخة: لينتثر. قال الفراء: يقال نثر وانتثر واستنثر إذا حرّك النثرة في الطهارة، وهي طرف الأنف. (٥) قوله: أبي إدريس، اسمه عائذ الله بن عمرو القاري العابد أبوه صحابي، وُلد هو في العهد النبوي ثقة حجة، مات سنة ٨٠هـ، قاله السيوطي وغيره. (٦) نسبة إلى قبيلة بالشام. (٧) أي فليبالغ في استنشاقه فإن الشيطان يبيت على خياشيمه. = استنبطوا منه أن الاستئثار سنّة على حدة غير الاستنشاق. (١) إسعاف المبطأ ص ٢٧ . ١٨٣ ومن اسْتَجْمَرَ(١) فَلْيُوتِرْ))(٢). قال محمد: وبهذا(٣) نأخُذُ، ينبغي (٤) وليس في الموطأ في حديث مسند لفظ الاستنشاق ولا يكون الاستئثار إلاّ بعد = الاستنشاق، كذا في ((الاستذكار)). (١) الاستجمار المسح بالجمار، وهي الأحجار الصغار. (٢) قوله: فليوتر، أي ندباً لزيادة أبي داود وابن ماجه بإسناد حسن: من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج. وبهذا أخذ مالك وأبو حنيفة في أن الإِيتار مستحب لا شرط، كذا قال الزرقاني . (٣) أي بما أفاده هذا الخبر. (٤) قوله: ينبغي ... إلخ، المضمضة والاستنشاق سنتان في الوضوء، فرضان في الجنابة عند أبي حنيفة وأصحابه والثوري، وعند الشافعي ومالك والأوزاعي والليث بن سعد والطبري سنتان فيهما، وعند ابن أبي ليلى وإسحاق بن راهويه فرضان فيهما، وعند أبي ثور وأبي عبيد المضمضة سنة والاستنشاق واجب، كذا في ((الاستذكار))(١)، وذكر ابن حجر في ((فتح الباري)): أن ظاهر أمر الاستنثار للوجوب فيلزم من قال بوجوب الاستنشاق لورود الأمر به القول بوجوبه، وهو ظاهر كلام ((المغني)) من الحنابلة. وصرح ابن بطال بأن بعض العلماء قال بوجوبه. انتهى. إذا عرفت هذا فنقول: استعمال محمد ((ينبغي)) ها هنا مبنيّ على أنه أراد به المعنى الأعم لا الذي شاع في المتأخرين من كونه بمعنى ((يُستحب)). وقد صرح الحَمَوي في ((شرح الأشباه)) وغيرُه أن لفظ ((ينبغي)) يُستعمل في عرف القدماء في ما هو أعم من الاستحباب والاستنان والوجوب، وقس عليه أكثر المواضع التي استعمل فيها محمد ((ينبغي)). فتفسير ينبغي ها هنا بُيُستحب كما صدر عن القاريّ ليس كما ينبغي . (١) ١٥٩/١. ١٨٤ للمتوضِّىء أن يتمضمض ويَسْتَنْثِرَ، وَينبغي له أيضاً أن يَسْتجمر (١). والاستجمارُ: الاستنجاء (٢)، وهو قول أبي حنيفة(٣). ٨ - أخبرنا مالك، أخبرنا نعيم (٤) بن عبد الله المُجْمر(٥)،. (١) قبل أن يشرع في التوضىء. (٢) قوله: الاستنجاء، هو إزالة النجو أي الأذى من المخرج بالماء أو الأحجار. وقال ابن القصار: يجوز أن يقال: إنه مأخوذ من الاستجمار (١) بالبُخُور الذي به يطيب الرائحة. وقد اختلف قول مالك في معنى الاستجمار المذكور في الحديث، فقيل: الاستنجاء، وقيل: المراد به في البخور أن يأخذ منه ثلاث قطع، أو يأخذ ثلاث مرات يستعمل واحدة بعد أخرى. قال عياض: والأول أظهر، وقال النووي : إنه الصحيح المعروف، كذا في ((التنوير)). (٣) وهو قول أبي حنيفة، اختلف الفقهاء في الاستنجاء: هل هو واجب أم سنة؟ فذهب مالك وأبو حنيفة وأصحابهما إلى أن ذلك ليس بواجب، وأنه سنة لا ينبغي تركها، فإن صلى كذلك فلا إعادة عليه، إلاّ أن مالكاً يستحب الإِعادة في الوقت وأبو حنيفة يراعي ما خرج على فم المخرج مقدار الدرهم على أصله، وقال الشافعي وأحمد: الاستنجاء واجب لا يجزىء صلاة من صلى من دون أن يستنجي بالأحجار أو بالماء، كذا في ((الاستذكار))(٢). (٤) هو أبو عبد الله المدني، وثّقه ابن معين وأبو حاتم وغيرهما، قاله السيوطي . (٥) قوله: المُجْمر، بضم الميم وسكون الجيم وكسر الميم صفة لُنُعيم، بضم النون، لأنه كان يأخذ المجمر قُدّام عمر رضي الله عنه إذا خرج إلى الصلاة : (١) أو المراد بالاستجمار التبخر كما يكون في الأكفان، وكان مالك يقوله أولاً ثم رجع عنه، (٢) ١٧٣/١. انظر هامش ((بذل المجهود)) ٨٥/١. ١٨٥ أنه سمع أبا هريرة يقول(١): من توضّأَ فَأَحْسَنَ(٢) وَضَوْءَهُ ثمَّ خَرَجَ (٣) عَامِداً(٤) إِلَى الصلاةِ(٥) فهو في صلاةٍ (٦) في رمضان، قاله ابن حبان، وقال ابن ماكولا: كان يُجمر المسجد، لزم نعيم = أبا هريرة عشرين سنة، وروى عنه كثيراً، كذا في ((أنساب السمعاني)) وفي ((فتح الباري)): وُصف(١) هو وأبوه عبد الله بذلك لأنهما كانا يبخران مسجد النبي وَّر، وزعم بعض العلماء أنه وصف أبيه حقيقة ووصف ابنه نعيم بذلك مجاز، وفيه نظر. (١) قوله: يقول، أي موقوفاً، قال ابن عبد البر: كان نعيم يوقف كثيراً من حديث أبي هريرة، ومثل هذا لا يقال بالرأي فهو مسند، وقد ورد معناه من حديث أبي هريرة وغيره بأسانيد صحاح، كذا قال علي (٢) القاري. (٢) قوله: فأحسن وضوءَه، بإتيانه بفرائضه وسننه وفضائله وتجنّب منهيّاته. (٣) أي من بيته، وفيه دلالة على فضل الوضوء قبل الخروج. (٤) أي قاصداً لها دون غيرها. (٥) قوله: إلى الصلاة، فإن قلت: لو أراد الاعتكاف هل يدخل في هذا الحكم أم لا؟ قلت: نعم، إذ المراد أنه لا يريد إلَّ العبادة، ولما كان الغالب منها الصلاة فيه ذكر لفظ الصلاة، كذا في ((الكواكب الدراري)). (٦) قوله: فهو في صلاة، أي في حكمها من جهة كونه مأموراً بترك العبث وفي استعمال الخشوع، وللوسائل حكم المقاصد، وهذا الحكم مستمر ((ما دام يَعْمِد)) بكسر الميم يقصد، وزناً ومعنىٍّ، وماضيه عَمَد كقَصَد، وفي لغة قليلة من باب فرح، ثم المراد أن يكون باعث خروجه قصد الصلاة وإنْ عرض له في خروجه أمر دنيوي فقضاه، والمدار على الإِخلاص، وفي معناه ما روى الحاكم عن أبي هريرة مرفوعاً: إذا توضأ أحدكم في بيته ثم أتى المسجد كان في صلاة حتى = (١) في الأصل: ((وصنف))، وهو خطأ، والصواب: ((وصف)). (٢) في الأصل: ((العلي القاري))، وهو تحريف. ١٨٦ ما كان يَعْمِدُ(١) وأَنه(٢) تُكْتَبُ(٣) له بِإِحدىُ(٤) خَطْوَتَيْهِ(٥) حَسَنَةٌ، وتُمحى(٦) عنه بالأخرى(٧) = يرجع فلا يفعل هكذا، وشبّك بين أصابعه. وروى أحمد وأبو داود والترمذي وصححه ابن خزيمة وابن حبان عن كعب بن عجرة مرفوعاً: إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءَه ثم خرج عامداً إلى الصلاة فلا يشبكن بين يديه فإنه في صلاة، كذا قال الزرقاني . (١) قوله: ما كان يعمد، أي ما دام مستمراً على ما يريده، وفيه إشارة إلى ما ورد أن الحسنة تكتب بقصدها ونيتها وإنْ لم يفعلها، فإذا خرج عامداً إلى الصلاة فهو في صلاة من حيث الثواب ما لم يبطل قصدها بعمل آخر منافٍ له. (٢) بفتح الهمزة وكسرها. (٣) مجهول من الكتابة. (٤) هي اليمنى. (٥) قوله: خطوتيه، بضم الخاء ما بين القدمين، وبالفتح المرة الواحدة، قاله الجوهري، وجزم اليعمري أنها ها هنا بالفتح، والقرطبي والحافظ بالضم، كذا قال الزرقاني . (٦) قوله: وتمحى عنه ... إلخ، قال الباجي: يحتمل أن يريد أنّ لخُطاه حكمين فيكتب له ببعضها حسنات، ويمحى عنه ببعضها سيّآت، وأن حكم زيادة الحسنات غير حكم محو السيآت، وهذا ظاهر اللفظ، ولذلك فرّق بينهما، وقد ذكر قوم أن معنى ذلك واحد، وأن كتابة الحسنات بعينه محو السيآت، كذا في ((التنوير)). (٧) قوله: بالأخرى، فيه إشعار بأن هذا الجزاء للماشي لا للراكب، أي بلا عذر، وروى الطبراني والحاكم وصححه البيهقي عن ابن عمر رفعه: إذا توضأ أحدكم، فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا ينزعه إلّ الصلاة لم تزل رجله اليسرى تمحو عنه سيئة وتكتب له اليمنى حسنة حتى يدخل المسجد، كذا قال الزرقاني . ١٨٧ سيِّئْة، فإنْ سَمِعَ أحدُكم (١) الإِقامةَ فلا يَسْعَ (٢)(٣)، فإنَّ أعظَمَكم أَجْراً(٤) أبعَدُكُم داراً(٥). قالوا(٦): (١) وهو ماشٍ إليها. (٢) أي لا يسرع، بل يمشي على هيئته. (٣) قوله: فلا يسع، فإن قلت قال الله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللّهِ﴾، وهو يشعر بالإِسراع، قلت: المراد بالسعي الذهاب، يقال: سعيت إلى كذا أي ذهبت إليه، كذا في ((الكواكب)). (٤) قوله: فإن أعظمكم ... إلخ، تعليل لما حكم به من عدم السعي لما يستبعد ذلك من أجل أن الإِسراع والرغبة إلى العبادة أحسن، وحاصله أن أعظمكم أجراً من كان داره بعيدة من المسجد، وما ذلك إلا لكثرة خطاه الباعثة لكثرة الثواب، فلهذا الوجه بعينه يحكم بعدم السعي لئلا تقلّ خطاه فيقلّ ثوابه، وقد ورد في ((صحيح مسلم)) من طريق جابر، قال: خَلَتْ البقاع حول المسجد فأراد بنوسلمة أن ينتقلوا قرب المسجد، فقال لهم النبي وَلّر: بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد؟ قالوا: نعم، قال: يا بني سلمة، ديارَكم تُكْتَبْ آثارُكم، ديارَكم تُكْتَبْ آثارُكم. وورد مثله من حديث أنس في ((صحيح البخاري)) وغيره. وأخرج البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم من حديث أبي هريرة مرفوعاً: إذا سمعتم الإِقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم بالسكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلّوا وما فاتكم فأتموا. هذا لفظ البخاري. (٥) قوله: أبعدكم داراً، ولا ينافيه ما ورد من قوله عليه السلام: ((شؤم الدار بُعْدُها عن المسجد))، لأن شؤمها من حيث إنه قد يؤدي إلى تفويت الصلاة بالمسجد، وفضلها بالنسبة إلى من يتحمّل المشقة ويتكلّف المسافة، فشؤمها وفضلها أمران اعتباريان، قاله علي القاري. (٦) أي الحاضرون في مجلسه. ١٨٨ لِمَ (١) يا أبا هريرة؟ قال: من أجل كَثْرةٍ (٢) الخُطَا(٣). ٣ - (باب غسل اليدين (٤) في الوضوء) (٥) ٩ - أخبرنا مالك، أخبرنا أبو الزَّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة(٦) أنَّ رسولَ اللهِ وَّ قال: ((إذا استيقظ أَحَدُكُمْ (٧) من نومِهِ (٨) (١) أي لأيّ شيء بُعْد الدار أعظم أجراً؟ (٢) أي بسبب كثرة الأقدام في المشي. (٣) بضم الخاء وفتح الطاء جمع خطوة بالضم. (٤) قوله: غسل اليدين، بفتح الغين بمعنى إزالة الوسخ ونحوه بإمرار الماء عليه، وأما بالضم، فهو اسم للاغتسال، وهو غسل تمام الجسد، واسم للماء الذي يُغتسل به، وبالكسر، اسم لما يُغسل به الرأس، كذا في ((المُغْرب)). (٥) أي: في ابتدائه، وهو غسلهما إلى الرسغين. (٦) قوله: عن أبي هريرة، هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه والطحاوي وأحمد وغيرهم من حديثه بألفاظ متقاربة، وأخرج بنحوه ابن ماجه والدارقطني من حديث ابن عمر وجابر. وقد استنبط الفقهاء من هذا الحديث استنان تقديم غسل اليدين إلى الرسغين عند بداية الوضوء، وقالوا: قيد الاستيقاظ من النوم اتَّفاقي . (٧) فيه رمز إلى أن نوم النبي ◌َّه غير ناقض للوضوء. (٨) قوله: من نومه، أخذ بعمومه الشافعيُّ والجمهور، فاستحبوه عقيب كل نوم، وخصّه أحمد بنوم الليل لقوله في آخر الحديث: ((باتت يده))، لأن حقيقة المبيت تكون بالليل، وفي رواية لأبي داود ساق مسلمٌ إسنادَها: ((إذا قام أحدكم = ١٨٩ فَلْيَغْسِلْ يَدَه(١) = من الليل))، وكذا للترمذي من وجه آخر صحيح، ولأبي عَوَانة في روايةٍ ساق مسلمٌ إسنادَها أيضاً: ((إذا قام أحدكم إلى الوضوء حين يصبح)). لكن التعليل يقتضي إلحاق نوم النهار بنوم الليل، وإنما خُصَّ نوم الليل بالذكر للغلبة، قال الرافعي في ((شرح المسند)): يمكن أن يقال: الكراهة في الغمس لمن نام ليلاً أشدّ منها لمن نام نهاراً، لأن الاحتمال في نوم الليل أقرب لطوله عادةً. ثم الأمر عند الجمهور للندب، وحمله أحمد على الوجوب في نوم الليل دون النهار، وعنه في روايةٍ استحبابُهُ في نوم النهار. واتفقوا على أنه لو غمس يده لم يضر الماء، وقال إسحاق وداود والطبري: ينجس. واستُدِلَّ لهم بما ورد من الأمر بإراقته. لكنه حديث أخرجه ابن عَدِيّ، والقرينة الصارفة للأمر عن الوجوب للجمهور التعليل بأمر يقتضي الشك، لأن الشك لا يقتضي وجوباً في الحكم استصحاباً لأصل الطهارة. واستدلَّ أبو عَوَانة على عدم الوجوب بوضوئه وَ ل﴿ من الشنّ المعلَّق بعد قيامه من النوم. وتُعُقِّب بأن قوله: ((أحدكم)) يقتضي اختصاصَه بغيره وَّرَ. وأجيب بأنه صحَّ عنه غسل يديه قبل إدخالهما الإِناء في حال اليقظة، فاستحبابه بعد النوم أَوْلِى، ويكون تركه لبيان الجواز. وأيضاً فقد قال في هذا الحديث، في روايات مسلم وأبي داود وغيرهما: ((فليغسِلْها ثلاثاً))، وفي رواية: ((ثلاث مرات)) والتقييد بالعدد في غير النجاسة العينية يدل على النَّدْبِيَّة. ووقع في رواية همّام، عن أبي هريرة عند أحمد: ((فلا يضع يده في الوضوء حتى يغسِلَها)) والنهيُ فيه للتنزيه. والمراد باليد ها هنا الكفّ دون ما زاد عليها، كذا في ((فتح الباري)). (١) قوله: فليغسل يده، في هذا الحديث من الفقه إيجاب الوضوء من النوم لقوله: ((فليغسل يده قبل أن يدخلها)). وهذا أمر مجمع عليه في النائم والمضطجع إذا غلب عليه النوم واستثقل نوماً أن الوضوء عليه واجب، كذا في ((الاستذكار)). ١٩٠ قبل أن يُدْخِلَها(١) في وَضُوئِهِ(٢)، فإنَّ أَحَدَكم (٣) لا يَدري (٤) أين باتت یَدُه(٥). (١) قوله: قبل أن يدخلها، لمسلم وابن خُزيمة وغيرهما من طرق: ((فلا يغمس يده في الإِناء حتى يغسِلَها))، وهو أبين في المراد من رواية الإِدخال، لأن مطلق الإِدخال لا يترتَّب عليه كراهة كمن أدخل يده في إناء واسع، فاغترف منه بإناء صغير من غير أن يلامس يده الماء، كذا في ((فتح الباري)). (٢) قوله: في وضوئه، أي: الماء الذي أُعدَّ للوضوء، وفي رواية مسلم: (في الإِناء)) ولابن خزيمة: ((في إنائه أو وضوئه)) على الشك. والظاهر اختصاص ذلك بإناء الوضوء، ويلتحق به إناء الغسل وكذا باقي الآنية قياساً، وخرج بذكر الإِناء الحياضُ التي لا تفسد بغمس اليد فيها على تقدير نجاستها. كذا في ((الفتح)). (٣) قوله: فإن أحدكم، قال البيضاوي: فيه إيماء إلى أن الباعث على الأمر بذلك احتمال النجاسة، لأن الشارع إذا ذكر حكماً وعقبه بعلَّة دلَّ على أن ثبوت الحكم لأجلها، ومثله قوله في حديث المُحْرِم الذي سقط فمات، ((فإنه يُبعث مُلَبِّياً)) بعد نهيهم عن تطبيبه، فنَّه على علة النهي. وعبارة الشيخ أكمل الدين: إذا ذكر الشارع حكماً وعقبه أمراً مصدَّراً بالفاء كان ذلك إيماءً إلى أن ثبوت الحكم لأجله. نظيره الهرة ليست بنجسة، فإنها من الطّافين عليكم والطوّافات. وقال الشافعي: كانوا يستجمرون وبلادهم حارَّة، فربما عرق أحدهم إذا نام، فيحتمل أن تطوف يده على المحل أو على بشرة أو دم حيوان أو قذر أو غير ذلك. وذكر غير واحد أن ((باتت)) في هذا الحديث، بمعنى صارت، منهم ابن عصفور كذا في التنوير. (٤) أي: لا يدري تعيين الموضع الذي باتت يده فيه، فلعلها أصابتها نجاسة . (٥) زاد ابن خزيمة والدارقطني ((منه))، أي: من جسده. ١٩١ قال محمد: هذا(١) حَسَن(٢)، وهكذا ينبغي أن يفعَلَ(٣) وليس من الأمر الواجب الذي إنْ تركه تاركٌ أَثِم (٤)، (١) قوله: هذا حسن، أي: تقديم غسل اليدين قبل إدخالهما الإِناء عند الاستيقاظ على ما دلَّ عليه الحديث(١). (٢) أي: مستحسن. (٣) قوله: وهكذا ينبغي أن يفعل، إشارة إلى أن الأمر محمول على الندب كما صرَّح به، بقوله: وليس من الأمر الواجب، ولذا روى سعيد بن منصور في ((سننه))، عن ابن عمر: أنه أدخل يده في الإناء قبل أن يغسل. وروى ابن أبي شيبة، عن البراء: أنه أدخل يده في المطهرة قبل أن يغسلها. وروى عن الشّعبي: كان أصحاب رسول الله ◌َ يُدخلون أيدِيَهم في الماء قبل أن يغسلوها. وهذا عند عدم تيقّن النجاسة على يده وظنها، وأما عند ذلك، فلا يجوز إدخال اليد قبل الغسل لئلا يتنجَّس الماء. (٤) قوله: الذي إن تركه تاركٌ أثم، قد زعم بعض من في عصرنا بأن الإِثم منوط بترك الواجب وما فوقه، ولا يلحق الإِثم بترك السنَّة المؤكَّدة، واغترَّ بهذه العبارة وأمثالها، وليس كذلك فقد صرَّح الأصوليّون كما في ((كشف أصول البزدوي)» وغيره أن تارك السنّة المؤكَّدة يلحقه إثم دون إثم تارك الواجب، وصرَّح صاحب ((التلويح)) وغيره بأن ترك السنّة قريب من الحرام. وهذا هو الصحيح لما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أنس، ومسلم من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((من رغب عن سنتي فليس مني))، وأخرج الطبراني في ((المعجم الكبير)) وابن حبّان والحاكم، عن عائشة، قالت: قال رسول الله وَله: ((ستّة لعنتهم: الزائد في كتاب الله، والمكذِّب بقدر الله، والمتسلِّط على أمتي بالجَبَرُوت ليُذلَّ من أعزَّه الله ويعزَّ من أذلَّه الله، والمستحِلّ لحرم الله، والمستحلٌ من عِتْرتي، والتارك لسنّتي))، = (١) وذكر العينيُّ في عمدة القاري (٧٥٥/١ إلى ٧٦١) عشرين فائدة مستنبطة من هذا الحديث. ١٩٢ = وأخرج مسلم، عن ابن مسعود: (من سرَّه أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس حيث يُنادى بهنّ ... الحديث، وفيه: ولو أنَّكم صلَّيتم في بيوتكم كما يُصلِّي هذا الرجل المتخلِّف في بيته لتركتم سنَّة نبيكم، ولو تركتم سنّة نبيكم لَضَلَلْتُم)، وأخرج أبو نعيم في ((حلية الأولياء))، عن معاذ بن جبل: (لا تقل إن لي مصلَّى في بيتي، فأصلّ فيه، فإنكم إن فعلتم ذلك تركتم سنّة نبيكم، ولو تركتم سنّة نبيكم لضللتم). والأخبار المفيدة لهذا المطلب كثيرة شهيرة، وقد سلك ابن الهُمام في ((فتح القدير)) على أن الإِثم منوْط بترك الواجب، وردّه صاحب ((البحر الرائق)) وغيره بأحسن ردّ. إذا عرفت هذا كلّه، فنقول: المراد من الواجب في الكتاب اللازمُ، أعمُّ من أن يكون لزومَ سنّة أو لزومَ وجوب أو لزومَ افتراض، فإن اللزوم مختلف، فلزوم الفرض أعلى، ولزوم الواجب أوسط، ولزوم السنَّة أدنى، وعلى هذا الترتيب ترتيب الإِثم، لا الوجوب الاصطلاحي الذي جعلوه قسيماً للافتراض والاستنان، وحينئذٍ فلا دلالة لكلام محمد على قصر الإِثم على الواجب. أو نقول: بعد تسليم أن المراد بالواجب في كلامه هذا ما يشمل الفرض، والواجب دون السنَّة، إن التنوين في قوله ((تاركٌ)) للتنكير فلا يُستفاد منه، إلّ أن الواجب يَلحق تاركَهُ أَيَّ تاركٍ كان، ولو تركه مرة: إثمٌ، وهو أمر لا ريب فيه، فإن الفرض والواجب يلزم من تركهما ولو مرَّة بشرط أن يكون لغير عذر إثم، ولا كذلك السنَّة، فإنَّه لو تركها (١) مرة أو مرَّتين لا بأس به، لكن إن اعتاد ذلك أو جعل الفعل وعدمَه متساويَيْن أَثِم كما صرَّح به في ((شرح تحرير الأصول)) لابن أمير الحاج. فلا يفيد حينئذٍ كلامُه إلّ قصْرَ الإِثم على سبيل العموم والإِطلاق على الواجب لا قصر مطلق الإِثم عليه. (١) في الأصل: ((تركه))، والظاهر: ((تركها)). = ١٩٣ وهو (١) قول أبي حنيفة رحمه الله . ٤ - (باب الوضوء(٢) في الاستنجاء) ١٠ - أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى (٣) بنُ محمد بن طَحلاء(٤)، عن عثمانَ بنِ عبد الرحمن أن أباه(٥) أخبره: أنه سمع عمرَ بنَ الخطاب(٦) أو نقول: المراد بالإِثم مقابل الملامة التي تلزم بترك السنَّة المؤكَّدة، فلا يفيد = كلامُه حينئذٍ إلَّا قصر الإِثم العظيم على الواجب لا مطلق الإِثم. وهذا كلُّه إذا سُلِّم دلالة كلامه على القصر، وإلّ فالافتراض(١) ساقط من أصله، وقد استدلَّ من لم يوجب بترك السنَّة إثماً بأحاديث لا تفيد مدَّعاه عند الماهر، ولولا خشيةُ التطويل لطوَّلتُ الكلام في ما له وما عليه. (١) أي: كونه حسناً لا واجباً. (٢) قوله: الوضوء، بالفتح قد يُراد به غسل بعض الأعضاء، من الوضاءة وهي الحسن، كذا في ((النهاية)) وهو المراد ها هنا، والمقصود به غسل موضع الاستنجاء بالماء. (٣) قوله: يحيى .. إلخ، هو يحيى بن محمد بن طَحلاء المدني التيمي روى عن أبيه وعثمان، وعنه مالك والدَّراوردي وآخرون، ذكره ابن حبّان في ثقات التابعين، كذا ذكره الزرقاني. (٤) بفتح الطاء ممدوداً. (٥) قوله: أن أباه، هو عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي المدني، صحابي قتل مع ابن الزبير، وابنه عثمان من الخامسة ثقة، كذا في ((التقريب)). (٦) قوله: عمر بن الخطاب، هو أبو حفص عمر بن الخطاب العَدَويّ : (١) في الأصل: ((فالاغترار))، وهو تحريف، والصواب: ((فالافتراض)). ١٩٤ رضي الله عنه يتوضّأ(١)(٢) وضوءً(٣) لما تحت إزاره(٤). قال محمد: وبهذا نأخذ والاستنجاء بالماء أحبُّ(٥) إلينا من غيره (٦)، = القُرشي أحد العشرة، وأحد الخلفاء الراشدين الملقّب بالفاروق، أسلم سنة ست من النبوة، وقيل سنة خمس، وظهر الإِسلام بإسلامه، قال ابن مسعود: والله إني لأحسب لو أن علم عمر وُضع في كفة الميزان ووُضع علم سائر أهل الأرض في كفة لرّجِّح علم عمر. له فضائل كثيرة، استشهد في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين. كذا في ((أسماء رجال المشكاة))، لصاحب المشكاة. (١) أي: يتطهّر. (٢) قوله: يتوضأ، أدخل مالك هذا الحديث في ((الموطأ)) ردّاً على من قال: إن عمر كان لا يستنجي بالماء، وإنما كان استنجاؤه وسائر المهاجرين بالأحجار، وذَكَرَ قول سعيد بن المسيّب في الاستنجاء بالماء: إنما ذلك وضوء النساء، وذَكَرَ أبو بكر بن أبي شيبة: نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همّام، عن حذيفة: أنه سئل عن الاستنجاء بالماء؟ فقال: إذاً لا يزال في يدي نتن. وهو مذهب معروف عن المهاجرين. وأما الأنصار، فالمشهور عنهم أنهم كانوا يتوضَّأون بالماء، ومنهم من كان يجمع بين الطهارتين، فيستنجي بالأحجار ثم يُتبع بالماء، كذا في ((الاستذكار)). (٣) زاد يحيى ((بالماء)). (٤) كناية عن موضع الاستنجاء، أي: إنه بالماء أفضل منه بالحجر. (٥) والجمع بينهما أفضل إجماعاً خلافاً للشيعة حيث لم يكتفوا بغير الماء. (٦) قوله: من غيره، أي من الاكتفاء بالأحجار خلافاً للبعض أخذاً مما أخرجه ابن أبي شيبة عن حذيفة أنه سئل عن الاستنجاء بالماء؟ فقال: إذن لا يَزال ١٩٥ -- وهو (١) قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى. = في يدي نتن. وعن نافع أن ابن عمر كان لا يستنجي بالماء. وعن ابن الزبير: ما كنا نفعله . ووجه كون الاستنجاء بالماء أفضل كونه أكمل في التطهير، وثبوته عن النبي ◌َّ، ففي صحيح البخاري عن أنس: كان رسول الله وهل﴿ إذا خرج لحاجته أجيء أنا وغلام معنا إداوة من ماء يعني يستنجي به. وللبخاري أيضاً عن أنس: كان ﴿ إذا تَبَرَّزَ لحاجته أتيتُه بماء فيغسل به. ولابن خزيمة عن جرير: أنه مُّ دخل الغيضة فقضى حاجته فأتاه جرير بإداوة، فاستنجى بها. وللترمذي عن عائشة قال: مُرْن أزواجَكُنَّ أن يغسلوا أثر البول والغائط: فإن النبي ◌َ ﴿ كان يفعله. ولابن حبان من حديث عائشة: ما رأيت رسول الله و ﴿ خرج من غائط قطّ إلّ استنجى من ماء. وبهذه الأحاديث يُرَدّ على من أنكر وقوع الاستنجاء بالماء من النبي وَ رَ، كذا في «فتح الباري)» و «إرشاد الساري)). وأما الجمع بين الماء والحجر فهو أفضل الأحوال، وفيه نزلت ﴿فيه﴾ أي في مسجد قُبا ﴿رجالٌ يُحبون أن يتطهَّروا﴾. وكان أهل قُبا يجمعون بينهما. أخرجه ابن خزيمة والبزار وغيرهما. وقد سقت الأخبار فيه في رسالتي ((مذيلة الدراية المقدمة الهداية)) والمعلوم من الأحاديث المرويَّة في الصحاح أن الجمع كان غالب أحواله ﴾. وهذا كله في الاستنجاء من الغائط، وأما الاستنجاء من البول فلم نعلم فيه خبراً يدل على الإِنقاء بالحجر إلاّ ما يُحكى عن عمر أنه بال ومسح ذكَرَه على التراب، وقد فصَّلته في رسالتي المذكورة. (١) أي كونه أحبّ. ١٩٦ كبساط ٥ - (باب الوضوء من مسِّ الذَّكَر) ١١ - أخبرنا مالك، حدثنا إسماعيل(١) بنُ محمد بنِ سعد بنِ أبي وقّاص، عن مصعبٍ(٢) بنِ سعد(٣) قال: كنتُ أُمسكُ (٤)(٥) (١) قال ابن معين: ثقة حجة مات سنة ١٣٤ هـ ، كذا قال السيوطي. (٢) قوله: عن مصعب بن سعد، هو مصعب بن سعد بن أبي وقّاص الزهري أبو زرارة المدني، ثقة مات سنة ١٠٣ هـ، وأبوه سعد بن أبي وقّاص مالكِ بنِ وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب الزهري أبو إسحاق أحد العشرة المبشّرة بالجنة، مناقبه كثيرة، وهو آخر العشرة وفاة، مات على المشهور سنة ٥٥هـ. وابن ابنه إسماعيل بن محمد بن سعد أبو محمد المدني ثقة حجة من التابعين، مات سنة ١٣٤هـ، كذا في ((تقريب التهذيب)). (٣) ابن أبي وقّاص. (٤) أي آخذه. (٥) قوله: قال كنت أمسك ... إلخ، هذا الأثر أخرجه الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) عن أبي بكرة، عن أبي داود، ثنا شعبة، عن الحكم قال: سمعت مصعب بن سعد بن أبي وقّاص يقول: كنتُ أمسكُ المصحف على أبي فمسست فرجي فأمرني أن أتوضأ. ثم روى عن إبراهيم بن مرزوق. نا أبو عامر، نا عبد الله بن جعفر، عن إسماعيل بن محمد، عن مصعب بن سعد: كنت أمسك المصحف على أبي، فاحتككت فأصبت فرجي، فقال: أصبتَ فرجك؟ قلت: نعم، قال: اغمس يَدَك في التراب، ولم يأمرني أن أتوضأ. ثم روى عن خزيمة، نا عبد الله بن رجاء، نازائدة، عن إسماعيل، عن أبي خالد، عن الزبير ابن عدي، عن مصعب بن سعد مثله غير أنه قال: قُم فاغسل يدك، ثم قال الطحاوي: فقد يجوز أن يكون الوضوء الذي رواه الحكم في حديثه عن مصعب هو غسل اليد على ما بيَّنَه عنه الزبير حتى لا تتضادّ الروايتان. ١٩٧ المصحفَ على سعد(١) فاحتككت(٢)، فقال: لعلّكَ مسستَ(٣) ذكَرَكَ، فقلت: نعم، قال: قم فتوضّاً (٤)، قال: فقمتُ فتوضَّأتُ(٥) ثم رجعت. ١٢ - أخبرنا مالك، أخبرني ابنُ شهاب، عن سالم (٦) بنِ عبد الله(٧)، عن أبيه(٨) أنه كان يغتسِلُ ثم يتوضّأ، (١) أي لأجله حال قراءته. (٢) أي تحت إزاري. (٣) بكسر السين الأولى وفتحها أي لمست بكف يَدِك. (٤) لأنه لا يمس القرآن إلا طاهر. (٥) قوله: فتوضأت، يحتمل أن يُراد به الوضوء اللغوي دفعاً لشبهة ملاقاة النجاسة، قاله القاري وهو مستبعد. (٦) قوله: عن سالم، هو سالم بن عبد الله بن عمر أبو عمرو، أو أبو عبد الله، المدني الفقيه، قال مالك: لم يكن أحد في زمانه أشبه بمن مضى من الصالحين في الزهد والفضل منه، وقال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه: أصح الأسانيد ابن شهاب الزهري عن سالم، عن أبيه، وقال العِجْلي: مدني تابعي ثقة، مات سنة ١٠٦ هـ على الأصح. وأبوه عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نُفَيل القرشي أبو عبد الرحمن، أسلم قديماً وهو صغير وهاجر مع أبيه، وشهد الخندق والمشاهدَ كلَّها، وسمّاه رسول الله وَر بالعبد الصالح، وله مناقب جمَّة، مات سنة ٧٣هـ وقيل ٧٤هـ، كذا في ((تهذيب التهذيب)) للحافظ ابن حجر. (٧) ابن عمر. (٨) قوله: عن أبيه، هذا الأثر يكشف أن ابن عمر كان يرى الوضوء من مسّ الذكر، ويشيده ما رواه مالك في ((الموطأ)) عن نافع، عن سالم قال: كنت مع = ١٩٨ . دهـ فقال(١) له: أما يُجْزِيك الغُسلُ من الوضوء(٢)؟ قال: بلى(٣) = ابن عمر في سفر فرأيته بعد أن طَلَّعَتْ الشمس توضَّأ ثم صلَّى، فقلت له: إن هذه الصلاة ما كنت تصليها، قال: إني بعد أن توضأت لصلاة الصبح مسست فرجي، ثم نسيت أن أتوضأ، فتوضأت وعدتُ لصلاتي. وقال الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)): لم نعلم أحداً من أصحاب رسول الله وَلر أفتى بالوضوء منه غير ابن عمر، وقد خالفه في ذلك أكثر الصحابة. انتهى. أقول: ليس كذلك فقد علمنا أن جمعاً من الصحابة أفتى بمثله، منهم عمر بن الخطاب، وأبو هريرة على اختلافٍ عنه، وزيد بن خالد الجُهَني، والبراء بن عازب، وجابر بن عبد الله، وسعد بن أبي وقّاص في رواية أهل المدينة عنه، كذا في ((الاستذكار)) وفيه أيضاً: ذهب إليه من التابعين سعيد بن المسيّب في رواية عبد الرحمن بن حرملة رواه عنه ابن أبي ذئب وحاتم بن إسماعيل، عن عبد الرحمن عنه: أن الوضوء واجب على من مسَّ ذكَرَه. وروى ابن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن سعيد بن المسيب: أنه كان لا يتوضأ منه. وهذا أصح عندي من حديث ابن حرملة، لأنه ليس بالحافظ عندهم كثيراً. وكان عطاء بن أبي رباح، وطاووس، وعروة بن الزبير، وسليمان بن يسار، وأبان بن عثمان، ومجاهد، ومكحول، والشَّعبي، وجابر بن زيد، والحسن، وعكرمة، وجماعة من أهل الشام والمغرب كانوا يَرَوْن الوضوء من مسَّ الذكر وبه قال الأوزاعي والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق، واضطرب قول مالك، والذي تقرَّر عنه عند أهل المغرب من أصحابه أنَّ مَن مَسِّ ذَكَرَه أمره بالوضوء ما لم يصلُّ، فإن صلى أمره بالإِعادة في الوقت فإن خرج فلا إعادة عليه. انتهى. (١) أي ابنه سالم. (٢) أي أما يكفيك لا سيما مع سبق الوضوء الذي هو السنة. (٣) أي يجزي . ١٩٩ ولكني أحياناً(١) أَمَسُ ذكري فأتوضّأ(٢). ٠ قال محمد: لا وضوءَ في مسِّ الذكر(٣) وهو (٤) قول أبي حنيفة (٥)، وفي ذلك آثار(٦) كثيرة. ١٣ - قال محمد: أخبرنا أيّوب (٧) بن عُتبة التّيْميّ قاضي (١) أي في بعض الأوقات بعد الغسل. (٢) لا لأن الغسل لا يُجزي . (٣) أي لا يجب، نعم يُستحب اعتباراً لموضع الخلاف. (٤) أي عدم الوضوء. (٥) قوله: قول أبي حنيفة، وإليه ذهب أصحابه وجمهور علماء العراق، ورُوي ذلك عن عليّ وعبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان وعبد الله بن عباس وأبي الدرداء وعمران بن حصين، لم يُختلف عنهم في ذلك، واختلف في ذلك عن أبي هريرة وسعد، وبه قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن وسفيان الثوري وشَريك والحسن بن صالح بن حَيّ، كذا في الاستذكار. وفي جعله ابنَ عباس ممن لم يُختلف عنه نظر، فقد روى الطحاوي عن سليمان بن شعيب، نا عبد الرحمن بن زياد، نا شعبة، عن قتادة: كان ابن مسعود وابن عباس يقولان: في الرجل يمسّ ذكره يتوضَّأ، فقلت لقتادة: عمَّن هذا؟ قال: عن عطاء بن أبي رباح. ثم روى بإسناده عن ابن عباس: أنه كان لا يرى الوضوء منه. فثبت الاختلاف عنه. وروى الطحاوي عن سعيد بن المسيب والحسن البصري أيضاً أنهما كانا لا يريان الوضوء. (٦) المراد بالأثر أعمّ من المرفوع والموقوف كما مرّ. (٧) قوله: أيوب، هو أيوب بن عُتبة - بضم العين - أبو يحيى قاضي اليمامة من بني قيس بن ثعلبة، مختلف في توثيقه وتضعيفه، قال ابن حجر في = ٢٠٠