النص المفهرس

صفحات 41-60

ومما أذكره مثالاً لهذه السِّمَةِ الساميةِ في كتبه: الكتابُ الكبيرُ الذي سمَّاه «ظفر
الأماني في شرح مختصر السيد الجُرجاني»، في علم المصطلح الحديثي ومن أكبر
ما أُلَّف فيه، فقد هالني حين حققته واعتنيتُ به لطبعه كثرةُ النقول فيه من مصادر بعيدة
متباينة المواضيع والعلوم.
فتراه ينقل الجملة والجملتين، والكلمةً والكلمتين، ثم يُعَرِّجُ على كتاب آخر فينقل
منه الصفحة أو نصفَها أو مثيلها، ثم ينتقل إلى كتاب آخر لا يُظَنُّ ولا يَرِدُ إلى الذهن أن
يكون فيه الجملةُ التي يلتقطها منه، وتكون هي في موضعها الذي أثبتها فيه كحجرة
الخاتم الثمينة في الخاتم النفيس.
فللَّه دَرُّه ما أعلمَهُ بالنصوص ومظانها وغيرٍ مظانها، وما أصبرَهُ على نقلها وأنقَدَه
لاختيارها، والكتبُ أغلبها لديه مخطوطة!
وإذا كان هذا شأنَّه في الكتاب الكبير الضخم فلا يستغرب أن يكون هكذا شأنُه
أيضاً في الكتب الصغيرة والرسائل اللطيفة، كرسالته: ((تحفة الأخيار بإحياء سنة سيد
الأبرار))، وهي من آخر ما اعتنيت بخدمته وتقديمه للطبع، فهذه الرسالةُ على لطافتها
حجماً، نَقَل فيها من مصادر مخطوطة ما سمعتُ بأسماءِ كثيرٍ منها فضلاً عن رؤيتها، في
الفقه الحنفي وفي غيره، فقد كان لديه مكتبة عامرة جامعة، تستجيبُ لكل علم يريدُ
تحقیقهُ والتأليف فيه.
فهذا الرجل إمامٌ في العلم، وإمام في كثرة التآليف المفيدة المتقنة، مع قِصَر
العمر، فقد عاش تسعاً وثلاثين سنة وأربعة أشهر، وخلَّفَ أكثر من خمسة عشر ومئةٍ كتاب
ورسالة، في مواضيع شتى في المنقول والمعقول، شرحاً أو تحشيةً أو تأليفاً مبتكراً
مستأنفاً.
ولو حُسِبَتْ أيامُ حياته، وقُسَّمَتْ على صفحات مؤلفاته، لأتت بالمدهش العجاب،
من وفرة ما يصنّفُه كلَّ يوم، فأين وقتُ المطالعة والتفكير والنسخ والتسويد والتبييض إن
كان لديه تسويد، والأكل والشرب والنوم والأسفار عنده؟
ولكنَّ هناك أناساً آتاهم الله تعالى المواهبَ النادرة الفَذَّة، والقدرةَ العجيبة الباهرة
على احتواء العلم، وتحقيقه، وتدوينه عَذْباً مُضيئاً وَضِيئاً، من شعاع الخاطر إلى رأس
٤١

القلم، دون تركُّد أو تعثُّر، أو وهنٍ ذهنٍ أو عبارة أو تكدُّر، أو فُتورٍ بيان، فأنفاسُهم
وخواطرهم تحمِلُ العلم مستقيماً، وأقلامُهم تستقبله كذلك، فَيَخرجُ عَسَلًا مصفَّى، وتأليفاً
قويماً، ذلك فضلُ الله يؤتيه من يشاء، والإِمام اللَّكْنَويُّ الشابُّ منهم، جزاهم الله عن
العلم والدين والمسلمين خير الجزاء.
أهميةُ طبع كتاب التعليق الممجد:
هذا الكتاب العظيم والشرح الجليل أحَدُّ الكتب الكبار التي ألَّفها الإِمامُ عبد الحيّ
اللَّكنويّ، من كتبه الكثيرة البالغة ١١٥ كتاب، وقد بدأ بتأليفه أواخر سنه ١٢٩٢، وكانت
سنه ٢٧ سنة، ثم اعترضَتْهُ أسفار وأعراض وأشغال، فأتمَّ تأليفَه في شعبانِ سنة ١٢٩٥ .
فهي موهبة عجيبة، وقُدرة غريبة، أن يتسنم كتابَ الموطأ شابٌّ هنديُّ اللغةِ والدارِ
في هذه السن، وقد ضمَّنه زاهي علمه وأرقى معرفته في الحديث الشريف وعلومه، وفي
الفقه الحنفي والمذاهب الأخرى وسائر ما يتصل بذلك من العلوم من بعيد أو من قريب،
فجاء هذا الكتاب درة فريدة من درر العلم، وجوهرةً نفيسة من أنفس الجواهر.
وسيجدُ القارىءُ المطالع فيه المزايا التي تميَّز بها الإِمامُ اللكنوي وأشرتُ إليها
قريباً، وسيُدهَشُ من قُوَّةِ ملكته ناصيةَ التحقيق والتدقيق، والضبطِ والإِتقان، ومناقشة
المذاهب والآراء، والترجيح والتضعيف، والتجرُّد والإِنصاف، دُونَ ليِّ للنصوصِ
ولا اعتساف.
هذا الكتاب النفيس طبع أكثر من خمس مرات في الهند وباكستان، الطباعة الهندية
الحجرية، ذات الحواشي الغواشي! والسطورِ المنمنمة، والعبارات المستديرة على جوانب
الصفحة الثلاث، والعبارات القصيرة المتداخلة بين السطور، لضبط اسم أو كلمة، أو بيان
عطفٍ على معطوف أو إعراب، أو لغة أو رواية، أو اختلاف فيها أو ما إلى ذلك. وبعضُ
هذه العبارات القصيرة كُتَبَتْ تحت السطر على امتداده ومستواه، وبعضها كُتَبَتْ فوق
السطر مقلوبة عليه مع قرب السطور وتداخل الكلمات، كما يراه القارىء المتأمل في
الصورة المأخوذة عن النسخة المطبوعة في هذه التقدمة، فصارت قراءته - مع نفاسة
مضمونه في كل جملةٍ شارحة، أو تعليقةٍ موضِّحة - عسيرةٌ، لا يَصبرُ عليها إلا سادتُنا
ومشايخُنا العلماءُ الهنود والباكستانيون، الذين ألفوا هذه الطريقة في الطباعة الحجرية،
٤٢

وفي تداخل الكلمات في السطور، وإلا أفرادٌ قليلون من العلماء العرب، الذين يستهويهم
التحقيق العلمي والفتوحات الربانية في المطبوعات الهندية، النفيسة المضمون والعلم.
وأمَّا عامَّةُ القراء العرب فما أبعدهم من الصبر على قراءة مثلِ هذا الكتاب، ومن
المطبوعات الهندية القديمة، فلذا حُرم من هذا الكتاب وأمثاله كثيرون من إخواننا العلماء
العرب، وحیلّ بينهم وبين ما يشتهون.
وقد كنتُ منذ ثلاثين سنة نوَّهْتُ بفضل هذا الكتاب ومزاياه، في بعض تعليقاتي
على كتاب ((الرفع والتكميل))، وقلتُ: إنَّ خُلُوَّ مكتبة العالم منه حِرمانٌ كبير، فأخذت هذه
الكلمةُ مأخذَها من عَزائم كثير من العلماء وبعض الجهات العلمية الرسمية، التي اعتادت
نشر الكتب النادرة النفيسة النافعة، فعزمَتْ وزارة الأوقاف في دولة الإمارات العربية
المتحدة على طبعه، واهتمت به، وكلَّفتني بتحقيق دولة مقدمته التي قدَّم بها المؤلف قبل
الدخول في الشرح، والتي تبلغ كتاباً مستقلاً غير صغير، ونسخَتْها وبعثتها إليّ، ثم توقّفَتْ
لبعض الأسباب، فوقف الكتاب كما هو!
ثم عزمَتْ مؤسسة شهيرة كبيرة قديرة من دور النشر، على نشره، ونسخته إلى
منتصفه، وقدَّمَتْه لي وكلَّفتني بتحقيقه والعناية به، وكنتُ حينئذ في ارتباط علمي دراسي
جامعي ومشاغلَ زاحمة! لا يمكنني معها أن أتفرغ له كما أُحب، ليخرج كما يستحق أن
يُخرَج به، فتوقفَ نشرُه أيضاً!
وأخيراً توجهَتْ هِمَّةُ الأخ الفاضل الشيخ الدكتور تقي الدين الَّذْوي، الهنديُّ المنشأ
والدار، العربيُّ المُقام والقرار، إلى نسخه وكتابته والصبر على خدمته بكل دقة وأمانة،
ليخرج إلى القراء بالطباعة الفائقة، والعناية الطيبة، وتنزيل شروحه وتعليقاتِه في منازلها،
وربطها بالألفاظ المتصلة بها، مع الضبط والإتقان.
وكان مما أعانه وشجّعه على ذلك اهتمامُ الأخ الأستاذ محمد علي دولة، ناشِرٍ
الكتب النافعة المختارة المنتقاة، السليمة القويمة، فاستقبل هذا الكتابَ بترحاب واستعداد
كامل لنشره، عملاً بثنائي عليه وحَضِّي على طبعه وإخراجه.
فلهذين الأخوين الأستاذين الفاضلين بعودُ فضلُ إخراج هذا الكتاب العظيم، ولهما
مِنَّةُ على من يقرأه بهذا العرض الرائق القشيب، وهذا الطبع الفصيح الجميل.
٤٣

وإني لأقدم شكري الجزيل لهما على تحقيق هذه الأمنية الغالية، التي كانت في
نفسي، فحقّقَاها على خير ما يُستطاع، جزاهما الله خيراً، وتقبل منهما هذا العمل الصالح
الثمين بإخراج هذا الكتاب وأمثاله. وحينما تتناوَلُهُ أيدي القراء العلماء العرب، سيعرفون
منه نبوغَ العالمِ الشابِّ الهندي عبد الحي اللكنوي، صاحب التصانيف الزائدة على ١١٥
مؤلّف، ومكانتَهُ في صفوف العلماء الكبار والمؤلِّفين المكثرين الأخيار، رحماتُ اللّه تعالى
عليه ورضوانُه العظيم.
و کتبه
عَبد الفتّاح أبو غُدّة
في الرياض يوم الجمعة ٢٧ من صفر سنة ١٤١٢
٤٤
:

هذه صورةُ صفحةٍ من صَفَحات الأصل الذي طُبعَ الكتابُ عنه
لَيُشْهَدَ الفرقُ بين ما كان عليه وما صار إليه
ابن عبد البركل جماعة من العلماء شى
حمن الحافظ ان فرج عبد بن حميدوابن جديد بال عام
فى تقاسيةهم بأسانيد قوية عن ابن عباس ومجاهدً
عطاء وفكرية وقادة وغيروا من وأقوى في الخرج
أحمد بن شيع فى مسنده وابن أبى حاتم عن طريق فارس
البلجيان محمدأبي عن بنا ياسر على الحاضرة العالم
من جاء البيت قيل لى الوث فى الناس أيح قائدي
وإيبلغ سوى علىا ذن على البلاغ فنادى ابراهيم
من بين السماء والأرض أخلاترون الناسن البيوت
عنه وكي فا بأبوه فى أصلاب الرجال١٦- حار الخنساء
من أقصى الرن لعبون ثمن طريق ابن ج حسنباعطاء
التمكين كررة المحاكميد واحد ما فى الدنيا و الآخرة
الاخرى او كررة باعتبار تخالين مختلفين من القيم الفقر
الله المك لميك فذكر}
داءل من أجابه الى اليمن شك في ل بيب قال
فىالمح والضرر والخير والشراواشارة إلى وقوع ا حماه
فى عالم الأرواح والأخر فى عالم الأشباح له
وكان في جسر الهمزة و حو الأكثر الوثن متحمسة
النالن التحليل مشكل تقول النعمة الشّه ي النصب
حكام الطماوى ذكرة فتح البَام
ولذلك لا شريك لك قال كان عبد الله بن عمريزيد فيها لبيك لبيك
منافع - رقم
x
بيك وسعديك والخير بيك والرغبة اليك والعمل قال محمد وبهناء
إلى المنكفالة رائع
أي مساعدة للامك بعد مساعدة وث
ناتجة التلبية فى التلبية الأولى التى مرهى عن النبى صلى الله عليهوسلم
أكن الجسموة تع
وَمْزِدْتَّ خْحُس وهو قولُ إلى حنيفة والعامة من فقهائنا
باب متح تقطع التلبية
أخبرنا مالك خبرنا محمد بن أبى بكر التقفرانه أخبر أنه سأل يش بن
ميلك وهما غاديان إلى عرفة كيف كنت تَّصْبَعون مع رسولالله صلى الله
عليه سلف هذا اليوم خال كان مهل المُهلُ فلا ينكر عليه يكبر المكتِفِلا
يامالك خبرناابن شهاب عن عبد الله بن عمر قال كلّ هـ
تدوكي لنا من يفعلونه فاما نحن فتكبر قال محمد بذلك نافُ أُعلى
اي المئة رائع
التلبية فى الواجية فى ذلك اليوم لاان التكبير لا ينكر على حال من
ونحوه من الاذكار قد
أنهحاجة ان
محلات والتلبية لا ينبغى أن تكون الان صوضعها أخبرنا مالك
افاق مل الخلية وموالاولاد امتح
حه قامسن بإشارة المال تحديد الطبية
الماذرة لمن تحديد الراج لإن: الإدارة عبرولاً
تبع جماعةارادة النهار وك البال
السند فى الغدوم حتى ال وفاة
التلبية فقطوكل النذر ان شر
العلماء أنخذ بهابروكمن صيد ل مار
محلاً بن جل
باب السلبية؟
مخبرنا مالك حد تنتا فع عن عبد الله بن عمرأن تلبية النبى صلى الله
قَالُ سَ لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيكان محمد النعمة لك
الشفقة تمرأجب بالكائن إذا قام به ولزمن ٣وقع
سباً وهوز الماضي حيا عن الرائع على الابتداء والت زودومال
ها. ابن إلا باركء أن تُتعجلت جهاز محذوف تقديره
مت مح الحادى شه قولةالكا بالنصبايضا
«ضياء الصانق الجدع انابن
أن محمد مر النعمية مستقرة لك كذا فى ضياء الساست
الملك الاثنامحمد تعليق العمرة لهذايقال الحمد لله على نعمه
الإجتمالي جناسبر
أو النقل الله ول يديك أتى عمر نكُ
الدنيا والأخرى والاكتفاء بالخر سمع ان
١٩١
غيان الاختباء المادية ح احمر
النبيفردي فى من النبى صلى الله
عليه سلم قال ابن حجرية العدل
الوجوه وأحتى سن كروبماريا
من سعد بن أبى وقاص المزمع
واحدة بعد الرأوع القين قال حياضع على البوليح.
العم المتزيم القصر وتعناء الطلب المسألة إلى٣
شه قول مازوت اشارة الى أنه لا ينقص منه
موجه يتجول بيسكك المارج
الكمية المذكورة المأثورة عن النبى صلى الله عليه سلم
وب مر وكثير من أصحاب المتاخرين ومكلوه بان
صيح التجارى أسند إلى دائ والعياسى عنبالشيشه
قالت لىعن عليكحين كان سوا عده فى المك المهـ
فعال نفذ والمعارج وكتاكتام
رسول المنا فقون كذلك الأمر
الحادى واختاريعد مالزيادة
وقدرها يعار ضه من حديث جابر
أومرة
وتأثيره على فاتورع النسائى ول بن أبية و محمود- إجاباته
الزيادة على التطبية المذكورة من النبي صلى المن عليهم
فار زيت التلبية بك ففى الذ نوب فرق فيت
لا يدافع مركتب عيك اله إلى البيت الدقيقة قسم
+ كابللێا
٤٥
قال كان حربين بعداويزيدالبي الجمعية سوب
فى منهما البديل بالقول بأن حيث

بِسْمِ لُهُالرّمنِالرَّمِ
تَقْدِيْمُ
بقَلمْ سَمَاحَةِ الشَّيْخِ
أَّ الِحَسَنَ عَلَيْ الْحَنِ النَّدُوِيْ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده.
وبعد، فأبدأ هذا التقديم المتواضع لكتاب ((التعليق الممجّد على موطأ الإِمام
محمد)» للإِمام أبي الحَسَنات عبد الحيّ اللَّكْنَوِيّ رحمه الله تعالى، تحقيق وإخراج
أخينا الفاضل فضيلة الشيخ الدكتور تقيّ الدين النَّدْوي، بما قاله حكيمُ الإِسلام
الإِمام أحمد بن عبد الرحيم المعروف بالشيخ وليّ الله الدهلوي (١١١٤ هــ
١١٧٦ هـ) في مقدمة كتابه ((المصفّى شرح الموطأ)) بالفارسية ما معناه بالعربية، قال
- بعدَ ما ذكر حِيرتَه بسبب اختلاف مذاهب الفقهاء وكثرة أحزاب العلماء وتجاذبهم
كلّ واحد عن الآخر إلى جانب - قال رحمه الله:
(أُلهمت الإِشارةَ إلى كتاب ((الموطأ)) تأليف الإِمام الهُمام حجة الإِسلام
مالك بن أنس، وعَظُم ذلك الخاطر رويداً فرويداً، وتيقَنْتُ أنه لا يوجد الآن
كتابٌ ما في الفقه أقوى من موطأ الإمام مالك، لأن الكتب تتفاضل فيما بينها: إما
من جهة فضل المصنف، أو من جهة التزام الصحة، أو من جهة شهرة أحاديث،
أو من جهة القبول لها من عامة المسلمين، أو من جهة حُسن الترتيب واستيعاب
المقاصد المهمة أو نحوها، وهذه الأمور كلها موجودة في الموطأ على وجه الكمال
بالنسبة إلى جميع الكتب الموجودة على وجه الأرض الآن)(١).
ومن كلامه فيه في نفس مقدمة ((المصفى)):
(١) نقلاً من ((تسهيل دراية الموظّأ في كتاب المسوّى شرح الموطّأ))، إخراج دار الكتب
العلمية - بيروت، ص ١٧ - ١٨.
٤٧
1

(لقد انشرح صدري وحصل لي اليقين بأن الموطأ أصح كتاب يوجد على
وجه الأرض بعد كتاب الله، كذلك تيقّنْتُ أن طريق الاجتهاد وتحصيل الفقه (بمعنى
معرفة أحكام الشريعة من أدلتها التفصيلية) مسدود اليوم (على من رام التحقيق) إلاّ
من وجه واحد، وهو أن يجعل المحقّق الموطّأ نصب عينيه ويجتهد في وصل
مراسيله ومعرفة مآخذ أقوال الصحابة والتابعين (بتتُّع كتب أئمة المحدثين)، ثم
يسلك طريق الفقهاء المجتهدين (في المذاهب) من تحديد مفهوم الألفاظ، وتطبيق
الدلائل، وتبيين الركن والشرط والآداب، واستخلاص القواعد الكلية الجامعة
المانعة، ومعرفة عِلَل الأحكام وتعميمها وتحقيقها، وفقاً لعموم العِلّة وخصوصها،
وأمثال ذلك، ويجتهد في فَهْم تعقّبات الإِمام الشافعيّ وغيره (كتعقّبات الإِمام محمد
في موطّئه، وكتاب الحجج)، ثم يجتهد في تطبيق المختلفات أو ترجيح الأحسن
منها، ويتمكَّن من تحصيل اليقين بدلالة الدلائل على تلك المسائل، ويغالب الظن
للرأي لمعرفة أحكام الله تعالى)(١).
أما ما يتصل بمكانة الموطّأ للإِمام محمد رحمه الله تعالى بالنسبة إلى موطّأ
مالك برواية يحيى الأندلسي الليثي المصمودي وهو المتبادر بالموطّأ عند الإطلاق،
وأكبّ عليه العلماء في القديم والحديث بالتدريس والشرح، فحسب القارىء
ما يقوله الإِمام عبدُ الحيّ بن عبد الحليم اللَّكْنَوِيّ صاحب ((التعليق الممجّد)) في
مقدمته لهذا الكتاب:
(له ترجيح على الموطأ برواية يحيى وتفضيل عليه لوجوه مقبولة عند أولي
الأفهام)(٢) .
ثم ذكر هذه الأسباب وتوسَّع في عدِّها وشرحها(٣).
وقد كان الإِمام عبد الحيّ اللَّكْنَوِيّ من أقدر الناس وأجدرهم بالتعليق على
موظّأ الإِمام محمد، لأنه كان يجمع بين الصلة العلمية القوية بالحديث والصلة
العلمية القوية بفقه المذاهب الأربعة، وبصفة خاصة بالمذهب الحنفي، الذي كان
(١) المرجع السابق: ص ٢٩.
(٢) التعليق الممجَّد، ص ٣٥ طبع المطبع المصطفائي ١٢٩٧هـ.
(٣) يُرجع إلى البحث في المقدمة، من ص ٣٥ إلى ص ٤٠.
٤٨

الإِمام محمد من أعلامه البارزين ومؤسِّسيه الأصيلين، فكان بذلك يجمع بين نسب
علميّ معنوي قريب بصاحب الموطّأ إمام دار الهجرة الإِمام مالك بن أنس، ونسب
معنوي علمي كذلك بالإمام محمد بن الحسن تلميذ الإمام مالك وصاحب الإِمام
أبي حنيفة. والنسب العلمي والمعنوي ليس أقلَّ قيمةً ولا أضعف تأثيراً من النسب
الجسدي الظاهر، وبذلك استطاع أن يتغلّب على ما يعتبره كثيرٌ من التناقض،
والجمعَ بين الأضداد. واستطاع أن ينصف كل الإِنصاف لصاحب الكتاب الأول
الإِمام مالك وراويه وناقله الراشد البار الفقيه المجتهد، والمحدث الواعي، الإِمام
محمد. هذا عدا ما اتصف به من اتّساع الأفق العلمي ورحابة الصدر، وسلامة
الفكر، والذكاء النادر. يقول سَمِيُّه العلامة عبد الحيّ ابن فخر الدين الحسني
(م ١٣٤١ هـ)، في كتابه المشهور: ((نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر)) في
ترجمة الإِمام عبد الحيّ اللَّكْنَوي يحكي قوله:
(ومن مِنَحِه أنه جعلني سالكاً بين الإِفراط والتفريط لا تأتي مسألة معركة الآراء
بين يديّ إلَّ أُلهمت الطريق الوسط فيها، ولست ممّن يختار التقليد البَحْت بحيث
لا يترك قول الفقهاء وإنْ خالَفَتْه الأدلة الشرعية، ولا ممن يطعن عليهم ويحقّر الفقه
بالكلّة)(١).
وصاحب كتاب ((نزهة الخواطر)) قد أدرك الإِمامَ عبدَ الحيّ اللَّكْنوي وحضر
مجالسه أكثر من مرة، فشهادته له شهود عيان وانطباع معاصر خبير، يقول:
(كان متبخّراً في العلوم معقولاً ومنقولاً، مطلعاً على دقائق الشرع وغوامضه،
تبحّر في العلوم، وتحرَّى في نقل الأحكام، وحرَّر المسائل وانفرد في الهند بعلم
الفتوى، فسارت بذكره الرُّكبان، بحيث إن كل علماء إقليم يُشيرون إلى جلالته،
وله في الأصول والفروع قوة كاملة وقدرة شاملة، وفضيلة تامة وإحاطة عامة ...
والحاصل أنه كان من عجائب الزمن ومن محاسن الهند، وكان الثناء عليه كلمة
إجماع، والاعتراف بفضله ليس فيه نزاع)(٢).
(١) ((نزهة الخواطر)): ٢٣٥/٨.
(٢) ((نزهة الخواطر)): ٢٣٤/٨ - ٢٣٥.
٤٩

و ((التعليق الممجّد)) للإِمام عبد الحيّ اللكنوي، يمثّل ما وُصف به من الجمع
بين إتقان صناعة الحديث والاطلاع على مراجعه، وبين المعرفة الدقيقة الواسعة
بالمذاهب الفقهية، ثم ما اتّصف به من سعة الصدر مع سعة العلم وإعطاء الحديث
حقَّه من الإِجلال والترجيح، والفقه من التقدير والاهتمام، والخروج من كل ذلك
بکلام متزن مقتصد لا إفراط فيه ولا تفريط.
وقد اتفق لكاتب هذه السطور الاطلاع على هذا الكتاب أيام طلبه لعلم
الحدیث وأيام التدريس، فأعجب بسلامة فكره ورحابة صدره.
وقد كان هذا الكتاب ((التعليق الممجّد)) في حاجة إلى أن يتناوله أحد
المتوفّرين على دراسة الحديث الشريف وتدريسه، بالعناية به تعليقاً وتصحيحاً،
ونشره بالحروف العربية الحديثة حتي تتيسر قراءتُه لمن اعتاد ذلك من العلماء في
العالم العربي، فقد كان كتابُه بالخط الفارسي مطبوعاً كلَّ مرة على الحجر، غير
واضح وغير شائق للمشتغلين بالحديث والفقه من العلماء الشباب والكهول والشيوخ
في الشرق العربي.
وقد وُفِّق لذلك أخونا العزيز فضيلة الشيخ الدكتور تقيّ الدين النَّدْوي أستاذ
الحديث بجامعة الإمارات العربية المتّحدة، وعُني بتصحيح نُسخ الكتاب والتعليق
على مواضع كثيرة من الكتاب، والرجوع إلى المصادر التي نقل منها المؤلف عند
التردد، ووضع الفهرس العام للكتاب، وقام بذلك بعمل علمي جليل وإحياء مأثرة
من مآثر عالمٍ مخلصٍ ربّاني خادمِ العلوم الدينية وناشرها في ربوع الهند، ومؤلّف
كتب يبلغ عددُها إلى مئة وعشرة (١١٠) كتب منها ٨٦ كتاباً بالعربية، فاستحق
بذلك الأخ العزيز الفاضل شكر المقدِّرين لكتاب الموظّأ، والمشتغلين بعلم
الحديث والفقه، وثناء الجميع وتقديرهم، تقبّل الله عمله ونفع به الداني والقاصي.
أبُو الحَسَنِ عَلى الحِسَنِى النَّدْوي
١٥ من ذي الحجة الحرام سنة ١٤٠٩ هـ
دار العلوم ندوة العلماء - الهند
٥٠

مقدم الحقّة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيِّد المرسلين محمد وآله
وأصحابه وأجمعین.
أما بعد، فَيَسُرّ المحقّق ويسعده أن يقدِّم للقراء الكرام كتاب ((التعليق الممجّد
على موطًأ محمد)» للإِمام أبي الحَسَنات عبد الحيّ اللَّكْنَوِي - رحمه الله تعالى
رحمة واسعة - في الطبعة القشيبة المشرقة .
كتاب الموطّأ من أشهر ما دُوِّن في النصف الأول من القرن الثاني، هو تأليف
إمام دار الهجرة - على صاحبها الصلاة والسلام - أبي عبد الله مالك بن أنس بن
مالك بن أبي عامر الأصبحي الحِمْيَري القَحْطاني، أحد أعلام الإِسلام، وأحد
أعيان هذه الأمة، وأحد أركان المِلَّة، وأحد من وُضع له القَبول في الأرض، وأحد
من سلّمت له الأمة الإِمامة في الحديث والفقه معاً.
وكتاب الإِمام أبي عبد الله البخاري ((الجامع الصحيح المسند من أحاديث
رسول الله وَل﴿ه وسُنَنِه وأيامه)) وإنْ كان أصبح أصح كتاب بعد كتاب الله العزيز عند
جمهور العلماء لما له من مزايا في التزام أمور وشروط، وآداب وعادات، في
تخريجه الحديث، وانتقائه ما لم يشاركه فيه أحد من معاصريه، ولا ممن سبقه، مع ذلك
فإن موطّأ الإِمام مالك أصبح قدوة وأسوة للبخاري، ولمن جاء بعده، فهو الذي
انتهج هذا المنهج، وسلك مسلك الانتقاء والاصطفاء، وفتح هذا الباب من الجمع
٥١
:

بين الحديث والفقه، وآثار الصحابة وأقوال التابعين، فللإِمام مالك ولكتابه مِنَّة على
رقاب الأمة جميعاً.
وتهافت على روايته وسماعه عن المؤلف الإِمام محدِّثون وأئمة فقهاء،
وعلماء وملوك، كما لم يتفق لغيره من الكتب ذلك، وقد أفرد له القاضي عياض باباً
في المدارك(١).
واشتهر من رواته جماعة نُسبت إليهم نُسَخ الموطَّأ: منهم الإِمام محمد بن
الحسن الشيباني الكوفي، صاحب الإِمام أبي حنيفة النعمان، والإِمام يحيى بن
يحيى المصمودي الأندلسي، ونسخة يحيى هي المعروفة بين أهل العلم، قد
شرحها جمع من المتقدمين المتأخرين، ومنهم شيخنا المحدِّث الكبير محمد زكريا
الكاندهلوي المتوفّى سنة ١٩٨٢ بالمدينة المنورة، على صاحبها الصلاة والسلام،
وأسمى شرحه ((أوجز المسالك إلى موطأ الإمام مالك)»، طُبع في القاهرة في خمسةً
عَشَرَ مجدداً.
وقد قام باستيفاء من شرحه قديماً وحديثاً من أقدم عهد إلى عهده في الفائدة
العاشرة من الفصل الثاني من مقدمة الكتاب.
وأما نسخة محمد بن الحسن الشيباني، فلم يشرحها إلّ الشيخ بيرى زاده،
والشيخ علي القاري، ثم جاء بعدهما الإِمام عبد الحي اللّكْنَوي، فقام بشرح الكتاب
فکفی وشفی .
والكتاب كان بالخط الفارسي، وطُبع في الهند مراراً طباعة حجرية دقيقة
بحيث لا تكاد تبدو للناظر، وقد كان ذلك من أسباب زهد كثير من فضلاء العرب
في الاستفادة منه، وانصرافهم عنه، وقد طال طلب إخواننا طبْعَ هذا الكتاب على
الحروف الجديدة وفي الحروف العربية وحدها كما ذكر الشيخ عبد الفتّاح أبو غُدَّة
في هامش ((الرفع والتكميل))(٢)، وقد طُبع هذا الكتاب العظيم مرات كثيرة، وكلها
(١) ((ترتيب المدارك)): ١٧٠/٢.
(٢) في ص ٦٥.
٥٢

في الهند، نسأل الله أن ييسِّرلناطبعه في بلادنا، فإن خلوَّ مكتبة العالم منه لَحِرمان
کبیر.
وقد أمرني سماحة الأستاذ الكبير أبو الحسن علي الندوي بتحقيق هذا الكتاب
العظيم، وانتساخ هوامشه ووضعها في محلها، فاشتغلت به متوكلا على الله تعالى.
إن هذا الشرح لموطّأ مالك برواية الإِمام محمد بن حسن الشيباني زينة
الشروح، وصاحبه كان آية من آيات الله في العلم والإِخلاص والتقوى، ﴿واتّقُوا
اللَّهَ وَيُعَلَّمُكُمُ اللَّهُ﴾(١).
هذا ويرى القارىء في الكتاب مسلكَ مالكٍ في السنن، وروحَ أبي حنيفة
في الاستنباط، وعلمَ الشافعي في التأصيل والتفريع، وورع أحمد في الاحتياط.
عملي في هذا الكتاب :
١ - انتسختُ هوامش الكتاب ووضعتها في محلها.
٢ - صحَّحتُ الكتاب وإذا وجدت فيه تحريفاً أو تغايراً ذا بال، نبّهت إليه.
٣ - علَّقتُ على مواضع كثيرة من الكتاب بما يستكمل مقاصده ويزيد فرائده
وفوائده .
٤ - وإذا ترددت في كلمة من الشرح رجعت إلى المصادر التي نقل منها المؤلف،
وتأكّدتُ من صحتها.
٥ - كان المؤلف عليه الرحمة والرضوان - كعادته في أكثر كتبه ــ قد علَّق في
حواشي الكتاب تراجم لكثير ممَّن ذَكَرَهم من العلماء وختمها بقوله: (منه).
فإني وضعت محله (ش) إيذاناً بأنها من المؤلف الشارح.
٦ - وضعت فِهْرِساً عاماً للكتاب.
(١) سورة البقرة: آية ٢٨٢.
٥٣

وفي الختام أسأله تعالى أن يتقبّل منا ومن جميع من ساهم في إخراج هذا
الكتاب، وأن يوفِّقنا لخدمة السُّنّة المطهرة وعلومها، وأن يحسن ختامنا ويرحم
والدينا ومشايخنا وسائر المسلمين، إنه وليُّنا ومولانا، ونعم النصير.
د. تَقِى الدِّينْ النَّذوي
أستاذ الحديث الشريف
بجامعة الإمارات العربية المتحدة
٥٤
٣٠٠

تَرْجِمَة
«العَلامة فَخْالهِنْدعبدالحى اللَّكْنَوي»
الشيخ العالِم الكبير العلامة، عبد الحيّ، بن عبد الحليم، بن أمين الله، بن
محمد أكبر أبي الرحم، بن محمد يعقوب، بن عبد العزيز، بن محمد سعيد، بن
الشيخ الشهيد قطب الدين الأنصاري السهالوي اللَّكْنوي: العالمُ الفاضلُ النحرير،
أفضل من بثُّ العلوم، فأروى كلَّ ظمآن.
وُلد في سنة أربع وستين ومئتين وألف ببلدة باندا، وحفظ القرآن، واشتغل
بالعلم على والده وقرأ عليه الكتب الدرسية معقولاً ومنقولاً، ثم قرأ بعض كتب
الهيئة على خال أبيه المفتي نعمة الله بن نور الله اللكهنوي، وفرغ من التحصيل في
السابع عشر من سنَه، ولازم الدرس والإِفادة ببلدة حيدرآباد مدّةً من الزمان، ووفّقه
الله سبحانه للحجّ والزيارة مرتين: مرة في سنة تسع وسبعين مع والده، ومرة في
سنة ثلاث وتسعين بعد وفاته، وحصلت له الإِجازة عن السيد أحمد بن زيني دحلان
الشافعي، والمفتي محمد بن عبد الله بن حميد الحنبلي بمكة المباركة، وعن الشيخ
محمد بن محمد الغربي الشافعي، والشيخ عبد الغني بن أبي سعيد العمري
الحنفي الدهلوي بالمدينة المنورة، ثم إنه أخذ الرخصة(٢) من الولاة بحيدرآباد وقَنِع
بمئتين وخمسين ربّة بدون شرط الخدمة، وقدم بلدته لكهنوء، فأقام بها مدة عمره،
ودرّس وأفاد وصنّف وذكّر.
وإني حضرت بمجلسه غير مرة، فألفيته صبيح الوجه أسود العينين، نافذ
اللحظ، خفيف العارضين، مسترسل الشعر، ذكيّاً فَطِناً، حادَّ الذهن، عفيف
(١) من ((نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر))، للشيخ السيد عبد الحيّ الحَسَني
(م ١٣٤١ هـ): ٢٣٤/٨.
(٢) أي التقاعد من الوظيفة.
٥٥

النفس، رقيق الجانب، خطيباً مصْقعاً، متبحراً في العلوم معقولاً ومنقولاً، مطّلعاً
على دقائق الشرع وغوامضه، تبحّر في العلوم، وتحرّى في نقل الأحكام، وحرّر
المسائل، وانفرد في الهند بعلم الفتوى، فسارت بذكره الرُّكبان، بحيث إن علماء
کل إقلیم یشیرون إلى جلالته.
وله في الأصول والفروع قوة كاملة، وقدرة شاملة، وفضيلة تامة، وإحاطة
عامّة، وفي حسن التعليم صناعة لا يقدر عليها غيره، وكان إذا اجتمع بأهل العلم
وجرت المباحثة في فنّ من فنون العلم لا يتكلم قط، بل ينظر إليهم ساكتاً،
فيرجعون إليه بعد ذلك، فيتكلم بكلام يقبله الجميع، ويقنع به كل سامع، وكان
هذا دأبه على مرور الأيام، لا يعتريه الطيش والخِفّة في شيء كائناً ما كان.
الحاصل أنه كان من عجائب الزمن، ومن محاسن الهند، وكان الثناء عليه
کلمةَ إجماع، والاعترافُ بفضله ليس فيه نزاع.
وكان على مذهب أبي حنيفة في الفروع والأصول، ولكنّه كان غير متعصِّب
في المذهب، يتبع الدليل، ويترك التقليد إذا وَجد في مسألة نصّاً صريحاً مخالفاً
للمذهب، قال في كتابه ((النافع الكبير)): (ومن مِنَحه - أي منح الله سبحانه - أني
رُزقت التوجُّه إلى فن الحديث وفقه الحديث، ولا أعتمد على مسألة ما لم يوجد
أصلها من حديث أو آية، وما كان خلاف الحديث الصحيح الصريح أتركه، وأظن
المجتهد فيه معذوراً، بل مأجوراً، ولكني لست ممّن يُشوّش العوام الذين هم
كالأنعام، بل أُكلّم الناس على قدر عقولهم ... ). انتهى. وقال بُعْيْدَ ذلك: (ومن
مِنَحه أنه جعلني سالكاً بين الإفراط والتفريط، لا تأتي مسألة معركة الآراء بين يديّ
إلَّا أُلهمت الطريق الوسط فيها، ولست ممن يختار التقليد البحت بحيث لا يترك
قول الفقهاء وإن خالفته الأدلة الشرعية، ولا ممّن يطعن عليهم، ويهجر الفقه
بالكلية). انتهى.
وقال في ((الفوائد البهيّة)) في ترجمة عصام بن يوسف: (ويُعلم أيضاً أن
الحنفي لو ترك في مسألةٍ مذهبَ إمامه بقوة دليل خلافاً لا يخرج به عن ربقة
التقليد، بل هوعين التقليد في صورة ترك التقليد، ألا ترى أن ((عصام بن يوسف))
٥٦

ترك مذهب أبي حنيفة في عدم الرفع، ومع ذلك هو معدود في الحنفية(١). ويؤيِّده
ما حكاه أصحاب الفتاوى المعتمدة من أصحابنا من تقليد أبي يوسف يوماً الشافعيّ
في طهارة القُلُّتَيْن، وإلى الله المشتكى من جهلة زماننا حيث يطعنون على من ترك
تقليد إمامه في مسألة واحدة لقوة دليلها، ويُخرجونه عن مقلَّديه! ولا عجب منهم
فإنهم من العوامّ، إنما العجب ممن يتشبّه بالعلماء، ويمشي مشيهم كالأنعام).
انتھی .
وكان مع تقدّمه في علم الأثر وبصيرته في الفقه له بسطة كثيرة في علم
النسب والأخبار، وفنون الحكمة، وكان ذا عناية تامّة بالمناظرة، يُنِّه كثيراً في
مصنفاته على أغلاط العلماء، ولذلك جرت بينه وبين العلامة عبد الحق بن فضل
حق الخيرآبادي مباحثات في تعليقات حاشية الشيخ غلام يحيى على ((مير زاهد
رسالة))، وكان الشيخ عبد الحق يأنف من مناظرته، ويريد أن لا يُذاع رده عليه .
وكذلك جرت بينه وبين السيد صِدِّيق حسن الحسني القِنَّوْجي فيما ضَبَط
السيد في («إتحاف النبلاء)) وغيره من وَفَيَات الأعلام نقلا عن ((كشف الظنون))
وغيره، وانجرّت إلى ما تأباه الفطرة السليمة، ومع ذلك لمّا توفي الشيخ عبد الحيّ
المترجم له تأسَّف بموته تأسّفاً شديداً، وما أكل الطعام في تلك الليلة، وصلى عليه
صلاة الغَيبة، نظراً إلى سعة اطّلاعه في العلوم والمسائل.
وكذلك جرت بينه وبين العلّامة محمد بشير السَّهْسَواني في مسألة شد الرحل
لزيارة النبي مثل .
ومن مصنفاته رحمه الله تعالى ... (٢).
(١) قال الإِمام وليّ الله الدهلوي - رحمه الله تعالى - في كتابه ((حجة الله البالغة)) (١٢٦/١):
((قيل لعصام بن يوسف رحمه الله: إنك تكثر الخلاف لأبي حنيفة رحمه الله؟ قال: لأن
أبا حنيفة أُوتي من الفهم ما لم نُؤتَ، فأدرك بفهمه ما لم ندرك! ولا يسعنا أن نفتي بقوله
ما لم نفهم».
(٢) سَرَد المؤلف هنا مصنفات الإِمام اللكنوي ويأتي ذكر أكثرها في (ترجمته في هذه المقدمة
بقلمه) سوی أني زدت ما فات ذكرها في ترجمته .
٥٧

وكانت وفاته لليلة بقيت من ربيع الأول سنة أربع وثلاثمئة وألف. ودفن
بمقبرة أسلافه، وكنتُ حاضراً ذلك المشهد، وكان ذلك اليوم من أنحس الأيام،
اجتمع الناس في المدفن من كل طائفة وفرقة أكثر من أن يُحصروا، وقد صلّوا
علیه ثلاث مرات).
=
* في فن الصرف: ١ - تكملة الميزان، ٢ - شرحها.
* وفي فن المنطق والحكمة: ١ - الكلام الوهبي المتعلق بالقطبي، ٢ - حاشية على
شرح تهذيب المنطق لعبد الله اليزدي .
وفي فن المناظرة: ١ - حاشية على شرح الشريفية المشتهر بالرشيدية.
* وفي علم التاريخ: ١ - مقدمة السعاية، ٢ - ومقدمة عمدة الرعاية، ٣ - وإبراز الغَيّ في
شفاء العَيّ، ٤ - وتذكرة الراشد بردّ تبصرة الناقد، ٥ - وطربُ الأماثل بتراجم الأفاضل،
٦ - ورسالة في الرؤيا المنامية التي وقعت لي، ٧ - وفرحة المدرسين بذكر المؤلّفات
والمؤلفين.
* وفي فن الفقه والحديث: ١ - القول الجازم في سقوط الحد بنكاح المحارم
٢ - وتعليقه، ٣ - وردع الإِخوان عمّا أحدثوه في آخر جمعة رمضان، ٤ - وعمدة الرعاية
بحل شرح الوقاية، ٥ - وجمع المواعظ الحسنة لخطب شهور السنة، ٦ - والآيات البينات
على وجود الأنبياء في الطبقات، ٧ - وجمع الغرر في الرد على نَّثْر الدرر، ٨ - ونفع
المفتي والسائل بجمع متفرقات المسائل، ٩ _ والآثار المرفوعة في الأحاديث الموضوعة،
١٠ - وغيث الغمام على حواشي إمام الكلام، ١١ - ومجموعة الفتاوى (ثلاثة مجلدات
كبار)، ١٢ - وحاشية على شرح السيد الجرجاني للسراجية في الفرائض، ١٣ - وحاشية
على الهداية، ١٤ - وظفر الأماني في شرح المختصر المنسوب للجرجاني في المصطلح،
١٥ - والرفع والتكميل في الجرح والتعديل، ١٦ - وتعليق على الجامع الصغير.
* ومن مصنفاته التي لم تتم: منها ١ - خير العمل بذكر تراجم علماء فرنكي محلّ
(لم يتم)، ٢ - والنصيب الأوفر في تراجم علماء المائة الثالثة عشر (لم يتم).
وقال سماحة الشيخ أبو الحسن الندوي في كتابه: ((المسلمون في الهند)) (ص ٤٠): ويبلغ
عدد مؤلفات علامة الهند فخر المتأخرين الشيخ عبد الحيّ اللكنوي (١١٠) منها (٨٦) كتاباً
بالعربية .
٥٨

مقَدَّمَة الشَّارح
الحمد لله الذي اصطفى من عباده رسلاً وأنبياء، وجعل أفضلهم وأكملهم
خاتَمَ الأنبياء، فهدى بهم الأمم الطاغِيّة والفِرَق الباغِيَة، أحمده حمداً كثيراً،
وأشكره شكراً جميلاً على أن اختار لأفضل أنبيائه وزراء ونقباء وخلفاء وأبدالاً
ونجباء، من اقتدى بأحدهم اهتدى، ومن ترك سبيلهم ولم يتمسَّك بسننهم استحق
الحفرة الحامية. أشهد أن لا إله إلّ هو وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله،
صاحبُ المعجزات الباهرة، اللهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه وتَبَعه إلى يوم الآخرة.
وبعد، فيقول عبده الراجي عفوربه(١) القوي، معدن السيئات ومخزن المخالفات
المكنيّ بأبي الحسنات، المدعو بعبد الحيّ اللَّكْنَوِي، ابن مولانا الحاج الحافظ
محمد عبد الحليم، أدخله الله دار النعيم: لا يخفى على أولي الألباب أنّ أفضل
العلوم علمُ السُّنَّة والكتاب، وأن أفضل الأعمال القيام بخدمتها ونشر أسرارهما،
وكثيراً ما كان يختلج في قلبي أن أشرح كتاباً في الحديث وأكشف أسراره بالكشف
الحثيث، باعثاً لرضا نبينا شفيع المذنبين، ورضاه رضا رب العالمين، عسى اللَّهُ أن
يجعلني ببركته من الصالحين، ويحشرني في زمرة المحدِّثين مع الأنبياء
والصدِّيقين. إلاّ أن ضيق باعي قد كان يشّطني عن القيام في هذا المقام إلى أن
أشار إليَّ (٢) بعضُ من أمْرُهُ حتم وإرشاده غنم أن أحشِّيَ موطّأ الإِمام مالك الذي قال
الإِمام الشافعيُّ في حقه: (ما على ظهر الأرض كتابٌ بعد كتاب الله أصحّ من كتاب
مالك)(٣)، وأعلَّقَ عليه حاشية وافية وتعليقات كافية. فتذكّرتُ ما رأيت في المنام في السنة
الثامنة والثمانين والمائتين (٤) بعد الألف من الهجرة - على صاحبها أفضل الصلاة
والتسليم والتحية - كأنّي دخلت في المسجد النبوي بالمدينة الطيبة، فإذا أنا بالإِمام مالك
(١) في الأصل: عفوه القوي ، والظاهر عفو ربه القوي .
(٣) تزيين الممالك: ص ٤٣.
(٢) في الأصل: ((إليه)) والظاهر ((إليَّ))
(٤) في الأصل: ((والمائتين)) ساقطة
٥٩

جالساً فيه، فحضرت عنده، وصافحته، وقلت له: كتابكم ((الموطأ)) لي فيه
اختلاجات وشكوك، أرجو أن أقرأه عليكم لتحل تلك الشكوك، فقال فرحاً
ومسروراً: هات به واقرأه عندي، فقمت من هناك لآتي به من بيتي، فاستيقظتُ،
وحمدت الله على هذه الرؤيا الصالحة، وشكرته. فكأنّ في هذه الرؤيا إشارة من
الإِمام مالك إلى توجُّهي إلى موطئه (١) والاشتغال بدرسه وتدريسه وشرحه.
فلما تذكَّرتُ هذا صمّمت عزمي بتعليق تعليق عليه، وشدَّدت مِئزري لكتابة
حاشية عليه، وكان في بلادنا في أعصارنا من نسخه نسختان متداولَتان: نسخة
يحيى الأندلسي، ونسخة محمد بن الحسن الشيباني من أجلّ تلامذة الإِمام
أبي حنيفة، لا زال مغبوطاً بالفضل الرحماني، فاخترت لتعليق التعليق النسخة
الثانية لوجهين :
أحدهما: أن النسخة الأولى قد شرحها جمع من المتقدمين والمتأخرين،
ونسخة محمد لم يشرحها إلاّ الفاضلان الأكملان بيرى زاده، وعلي القاري فيما
بَلَغَنا، وأنا ثالثهما إن شاء ربنا، فاحتياجها إلى التحشِّي والشرح أكثر ونفعه أكمل وأظهر.
وثانيهما: أن نسخة محمد مرجَّحة على موطّأ يحيى لوجوه سيأتي ذكرها في
المقدّمة، ونافعة غاية النفع لأصحابنا الحنفية خصّهم بالألطاف الخفية.
فشرعت في كتابة تعليق عليه مسمّىَّ (٢) بـ ((التعليق الممحَّد على موطّأ الإِمام
محمد))، في شهر شوال من السنة الحادية والتسعين حين إقامتي بحيدر آباد -
الدكن، صانه الله عن البدع والفتن، وكتبت قريباً من النصف، وبلغت إلى كتاب
الحج، ثم ببركته يسَّر الله لي سفر الحجّ وسافرت في شوال من السنة الثانية
والتسعين إلى الحرمين الشريفين مرة ثانية، رزقنا الله العود إليهما مرة ثالثة، ومرة بعد
مرة إلى أن أُتوفَّى في المدينة الشريفة، ثم رجعت في الربيع الأول من السنة الثالثة
والتسعين إلى الوطن - حُفظ عن شرور الزمن - وابتليت مدة بالأمراض العديدة
التي ابتليت بها في تلك الأماكن الشريفة إلى أن رزقني الله النجاة منها ببركة الأدعية
(١) في الأصل ((بموطئه)) وهو تحريف، والصواب: ((إلى موطئه)).
(٢) في الأصل: ((مسمِّيًا)).
٦٠