النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ (١) - بَابٌ فِي تَفْسِيرِ آيَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ - حديث رقم (٧٥٠٩) جَثَّامة، فمرّ بنا عامر بن الأضبط الأشجعيّ، فسلّم علينا، فحمل عليه مُحَلِّم، فقتله، فلما قَدِمنا على النبيّ ◌َّه، وأخبرناه الخبر، نزل القرآن، فذكر هذه الآية). وأخرجها ابن إسحاق من طريق ابن عمر أتمّ سياقاً من هذا، وزاد أنه كان بين عامر ومحلم عداوة في الجاهلية، وهذه عندي قصة أخرى، ولا مانع أن تنزل الآية في الأمرين معاً (١). قال عطاء: (وَقَرَأَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ: السَّلَامَ) وهي قراءة الأكثرين. قال في ((الفتح)): قوله في آخر الحديث: ((قال: قرأ ابن عباس: السلام)) هو مقول عطاء، وهو موصول بالإسناد المذكور، قال: والسَّلَم، والسلام، والسِّلْم واحد؛ يعني: أن الأول بفتحتين، والثالث بكسر، ثم سكون، فالأول قراءة نافع، وابن عامر، وحمزة، والثاني قراءة الباقين، والثالث قراءة رُويت عن عاصم بن أبي النَّجُود، ورُوي عن عاصم الْجَحْدريّ بفتح، ثم سكون، فأما الثاني فمن التحية، وأما ما عداه فمن الانقياد. انتهى (٢). وقال القرطبيّ تَخُّهُ: قوله: ﴿وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىَ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤] قال: هذه قراءة ابن عباس، وجماعة من القراء، ﴿السَّلَمِ﴾ بألف، يعنون به التحية، وقرأه جماعة آخرون: ﴿السَّلَمَ﴾ بغير ألف، يعنون بذلك: الصلح، والقراءتان في السبع، وقرأ ابن وثّاب: ((السِّلْم)) - بكسر السين، وسكون اللام -، وهي لغة في السَّلْم، الذي هو الصلح. وقوله: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ اُلْحَيَوْةِ الدُّنْيَا﴾ [النساء: ٩٤]؛ أي: تريدون المال، وما يَعْرِض من الأعراض الدنيوية. وقوله: ﴿فَعِندَ اللَّهِ مَغَائِمُ كَثِيرَةٌ﴾ [النساء: ٩٤]؛ أي: إن اتقيتم الله، وكففتم عما ينهاكم عنه سلّمكم، وغنّمكم. وقوله: ﴿كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ﴾ [النساء: ٩٤]؛ أي: قبل الهجرة حين كنتم تُخفون الشهادة، وقيل: من قبل أن تعرفوا الشهادة. وقوله: ﴿فَمَنِبَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٩٤]؛ أي: بالإسلام، وبإعزازكم بمحمد ﴾﴾ . (١) ((الفتح)) ٦٢/١٠ - ٦٣، ((كتاب التفسير)) رقم (٤٥٩١). (٢) ((الفتح)) ٦٢/١٠ - ٦٣، ((كتاب التفسير)) رقم (٤٥٩١). ٤٢٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير وقوله: ﴿فَتَيَُّواْ﴾ [الحجرات: ٦] من البيان، و((تثبّتوا)): من التثبّت، والقراءتان في السبع، وتفيدان وجوب التوقف، والتبيّن عند إرادة الأفعال، إلى أن يتّضح الحقّ، ويرتفع الإشكال. انتهى كلام القرطبيّ كَّتُهُ(١). مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس (المسألة الثانية): في تخريجه: ﴿هَا هذا متفقٌ عليه. أخرجه (المصنّف) هنا [٧٥٠٩/١] (٣٠٢٥)، و(البخاريّ) في ((التفسير)) (٤٥٩١)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣٠٣٠)، و(أبو داود) في ((الحروف والقراءات)) (٣٩٧٤)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٢٦/٦)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥٥٧/٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٢٩/١ و٢٧٢ و٣٢٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١١٥/٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): ذمّ الحرص على الدنيا؛ لأن هؤلاء لم يقتلوا هذا الرجل إلا ليأخذوا غنيمته، ولذلك قال الله رَّ: ﴿يََّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا ضَرَيْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيّنُواْ وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ اُلْحَيَوةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ ﴾ [النساء: ٩٤]. 36 عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوَاْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ٢ - (ومنها): أن في الآية الكريمة دليلاً على أن من أظهر شيئاً من علامات الإسلام لم يحلّ دمه حتى يختبر أمره؛ لأن السلام تحية المسلمين، وكانت تحيتهم في الجاهلية بخلاف ذلك، فكانت هذه علامة. ٣ - (ومنها): أنه على قراءة ((السَّلَمَ)) على اختلاف ضبطه، فالمراد به: الانقياد، وهو علامة الإسلام؛ لأن معنى الإسلام في اللغة: الانقياد. قال الحافظ كَّلُهُ: ولا يلزم من هذا الحكمُ بإسلام من اقتصر على ذلك، وإجراء أحكام المسلمين عليه، بل لا بدّ من التلفظ بالشهادتين على تفاصيل في ذلك بين أهل الكتاب وغيرهم، والله تعالى أعلم (٢). (١) ((المفهم)) ٣٣٧/٧ - ٣٣٨. (٢) ((الفتح)) ١٠/ ٦٣. ٤٢٣ (١) - بَابٌ فِي تَفْسِيرِ آيَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ - حديث رقم (٧٥١٠) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٥١٠] (٣٠٢٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يَقُولُ: كَانَتِ الأَنْصَارُ إِذَا حَجُّوا، فَرَجَعُوا لَمْ يَدْخُلُوا الْبُيُوتَ إِلَّا مِنْ ظُهُورِهَا، قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَدَخَلَ مِنْ بَابِهِ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ◌ُهُورِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيّ الْهَمْدانيّ الكوفيّ [٣]، تقدم في ((المقدمة)) ١١/٣. ٢ - (الْبَرَاءُ) بن عازب بن الحارث بن عديّ الأنصاريّ الأوسيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ﴿ّ، تقدم في ((الإيمان)) ٢٤٤/٣٥. والباقون ذُكروا في الباب. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبيعيّ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ) رضىعنه (يَقُولُ: كَانَتِ الأَنْصَارُ) هذا ظاهر في اختصاص ذلك بالأنصار، لكن في حديث جابر ظنه أن سائر العرب كانوا كذلك، إلا قريشاً، ورواه عبد بن حميد من مرسل قتادة، كما قال البراء، وكذلك أخرجه الطبريّ من مرسل الربيع بن أنس نحوه. (إِذَا حَجُوا) وفي رواية إسرائيل عن أبي إسحاق عند البخاريّ بلفظ: ((إذا أحرموا في الجاهلية)). (فَرَجَعُوا) إلى بلدانهم (لَمْ يَدْخُلُوا الْبُيُوتَ إِلَّا مِنْ ظُهُورِهَا)؛ أي: نقبوا البيت من قِبَل ظهره، فدخلوا فيه. (قَالَ) البراء: (فَجَاءَ رَجُلٌّ مِنَ الأَنْصَارِ) هو قُظْبة - بضم القاف، وإسكان الطاء المهملة، بعدها موحّدة - ابن عامر بن حَدِيدة - بمهملات، وزن كبيرة - الأنصاريّ الخزرجيّ السَّلَميّ، كما أخرجه ابن خزيمة، والحاكم في ((صحيحيهما)) من طريق عمار بن رُزيق(١) (١) بتقديم الراء مصغّراً. ٤٢٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: ((كانت قريش تُدْعَى الْحُمْس، وكانوا يدخلون من الأبواب في الإحرام، وكانت الأنصار، وسائر العرب، لا يدخلون من الأبواب، فبينما رسول الله وم﴿ في بستان، فخرج من بابه، فخرج معه قُطبة بن عامر الأنصاريّ، فقالوا: يا رسول الله إن قطبة رجل فاجر، فإنه خرج معك من الباب، فقال: ما حملك على ذلك؟ فقال: رأيتك فعلته، ففعلت كما فعلت، قال: إني أحمسيّ، قال: فإن ديني دينك، فأنزل الله الآية))، وهذا الإسناد وإن كان على شرط مسلم، لكن اختلف في وصله على الأعمش، عن أبي سفيان، فرواه عبد بن حميد عنه، فلم يذكر جابراً، أخرجه بَقِيّ، وأبو الشيخ في ((تفسيرهما)) من طريقه، وكذا سماه الكلبيّ في ((تفسيره)) عن أبي صالح، عن ابن عباس، وكذا ذكر مقاتل بن سليمان في ((تفسيره). وجزم البغويّ وغيره من المفسرين بأن هذا الرجل يقال له: رفاعة بن تابوت، واعتمدوا في ذلك على ما أخرجه عبد بن حميد، وابن جرير من طريق داود بن أبي هند، عن قيس بن جبير النَّهْشليّ، قال: ((كانوا إذا أحرموا لم يأتوا بيتاً من قِبَل بابه، ولكن من قِبَل ظهره، وكانت الحُمُس تفعله، فدخل رسول الله ﴿ ﴿ حائطاً، فاتّبعه رجل يقال له: رفاعة بن تابوت، ولم يكن من الحمس ... )) فذكر القصة. قال الحافظ: وهذا مرسل، والذي قبله أقوى إسناداً، فيجوز أن يُحْمَل على التعدد في القصة، إلا أن في هذا المرسل نظراً من وجه آخر؛ لأن رفاعة بن تابوت معدود في المنافقين، وهو الذي هَبَّت الريح العظيمة لموته، كما وقع مبهماً في ((صحيح مسلم))، ومفسَّراً في غيره من حديث جابر، فإن لم يُحْمَل على أنهما رجلان توافق اسمهما واسم أبويهما، وإلا فكونه قطبة بن عامر أولى. ويؤيده أن في مرسل الزهريّ عند الطبري: ((فدخل رجل من الأنصار، من بني سَلِمة)) وقطبة من بني سَلِمة، بخلاف رفاعة. ويدلّ على التعدد اختلاف القول في الإنكار على الداخل، فإن في حديث جابر: ((فقالوا: إن قطبة رجل فاجر))، وفي مرسل قيس بن جبير: ((فقالوا: يا رسول الله نافق رفاعة))، لكن ليس بممتنع أن يتعدد القائلون في القصة الواحدة. ٤٢٥ (١) - بَابٌ فِي تَفْسِيرِ آيَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ - حديث رقم (٧٥١٠) وقد وقع في حديث ابن عباس عند ابن جريج أن القصة وقعت أوّل ما قَدِمَ النبيّ بَّرِ المدينة، وفي إسناده ضعف. وفي مرسل الزهريّ أن ذلك وقع في عمرة الحديبية، وفي مرسل السدّيّ عند الطبري أيضاً أن ذلك وقع في حجة الوداع، وكأنه أخذه من قوله: ((كانوا إذا حجوا))، لكن وقع في رواية الطبريّ: ((كانوا إذا أحرموا))، فهذا يتناول الحج والعمرة، والأقرب ما قال الزهريّ. وبيَّن الزهريّ السبب في صنيعهم ذلك، فقال: ((كان ناس من الأنصار إذا أهلّوا بالعمرة، لم يَحُلْ بينهم وبين السماء شيء، فكان الرجل إذا أهلّ، فبدت له حاجة في بيته لم يدخل من الباب، من أجل أن السقف يحول بينه وبين السماء)). [تنبيه]: اتفقت الروايات على نزول الآية في سبب الإحرام، إلا ما أخرجه عبد بن حميد بإسناد صحيح عن الحسن، قال: ((كان الرجل من الجاهلية يَهُمّ بالشيء يصنعه، فيحبس عن ذلك، فلا يأتي بيتاً من قبل بابه، حتى يأتي الذي كان همّ به))، فجعل ذلك من باب الطيرة، وغيره جعل ذلك بسبب الإحرام. وخالفهم محمد بن كعب القُرظيّ، فقال: ((كان الرجل إذا اعتكف لم يدخل منزله من باب البيت)) فنزلت، أخرجه ابن أبي حاتم بإسناد ضعيف. وأغرب الزجاج في ((معانيه))، فجزم بأن سبب نزولها ما رُوي عن الحسن، لكن ما في الصحيح أصحّ، والله أعلم. [تنبيه آخر]: اتفقت الروايات على أن الحمس كانوا لا يفعلون ذلك، بخلاف غيرهم، وعَكَس ذلك مجاهد، فقال: ((كان المشركون إذا أحرم الرجل منهم ثَقَب كُوّةً في ظهر بيته، فدخل منها، فجاء رسول الله رَّ ذات يوم، ومعه رجل من المشركين، فدخل من الباب، وذهب المشرك ليدخل من الكوّة، فقال له رسول الله وَله: ما شأنك؟ فقال: إني أحمسيّ، فقال: وأنا أحمسيّ))، فنزلت، أخرجه الطبريّ، ذكر هذا كلّه في ((الفتح)) (١) . (فَدَخَلَ) ذلك الرجل (مِنْ بَابِهٍ)؛ أي: من باب بيته، (فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ)؛ أي: كلّموه، وعابوه على ما فعل، وتقدّم أنهم قالوا: ((نافق رفاعة))، وفي (١) ((الفتح)) ٤٣/٥ - ٤٥، ((كتاب العمرة)) رقم (١٨٠٣). ٤٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير رواية: ((إن قُطبة رجل فاجر))، (فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ) ردّاً عليهم في إنكارهم، وجعلته من أعمال الجاهليّة، لا من أعمال البرّ. (﴿وَلَيْسَ أَلْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ◌ُهُورِهَا﴾). وقال القرطبيّ تَخُّهُ: إنما كان يفعلون ذلك؛ لأنَّهم كانوا إذا أحرموا يكرهون أن يحول بينهم وبين السماء سقف إلى أن ينقضي إحرامهم، ويَصِلوا إلى منازلهم، فإذا دخلوا منازلهم دخلوها من ظهورها، قاله الزهريّ، يعتقدون أن ذلك من البِرّ والقُرَب، فنفى الله ذلك بقوله: ﴿وَلَيْسَ آلْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ◌ُهُورِهَا﴾، ثم بيّن ما يكون فيه البرّ بقوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ أَنَّفَهُ﴾؛ أي: برّ من اتقى الله، وعَمِل بما أمره الله به من طاعته. انتهى كلام القرطبيّ تَذْتُهُ(١) . مسائل تتعلق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث البراء وص ◌ُبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٥١٠/١] (٣٠٢٦)، و(البخاريّ) في ((العمرة)) (١٨٠٣) و((التفسير)) (٤٥١٢)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٢٩٧/٦ - ٢٩٨)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٧١٧)، و(الطبريّ) في ((تفسيره)) (٣٠٧٥ و٣٠٧٦)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٣٩٤٧)، و(أبو يعلى) في ((مسنده) (٢٧٤/٣)، و(الواحديّ) في ((أسباب النزول)) (ص٣٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٥٪ ٢٦١)، و(الخطيب) في ((تاريخ بغداد)) (٣٢٢/١٣)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان سبب نزول الآية الكريمة. ٢ - (ومنها): ما كان عليه الجاهليّة من المشقّة والتعب في إقامة دينهم الباطل . ٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ نَظُّ: يستفاد من الآية أن الطاعات والقُرَب إنما يُتوصّل إليها بالتوقيف الشرعيّ، والتعريف، لا بالعقل والتخريف، (١) ((المفهم)) ٣٢٠/٧ - ٣٢١. ٤٢٧ (٢) - بَابٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمّ ◌َأَنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ - حديث رقم (٧٥١١) فالبيوت على هذا محمولة على حقائقها، وقد قال بعض العلماء: إن المراد بها إتيان الأمور من وجوهها، وهو بعيد، وأبعدُ من قول من قال: إن المراد بها إتيان النساء في فروجهنّ، لا في أدبارهنّ، والصحيح الأول، وأما القولان الآخران فيؤخذان من موضع آخر، لا من الآية. انتهى(١). ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتْ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . (٢) - (بَابٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمَّ بَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦]) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٥١١] (٣٠٢٧) - (حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّدَفِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: مَا كَانَ بَيْنَ إِسْلَامِنَا وَبَيْنَ أَنْ عَاتَبَنَا اللهُ بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿أَمَّ ◌َأَنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوْ أَنَ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الَِّ﴾ إِلَّا أَرْبَعُ سِنِينَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الصَّدَفِيُّ) أبو موسى المصريّ، من صغار [١٠]، تقدم في ((الإيمان)) ٣٩٣/٧٥. ٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) أبو محمد المصريّ الحافظ [٩]، تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣. ٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم المصريّ [٧]، تقدم فى ((الإيمان)) ١٦/ ١٦٩. ٤ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ) الليثيّ مولاهم، أبو العلاء المصريّ [٦]، تقدم في ((الإيمان)) ٨٧/ ٤٦٢. ٥ - (عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عتبة بن مسعود الهذليّ، أبو عبد الله الكوفيّ [٤]، تقدم في ((المساجد مواضع الصلاة)) ١٣٦١/٢٧. (١) ((المفهم)) ٣٢٠/٧ - ٣٢١. ٤٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير ٦ - (أَبُوهُ) عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذليّ ابن أخي عبد الله بن مسعود، من كبار [٢]، تقدم في ((الطلاق)) ٣٧٢١/٨. ٧ - (ابْنُ مَسْعُودٍ) عبد الله بنظُبه، تقدم في ((المقدمة)) ١١/٣. شرح الحديث: (عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عتبة بن مسعود، وُلد في عهد النبيّ وَّهِ، (أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ) ◌َبه (قَالَ: مَا) نافية، (كَانَ بَيْنَ إِسْلَامِنَا وَبَيْنَ أَنْ عَاتَبَنَا اللهُ بِهَذِهِ الآيَةِ) قال الخليل: العتاب مخاطبة الإدلال، ومذاكرة الموجدة، تقول: عاتبته معاتبة، قال الشاعر [من الطويل]: إِذَا مَا رَابَنِي مِنْهُ اجْتِنَابُ أُعَاتِبُ ذَا الْمَوَدَّةِ مِنْ صَدِيقٍ وَيَبْقَى الْوُدُّ مَا بَقِيَ الْعِتَابُ إِذا ذَهَبَ الْعِتَابُ فَلَيْسَ وُدِّ (﴿أَلَمْ يَأْنِ﴾) ألم يَحِنْ، قال الشاعر [من الطويل]: أَلَمْ يَأْنِ لِي يَا قَلْبُ أَنْ أَتْرُكَ الْجَهْلَا وَأَنْ يُحْدِثَ الشَّيْبُ الْمُنِيرُ لَنَا عَقْلَا وماضيه: أَنَى يَأْنِي، فأمَّا آنَ الممدود فمضارعه يَئين، وأنشد ابن السكيت [من الطويل]: وَأَقْصِمُ عَنْ لَيْلَى بَلَى قَدْ أَنَى لِيَا أَلَمَّا يَئِنْ لِي أَنْ تَجَلَّى عَمَايَتِي فجمع بين اللغتين. وقرأ الحسن: ((ألما يأن)) وأصلها ((ألم)) زيدت ((ما))، فهي نفي لقول القائل: قد كان كذا، و((لم)) نفي لقوله: كان كذا (١). (﴿لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ تَخْشَعَ﴾)؛ أي: تذلّ، وتلين (﴿قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾) وتعظيمه، وقيل: معناه تجزع من خشية الله، وقيل: الذكر هنا القرآن، وفيه بُعْد؛ لأن قوله: ﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ اُلْمِّ﴾ هو القرآن، فيكون تكراراً. وقوله: ﴿فَطَالَ عَهِمُ الْأَمَّدُ﴾ [الحديد: ١٦]؛ أي: رأوا الموت بعيداً؛ يعني: أنهم لطول أملهم لا يرون الموت يقع بهم، ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦]؛ أي: جَفَت، وغلُظت، فلم يفهموا دلالةً، ولا صدّقوا رسالة. ﴿وَكَثِرٌ مِنْهُمْ (١) ((تفسير القرطبي)) ٢٤٨/١٧. ٤٢٩ (٢) - بَابٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْأَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الَّهِ﴾ - حديث رقم (٧٥١١) فَسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٦]؛ أي: خارجون عن مقتضى العقل من التوحيد، وعن مقتضى الرسالة من التصديق، وفائدة هذه الآية أنه لمّا رسخ الإيمان في قلوبهم أرشدهم إلى الازدياد في أحوالهم، والمراقبة في أعمالهم، وحذّرهم عن جفوة أهل الكتاب بأبلغ خطاب، وألطف عتاب(١). (إِلَّا أَرْبَعُ سِنِينَ) قال أبو عبد الله القرطبيّ ◌َخْتُ في ((تفسيره)): رُوي أن المزاح والضحك كَثُر في أصحاب النبيّ وَ ◌ّهُ لَمّا ترفهوا بالمدينة، فنزلت الآية، ولمّا نزلت هذه الآية قال ◌َله: ((إن الله يستبطئكم بالخشوع))، فقالوا عند ذلك: خشعنا. وقال ابن عباس: إن الله استبطأ قلوب المؤمنين، فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن. وقيل: نزلت في المنافقين بعد الهجرة بسنة. وذلك أنهم سألوا سلمان أن يحدثهم بعجائب التوراة، فنزلت: ﴿الَرَ تِلْكَ ﴾ [يوسف: ١] إلى قوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُ عَلَيْكَ أَحْسَنَ اَلْقَصَصِ﴾ ءَايَتُ اَلْكِتَبِ الْمُبِينِ الآية [يوسف: ٣]، فأخبرهم أن هذا القصص أحسن من غيره، وأنفع لهم، فكَفُّوا عن سلمان، ثم سألوه مثل الأول، فنزلت: ﴿أَلَمَّ بَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اَللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الِْ﴾ فعلى هذا التأويل يكون الذين آمنوا في العلانية باللسان. قال السديّ وغيره: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ بالظاهر، وأسرُّوا الكفر، ﴿أَنَ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾. وقيل: نزلت في المؤمنين، قال سعد: قيل: يا رسول الله لو قصصت علينا، فنزل: ﴿نَحْنُ نَقُصُ عَلَيْكَ﴾ فقالوا بعد زمان: لو حدثتنا، فنزل: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ اَلْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣]، فقالوا بعد مدة: لو ذكّرتنا، فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوَاْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْقِّ﴾. ونحوه عن ابن مسعود، قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين، فجعل ينظر بعضنا إلى بعض، ويقول: ما أحْدَثْنا؟ قال الحسن: استبطأهم، وهم أحب خلقه إليه. وقيل: هذا الخطاب لمن آمن بموسى وعيسى دون محمد وَلّ؛ لأنه قال (١) ((المفهم)) ٧ / ٤٠٦ - ٤٠٧. ٤٣٠ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير عقيب هذا: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾؛ أي: ألم يأن للذين آمنوا بالتوراة والإنجيل أن تلين قلوبهم للقرآن، وألا يكونوا كمتقدمي قوم موسى وعيسى ◌ِالشَّالِ إذ طال عليهم الأمد بينهم وبين نبيّهم، فقست قلوبهم(١). مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن مسعود رَّه هذا من أفراد المصنّف رَُّهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٥١١/٢] (٣٠٢٧)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (٦/ ٤٨١)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٦٧/٩)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان سبب نزول الآية الكريمة. ٢ - (ومنها): بيان ذمّ قسوة القلب؛ لأن القلب القاسي أبعد من الله تُعَلَ ، كما قال : مِنْ رَبِّنَا الرَّحِيمِ قَلْبٌ قَاسِ وَإِنَّ أَبْعَدَ قُلُوبِ النَّاسِ ٣ - (ومنها): بيان أن رقّة القلب، وخشوعه من صفات المؤمنين؛ لأن الله تعالى قال: ﴿أَلَمَّ بَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ عتاباً وتوبيخاً؛ لإخلالهم، وبُعدهم عن مقتضى إيمانهم، ففيه أن الذمّ جاءهم ببُعدهم عن صفاتهم التي تليق بهم، والله تعالى أعلم. (٣) - (بَابٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾) [الأعراف: ٣١] وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٥١٢] (٣٠٢٨) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ (ح)، وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِع - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنٍ كُهَيْلِ، عَنْ مُسْلِمِ الْبَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتِ الْمَرْأَّةُ (١) (تفسير القرطبيّ)) ٢٤٩/١٧. ٤٣١ (٣) - بَابٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ - حديث رقم (٧٥١٢) تَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَهِيَ عُرْيَانَةٌ، فَتَقُولُ: مَنْ يُعِيرُنِي تِطْوَاناً، تَجْعَلُهُ عَلَى فَرْجِهَا، وَتَقُولُ: الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ فَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِع) هو: محمد بن أحمد بن نافع العبديّ البصريّ، من صغار [١٠]، تقدم في ( الطهارة)) ١٦/ ٦٠٧. ٢ - (سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ) الحضرميّ، أبو يحيى الكوفيّ [٤]، تقدم في ((الحيض)) ٧٠٤/٥. ٣ - (مُسْلِمٌ الْبَطِينُ) ابن عمران، ويقال: ابن أبي عمران، أبو عبد الله الكوفيّ [٦]، تقدم في ((الجمعة)) ٢٠٣١/٢٠. والباقون ذُكروا في الباب وقبله. شرح الحدیث: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﴿مَا؛ أنه (قَالَ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ)؛ أي: الكعبة (وَهِيَ)؛ أي: والحال أنها (عُرْيَانَةٌ)؛ أي: متعرّية من اللباس، وهي تأنيث عارٍ، قال الفيّوميّ رَّتُهُ: عَرِيَ الرجلُ من ثيابه يَعْرَى، من باب تَعِبَ عُرْياً، وعُرْيَةً، فهو عَارٍ، وعُرْيَانٌ، وامرأة عَارِيَةٌ، وعُرْيَانَةٌ، وقوم عُرَاةٌ، ونساء عَارِيَاتٌ، ويعدى بالهمزة، والتضعيف، فيقال: أَعْرَيْتُهُ من ثيابه، وعَرَّيْتُهُ منها، وفرس عُزْيٌ لا سرج عليه، وُصِفَ بالمصدر، ثم جُعل اسماً، وجُمع، فقيل: خيل أَعْرَاءٌ، مثل قُفْل وأَقْفَال، قالوا: ولا يقال: فرس عُرْيَانٌ، كما لا يقال: رجل عُرْيٌّ، واعْرَوْرَى الرجلُ الدابةَ: ركبها عُرْياً، وعَرِيَ من العيب يَعْرَى، فهو عَرٍ، من باب تَعِب: إذا سَلِم منه، والعَرَاءُ بالمدّ: المكان المتَّسِعُ الذي لا سُترة به. انتهى(١). (فَتَقُولُ) المرأة: (مَنْ) استفهاميّة، استفهام استخبار؛ أي: أيّ شخص (١) ((المصباح المنير)) ٤٠٦/٢. ٤٣٢ البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير (يُعِيرُنِي تِطْوَافاً) بكسر التاء الفوقية: ثوب تلبسه المرأة، تطوف به، (تَجْعَلُهُ عَلَى فَرْچها)؛ أي: تستر به فرجها . وتقدّم لمسلم في ((كتاب الحجّ)) من طريق أبي أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: كانت العرب تطوف بالبيت عراة، إلا الحمس، والحمس: قريش، وما ولدت، كانوا يطوفون عراة، إلا أن تعطيهم الحمس ثياباً، فيعطي الرجال الرجال، والنساء النساء، وكانت الحمس لا يخرجون من المزدلفة، وكان الناس كلهم يبلغون عرفات. وفي غير مسلم: ويقولون: نحن أهل الحَرَم، فلا ينبغي لأحد من العرب أن يطوف إلا في ثيابنا، ولا يأكل إذا دخل أرضنا إلا من طعامنا، فمن لم يكن له من العرب صديق بمكة يُعيره ثوباً، ولا يَسارٌ يستأجره به كان بين أحد أمرين: إما أن يطوف بالبيت عرياناً، وإما أن يطوف في ثيابه، فإِذا فرغ من طوافه ألقى ثوبه عنه، فلم يمسّه أحد، وكان ذلك الثوب يسمى اللَّقَى، حتى قال شاعر العرب [من الطويل]: كَفَى حَزَناً كَرِّي عَلَيْهِ كَأَنَّهُ لَقَّى بَيْنَ أَيْدِي الطَّائِفَيْنَ حَرِيمُ فكانوا على تلك الجهالة، والبدعة، والضلالة، حتى بعث الله نبيّه محمداً وَلَّ، فأنزل الله تعالى: ﴿يَبَنِىّ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَّكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، وأذّن مؤذّن رسول الله وَل﴾ ألا يطوف بالبيت عريان(١). وذكر ابن إسحاق أن قريشاً ابتدعت قَبْل الفيل، أو بعده أن لا يطوف بالبيت أحد، ممن يَقْدَم عليهم من غيرهم أوّل ما يطوف إلا في ثياب أحدهم، فإن لم يجد طاف عرياناً، فإن خالف، وطاف بثيابه ألقاها إذا فرغ، ثم لم ينتفع بها، فجاء الإسلام، فهدم ذلك كله(٢). (وَتَقُولُ)؛ أي: تنشد تلك المرأة، وهي تطوف قائلةً، (الْيَوْمَ)؛ أي: يوم الطواف، وهو منصوب على الظرفية متعلّق بقوله: (يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ)؛ أي: ينكشف كلّ الفرج، أو بعضه، فالضمير يعود للفرج، (وَمَا بَدَا مِنْهُ)؛ أي: ما ظهر من الفرج، (فَلَا أَحِلَّهُ) بضم الهمزة؛ أي: لا أجيز لأحد أن ينظر إليه قصداً. (١) ((المفهم)) ٣٤٦/٧، و((تفسير القرطبيّ)) ١٨٩/٧. (٢) ((الفتح)) ٤ /٢٨٧. ٤٣٣ (٣) - بَابٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ - حديث رقم (٧٥١٢) وحاصل كلامها: أنها كشفت فرجها لضرورة الطواف، لا لإباحة النظر إليه، والاستمتاع به، فليس لأحد أن يفعل ذلك. قَالَ ابن عباسّ ◌َّهَا (فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ)؛ يعني: قوله تعالى: (﴿خُذُواْ زِينَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾) قال أبو عبد الله القرطبيّ تَخْتُ في ((تفسيره)): هو خطاب لجميع العالم، وإن كان المقصود بها من كان يطوف من العرب بالبيت عرياناً، فإنه عامّ في كلّ مسجد؛ لأن العبرة للعموم، لا للسبب. (﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ﴾)؛ أي ما يستر عورتكم، (﴿عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾)؛ أي: عند الصلاة، والطواف، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث ابن عباس ◌ّ هذا من افراد المصنّف ◌َظّمُهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٥١٢/٣] (٣٠٢٨)، و(النسائيّ) في ((المجتبى)) (٢٩٥٧) وفي ((الكبرى)) (٣٩٤٧ و١١١٨٢)، و(ابن خزيمة) في ((صحيحه)) (٤/ ٢٠٨)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٢٣/٢ و٨٨/٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان سبب نزول الآية الكريمة. ٢ - (ومنها): أنه استدلّ بالآية الكريمة على وجوب ستر العورة في الطواف، وبه قال الجمهور، وهو الحقُّ، وخالف في ذلك الحنفيّة، فقالوا: ستر العورة في الطواف ليس بشرط، فمن طاف عرياناً أعاد ما دام بمكة، فإن خرج لزمه دم. ٣ - (ومنها): وجوب ستر العورة في الصلاة، وبه قال الجمهور، وهو الحقُّ، واختلف فيه عن مالك على ثلاثة أقوال: الوجوب مطلقاً، والسُّنّة مطلقاً، والفرق بين العمد، والنسيان، فيجب مع العمد، ولا يجب مع النسيان، والعذر. قاله القرطبيّ. ٤ - (ومنها): بيان ما كانت عليه الجاهليّة من الضلالات، والفسوق، وعدم المبالاة بكشف العورات، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اُلْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾ . ٤٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير (٤) - (بَابٌّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُكْرِهُواْ فَنَتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَُّ أوّلَ الكتاب قال: [٧٥١٣] (٣٠٢٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعاً عَنْ ء أَبِي مُعَاوِيَةَ - وَاللَّفْظُ لأَبِي كُرَيْبٍ - حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنُ سَلُولَ يَقُولُ لِجَارِيَةٍ لَهُ: اذْهَبِي، فَابْغِينَا شَيْئاً، فَأَنْزَلَ اللهُ رَى: ﴿وَلَا تُكْرِهُواْ فَيَتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَضُّنَا لََِّغُواْ عَرَضَ اٌلْخَيَوَةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِهِهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَهِهِنَّ﴾ لَهُنَّ ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣]). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهران، أبو محمد الكوفيّ [٥]، تقدم في ((شرح المقدمة)) ج١ ص٢٩٧. ٢ - (أَبُو سُفْيَانَ) طلحة بن نافع الإسكاف الواسطيّ، نزيل مكة [٤]، تقدم في ((الإيمان)» ١١٧/٤. ٣ - (جَابِرُ) بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ◌َّ، تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤. والباقون ذُكروا في الباب وقبله. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سُفْيَانَ) وقع تصريح الأعمش بالسماع من أبي سفيان، قال الحافظ أبو بكر البزار: حدّثنا عمرو بن عليّ، حدّثنا عليّ بن سعيد، حدّثنا الأعمش، حدّثني أبو سفيان، عن جابر، قال: كان لعبد الله بن أبي بن سلول جارية ... الحديث، صرّح الأعمش بالسماع من أبي سفيان طلحة بن نافع، فدل على بطلان قول من قال: لم يسمع منه، إنما هو صحيفة، حكاه البزار، نقله ابن كثير(١). (عَنْ جَابِرٍ) حَظُه؛ أنه (قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنُ سَلُولَ) برفع ((ابنُ))؛ لأنه (١) ((تفسير ابن كثير)) ٢٨٩/٣. ٤٣٥ (٤) - بَابٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُكْرِهُواْ فَتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ - حديث رقم (٧٥١٣) صفة لـ((عبدُ الله))، لا لأبيّ، وأبيّ والد عبد الله، وسَلُول أمه، ولذا مُنعت من الصرف؛ للعلميّة والتأنيث المعنويّ، ومن القاعدة أن همزة ((ابن)) الثاني تُكتب مع وقوعها بين علمين كالأُولى؛ لأن شرط حذفها كون العَلَم الثاني أباً للأول، كـ((أَبيّ))، وقد تقدّم تحقيق هذا في غير موضع، فلا تنس نصيبك، والله تعالى وليّ التوفيق. (يَقُولُ لِجَارِيَةٍ لَهُ) سيأتي في الرواية الثانية، أنهما أمتان له، يُقَالُ لإحداهما: مُسَيْكَةُ، وَأُخْرَى يُقَالُ لَهَا: أُمَيْمَةُ، وفي بعض الروايات سميت معاذة، فقد أخرج ابن أبي حاتم، عن السّدّيّ، قال: كان لعبد الله بن أبي جارية تدعى معاذة، فكان إذا نزل به ضيف، أرسلها إليه؛ ليواقعها؛ إرادة الثواب منه، والكرامة له، فأقبلت الجارية إلى أبي بكر، فشكت ذلك إليه، فذكره أبو بكر للنبيّ وَّ، فأمره بقبضها، فصاح عبد الله بن أَبَيّ: من يعذرنا من محمد، يغلبنا على مماليكنا، فنزلت الآية. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الزهريّ أن رجلاً من قريش أُسر يوم بدر، وكان عند عبد الله بن أبيّ أسيراً، وكانت لعبد الله بن أبيّ جارية، يقال لها: معاذة، وكان القرشي الأسير يريدها على نفسها، وكانت مسلمة، فكانت تمتنع منه لإسلامها، وكان عبد الله بن أبيّ يُكرهها على ذلك، ويضربها؛ رجاء أن تحمل للقرشيّ، فيطلب فداء ولده، فأنزل الله: ﴿وَلَا تُكْرِهُواْ فَيَتِكُمْ عَلَى الْبِغَِّ﴾(١). (اذْهَبِي، فَابْغِينًا) بقطع الهمزة، ووصلها، يقال: أبغاه الشيءَ: طلبه له، وكَبَغَاه إيّاه، كَرَماه، أو أعانه على طلبه، قاله المجد نَظُّهُ(٢)، فتبيّن بهذا أن بَغَى ثلاثيّاً، وأبغى رباعيّاً يتعديان إلى اثنين، فـ(نا)) هو المفعول الأول، والمفعول الثاني قوله: (شَيْئاً)؛ أي: من أجرة الزنا. (فَأَنْزَلَ اللهُ مَك: ﴿وَلَا تُكْرِفُواْ فَتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدَنَ تَحَضُّنَّا لِبََّغُواْ عَرَضَ الْخَيَوَةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِهِهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَدِهِنَّ﴾ لَهُنَّ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾). قال الإمام ابن جرير ظه في ((تفسيره)): يقول تعالى ذكره: زوّجوا الصالحين من عبادكم وإمائكم، ولا تُكرهوا إماءكم على البغاء، وهو الزنى، إن (١) راجع: ((الدر المنثور)) ١٩٣/٦. (٢) ((القاموس المحيط)) ص ١٢٠. ٤٣٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير أردن تحصناً، يقول: إن أردن تعففاً عن الزنى؛ لتبتغوا عرض الحياة الدنيا، يقول: لتلتمسوا بإكراهكم إياهن على الزنى عرض الحياة، وذلك ما تَعْرِض لهم إليه الحاجة من رياشها، وزينتها، وأموالها، ومن يُكرههن، يقول: ومن يكره فتياته على البغاء، فإن الله من بعد إكراهه إياهنّ على ذلك لهم غفور رحيم، ووزر ما كان من ذلك عليهم دونهن. وذكر أن هذه الآية أُنزلت في عبد الله بن أبيّ ابن سلول حين أكره أمته مُسيكة على الزنى. انتهى (١). وقال ابن كثير دَخَُّهُ: كان أهل الجاهلية إذا كان لأحدهم أمة أرسلها تزني، وجعل عليها ضريبة، يأخذها منها كل وقت، فلما جاء الإسلام نهى الله المؤمنين عن ذلك، وكان سبب نزول هذه الآية الكريمة فيما ذكر غير واحد من المفسرين من السلف، والخلف، في شأن عبد الله بن أبيّ ابن سلول، فإنه كان له إماء، فكان يُكرههنّ على البغاء؛ طلباً لِخَراجهنّ، ورغبة في أولادهن، ورياسة منه فيما يزعم. انتهى(٢). وقال أبو عبد الله القرطبيّ تَخّلُهُ: قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَّحَصُّنًا﴾ راجع إلى الفتيات، وذلك أن الفتاة إذا أرادت التحصن فحينئذ يمكن ويتصور أن يكون السيد مُكرِهاً، ويمكن أن ينهى عن الإكراه. وإذا كانت الفتاة لا تريد التحصن فلا يتصور أن يقال للسيد: لا تكرهها؛ لأن الإكراه لا يتصور فيها وهي مريدة للزنى، فهذا أمر في سادة وفتيات حالهم هذه، وإلى هذا المعنى أشار ابن العربيّ، فقال: إنما ذكر الله تعالى إرادة التحصن من المرأة؛ لأن ذلك هو الذي يصور الإكراه، فأما إذا كانت هي راغبة في الزنى لم يتصور إكراه، فحصّلوه، وذهب هذا النظر عن كثير من المفسرين، فقال بعضهم: قوله: ((إن أردن تحصناً)) راجع إلى الأيامى، قال الزجاج والحسين بن الفضل: في الكلام تقديم وتأخير؛ أي: وأنكحوا الأيامى والصالحين من عبادكم إن أردن تحصناً . وقال بعضهم: هذا الشرط في قول: ((إن أردن)) مُلْغَى، ونحو ذلك مما يضعف، والله الموفق. (١) ((تفسير الطبريّ)) ١٣٢/١٨. (٢) ((تفسير ابن كثير)) ٢٨٩/٣. ٤٣٧ (٤) - بَابٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُكْرِفُواْ فَتِكُمْ عَلَى الْبِغَآءِ﴾ - حديث رقم (٧٥١٣) وقوله: ﴿لِلََّغُواْ عَرَضَ الْحَيَوْقِ الدُّنْيَا﴾؛ أي: الشيء الذي تكسبه الأمة بفرجها، والولد يسترقّ، فيباع. وقيل: كان الزاني يفتدي ولده من المزني بها بمائة من الإبل يدفعها إلى سيدها . وقوله: ﴿وَمَن يُكْرِهِهُنَّ﴾؛ أي: يقهرهن. ﴿فَإِنَّ اللََّ مِنْ بَعْدِ إِكْرَهِهِنَ غَفُورٌ﴾ ((لهن)) ﴿رَّحِيمٌ﴾ بهن، وقرأ ابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وابن جبير: ((لهن غفور)) بزيادة لهنّ. انتهى(١). وقال النوويّ تَخُّْ: قوله: ((لهن غفور رحيم)) هكذا وقع في النسخ كلها: ((لهن غفور رحيم)) وهذا تفسير، ولم يُرَد به أن لفظة ((لهنّ)) منزلة، فإنه لم يقرأ بها أحد، وإنما هي تفسير، وبيان، يريد أن المغفرة والرحمة لهنّ؛ لكونهنّ مكرهات، لا لمن أکرههنّ. وأما قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَضُّنَا﴾ فخرج على الغالب؛ إذ الإكراه إنما هو لمريدة التحصن، أما غيرها فهي تسارع إلى البغاء من غير حاجة إلى الإكراه، والمقصود أن الإكراه على الزنى حرام، سواء أردن تحصناً أم لا، وصورة الإكراه مع أنها لا تريد التحصن أن تكون هي مريدة الزنى بإنسان، فيُكرهها على الزنى بغيره، وكله حرام. انتهى (٢). مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث جابر رّ ◌ُله هذا من أفراد المصنّف ◌َظّتُهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٥١٣/٤ و٧٥١٤] (٣٠٢٩)، و(أبو داود) في (النكاح)) (٢٣١١)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٤١٩/٦)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣١/٤)، و(الطبرانيّ) في ((الأوسط)) (٣٧/٩)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (١٩٩/٤)، و(الطبريّ) في ((تفسيره)) (١٣٢/١٨)، و(الحاكم) في (المستدرك)) (٢٢٩/٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٩/٨)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: (١) ((تفسير القرطبيّ)) ٢٥٥/١٢. (٢) ((شرح النوويّ)) ١٨/ ١٦٣. ٤٣٨ البحر المحيط التجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير ١ - (منها): بيان سبب نزول الآية الكريمة. ٢ - (ومنها): بيان تحريم الزنا، على جميع الناس حُرّهم، وعبدهم. ٣ - (ومنها): بيان أن الإكراه بالزنا يُسقط الحدّ والإثم، وإنما يتحمّل الإثم المكرِه بكسر الراء. ٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه عبد الله بن أبيّ من النفاق، وحبّه للفجور، حيث كان يُكره المسلمة العفيفة عليه، وهذا من جراءته، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغْتُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٥١٤] (.) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ جَارِيَةً لِعَبْدِ الهِ بْنِ أُبَّيِّ ابْنِ سَلُولَ، يُقَالُ لَهَا: مُسَيْكَةُ، وَأُخْرَى يُقَالُ لَهَا: أُمَّيْمَةُ، فَكَانَ يُكْرِهُهُمَا عَلَى الزِّنَى، فَشَكَتَا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ وَِّ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَلَا تُكْرِهُواْ فَتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ) فضيل بن حُسين البصريّ [١٠]، تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٧. ٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد الله الواسطيّ [٧]، تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢. والباقون ذُكروا قبله. وقوله: (يُقَالُ لَهَا: مُسَيْكَةُ، وَأُخْرَى يُقَالُ لَهَا: أُمَيْمَةُ) بتصغير الاسمين، وقال النوويّ: أما مُسيكة فبضم الميم، وقيل: إنهما معاذة وزينب، وقيل: نزلت في ستّ جَوَارٍ له، كان يُكرههنّ على الزنى: مُعاذة، ومُسيكة، وأُميمة، وعمرة، وأَرْوَى، وقُتيلة، والله تعالى أعلم(١) . ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (١) ((شرح النوويّ)) ١٨/ ١٦٣. ٤٣٩ (٥) - بَابٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُوْلَِّكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْنَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ -حديث رقم (٧٥١٥) (٥) - (بابٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أُوْلَكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾﴾ وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َغْتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٥١٥] (٣٠٣٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، فِي قَوْلِهِ رَتْ : ﴿أُوْلَكَ الَّذِيْنَ يَدْعُونَ يَبْنَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧] قَالَ: كَانَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ أَسْلَمُوا، وَكَانُوا يُعْبَدُونَ، فَبَقِيَ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَ عَلَى عِبَادَتِهِمْ، وَقَدْ أَسْلَمَ النَّفَرُ مِنَ الْجِنِّ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ) الأوديّ الكوفيّ [٨]، تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤. ٢ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد النخعيّ الكوفيّ [٥]، تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٢. ٣ - (أَبُو مَعْمَرٍ) عبد الله بن سَخْبَرة الكوفيّ [٢]، تقدم في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص ٤٧٠. ٤ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود نظُه، تقدم في ((المقدمة)) ١١/٣. والباقون ذُكروا قريباً. شرح الحديث: (فِي قَوْلِهِ وَى: ﴿أُوْلَكَ) مبتدأ، وقوله (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود (﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾) صفته، وضمير الصلة محذوف؛ أي: يدعونهم، والمعنى: أن أولئك المدعوّين، وقوله: (﴿يَبْنَغُونَ﴾) خبرٌ، أو حال، والخبر قوله: (الذين يدعون))؛ أي: يدعون الناس إلى عبادته، وقرأ ابن مسعود: ((تدعون)) بالتاء على الخطاب، والباقون بالياء على الخبر، ولا خلاف في ((يبتغون)) أنه بالياء، وقوله: (﴿إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾) متعلّق بـ(يبتغون))؛ أي: يطلبون من الله الزلفة والقربة، ويتضرعون إلى الله تعالى في طلب الجنة، وهي الوسيلة، قال القرطبيّ المفسّر: أعلمهم الله تعالى أن المعبودين يبتغون القربة إلى ربهم، ٤٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير والهاء والميم في (ربهم)) تعود على العابدين، أو على المعبودين، أو عليهم جميعاً، وأما ((يدعون)) فعلى العابدين، و((يبتغون)) على المعبودين. وقوله: (﴿أَيُمْ أَقْرَبُ﴾) مبتدأ وخبره، ويجوز أن يكون ((أيهم أقرب)) بدلاً من الضمير في (يبتغون))، والمعنى: يبتغي أيهم أقرب الوسيلة إلى الله. ﴿وَرْجُونَ رَحْمَتَهُ، وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ، إِنَّ عَذَابَ رَيّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧]؟ أي: مخوفاً لا أمان لأحد منه، فينبغي أن يحذر منه ويخاف. وقال سهل بن عبد الله: الرجاء والخوف زمانان على الإنسان، فإذا استويا استقامت أحواله، وإن رجح أحدهما بطل الآخر. انتهى (١). وقال في ((الفتح)): مفعول ﴿يَدْعُونَ﴾ محذوف، تقديره: أولئك الذين يدعونهم آلهة، يبتغون إلى ربهم الوسيلة، وقرأ ابن مسعود: ((تدعون)) بالمثناة الفوقانية، على أن الخطاب للكفار، وهو واضح. وقوله: ﴿أَيُهُمْ أَقْرَبُ﴾: معناه: يبتغون مَن هو أقرب منهم إلى ربهم، وقال مبتدأ، والخبر ﴿أَقْرَبُ﴾، وهو استفهام في موضع نصب أبو البقاء: بـ﴿ يَدْعُونَ﴾ ويجوز أن يكون بمعنى الذين، وهو بدل من الضمير في ﴿يَدْعُونَ﴾، كذا قال، وكأنه ذهب إلى أن فاعل ﴿يَدْعُونَ﴾، و﴿يَبْنَغُونَ﴾ واحد، والله أعلم (٢). (قَالَ) عبد الله بن مسعود: (كَانَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ أَسْلَمُوا)؛ أي: دخلوا في دين الإسلام، (وَكَانُوا يُعْبَدُونَ) بالبناء للمفعول؛ أي: يعبدهم بعض الناس، (فَبَقِيَ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَ) بالبناء للفاعل، (عَلَى عِبَادَتِهِمْ)؛ أي: عبادة هؤلاء الجنّ، وفي الرواية التالية: ((واستمسك الإنس بعبادتهم))، (وَ)الحال أنه (قَدْ أَسْلَمَ النَّفَرُ مِنَ الْجِنِّ) وفي رواية للبخاريّ: ((فأسلم الجنّ، وتمسّك هؤلاء بدينهم))؛ أي: استمر الإنس الذين كانوا يعبدون الجن على عبادة الجن، والجن لا يرضون بذلك؛ لكونهم أسلموا، وهم الذين صاروا يبتغون إلى ربهم الوسيلة. وروى الطبريّ من وجه آخر عن ابن مسعود، فزاد فيه: ((والإنس الذين (١) ((تفسير القرطبيّ)) ٢٧٩/١٠ - ٢٨٠. (٢) ((الفتح)) ٢٩٨/١٠.