النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
(١) - بَابٌ فِي تَفْسِيرِ آيَاتٍ مُتَفَرَّقَةٍ - حديث رقم (٧٤٩٨)
طريقي، فقالوا: أخبر صاحبك أن الله ريك كفاه القوم))، وأصل هذا الحديث
عند مسلم باختصار. انتهى(١) .
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّنا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٤٩٧/١] (٣٠٢٠)، و(البخاريّ) في ((التفسير))
(٤١٠٣)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٣٧٦/٧)، و(ابن أبي داود) في ((مسند
عائشة)) (٧١/١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٤٢٩/٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان سبب نزول الآية الكريمة.
٢ - (ومنها): بيان ما ابتلى الله به المسلمين من الخوف، والمشقّة،
والجوع، وما زادهم كلّ هذا إلا صبراً، وثباتاً، ويقيناً، كما قال رَك: ﴿وَلَمَّا
رَجَا اُلْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُواْ هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُ، وَمَا زَادَهُمْ إِلَّ
[الأحزاب: ٢٢].
٢٠
إِيمَنَا وَتَسْلِيمًا
٣ - (ومنها): بيان ما انطوى عليه قلوب المنافقين من بغضهم للإسلام
وأهله، ومحبتهم ظهور الكفر وأهله، وبثّهم الرعب والخوف في قلوب
المسلمين، كما أبان الله تعالى عَوَارَهم، وفَضَحهم، حيث قال: ﴿وَإِذْ يَقُولُ
الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضُ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُ: إِلَّا غُرُورًا (﴿ وَإِذْ قَالَت ◌َطَائِفَةٌ
مِنْهُمْ يَكَّأَهْلَ يَثْرِبَ لَا هُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُواْ وَيَسْتَعْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّىَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُوتَنَا عَوْرَةٌ
وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٌ إِن يُرِيدُونَ إِلَّ فِرَارًا (٣) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ الْفِتْنَةَ
[الأحزاب: ١٢ - ١٤].
١٤
لَتَوَّهَا وَمَا تَلَتَّئُواْ بِهَا إِلَّا يَسِيرًا
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َقْذُّهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٩٨] (٣٠٢١) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ
سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةُ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ
(١) ((الفتح)) ٩/ ١٩٤ - ١٩٥.

٤٠٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير
إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨] الآيَةَ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ فِي الْمَرْأَةِ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ، فَتَطُولُ
صُحْبَتُهَا، فَيُرِيدُ طَلَاقَهَا، فَتَقُولُ: لَا تُطَلِّقْنِي، وَأَمْسِكْنِي، وَأَنْتَ فِي حِلُّ مِنِّي،
فَزَّلَتْ هَذِهِ الآيَةُ).
هذا الإسناد هو المذكور قبل ثلاثة أحاديث.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ◌َّا، أنها قالت في قوله رَى: (﴿وَإِنِ أَمْرَأَةُ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا
نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ الآيَةَ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ فِي الْمَرْأَةِ)؛ أي: في شأن المرأة التي
(تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ، فَتَطُولُ صُحْبَتُهَا) له (فَيُرِيدُ طَلَقَهَا) لعدم رغبته فيها، (فَتَقُولُ:
لَا تُطَلِّقْنِي)، وقوله: (وَأَمْسِكْنِي) عطف تفسير لِمَا قبله، (وَأَنْتَ فِي حِلُّ) بكسر
الحاء المهملة، وتشديد اللام، (مِنِّي)؛ تعني: أني أذنت لك أن تتزوج عليّ من
تشاء، (فَنَزَّلَتْ هَذِهِ الآيَةُ) وفي الرواية التالية: ((قَالَتْ: نَزَلَتْ فِي الْمَرْأَةِ تَكُونُ
عِنْدَ الرَّجُلِ، فَلَعَلَّهُ أَنْ لَا يَسْتَكْثِرَ مِنْهَا، وَتَكُونُ لَهَا صُحْبَةٌ، وَوَلَدٌ، فَتَكْرَهُ أَنْ
يُفَارِقَهَا، فَتَقُولُ لَهُ: أَنْتَ فِي حِلِّ مِنْ شَأْنِي)).
قال في ((العمدة)): قوله: ﴿نُشُوزًا﴾ النشوز أصله الارتفاع، فإذا أساء
عِشرتها، ومنعها نفسه، والنفقة فهو نشوز، وقال ابن فارس: نَشَزَ بعلها: إذا
جفاها، وضربها، وقال الزمخشريّ: النشوز أن يتجافى عنها، بأن يمنعها
الرحمة التي بين الرجل والمرأة، وأن يؤذيها بسبّ، أو ضرب، والإعراض أن
يُعرض عنها بأن يُقِلّ محادثتها، ومؤانستها، وذلك لبعض الأسباب، من طعن
في سنّ، أو دَمَامة، أو شيء في خَلْق، أو خُلُق، أو مَلال، أو نحو ذلك.
وقوله: ﴿أَنْ يَصَّالَحا﴾ أصله أن يتصالحا، فأُبدلت التاء صاداً،
وأدغمت الصاد في الصاد، فصار يَصّالحا، وقُرئ: ﴿أَنْ يَصَّلِحا﴾؛ أي: أن
يصطلحا، وأصله يصتلحا، فأُبدلت التاء صاداً، وأُدغمت في الأخرى،
وقرئ: ﴿أَن يُصْلِحَا﴾.
وقوله: ﴿صُلْحًا﴾ [النساء: ١٢٨] في معنى مصدر كل واحد من الأفعال
الثلاثة، وقوله: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]؛ أي: من الفرقة، أو من النشوز
والإعراض، وسوء العشرة، قال الزمخشريّ: هذه الجملة اعتراض، وكذلك

٤٠٣
(١) - بَابٌ فِي تَفْسِيرِ آيَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ - حديث رقم (٧٤٩٨)
قوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨]، ومعنى إحضار الأنفس الشح أن
الشحّ جُعل حاضراً لها، لا يغيب عنها أبداً، ولا تنفك عنه؛ يعني: أنها
مطبوعة عليه، والغرض أن المرأة لا تكاد تسمح بقسمتها، والرجل لا يكاد
نفسه تسمح بأن يَقسم لها، وأن يمسكها إذا رغب عنها، وأحبَّ غيرها.
انتھی(١).
وقال الإمام ابن جرير كَّتُهُ في تفسير الآية المذكورة: يعني بذلك جلَّ
ثناؤه: وإن امرأة خافت من بعلها يقول: عَلِمت من زوجها نشوزاً؛ يعني:
استعلاء بنفسه عنها إلى غيرها أَثَرَةً عليها، وارتفاعاً بها عنها، إما لبغضة، وإما
لكراهة منه بعض أشياء بها، إما دمامتها، وإما سنّها وكِبَرها، أو غير ذلك من
أمورها، أو إعراضاً؛ يعني: انصرافاً عنها بوجهه، أو ببعض منافعه التي كانت
لها منه، فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً يقول: فلا حرج عليهما؛
يعني: على المرأة الخائفة نشوز بعلها، أو إعراضه عنها، أن يصلحا بينهما
صلحاً، وهو أن تترك له يومها، أو تضع عنه بعض الواجب لها من حق عليه،
تستعطفه بذلك، وتستديم المقام في حباله، والتمسك بالعقد الذي بينها وبينه
من النكاح، يقول: والصلح خير؛ يعني: والصلح بترك بعض الحقّ؛ استدامةً
للحرمة، وتماسكاً بعقد النكاح خير من طلب الفُرقة، والطلاق. انتهى(٢).
وقال ابن كثير تَُّ: يقول تعالى مخبراً ومشرّعاً من حال الزوجين، تارةً
في حال نفور الرجل عن المرأة وتارةً في حال اتّفاقه معها، وتارةً في حال
فراقه لها، فالحالة الأولى ما إذا خافت المرأة من زوجها أن ينفر عنها، أو
يُعرض عنها، فلها أن تُسقط عنه حقها، أو بعضه، من نفقة، أو كسوة، أو
مبيت، أو غير ذلك من حقوقها عليه، وله أن يقبل ذلك منها، فلا حرج عليها
في بذلها ذلك له، ولا عليه في قبوله منها، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلاَ جُنَاحَ
عَلَيْهِمَآ أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾، ثم قال: ﴿وَالضُّلْحُ خَيْرٌ﴾؛ أي: من الفراق،
وقوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّخَّ﴾؛ أي: الصلح عند المشاحّة خير من الفراق،
ولهذا لما كَبِرت سودة بنت زمعة عزم رسول الله ◌ّير على فراقها، فصالحته على
(١) ((عمدة القاري)) ٢٧١/١٣.
(٢) ((تفسير الطبريّ)) ٣٠٥/٥ - ٣٠٦.

٤٠٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير
أن يمسكها، وتترك يومها لعائشة، فقبل ذلك منها، وأبقاها على ذلك، قال أبو
داود الطيالسيّ: حدّثنا سليمان بن معاذ، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن
ابن عباس قال: خَشِيت سودة أن يطلقها رسول الله وَله، فقالت: يا رسول الله
لا تطلقني، واجْعَلْ يومي لعائشة، ففعل، ونزلت هذه الآية: ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةُ خَافَتْ
مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ الآية، قال ابن عباس: فما اصطلحا
عليه من شيء فهو جائز، ورواه الترمذيّ عن محمد بن المثنى، عن أبي داود
الطيالسيّ به، وقال: حسن غريب(١).
وقال في ((الفتح)): وعن عليّ: «نزلت في المرأة تكون عند الرجل تكره
مفارقته، فيصطلحان على أن يجيئها كل ثلاثة أيام، أو أربعة))، وروى الحاكم
من طريق ابن المسيِّب، عن رافع بن خديج، ((أنه كانت تحته امرأة، فتزوج
عليها شابةً، فآثر البكر عليها، فنازعته، فطلقها، ثم قال لها: إن شئت
راجعتك، وصبرت، فقالت: راجِعني، فراجعها، ثم لم تصبر، فطلقها))، قال:
فذلك الصلح الذي بلغنا أن الله أنزل فيه هذه الآية.
وروى الترمذيّ من طريق سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: ((قال:
خشيت سودة أن يطلقها رسول الله صل*، فقالت: يا رسول الله لا تطلقني،
واجْعَلْ يومي لعائشة، ففعل، ونزلت هذه الآية، وقال: حسن غريب، قال
الحافظ: وله شاهد في ((الصحيحين)) من حديث عائشة بدون ذكر نزول الآية.
انتھی(٢).
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّا هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٤٩٨/١ و٧٤٩٩] (٣٠٢١)، و(البخاريّ) في
((المظالم)) (٢٤٥٠) و((الصلح)) (٢٦٩٤) و((التفسير)) (٤٦٠١) و((النكاح)) (٥٢٠٦)،
و(أبو داود) في ((النكاح)) (٢١٣٥)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٣٢٩/٦)،
(١) (تفسير ابن كثير)) ١ / ٥٦٢ - ٥٦٣.
(٢) ((الفتح)) ١٠/ ٧٥.

٤٠٥
(١) - بَابٌ فِي تَفْسِيرِ آيَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ - حديث رقم (٧٤٩٩ - ٧٥٠٠)
و(الشافعيّ) في ((مسنده)) (٣٧٤/١)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٥٠١/٣)،
و(ابن راهويه) في ((مسنده)) (٢٠٥/٢)، و(أبو عوانة) في ((مسنده)) (١٣٤/٣)،
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٩٦/٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان سبب نزول الآية الكريمة.
٢ - (ومنها): رأفة الله وَلَ بعباده حيث أباح لهم الصلح مع المرأة فيما
إذا كان الزوج لا رغبة له فيها، ويريد مفارقتها، فأمره أن يقبل الصلح منها بترك
حقّها، وعدم مطالبتها به، وتَرْكه في نكاح غيرها ممن يرغب فيها، وتكون هي
في عصمته فقط، وهذا فضل من الله رَك على الرجال، وعلى النساء أيضاً،
فإنها لو طلقها هذا الزوج تضيع، ويتشتت أمرها، فكونها في عصمته عصمة
لها، وصون عن الابتذال، والامتهان، ﴿وَعَسَىّ أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمِّ
وَعَسَى أَنْ تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌ لَّكُمُّ وَاَللّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦].
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٩٩] ( ... ) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، فِي قَوْلِهِ رَى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةُ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾
[النساء: ١٢٨] قَالَتْ: نزَلَتْ فِي الْمَرْأَةِ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ، فَلَعَلَّهُ أَنْ لَا يَسْتَكْثِرَ مِنْهَا،
وَتَكُونُ لَهَا صُحْبَةٌ، وَوَلَدٌ، فَتَكْرَهُ أَنْ يُفَارِقَهَا، فَتَقُولُ لَهُ: أَنْتَ فِي حِلٍّ مِنْ شَأْنِي).
هذا الإسناد هو المذكور قبل ثلاثة أحاديث.
وقوله: (فَلَعَلَّهُ أَنْ لَا يَسْتَكْثِرَ مِنْهَا)؛ أي: في المحبّة، والمعاشرة، والملازمة.
وقوله: (أَنْتَ فِي حِلُّ مِنْ شَأْنِي)؛ أي: وتتركني من غير طلاق.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث
الماضي، ولله الحمد.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٥٠٠] (٣٠٢٢) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ
هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَتْ لِي عَائِشَةُ: يَا ابْنَ أُخْتِي أُمِرُوا أَنْ
يَسْتَغْفِرُوا لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ وَِّ، فَسَبُّوهُمْ).

٤٠٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ الإمام [١٠]،
تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، من كبار [٩]، تقدم
في ((الإيمان)) ١١٧/٤.
والباقون ذُكروا قبله.
شرح الحديث:
(عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير؛ أنه (قَالَ: قَالَتْ لِي
عَائِشَةُ) ﴿ُها (يَا ابْنَ أَخْتِي) هي أسماء بنت أبي بكر الصدّيق ﴿ه، (أُمِرُوا)؛
أي: الذين جاؤوا بعد أصحاب النبيّ ◌َّهِ، (أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لأَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َّ)؛
أي: في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَمُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَيِنَا
الَّذِينَ سَبَقُونَا بِلْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِ قُلُوبِنَا غِلَّا لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيم
[الحشر: ١٠]، (فَسَبُّوهُمْ)؛ أي: لعنوهم، وعابوهم مخالفين لأمر الله تعالى.
قال القرطبيّ تَخْذَلُهُ: قول عائشة ظ ◌ُّ: ((أُمروا أن يستغفروا لأصحاب
محمد ◌َّة، فسبّوهم)) أشارت عائشة رضيّا إلى قوله: ﴿وَلَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ
يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَيْنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَنِ﴾، فسبّوهم، تريد عائشة
بهذا: أن التابعين حقّهم الواجب عليهم أن يحبّوا أصحاب رسول الله وَالقتل، وأن
يعظّموهم، ويستغفروا لهم، وكذلك كل من يجيء بعد التابعين إلى يوم القيامة،
ويحرم عليهم أن يسبّوهم، أو يسبّوا أحداً منهم، كما قد صرح بذلك بعض بني
أمية، وإياهم عَنَتْ بقولها، ولقد أحسن مالك كَُّ في فهم هذه الآية، فقال: من
سبّ أصحاب رسول الله وَّ﴾ فلا حقّ له في الفيء، واستدلّ بالآية، ووجهه أنه
رأى هذه الآية معطوفة على قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّهُو الذَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر:
٩]، وأن هذه الآية معطوفة على قوله: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِينَ﴾ [الحشر: ٨]، فظهر له أن
المهاجرين والأنصار استحقّوا الفيء بأنهم مهاجرون، وأنصار، من غير قيد زائد
على ذلك، وأن من جاء بعدهم قُيّدوا بقيد: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَيْنَا
الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَنِ﴾، فإن لم يوجد هذا القيد لم يجز الإعطاء؛ لعدم تمام

٤٠٧
(١) - بَابٌ فِي تَفْسِيرِ آيَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ - حديث رقم (٧٥٠٠)
الموجِب، وقد فَهِم عمر رَّه أن قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَآَُّو مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ يعمّ كل من
يأتي إلى يوم القيامة، وأنها معطوفة على ما قبلها، فوقف الأرض المغنومة المفتتحة
في زمانه على من يأتي بعد إلى يوم القيامة، وخصص بهذه الآية الأرض من جملة
الغنيمة التي قال الله فيها: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]،
وقد تقدَّم الكلام على هذا في ((الجهاد)). انتهى كلام القرطبيّ تَظّهُ(١).
وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباريّ في
(المصاحف))، وابن مردويه عن عائشة رضيّا قالت: أُمروا أن يستغفروا لأصحاب
النبيّ وَّ، فسبّوهم، ثم قرأت هذه الآية: ﴿وَلَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ
رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَيِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَنِ﴾ .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر، أنه سمع رجلاً، وهو يتناول بعض
المهاجرين، فقرأ عليه: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِرِينَ﴾ الآية، ثم قال: هؤلاء المهاجرون،
فمنهم أنت؟ قال: لا، ثم قرأ عليه: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّهُ الدَّارَ وَاُلْإِيمَنَ﴾ الآية، ثم
قال: هؤلاء الأنصار، أفأنت منهم؟ قال: لا، ثم قرأ عليه: ﴿وَلَّذِينَ جَاءُو مِنْ
بَعْدِهِمْ﴾ الآية، ثم قال: أفمن هؤلاء أنت؟ قال: أرجو، قال: لا، ليس من
هؤلاء من يسبّ هؤلاء.
وأخرج ابن مردويه من وجه آخر عن ابن عمر، أنه بلغه أن رجلاً نال من
عثمان، فدعاه، فأقعده بين يديه، فقرأ عليه: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِينَ﴾ الآية، قال:
من هؤلاء أنت؟ قال: لا، ثم قرأ: ﴿وَلَّذِينَ جَآَمُو مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية، قال:
من هؤلاء أنت؟ قال: أرجو أن أكون منهم، قال: لا، والله ما يكون منهم من
يتناولهم، وكان في قَلْبه الغلّ عليهم (٢)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة شَّا هذا من أفراد المصنّف رَخْلُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٧٥٠٠ و٧٥٠١] (٣٠٢٢)، و(الحاكم) في
(المستدرك)) (٤٦٢/٢)، والله تعالى أعلم.
(١) ((المفهم)) ٧/ ٤٠٧ - ٤٠٨.
(٢) راجع: ((الدر المنثور)) ١١٣/٨.

٤٠٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير
(المسألة الثالثة): في فوائده:
ـة؛ لظاهر الآية
١ - (منها): بيان وجوب الاستغفار للصحابة
المذكورة .
٢ - (ومنها): بيان تحريم سبّ الصحابة ﴿ّ؛ لمفهوم الآية المذكورة.
٣ - (ومنها): أن الواجب على المسلم أن يستغفر للسلف الصالح، ولا
سيما أصحاب رسول الله وَ﴿، وأن لا يتعرّض لهم بسوء؛ فإنه ينافي ما حثّت
عليه الآية الكريمة .
٤ - (ومنها): ما قاله القاضي عياض ◌َخّْتُهُ: الظاهر أن عائشة ◌َوّا قالت
هذا عندما سمعت أهل مصر يقولون في عثمان ما قالوا، وأهل الشام في عليّ
ما قالوا، والحرورية في الجميع ما قالوا، وأما الأمر بالاستغفار الذي أشارت
إليه، فهو قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ جَمُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا
وَلِإِخْوَيِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَنِ﴾، وبهذا احتج مالك في أنه لا حقّ في الفيء
لمن سبّ الصحابة ظ﴿ه؛ لأن الله تعالى إنما جعله لمن جاء بعدهم، ممن
يستغفر لهم، والله تعالى أعلم (١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٥٠١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثْنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا
هِشَامٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
هذا الإسناد تقدّم في الباب.
[تنبيه]: رواية أبي أسامة عن هشام هذه ساقها الحاكم تَظْلُهُ في
((المستدرك)) مقروناً بوكيع، فقال:
(٣٧١٩) - حدّثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أنبأ موسى بن إسحاق
القاضي، حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا أبو أسامة، ووكيع، عن هشام بن
عروة، عن أبيه، عن عائشة طّ: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩] ((قالت:
أصحاب رسول الله ﴿﴿، أُمروا بالاستغفار لهم، فسبّوهم)).
(١) راجع: ((شرح النوويّ)) ١٥٨/١٨ - ١٥٩.

٤٠٩
(١) - بَابٌ فِي تَفْسِيرِ آيَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ - حديث رقم (٧٥٠٢)
قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. انتهى(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: ((ولم يخرجاه)) هذا من غفلة الحاكم تَخْشُ
فقد أخرجه مسلم هنا، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َظُّْ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٥٠٢] (٣٠٢٣) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْكُوفَةِ
فِي هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣]
فَرَحَلْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَسَأَلْتُهُ عَنْهَا، فَقَالَ: لَقَدْ أُنْزِلَتْ آخِرَ مَا أُنْزِلَ، ثُمَّ مَا
نَسَخَهَا شَيْءٌ).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) البصريّ [١٠]، تقدم في ((المقدمة)) ٧/٣.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر العنبريّ البصريّ، من كبار [٩]، تقدم
في ((المقدمة)) ٧/٣.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج الإمام الشهير [٧]، تقدم في ((شرح المقدمة)) جا
ص٣٨١.
٤ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ التُّعْمَانِ) النخعيّ الكوفيّ [٦]، تقدم في ((الجنة وصفة
نعيمها)) ٧١٧٣/١٥.
٥ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) الأسديّ الوالبيّ مولاهم الكوفيّ [٣]، تقدم في
((الإيمان)) ٣٢٩/٥٧.
٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله البحر الحبر ﴿ّا، تقدم في ((الإيمان)) ١٢٤/٦.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف تَذَثُهُ، وأنه مسلسل بالبصريين غير المغيرة،
وسعيد، فكوفيّان، وفيه ابن عبّاس طيًّا بحر الأمة، وحبرها، وترجمان القرآن،
وأحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة.
(١) ((المستدرك على الصحيحين)) ٥٠١/٢.

٤١٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير
شرح الحديث:
(عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ)؛ أنه (قَالَ: اخْتَلَفَ) بالبناء للفاعل، وفاعله قوله:
(أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي هَذِهِ الآيَةٍ)؛ أي: في المراد بها، (﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا
مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ فَرَحَلْتُ)؛ أي: ذهبت، وسافرت (إِلَى ابْنٍ
عَبَّاسٍ) ◌َّ لأسأله عن معنى الآية.
قال النوويّ كَّلُهُ: قوله: ((فرحلت إلى ابن عباس)) هو بالراء، والحاء
المهملة، هذا هو الصحيح المشهور في الروايات، وفي نسخة ابن ماهان:
((فدخلت)) بالدال، والخاء المعجمة، ويمكن تصحيحه بأن يكون معناه: دخلت
بعد رحلتي إليه. انتهى (١).
(فَسَأَلْتُهُ عَنْهَا) وفي رواية النسائيّ: ((أن ابن عبّاس سئل عمن قَتَل مؤمناً
متعمّداً، ثم تاب، وآمن، وعمِل صالحاً، ثم اهتدى؟، فقال ابن عبّاس: وأنّى
له التوبة؟». (فَقَالَ) ابن عبّاس جواباً عن سؤال سعيد: (لَقَدْ أُنْزِلَتْ) بالبناء
للمفعول، (آخِرَ مَا أُنْزِلَ) بنصب ((آخر)) على الظرفيّة، (ثُمَّ مَا نَسَخَهَا شَيْءٌ)؛
أي: لم ينزل بعدها شيء من النصّ الذي ينسخها، وفي رواية النسائيّ: ((قال:
والله لقد أنزلها الله، ثم ما نسخها)).
يعني: أنه بعدما أُنزلت لم يُنزل الله تعالى ما ينسخ ما تضمّنته، فهي
مُحْكَمة، غير منسوخة، فهي تدلّ على أنه لا توبة لقاتل المؤمن عمداً، هذا
تقرير رأي ابن عبّاس ◌ُّ في هذه المسألة، وقد خالفه فيها جمهور السلف
والخلف، فقالوا: إن له توبة، وإنه تحت المشيئة، وهو الحقّ، وقد تقدّم
تحقيق القول في ذلك في ((كتاب الإيمان)) برقم [٣٢٩/٥٧] (١٢٢)، فراجعه
تستفد علماً جمّاً، وبالله تعالى التوفيق.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ﴿ها هذا متّفقٌ عليه، وقد تقدّم في
((كتاب الإيمان)) بالرقم المذكور، وتقدّم تخرجه هناك.
(١) ((شرح النوويّ)) ١٥٩/١٨.

٤١١
(١) - بَابٌ فِي تَفْسِيرِ آيَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ - حديث رقم (٧٥٠٢)
(المسألة الثانية): اختلفت الروايات عن ابن عبّاس ◌ُّ في مسألة توبة
قاتل المؤمن.
قال في ((الفتح)) بعد ذكر اختلاف الروايات عنه، ما نصّه: وحاصل ما في
هذه الروايات أن ابن عباس ظها كان تارة يجعل الآيتين في محل واحد، فلذلك
يجزم بنسخ إحداهما، وتارة يجعل محلهما مختلفاً، ويمكن الجمع بين كلاميه
بأن عموم التي في الفرقان خُصّ منها مباشرة المؤمن القاتل متعمداً، وكثير من
السلف يُطلقون النسخ على التخصيص، وهذا أولى من حَمْل كلامه على
التناقض، وأَولى من دعوى أنه قال بالنسخ، ثم رجع عنه، وقول ابن عباس بأن
المؤمن إذا قتل مؤمناً متعمداً: لا توبة له مشهور عنه، وقد جاء عنه في ذلك ما
هو أصرح مما تقدم، فروى أحمد، والطبريّ من طريق يحيى الجابر، والنسائيّ،
وابن ماجه، من طريق عمار الدُّهنيّ كلاهما عن سالم بن أبي الجعد، ((قال:
كنت عند ابن عباس بعدما كُفّ بصره، فأتاه رجل، فقال: ما ترى في رجل قتل
مؤمناً متعمداً؟ قال: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣]، وساق الآية
إلى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ، جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ
عَلَيْهِ وَلَعَنَّهُ, وَأَعَدَّ لَهُ, عَذَابًا عَظِيمًا
(12)﴾، قال: لقد نزلت في آخر ما نزل، وما
نسخها شيء حتى قُبض رسول الله وَله، وما نزل وحي بعد رسول الله وَ﴾،
قال: ((أفرأيت إن تاب، وآمن، وعَمِل عملاً صالحاً، ثم اهتدى؟ قال: وأَنَّى له
التوبة والهدى؟)) لفظ يحيى الجابر، والآخر نحوه، وجاء على وفق ما ذهب إليه
ابن عباس في ذلك أحاديث كثيرة، منها: ما أخرجه أحمد، والنسائيّ من طريق
أبي إدريس الخولانيّ، عن معاوية: ((سمعت رسول الله وَل يقول: كل ذنب
عسى الله أن يغفره، إلا الرجل يموت كافراً، والرجل يقتل مؤمناً متعمداً)).
وقد حَمَل جمهور السلف، وجميع أهل السُّنَّة ما ورد من ذلك على التغليظ،
وصححوا توبة القاتل كغيره، وقالوا: معنى قوله: ﴿فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ﴾؛ أي: إن
شاء الله أن يجازيه؛ تمسكاً بقوله تعالى في ((سورة النساء)) أيضاً: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ
أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَآءُ﴾ [النساء: ١١٦].
ومن الحجة في ذلك حديث الإسرائيليّ الذي قتل تسعة وتسعين نفساً، ثم
أتى تمام المائة، فقال له: لا توبة فقتله، فأكمل به مائة، ثم جاء آخر، فقال:

٤١٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير
((ومن يحول بينك وبين التوبة ... )) الحديث، وهو مشهور، وإذا ثبت ذلك لمن
قبلُ من غير هذه الأمة، فمثله لهم أولى؛ لِمَا خَفّف الله عنهم من الأثقال التي
كانت على من قبلهم. انتهى ما في ((الفتح))(١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه الجمهور من أن القاتل المؤمن توبةً
هو الأرجح عندي؛ لوضوح أدلّته، وقد مضى تمام البحث في هذا في ((كتاب
الإيمان)) بالرقم المتقدّم، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َُّهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٥٠٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، قَالَا جَمِيعاً:
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، فِي حَدِيثِ ابْنِ جَعْفَرٍ: نَزَلَتْ فِي آخِرِ مَا أُنْزِلَ، وَفِي
حَدِيثِ النَّضْرِ: إِنَّهَا لَمِنْ آخِرٍ مَا أُنْزِلَتْ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ المعروف بالزَّمِن البصريّ [١٠]،
تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٢ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد المعروف ببندار البصريّ [١٠]، تقدم في
((المقدمة)) ٢/٢.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغندر البصريّ [٩]، تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢.
٤ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه المروزيّ [١٠]، تقدم في ((المقدمة))
٢٨/٥.
٥ - (النَّضْرُ) بن شُميل أبو الحسن البصريّ، نزيل مرو، من كبار [٩]،
تقدم في ((المقدمة)) ٣٩/٦.
و «شعبة)) ذُكر قبله.
[تنبيه]: روايتا محمد بن جعفر، والنضر بن شُميل كلاهما عن شعبة لم
أجد من ساقهما، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
(١) ((الفتح)) ٤٥٦/١٠ - ٤٥٧.

٤١٣
(١) - بَابٌ فِي تَفْسِيرِ آيَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ - حديث رقم (٧٥٠٥)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٥٠٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: أَمَرَنِي
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبْزَى، أَنْ أَسْأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ: ﴿وَمَن يَقْتُلْ
مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا﴾، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: لَمْ يَنْسَخْهَا
شَيْءٌ، وَعَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ
الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِ﴾ [الفرقان: ٢٨] قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر الكوفيّ [٦]، تقدم في ((شرح المقدمة)) ج١ ص٢٩٦.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (أَمَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبْزَى) بفتح الهمزة، وسكون الموحّدة،
بعدها زاي، منصور الخزاعيّ مولاهم صحابيّ صغير، وكان في عهد عمر نصُّه
رجلاً، وكان على خُراسان لعليّ ◌َظُه، تقدّمت ترجمته في ((الحيض)) ٨٢٦/٢٧.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قريباً، ولله الحمد.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَذْتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٥٠٥] ( ... ) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ
الْقَاسِمِ اللَّيْتِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ - يَعْنِي: شَيَْانَ - عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ
سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِمَكَّةَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا
﴾، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: وَمَا يُغْنِي
يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا ءَاخَرَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مُهَا
عَنَّا الإِسْلَامُ، وَقَدْ عَدَلْنَا بِاللهِ، وَقَدْ قَتَلْنَا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ، وَأَتَيْنَا الْفَوَاحِشَ،
فَأَنْزَلَ اللهُ رَى: ﴿إِلَّ مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَلِحًا﴾ [الفرقان: ٧٠] إِلَى
آخِرِ الآيَةِ، قَالَ: فَأَمَّا مَنْ دَخَلَ فِي الإِسْلَامِ، وَعَقَلَهُ، ثُمَّ قَتَلَ، فَلَا تَوْبَةَ لَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستةٌ :
١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن مروان، أبو موسى الحمّال البغدادي [١٠]،
تقدم في ((الإيمان)) ٣٦١/٦٤.

٤١٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير
٢ - (أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ اللَّيْئِيُّ) مولاهم البغداديّ [٩]، تقدم في
((المقدمة)) ٣٦/٦.
٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ شَيْبَانَ) بن عبد الرحمن النحويّ البصريّ، نزيل الكوفة [٧]،
تقدم في ((الإيمان)) ١١٨/٤.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَقَدْ عَدَلْنَا بِاللهِ)؛ أي: أشركنا به، وجعلنا له مَثَلاً(١).
وقوله: (وَأَتَيْنَا الْفَوَاحِشَ)؛ أي: زنينا .
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٥٠٦] ( .. ) - (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِم، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ
الْعَبْدِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى - وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّاَنُ - عَنِ ابْنِ جُرَيْجِ، حَدَّثَنِي
الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَّةَ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَلِمَنَّْقَتَلَ مُؤْمِناً
مُتَعَمِّداً مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَتَلَّوْتُ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ:
﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ الَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ أَلَِّى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾
[الفرقان: ٦٨] إِلَى آخِرِ الآيَةِ، قَالَ: هَذِهِ آيَةٌ مَكِّيَّةٌ نَسَخَتْهَا آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ: ﴿وَمَن
يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا﴾ [النساء: ٩٣]. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ
هَاشِم: فَتَلَوْتُ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي فِي الْقُرْقَانِ: ﴿إِلَّا مَن تَابَ﴾ [الفرقان: ٧٠]).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِم) العبديّ، أبو عبد الرحمن الطوسيّ، سكن
نيسابور، من صغار [١٠]، تقدَم في ((الإيمان)) ١١٢/٣.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرِ الْعَبْدِيُّ) أبو محمد النيسابوريّ، من
صغار [١٠]، تقدم في ((المقدمة)) ٩/٦.
٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ) الإمام الناقد البصريّ [٩]، تقدم في ((شرح
المقدمة)) جـ١ ص٣٨٥.
(١) ((النهاية في غريب الأثر)) ١٩١/٣.

٤١٥
(١) - بَابٌ فِي تَفْسِيرِ آيَاتٍ مُتَفَرَّقَةٍ - حديث رقم (٧٥٠٧)
٤ - (ابْنُ جُرَيْج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكيّ [٦]، تقدم
في ((الإيمان)) ١٢٩/٦.
٥ - (الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزَّةَ) بفتح الموحّدة، وتشديد الزاي المكيّ مولى بني
مخزوم القارئ [٥]، تقدم في ((الأضاحي)) ٥١١٨/٨.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (قَالَ: لَا)؛ أي: لا توبة له، قال في ((العمدة)): حاصل الكلام
أن ابن عباس ظًّا قال: إن قاتل النفس عمداً بغير حقّ لا توبة له، واحتَجّ في
ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾. اذَّعَى
أن هذه الآية مدنية نَسخت هذه الآية المكية، وهي: ﴿وَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ الَّهِ
إِلَهًا ءَاخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] الآية، هذا هو المشهور عن ابن عباس.
ورُوي عنه أن له توبةً، وجواز المغفرة له؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا
أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا (
(١)﴾ [النساء: ١١٠]، وهذه
الرواية الثانية هي مذهب جميع أهل السُّنَّة، من الصحابة، والتابعين، ومن
بعدهم، قال النوويّ: وما رُوي عن بعض السلف مما يخالف هذا فمحمول
على التغليظ والتحذير من القتل، وليس في هذه الآية التي احتج بها ابن عباس
تصريح بأنه يخلَّد، وإنما فيها أنه جزاؤه، ولا يلزم منه أن يجازى. انتهى.
والحديث متفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قريباً، ولله الحمد.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٥٠٧] (٣٠٢٤) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ،
وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا
أَبُو عُمَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، قَالَ:
قَالَ لِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَعْلَمُ - وَقَالَ هَارُونُ: تَدْرِي - آخِرَ سُورَةٍ نَزَلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ؟
نَزَّلَتْ جَمِيعاً؟ قُلْتُ: نَعَمْ، ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ ﴾﴾، قَالَ: صَدَقْتَ.
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْئَةَ: تَعْلَمُ أَبُّ سُورَةٍ، وَلَمْ يَقُلْ: آخِرَ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ) المخزوميّ، أبو عون الكوفيّ [٩]، تقدم في
((الإيمان)) ٢٩٥/٤٦.

٤١٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير
٢ - (أَبُو عُمَيْسٍ) عتبة بن عبد الله بن مسعود الكوفيّ [٧]، تقدم في
((الإيمان)) ٢٩٥/٤٦.
٣ - (عَبْدُ المَجِيدِ بْنُ سُهَيْلٍ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ
المدنيّ [٦]، تقدم في ((البيوع)) ٤٠٧٤/٣٩.
٤ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ) بن مسعود الهُذليّ، أبو عبد الله
المدنيّ [٣]، تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
[تنبيه]: قوله: (عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلٍ) قال النوويّ كَّتُهُ: هكذا هو
في جميع النسخ: ((عبد المجيد)) بالميم، ثم الجيم، إلا نسخة ابن ماهان،
ففيها: ((عبد الحميد)) بحاء، ثم ميم، قال أبو عليّ الغسانيّ: الصواب الأول،
قال القاضي: قد اختلفوا في اسمه، فذكره مالك في ((الموطأ)» من رواية
يحيى بن يحيى الأندلسيّ، وغيره، فسمّاه عبد الحميد بالحاء، ثم بالميم، وكذا
قاله سفيان بن عيينة، وسمّاه البخاريّ: عبد المجيد، بالميم، ثم بالجيم، وكذا
رواه ابن القاسم، والقعنبيّ، وجماعة في ((الموطأ)) عن مالك، وقال ابن
عبد البرّ: يقال بالوجهين، قال: والأكثر بالميم، ثم بالجيم، قال القاضي: فإذا
ثبت الخلاف فيه لم يُحكم على أحد الوجهين بالخطأ. انتهى (١).
والباقون ذُكروا في الباب.
شرح الحديث:
(عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ)؛ أنه (قَالَ: قَالَ لِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ)
(تَعْلَمُ) بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أتعلم؟ (وَقَالَ هَارُونُ) بن عبد الله الحمال
شيخه الثاني في روايته: (تَدْرِي) بدل قول ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد:
((تعلم)، والمعنى واحد. (آخِرَ سُورَةٍ نَزَلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ؟ نَزَلَتْ جَمِيعاً)؛ أي:
نزلت كلّها مرّة واحدة، قال عبيد الله: (قُلْتُ: نَعَمْ) ثم فسّرها بقوله: (﴿إِذَا
جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ ﴾﴾) إلى آخر السورة. (قَالَ) ابن عبّاس ◌ِّ:
(صَدَقْتَ)؛ أي: إنها آخر سورة نزلت جميعاً.
قال القرطبيّ كَُّهُ: ﴿نَصْرُ اللَّهِ﴾: عونه على إظهار نبيّه وَّل على قريش،
(١) ((شرح النوويّ)) ١٦٠/١٨ - ١٦٢.

٤١٧
(١) - بَابٌ فِي تَفْسِيرِ آيَاتٍ مُتَفَرَّقَةٍ - حديث رقم (٧٥٠٧)
[النصر: ١]: فتح مكة، كما
وغيرهم، و﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ
فسّره النبيّ ◌َّ﴿ في حديث عائشة ﴿ّا، ولا يُلتفت لِمَا قيل في ذلك مما
يخالفه. و((الأفواج)): الزُّمَرُ، يعني: زمرةً بعد زمرة، وهذا كان بعد فتح مكة،
فإنَّ أهل مكة كانوا عظماء العرب، وقادتهم، ومكة بيت الله تعالى، فتوقفت
العرب في إسلامها على أهل مكة، ينظرون ما يفعلون، فلما فتح الله تعالى مكة
على نبيّه وَّة، وأسلم أهلها، أصفقت العرب على الدخول في الإسلام،
وهَجَرت الأوثان، وعطّلت الأزلام، وحصل التّمام، وكمل الإنعام، فوجب
الشكر لهذا المنعم الكريم، واستغفار هذا المولى الرحيم، لا سيما، وقد
[النصر: ٣]؛
أفصح خطاباً: ﴿فَسَيِّعْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَابًا
أي: قل يا محمد: سبحان الله وبحمده، وأستغفر الله، وأتوب إليه، فكان وعلاجه
يكثر من قول ذلك شكراً لله تعالى، وامتثالاً لِمَا أمر به هنالك، وقد تقدَّم أن
عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عباس ﴿ه، فَهِما من هذه السورة أن الله تعالى
نَعَى لنبينا محمد نَّله نفسه، وكذلك فهمه أبو بكر بنظُه، وقال ابن عمر طًا:
نزلت هذه السورة بمنى في حجَّة الوداع، ثم نزلت: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
وَأَنْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فعاش بعدها النبيّ ◌َّ
ثمانين يوماً، ثم نزلت آية الكلالة، فعاش بعدها خمسين يوماً، ثم نزل: ﴿لَقَدْ
جَآءَكُمْ رَسُوكُ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ الآية [التوبة: ١٢٨]، فعاش بعدها خمسة
وثلاثين يوماً، ثم نزلت: ﴿وَأَتَّقُواْ يَوْمًا تُتْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٨١]،
فعاش بعدها إحدى وعشرين يوماً. وقال مقاتل: سبعة أيام.
﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ على النادمين، وإن كثروا، ومَحّاءً ذنوبَ الخطائين
إذا استغفروا. انتهى كلام القرطبيّ كَّتُهُ(١)، وهو تحقيقٌ حسنٌّ، والله تعالى أعلم.
وقال الحافظ في ((الفتح)): ولأبي يعلى من حديث ابن عمر: ((نزلت هذه
السورة في أوسط أيام التشريق، في حجة الوداع، فعرف رسول الله وَ ﴿ أنه الوداع)).
قال: وسئلت عن قول الكشاف: إن ((سورة النصر)) نزلت في حجة الوداع
أيام التشريق، فكيف صُدِّرت بـ((إذا)) الدالة على الاستقبال؟.
(١) ((المفهم)) ٤٣٦/٧ - ٤٣٧.

٤١٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير
فأجبت بضعف ما نقله، وعلى تقدير صحته، فالشرط لم يكتمل بالفتح؛
لأن مجيء الناس أفواجاً لم يكن كَمُل، فبقية الشرط مستقبل.
وقد أورد الطيبيّ السؤال، وأجاب بجوابين:
أحدهما: أن ((إذا)) قد تَرِد بمعنى ((إِذ))، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْأ
الآية [الجمعة: ١١].
نجرة﴾
ثانيهما: أن كلام الله قديم، قال الحافظ: وفي كلٍّ من الجوابين نَظَر
لا يخفى. انتهى(١).
[تنبيه]: فإن قلت: ما وجه التوفيق بين حديث عبد الله بن عباس هذا،
وبين ما رواه الشيخان عن البراء بن عازب قال: ((آخر آية نزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ
اللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِى الْكَلَلَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]، وآخر سورة نزلت براءة)»؟.
[قلت]: أجاب البيهقيّ تَخْتُ عن هذا بأنه يُجمع بين هذه الاختلافات بأن
كل واحد أجاب بما عنده.
وقال القاضي أبو بكر تَّتُهُ في ((الانتصار)): هذه الأقوال ليس فيها شيء
مرفوع إلى النبيّ وَِّ، وكلٌّ قاله بضرب من الاجتهاد، وغلبة الظنّ(٢).
(وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: تَعْلَمُ أَُّ سُورَةٍ) بدل قول الشيخين الآخرين:
((تعلم آخر))، أو ((تدري آخر سورة))، وقوله: (وَلَمْ يَقُلْ)؛ أي: ابن أبي شيبة
(آخِرَ)؛ أي: أسقط لفظة ((آخر))، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس ها هذا من أفراد المصنّف رَّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٥٠٧/١ و٧٥٠٨] (٣٠٢٤)، و(النسائيّ) في
((الكبرى)) (٥٢٥/٦)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٥٠٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا
(١) (الفتح)) ٧٣٦/٨.
(٢) راجع: ((تحفة الأحوذي)) ٣٤٦/٨.

٤١٩
(١) - بَابٌ فِي تَفْسِيرِ آيَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ - حديث رقم (٧٥٠٩)
أَبُو عُمَيْسٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَقَالَ: آخِرَ سُورَةٍ، وَقَالَ: عَبْدُ الْمَجِيدِ، وَلَمْ يَقُلِ:
ابْنِ سُهَيْلٍ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
وكلهم ذُكروا في الباب، و((أبو معاوية)) هو: محمد بن خازم الضرير.
[تنبيه]: رواية أبي معاوية عن أبي عُميس هذه لم أجد من ساقها،
فليُنظر، والله تعالى أعلم.
[٧٥٠٩] (٣٠٢٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،
وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبُِّّ - وَاللَّفْظُ لِاِبْنٍ أَبِي شَيْبَةَ - قَالَ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ:
أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَقِيَ نَاسٌ مِنَ
الْمُسْلِمِينَ رَجُلاً فِي غُنَيْمَةٍ لَهُ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَأَخَذُوهُ، فَقَتَلُوهُ، وَأَخَذُوا
تِلْكَ الْغُنَيْمَةَ، فَنَزَّلَتْ: ﴿وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىَ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾
[النساء: ٩٤] وَقَرَأَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ: السَّلَامَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (سُفْيَانُ) بن عيينة الهلالي مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثم
المكيّ [٨]، تقدم في ((شرح المقدمة)) ج١ ص ٣٨٣.
٢ - (عَمْرُو) بن دينار الأثرم الْجُمَحيّ، أبو محمد المكيّ [٤]، تقدم في
((الإيمان)) ١٨٤/٢١.
٣ - (عَطَاءُ) بن أبي رباح أسلم القرشيّ مولاهم المكيّ [٣]، تقدم في
((الإيمان)) ٤٤٢/٨٣.
والباقون ذُكروا في الباب.
شرح الحديث:
(عَنْ عَمْرٍو) وفي رواية ابن أبي عمر، عن سفيان: ((حدّثنا عمرو بن
دينار))، كذا أخرجها أبو نعيم في ((مستخرجه)) من طريقه، (عَنْ عَطَاء) بن أبي
رباحِ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ◌َّ؛ أنه (قَالَ: لَقِيَ نَاسٌ) لم يُسمّوا، (مِنَ الْمُسْلِمِينَ
رَجُلاً) قيل: هو مِرداس بن نَهيك، وقيل: عامر بن الأضبط الأشجعيّ، وسيأتي

٤٢٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير
تمام البحث فيه. (فِي غُنَيْمَةٍ لَهُ) بالتصغير، وفي رواية سماك، عن عكرمة، عن
ابن عباس، عند أحمد، والترمذيّ، وحسنه، والحاكم، وصححه: ((مَرّ رجل
من بني سُليم، بنفر من الصحابة، وهو يسوق غنماً له، فسلّم عليهم))، (فَقَالَ)
الرجل: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَأَخَذُوهُ)؛ أي: أخذوا الرجل المسلّم عليهم، (فَقَتَلُوهُ)
زاد في رواية سماك: ((وقالوا: ما سَلَّم علينا إلا ليتعوذ منا))، (وَأَخَذُوا تِلْكَ
الْغُنَيْمَةَ) التي كانت لذلك الرجل (فَنَزَلَتْ)؛ يعني: الآية، وهي قوله تعالى:
(﴿وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىَ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾) وفي رواية سماك: ((وأتوا
بغنمه النبيّ (﴿، فنزلت))، وروى البزار من طريق حَبيب بن أبي عمرة، عن
سعيد بن جبير، عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية قصة أخرى، قال:
((بعث رسول الله وَّهُ سريةً، فيها المقداد، فلما أتوا القوم وجدوهم، قد تفرقوا،
وبقي رجل له مال كثير، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقتله المقداد، فقال له
النبيّ وَّر: كيف لك بلا إله إلا الله غداً؟ وأنزل الله هذه الآية)).
قال الحافظ تَّتُهُ: هذه القصة يمكن الجمع بينها وبين التي قبلها،
ويستفاد منها تسمية القاتل، وأما المقتول فروى الثعلبيّ من طريق الكلبيّ، عن
أبي صالح، عن ابن عباس، وأخرجه عبد بن حميد من طريق قتادة نحوه،
واللفظ للكلبيّ أن اسم المقتول: مِرداس بن نَهيك، من أهل فَدَك، وأن اسم
القاتل: أسامة بن زيد، وأن اسم أمير السرية: غالب بن فَضَالة الليثيّ، وأن
قوم مِرداسٍ لمّا انهزموا بقي هو وحده، وكان ألجأ غنمه بجبل، فلمّا لحقوه
قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، السلام عليكم، فقتله أسامة بن زيد،
فلمّا رجعوا نزلت الآية، وكذا أخرج الطبريّ من طريق السُّدّي نحوه، وفي آخر
رواية قتادة: ((لأن تحية المسلمين السلام، بها يتعارفون)).
وأخرج ابن أبي حاتم، من طريق ابن لَهِيعة، عن أبي الزبير، عن جابر،
قال: ((أُنزلت هذه الآية: ﴿وَلَ نَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ في مرداس))،
وهذا شاهد حسن.
وورد في سبب نزولها عن غير ابن عباس شيء آخر، فروى ابن إسحاق في
((المغازي))، وأخرجه أحمد من طريقه، عن عبد الله بن أبي حدرد الأسلميّ،
قال: ((بعثنا رسول الله ◌َّ في نفر من المسلمين، فيهم أبو قتادة، ومُحَلِّم بن