النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ (٥٧) - كِتَابُ التَّفْسِيرِ (٥٧) - (كِتَابُ التَّفْسِيرِ) مسألتان تتعلّقان بهذه الترجمة: [المسألة الأولى]: في معنى التفسير، واشتقاقه: ((التفسير)) مبالغة في الفَسْر، بفتح، فسكون، وهو الإيضاح، والفعل من بابي ضرب، ونصر، قال الفيّوميّ تَظْتُ: فَسَرْتُ الشيءَ فَسْراً، من باب ضرب: بيّنته، وأوضحته، والتثقيل مبالغة. انتهى (١). وقال المجد تَظْذُ: الْفَسْرُ: الإبانة، وكشف المغطّى؛ كالتفسير، والفعل کضرب، ونصر. انتهى(٢). وقال في ((الفتح)): التفسير تفعيل من الفسر، وهو البيان، تقول: فَسَرتُ الشيءَ بالتخفيف أَفْسرُهُ فَسْراً، وفَسَّرته بالتشديد أُفَسِّره تفسيراً: إذا بيّنته، وأصل الفسر: نظر الطبيب إلى الماء؛ ليعرف العلّة، وقيل: هو من فسرتُ الفرسَ: إذا ركضتها محصورة؛ لينطلق حصرها، وقيل: هو مقلوب من سَفَر؛ كجذب وجبذ، تقول سفر: إذا كشف وجهه، ومنه أسفر الصبح: إذا أضاء، واختلفوا في التفسير والتأويل، قال أبو عبيدة، وطائفة: هما بمعنى، وقيل: التفسير: هو بيان المراد باللفظ، والتأويل: هو بيان المراد بالمعنى (٣). وقال أبو عبيد الهرويّ: التأويل: ردّ أحد المحتمِلَين إلى ما يطابق الظاهر، والتفسير: كشف المراد عن اللفظ المشكل، وحَكَى صاحب ((النهاية)) أن التأويل نقل ظاهر اللفظ عن وضعه الأصليّ إلى ما لا يحتاج إلى دليل، لولاه ما تُرك ظاهر اللفظ، وقيل: التأويل: إبداء احتمال لفظ معتضد بدليل (١) ((المصباح المنير)) ٢ / ٤٧٢. (٣) ((الفتح)) ٦٢٧/٩ ((التفسير)). (٢) ((القاموس المحيط)» ص٩٩٥. ٣٦٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير خارج عنه، ومثّل بعضهم بقوله تعالى: ﴿لَّ رَيْبَ فِيهِ﴾ [الإسراء: ٩٩] قال: من قال: لا شك فيه فهو التفسير، ومن قال: لأنه حقّ في نفسه لا يقبل الشك، فهو التأويل. انتهى ما في ((الفتح))(١). [المسألة الثانية]: كتب صاحب ((التكملة)) هنا بحثاً نفيساً، أحببت إيراده هنا؛ لنفاسته، قال تَخْلَتُهُ: قد اختصر مسلم تَخْتُ في كتاب التفسير، فلم يورد فيه إلا ثمانية عشر حديثاً، وذلك لأن الأحاديث المرفوعة الخاصّة بتفسير القرآن الكريم يقلّ فيها توافر الشروط التي التزم بها مسلم لإخراج الأحاديث في هذا الكتاب، وأما الأحاديث التي يُستنبط منها مسألة من مسائل التفسير، أو لها علاقة بآية من آيات القرآن، وإن لم تكن في صميم موضوع التفسير، فإن المصنّف أخرجها في الأبواب الأخرى من هذا الكتاب، وليس من عادته التكرار، ولهذا قلّت أحاديث هذا الكتاب. وقد اشتهَر فيما بين المتأخّرين ممن كتبوا في مصطلح الحديث أن اسم ((الجامع)) إنما يُطلق على الكتاب الذي يجمع أحاديث تتعلّق بثمانية مواضيع، وهي: العقائد، والأحكام، والرقاق، والآداب، والتفسير، والسيرة، والفتن، والمناقب، وذكروا أن ((صحيح البخاريّ)) جامع لتضمّنه هذه الأبواب كلها، وأما ((صحيح مسلم)) فقالوا: إنه ليس جامعاً؛ لقلّة التفسير فيه. قال: وقد بحثت عن تعريف اصطلاح (الجامع)) في كتب المتقدّمين، فلم أجد عندهم هذا الاصطلاح بهذا التعريف، ولكنهم أطلقوا هذا اللفظ على ((صحيح البخاريّ))، و((جامع سفيان الثوريّ))، و((جامع عبد الرزّاق))، و((موطأ الإمام مالك))، وغيره، وقد عرّف الشيخ محمود محمد خطّاب السبكيّ نَّهُ لفظ الجامع بطريق آخر، فقال في مقدّمة ((المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود)»: والجامع ما كان مرتّباً على أبواب الفقه؛ كالكتب الستّة، أو على ترتيب الحروف في أوائل الترجمة؛ ككتاب الإيمان، والبرّ، والتوبة، والثواب، وهكذا فعل صاحب ((جامع الأصول))، أو باعتبار رعاية الحروف في أوائل الحديث، كما فعل السيوطيّ في ((الجامع الصغير))، وقد جمع في ((الجامع الكبير)) بين الجامع والمسند. (١) ((الفتح)) ٦٠٧/١٧، ((كتاب التوحيد)) رقم (٧٥٥٣). (٥٧) - كِتَابُ التَّفْسِير ٣٦٣ قال: وأول من عرّف الجامع بما يجمع العلوم الثمانية - فيما أعلم - هو الشيخ عبد العزيز الدهلويّ كَّلُ في رسالته المسمّاة بـ((العجالة النافعة))، وهو الذي صرّح فيها بأن ((صحيح مسلم)) ليس جامعاً؛ لأنه لا يوجد فيه أحاديث التفسير والقراءات. وقد مرّ في مقدّمة هذا الكتاب أن مجد الدين الشيرازيّ صاحب (القاموس)) قد أطلق لفظ الجامع على ((صحيح مسلم))، وكذلك ذكر حاجي خليفة في ((كشف الظنون)) ((صحيح مسلم)) بلفظ ((الجامع الصحيح))، وكذلك فعل العلامة علي القاري في ((مرقاة المفاتيح)) حيث قال في ترجمة مسلم تَظّتُهُ: وله المصنّفات الجليلة غير جامعه الصحيح. قال: وإطلاق هذا اللفظ على ((صحيح مسلم)) هو الراجح على كلا التعريفين للجامع، أما على تعريف الخطاب السبكيّ فظاهر؛ لأن كتاب مسلم مرتّب على أبواب الفقه، وأما على تعريف الشيخ الدهلويّ فكذلك، وذلك لو جھین : الأول: أن الإمام مسلماً رظلُله لم يترك أحاديث التفسير رأساً، بل عقد لها هذا الباب، أما قلّة أحاديثه فيه فلِمَا ذكرنا من أن الأحاديث المرفوعة التي هي في صميم موضوع التفسير، والتي تستجمع الشروط التي التزمها مسلم قليلة، وقد أخرج تَخْتُ أحاديث كثيرة في الأبواب الأخرى لها علاقة بالتفسير، وإنما طال كتاب التفسير في ((صحيح البخاريّ))؛ لأنه يورد الأحاديث بأدنى مناسبة، ولا يرى بالتكرار بأساً، ولأنه أدخل فيه كثيراً من تفسير غريب القرآن. قال: وقد التمست من بعض أصحابي أن يتتبع الأحاديث التي أخرجها البخاريّ في ((كتاب التفسير)) كم أخرج منها مسلم في غير ((كتاب التفسير))، فتبيّن من هذا التتبّع أن اثنين وستين حديثاً أخرجها البخاريّ في ((التفسير))، وأخرجها مسلم في الأبواب الأخرى غير ((كتاب التفسير))، وإذا أضفنا إليها هذه الثمانية عشر التي أخرجها مسلم في ((كتاب التفسير)) بلغ عددها إلى ثمانين حديثاً، وهناك أحاديث أخرى في ((صحيح مسلم)) يمكن أن تُدرج في ((كتاب التفسير)) لمناسبة من المناسبات، لم يُخرجها البخاريّ في ((التفسير))، فيزداد العدد، فأحاديث التفسير في ((صحيح مسلم)) ليست قليلة بما يخرجه من كونه جامعاً. ٣٦٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير والوجه الثاني: أن أحاديث التفسير في ((جامع سفيان الثوريّ))، و((جامع سفيان بن عيينة)) قليلة أيضاً، كما ذكره الكتانيّ في ((الرسالة المستطرفة)) ناقلاً عن ((قوت القلوب))، ومع ذلك فإنهما يُطلق عليهما لفظ الجامع بالاتفاق. انتهى كلام صاحب ((التكملة))(١)، وهو بحث مفيد. قال الجامع عفا الله عنه: قد أسلفت في مقدّمة ((شرح المقدّمة)) تحقيق هذه المسألة، وترجيح القول بإطلاق لفظ ((الجامع)) على ((صحيح مسلم))، فراجعه(٢) تستفد، وبالله تعالى التوفيق. (١) - (بَابٌ فِي تَفْسِيرِ آيَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٨٤] (٣٠١٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّام بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُوَّ هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: ﴿وَأَدْخُلُواْ الْبَابَ سُبْتَدًا وَقُولُواْ حِظَةٌ تَغْفِرْ لَكُمْ خَطَيَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٨] فَدَّلُوا، فَدَخَلُوا الْبَابَ يَزْحَقُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ، وَقَالُوا: حَبَّةٌ فِي شَعَرَةٍ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) أبو عبد الله النيسابوريّ [١١]، تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. ٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همام أبو بكر الصنعانيّ [٩]، تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. ٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد، أبو عروة اليمنيّ [٧]، تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤. ٤ - (هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) الأنباويّ، أبو عقبة الصنعانيّ [٤]، تقدم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦. ٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) . تقدم فى ((المقدمة)) ٤/٢. (١) راجع: ((تكملة فتح الملهم)) ٦/ ٥٣٤ - ٥٣٦. (٢) راجع: ((قرة عين المحتاج في شرح مقدّمة صحيح مسلم بن الحجاج)) ٥٢/١ - ٥٣. ٣٦٥ (١) - بَابٌ فِي تَفْسِيرِ آيَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ - حديث رقم (٧٤٨٤) شرح الحديث: (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ)؛ أنه (قَالَ: هَذَا) مشيراً إلى مجموع من الأحاديث، (مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ) ◌َظُهُ (عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلِّ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: ﴿وَأَدْخُلُواْ الْبَابَ﴾) هذا الباب قيل: هو الباب الثامن من بيت المقدس، قاله مجاهد، وقيل: باب القرية التي أُمروا بدخولها، وهي قرية الجبارين، وهي أريحاء في المشهور، وقيل: كان لها سبعة (١) أبواب، وقال أبو عليّ: باب قرية فيها موسی وقوله: (﴿سُجَّدًا﴾) قال ابن عباس رضيًّا: منحنين، ركوعاً، وقال غيره: خضوعاً وشكراً؛ لتيسير الدخول، وقال وهب بن منبه: قيل لهم: ادخلوا الباب، فإذا دخلتموه، فاسجدوا، واشكروا الله رَات. (﴿وَقُولُواْ حِظَةٌ﴾) بمعنى حُطّ عنا ذنوبنا، قاله الحسن، وقتادة، وقال ابن جبير: معناه الاستغفار، قال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله وقولوا: ((حطة)): قال الحسن: أي: احطط عنا خطايانا، وهذا يليق بقراءة من قرأ حطةً بالنصب، وهي قراءة إبراهيم بن أبي عبلة، وقرأ الجمهور بالرفع، على أنه خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: مسألتنا حطةٌ، وقيل: أُمروا أن يقولوا على هذه الكيفية، فالرفع على الحكاية، وهي في محل نصب بالقول، وإنما مَنع النصب حركة الحكاية، ج وقيل: رُفعت لتعطى معنى الثبات؛ كقوله: ﴿سَلَمْ﴾ [الأنعام: ٥٤]. وقال وليّ الدين: ((حطة)) مرفوع على أنه خبر مبتدإٍ محذوف، تقديره: مسألتنا حطةٌ؛ أي: أن تحط عنا خطايانا، وقال بعضهم: تقديره: أمرُنا حطةٌ، وقال بعضهم: هو رفع على الحكاية(٢). واختلف في معنى هذه الكلمة، فقيل: هي اسم للهيئة من الحط؛ كالجلسة، وقيل: هي التوبة، كما قال الشاعر [من الخفيف]: فَازَ بِالْحِظَّةِ الَّتِي صَيَّرَ اللَّهُ بِهَا ذَنْبَ عَبْدِهِ مَغْفُورًا وقيل: لا يدرى معناها، وإنما تُعُبدوا بها، وروى ابن أبي حاتم، عن ابن (١) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ١٥٩/٨. (٢) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ١٥٩/٨. ٣٦٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير عباس وغيره قال: قيل لهم: قولوا: مغفرة(١) . (﴿يَغْفِرُ﴾) بالبناء للمفعول، (﴿لَكُمْ خَطَيَكُمْ﴾) وقال وليّ الدين تَخْتُهُ: في قوله تعالى: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَيَكُمْ﴾ ثلاث قراءات في المشهور: إحداها: قراءة نافع بالياء المثناة من تحتُ، مضمومة، وفتح الفاء؛ يعني: الرواية المذكورة عند مسلم. الثانية: قراءة ابن عامر بالتاء المثناة من فوقُ مضمومة، وفتح الفاء. الثالثة: قراءة الباقين بالنون مفتوحة، وكسر الفاء. انتهى (٢). (فَبَدَّلُوا)؛ أي: غيّروا، وقوله: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلًا غَيْرَ أَلَّذِى قِلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩] التقدير: فبدّل الذين ظلموا بالذي قيل لهم قولاً غير الذي قيل لهم، ويَحْتَمِل أن يكون ضَمَّن بَدّل معنى قال. (فَدَخَلُوا الْبَابَ يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ)؛ أي: ينجرون على ألياتهم، فعلَ المقعد الذي يمشي على أليته، يقال: زحف الصبي: إذا مشى كذلك، والأستاه جمع است، وهو الدُّبُر (وَقَالُوا: حَبَّةٌ فِي شَعَرَةٍ)؛ أي: قالوا ذلك على سبيل الاستهزاء، والاستخفاف بالأوامر الشرعية، وهو كلام خَلْفٌ، لا معنى له، وفي رواية للبخاريّ: قيل: حنطة، فزادوا في لفظة الحطة نوناً، وغيّروه بذلك عن مدلوله، ثم ضموا إليه هذا الكلام الخالي عن الفائدة؛ تتميماً للاستهزاء، وزيادة في العتوّ، وفي كتب التفسير أنهم قالوا: حطانا سمقانا يعنون حنطة حمراء، فعاقبهم بالرجز، وهو العذاب المقترن بالهلاك، قال ابن زيد: كان طاعوناً أهلك الله به منهم في ساعة واحدة سبعين ألفاً(٣) . وقال في ((الفتح)): قوله: ((وقالوا: حبة في شَعَرَة)) كذا للأكثر، وكذا في رواية الحسن بفتحتين، وللكشميهنيّ: ((في شَعِيرة)) بكسر المهملة، وزيادة تحتانية بعدها . والحاصل: أنهم خالفوا ما أُمروا به من الفعل، والقول، فإنهم أُمروا (١) ((الفتح)) ١٤١/١٠ - ١٤٢، ((كتاب التفسير)) رقم (٤٦٤١). (٢) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ١٥٩/٨. (٣) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ١٥٩/٨. ٣٦٧ (١) - بَابٌ فِي تَفْسِيرِ آيَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ - حديث رقم (٧٤٨٥) بالسجود عند انتهائهم؛ شكراً لله تعالى، وبقولهم: حطة، فبدلوا السجود بالزحف، وقالوا: حنطة بدل حطة، أو قالوا: حطة وزادوا فيها: حبة في شعيرة . وروى الحاكم من طريق السّدّي عن مرة، عن ابن مسعود قال: قالوا هطى سمقا، وهي بالعربية: حنطة حمراء قوية فيها شعيرة سوداء. ويستنبط منه أن الأقوال المنصوصة إذا تُعُبد بلفظها لا يجوز تغييرها، ولو وافق المعنى، وليست هذه مسألة الرواية بالمعنى، بل هي متفرعة منها، وينبغي أن يكون ذلك قيداً في الجواز، أعني: يزاد في الشرط أن لا يقع التعبد بلفظه، ولا بد منه، ومن أطلق فكلامه محمول عليه، قاله في ((الفتح)) (١). مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي هريرة تعُبه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٤٨٤/١] (٣٠١٥)، و(البخاريّ) في ((الأنبياء)) (٣٤٠٣) و((التفسير)) (٤٤٧٩ و٤٦٤١)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٢٩٥٦)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٢٨٦/٦)، و(همام بن منبه) في (صحيفته)) (١١٦)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣١٢/٢ و٣١٨)، و(ابن حبان) في ((صحيحه)) (٦٢٥١)، و(الطبريّ) في ((تفسيره)) (١٠١٩)، و(البغويّ) في ((تفسيره)) (٧٦/١)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َقْتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٨٥] (٣٠١٦) - (حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرِ النَّاقِدُ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ: حَدَّثَنِي، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ - يَعْنُونَ ابْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحِ - وَهُوَ ابْنُ كَيْسَانَ - عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكِ، أَنَّ اللهَ رَى تَابَّعَ الْوَحْيَ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَّه قَبْلَ وَفَاتِهِ حَتَّى تُوُفِّيَ، وَأَكْثَرُ مَا كَانَ الْوَحْيُ يَوْمَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ وَِّ) . (١) ((الفتح)) ١٤١/١٠ - ١٤٢. ٣٦٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرِ النَّاقِدُ) البغدادي، نزيل أَذَنة [١٠]، تقدم في ((المقدمة)) ٢٣/٤. ٢ - (الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ) نزيل مكة [١١]، تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤. ٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ [١١]، تقدم في ((الإيمان)) ١٣١/٧. ٤ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) الزهريّ المدنيّ، نزيل بغداد، من صغار [٩]، تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩. ٥ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، نزيل بغداد [٨]، تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩. ٦ - (صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ) الغفاريّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ [٤]، تقدم في ((الإيمان)) ١٤١/٩. ٧ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ الإمام الشهير رأس [٤]، تقدم في ((شرح المقدمة)) ج١ ص٣٤٨. ٨ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) الأنصاريّ الصحابيّ الخادم الشهير نظُه، تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سباعيّات المصنّف ◌َخْلَتُهُ، وأنه مسلسل بالمدنيين من يعقوب، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وهي من رواية الأقران؛ لأن صالحاً، وابن شهاب من الطبقة الرابعة، بل صالح أكبر سنّاً من ابن شهاب، وأقدم سماعاً، كما قاله في ((الفتح)) (١)، وفيه أنس رَظُه من المكثرين السبعة. شرح الحديث : (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ؛ أنه (قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) رَبُهُ (أَنَّ اللهَ رَّى تَابَعَ الْوَخْيَ عَلَى رَسُولِ اللهِنَّهِ قَبْلَ وَفَاتِهِ) وفي رواية البخاريّ: ((إن الله تابع على رسوله ◌َّير قبل وفاته))، قال في ((الفتح)): كذا للأكثر، وفي رواية أبي ذرّ: ((إن الله تابع على رسوله وقي الوحي قبل وفاته))؛ أي: أكثر إنزاله قرب وفاته وَّل، والسر (١) ((الفتح)) ١٦٠/١١. ٣٦٩ (١) - بَابٌ فِي تَفْسِيرِ آيَاتٍ مُتَفَرَّقَةٍ - حديث رقم (٧٤٨٦) في ذلك أن الوفود بعد فتح مكة كثروا، وكثر سؤالهم عن الأحكام، فكثر النزول بسبب ذلك، قال الحافظ دخّلُهُ: ووقع لي سبب تحديث أنس ◌ُله بذلك من رواية الدراورديّ، عن الإماميّ(١) عن الزهريّ: ((سألت أنس بن مالك، هل فتر الوحي عن النبيّ وَّ قبل أن يموت؟، قال: أكثر ما كان، وأجمه)). أورده ابن يونس في (تاريخ مصر)) في ترجمة محمد بن سعيد بن أبي مريم. انتهى(٢). (حَتَّى تُوُقِّيَ) بالبناء للمفعول؛ أي: مات النبيّ ◌َّ، وفي رواية البخاريّ: ((حتى توفاه أكثر ما كان الوحي))؛ أي: الزمان الذي وقعت فيه وفاته كان نزول الوحي فيه أكثر من غيره من الأزمنة. (وَأَكْثَرُ مَا كَانَ الْوَحْيُ يَوْمَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ وَلِ﴾ فيه إظهار ما تضمنته الغاية في قوله ((حتى توفي))، وهذا الذي وقع أخيراً على خلاف ما وقع أولاً، فإن الوحي في أول البعثة فتر فترة، ثم كثر، وفي أثناء النزول بمكة لم ينزل من السُّوَر الطوال إلا القليل، ثم بعد الهجرة نزلت السور الطوال المشتملة على غالب الأحكام، إلا أنه كان الزمن الأخير من الحياة النبوية أكثر الأزمنة نزولاً بالسبب المتقدم، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ظه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٤٨٥/١] (٣٠١٦)، و(البخاريّ) في ((فضائل القرآن)) (٤٩٨٢)، و(النسائيّ) في ((فضائل القرآن)) (٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٣٦/٣)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٤٤)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٨٦] (٣٠١٧) - (حَدَّثَنِي أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى - وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - وَهُوَ ابْنُ مَهْدِيٌّ - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِم، عَنْ طَارِقٍ بْنِ شِهَابٍ، أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا لِعُمَرَ: إِنَّكُمْ تَقْرَؤُونَ آيَةً لَوْ أُنْزِلَتْ فِينَا لَّأَتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيداً، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي لأَعْلَمُ (١) لم أعرف من هو؟ !. (٢) ((الفتح)) ١٦١/١١. ٣٧٠ البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير حَيْثُ أَنْزِلَتْ، وَأَّ يَوْمٍ أُنْزِلَتْ، وَأَيْنَ رَسُولُ اللهِنَّهِ حَيْثُ أُنْزِلَتْ، أُنْزِلَتْ بِعَرَفَةَ، وَرَسُولُ اللهِ وَّهِ وَاقِفٌَّ بِعَرَفَةَ، قَالَ سُفْيَانُ: أَشُُكُ كَانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، أَمْ لَا، يَعْنِي: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى﴾ [المائدة: ٣]). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو خَيْئَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) النسائيّ، ثم البغدادي [١٠]، تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى) أبو موسى العَنَزيّ الزمن البصريّ [١٠]، تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢. ٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٌّ) أبو سعيد البصريّ [٩]، تقدم في ((شرح المقدمة)) جـ١ ص٣٨٨. ٤ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ [٧]، تقدم في ((المقدمة)) ١/١. ٥ - (قَيْسُ بْنُ مُسْلِم) الجدليّ الكوفيّ [٦]، تقدم في ((الإيمان)) ١٨٥/٢٢. ٦ - (طَارِقُ بْنُ شِهَابٍَّ) البجليّ الكوفيّ [٢]، تقدم في ((الإيمان)) ١٨٥/٢٢. ٧ - (عُمَرَ) بن الخطاب بَ الُله، تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣. شرح الحديث: (عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ) البجليّ الأحمسيّ، رأى النبيّ وَّهِ، وأدرك الجاهلية، وغزا في خلافة أبي بكر وعمر بن الخطاب ﴿ها ثلاثاً وأربعين من بين غزوة وسرية، روى عن الخلفاء الأربعة وغيرهم من الصحابة، سكن الكوفة، توفي سنة ثلاث وعشرين ومائة (١). (أَنَّ الْيَهُودَ) هو عَلَم على قوم موسى ظلَّلا، وفي ((العباب)): اليهود: اليهوديون، ولكنهم حذفوا ياء الإضافة، كما قالوا: زنجيّ وزنج، وروميّ وروم، وإنما عرِّف على هذا الحدّ، فجُمع على قياس شعيرة وشعير، ثم عُرِّف الجمع بالألف واللام، ولولا ذلك لم يَجُز دخول الألف واللام؛ لأنه معرفة مؤنث، يجري في كلامهم مجرى القبيلة، ولم يجر كالحيّ. انتهى(٢). (قَالُوا لِعُمَرَ) وفي الرواية الثالثة: ((جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ (١) ((عمدة القاري ١/ ٢٦٢. (٢) ((عمدة القاري ١/ ٢٦٢. ٣٧١ (١) - بَابٌ فِي تَفْسِيرِ آيَاتٍ مُتَفَرَّقَةٍ - حديث رقم (٧٤٨٦) إِلَى عُمَرَ، فَقَالَ ... ))، قال في ((الفتح)): هذا الرجل هو كعب الأحبار، بَيّن ذلك مسدّد في ((مسنده))، والطبريّ في ((تفسيره))، والطبرانيّ في ((الأوسط))، كلهم من طريق رجاء بن أبي سلمة، عن عبادة بن نُسَيّ - بضم النون، وفتح المهملة - عن إسحاق بن خَرَشة، عن قَبيصة بن ذُؤيب، عن كعب، وللبخاريّ في ((المغازي)) من طريق الثوريّ عن قيس بن مسلم: ((أن ناساً من اليهود))، وله في ((التفسير)) من هذا الوجه بلفظ: ((قالت اليهود))، فيُحمل على أنهم كانوا حين سؤال كعب عن ذلك جماعة، وتكلم كعب على لسانهم. انتهى(١). (إِنَّكُمْ تَقْرَؤُونَ آيَةً لَوْ أُنْزِلَتْ فِینَا لَأَنَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيداً)؛ أي: لعظّمناه، وجعلناه عيداً لنا في كل سنة؛ لِعِظم ما حصل فيه من إكمال الدين، والعيد فعل من العَوْد، وإنما سمّي به؛ لأنه يعود في كل عام. (قَالَ عُمَرُ) (إِنِّي لأَعْلَمُ حَيْثُ أُنْزِلَتْ)؛ أي: في أيّ مكان أُنزِلت، (وَأَّ يَوْم أَنْزِلَتْ، وَأَيْنَ رَسُولُ اللهِنَّهِ)؛ أي: وفي أيّ مكان كان ◌َّهِ (حَيْثُ أَنْزِلَتْ) ثَّمّ بيّن ذلك، فقال: (أُنْزِلَتْ بِعَرَفَةَ) بيان للمكان، (وَرَسُولُ اللهِ نَّهِ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ) بيان لمكانه *، وفي الرواية الآتية: ((إني لأعلم اليوم الذي أنزلت فيه، والمكان الذي نزلت فيه)) وزاد في رواية: ((والساعة التي نزلت فيها على النبيّ وَجلات)). ومعنى كلام عمر ربه: أنّا ما أهملناه، ولا خفي علينا زمان نزولها، ولا مكان نزولها، وضبطنا جميع ما يتعلق بها، حتى صفة النبيّ وَّة، وموضعه في زمان النزول، وهو كونه سل﴾ قائماً حينئذ، وهو غاية في الضبط. وقال النوويّ: معناه: أنّا ما تركنا تعظيم ذلك اليوم، والمكان، أما المكان فهو عرفات، وهو معظم الحج الذي هو أحد أركان الإسلام، وأما الزمان فهو يوم الجمعة، ويوم عرفة، وهو يوم اجتمع فيه فضلان، وشرفان، ومعلوم تعظيمنا لكل واحد منهما، فإذا اجتمعا زاد التعظيم، فقد اتخذنا ذلك اليوم عيداً، وعظّمنا مكانه أيضاً، وهذا كان في حجة الوداع، وعاش النبيّ وَلّ بعدها ثلاثة أشهر، قاله في ((العمدة))(٢). (١) ((الفتح)) ١٩٣/١، ((كتاب الإيمان)) رقم (٤٥). (٢) ((عمدة القاري)) ٢٦٤/١. ٣٧٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير [فإن قيل]: كيف طابق الجواب السؤال؛ لأنه قال: ((لاتخذناه عيداً))، وأجاب عمر ظُه بمعرفة الوقت، والمكان، ولم يقل: جعلناه عيداً؟. [والجواب] عن هذا: أنها نزلت في أخريات نهار عرفة، ويوم العيد، إنما يتحقق بأوله، وقد قال الفقهاء: إن رؤية الهلال بعد الزوال للقابلة. قال الحافظ تَخْتُ: قاله هكذا بعض من تقدم، وعندي أن هذه الرواية اكتُفي فيها بالإشارة، وإلا فرواية إسحاق عن قبيصة قد نصت على المراد، ولفظه: ((نزلت يوم جمعة، يوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد))، لفظ الطبريّ، والطبرانيّ: ((وهما لنا عيدان))، وكذا عند الترمذيّ من حديث ابن عباس: ((أن يهودياً سأله عن ذلك، فقال: نزلت في يوم عيدين: يوم جمعة، ويوم عرفة)). فظهر أن الجواب تضمن أنهم اتخذوا ذلك اليوم عيداً، وهو يوم الجمعة، واتخذوا يوم عرفة عيداً؛ لأنه ليلة العيد، وهكذا كما جاء في الحديث المتقدّم في ((الصيام)): ((شهرا عيد لا ينقصان: رمضان، وذو الحجة))، فسمّي رمضان عيداً؛ لأنه يعقبه العيد. انتهى. [تنبيه]: في هذا الحديث بيانُ ضَعْف ما أخرجه الطبريّ بسند فيه ابن لهيعة، عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت يوم الإثنين، وضَعْف ما أخرجه من طريق العوفيّ عن ابن عباس: أن اليوم المذكور ليس بمعلوم، وعلى ما أخرجه البيهقيّ بسند منقطع: أنها نزلت يوم التروية، ورسول الله وَله بفناء الكعبة، فأمر الناس أن يروحوا إلى منى، وصلى الظهر بها، قال البيهقيّ: حديث عمر أولى، قال الحافظ: وهو كما قال. انتهى(١). وقوله: (قَالَ سُفْيَانٌ)؛ يعني: الثوريّ، (أَشُكُ كَانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، أَمْ لَا ، يَعْنِي: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَنْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى﴾) سيأتي في الرواية التالية عن قيس بن مسلم الجزم بأن ذلك كان يوم الجمعة، فلا يضرّ شكّ سفيان، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عمر ظُبه هذا متفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: (١) ((الفتح)) ١٠/ ٨٢. ٣٧٣ (١) - بَابٌ فِي تَفْسِيرِ آيَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ - حديث رقم (٧٤٨٦) أخرجه (المصنّف) هنا [٧٤٨٦/١ و٧٤٨٧ و٧٤٨٨] (٣٠١٧)، و(البخاريّ) في ((الإيمان)) (٤٥) و((المغازي)) (٤٤٠٧) و((التفسير)) (٤٦٠٦) و((الاعتصام)) (٧٢٦٨)، و(الترمذيّ) في ((التفسير)) (٣٠٤٣)، و(النسائيّ) في ((الحج)) (٢٥١/٥) و ((الإيمان)) (١١٤/٨)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٨/١)، و(الحميديّ) في ((مسنده)) (٣١)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (١٨٥)، و(الآجريّ) في ((الشريعة)) (ص١٠٥)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١١٨/٥)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): ١ - (منها): بيان فضل يوم عرفة، حيث إنه نزلت فيه هذه الآية الكريمة. ٢ - (ومنها): بيان وقت، ومكان نزول هذه الآية. ٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه عمر نظُله من العناية بمكان نزول الآية، وزمانها . ٤ - (ومنها): أن هذه الآية فيها بيان ما منّ الله تعالى به على هذه الأمة، حيث أكمل دينها، وأتمّ نعمه عليها، بحيث لا تحتاج إلى زيادة في أمر الدين، فكلّ ما حدث بعد أن أكمله الله تعالى، مما لا دليل له منه يُعتبر بدعة ضلالة، كما ثبت ذلك من حديث عائشة ﴿ثيا، عن النبيّ وَّر قال: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو ردّ))، متّفق عليه، وفي رواية لمسلم: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ)). ٥ - (ومنها): أنه استُدل بهذا الحديث على مزية الوقوف بعرفة يوم الجمعة على غيره من الأيام؛ لأن الله تعالى إنما يختار لرسوله وَالر الأفضل، وأن الأعمال تَشْرُف بشرف الأزمنة كالأمكنة، ويوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، وقد ثبت في ((صحيح مسلم)) عن أبي هريرة رَظُه مرفوعاً: ((خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة ... )) الحديث؛ ولأن في يوم الجمعة الساعة المستجاب فيها الدعاء، ولا سيما على قول من قال: إنها بعد العصر. قال الحافظ ◌َُّ: وأما ما ذكره رزين في ((جامعه)) مرفوعاً: ((خير يوم طلعت فيه الشمس يوم عرفة إذا وافق يوم الجمعة، وهو أفضل من سبعين حجة في غيرها)) فهو حديث لا أعرف حاله؛ لأنه لم يذكر صحابيه، ولا من أخرجه، بل أدرجه في حديث ((الموطأ)) الذي ذكره مرسلاً عن طلحة بن عبيد الله بن ٣٧٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير كريز، وليست الزيادة المذكورة في شيء من الموطآت، فإن كان له أصل احتَمَل أن يراد بالسبعين التحديد، أو المبالغة، وعلى كل منهما فثبتت المزية بذلك، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ كَظّفُهُ(١). ٦ - (ومنها): ما كتبه الحافظ ابن رجب من بحث ممتع، قد أجاد فيه، وأفاد، قال رَّتُ ما حاصله: هذا الحديث قد يؤخذ منه أن الأعياد لا تكون بالرأي والاختراع كما يفعله أهل الكتابين من قبلنا؛ إنما تكون بالشرع والاتباع، فهذه الآية لمّا تضمنت إكمال الدين وإتمام النعمة أنزلها الله في يوم شرعه عيداً لهذه الأمة من وجهين : أحدهما: أنه يوم عيد الأسبوع وهو يوم الجمعة. والثاني: أنه يوم عيد أهل الموسم، وهو يوم مجمعهم الأكبر وموقفهم الأعظم، وقد قيل: إنه يوم الحج الأكبر. وقد جاء تسميته عيداً من حديث مرفوع خرّجه أهل السنن من حديث عقبة بن عامر، عن النبيّ وَّر قال: ((يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب)). وقد أشكل وجهه على كثير من العلماء؛ لأنه يدل على أن يوم عرفة يوم عيد لا يصام، كما روي ذلك عن بعض المتقدمين، وحمله بعضهم على أهل الموقف، وهو الأصح لأنه اليوم الذي فيه أعظم مجامعهم ومواقفهم، بخلاف أهل الأمصار فإن اجتماعهم يوم النحر، وأما أيام التشريق فيشارك أهل الأمصار أهل الموسم فيها؛ لأنها أيام ضحاياهم وأكْلهم من نُسُكهم. هذا قول جمهور العلماء. وقال عطاء: إنما هي أعياد لأهل الموسم، فلا ينهى أهل الأمصار عن صيامها. وقول الجمهور أصح. ولكن الأيام التي يحدث فيها حوادث من نِعَم الله على عباده، لو صامها بعض الناس شكراً من غير اتخاذها عيداً، كان له حسناً استدلالاً بصيام النبيّ وَّرِ عاشوراء لمّا أخبره اليهود بصيام موسى عليّ (١) ((الفتح)) ١٠/ ٨٤. ٣٧٥ (١) - بَابٌ فِي تَفْسِيرِ آيَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ - حديث رقم (٧٤٨٦) شكراً، وبقول النبيّ وَّ لمّا سئل عن صيام يوم الاثنين، قال: ((ذلك يوم وُلدت فيه، وأُنزل علي فيه)). فأما الأعياد التي يجتمع عليه الناس فلا يُتجاوز بها ما شرعه الله لرسوله ﴾ وشرعه الرسول لأمته. والأعياد: هي مواسم الفرح والسرور؛ وإنما شرع الله لهذه الأمة الفرح والسرور بتمام نعمته وكمال رحمته، كما قال تعالى: ﴿قُلّ بِفَضْلِ اَللَّهِ وَبِرَحْمَتِ فِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ﴾ [يونس: ٥٨] فشرع لهم عيدين في سنة وعيداً في كل أسبوع، فأما عيدا السنة: فأحدهما: تمام صيامهم الذي افترضه عليهم كل عام، فإذا أتموا صيامهم أعتقهم من النار، فشَرَع لهم عيداً بعد إكمال صيامهم، وجعله يوم الجوائز يرجعون فيه من خروجهم إلى صلاتهم وصدقتهم بالمغفرة، وتكون صدقة الفطر وصلاة العيد شكراً لذلك. والعيد الثاني: أكبر العيدين عند تمام حجهم بإدراك حجهم بالوقوف بعرفة وهو يوم العتق من النار، ولا يحصل العتق من النار والمغفرة للذنوب والأوزار في يوم من أيام السنة أكثر منه، فجعل الله عقب ذلك عيداً؛ بل هو العيد الأكبر، فيكمل أهل الموسم فيه مناسكهم ويقضوا فيه تفتهم، ويوفون نذورهم ويطوفون بالبيت العتيق ويشاركهم أهل الأمصار في هذا العيد؛ فإنهم يشاركونهم في يوم عرفة في العتق والمغفرة وإن لم يشاركوهم في الوقوف بعرفة؛ لأن الحج فريضة العمر لا فريضة كل عام، بخلاف الصيام ويكون الشكر عند أهل الأمصار: الصلاة والنحر، والنحر أفضل من الصدقة التي في يوم الفطر؛ ولهذا أمر الله نبيّه وَّل أن يشكر نعمته عليه بإعطائه الكوثر بالصلاة له والنحر كما شرع ذلك لإبراهيم خليله؛ عند أمْره بذبح ولده وافتدائه بذبح عظيم. وأما عيد الأسبوع: فهو يوم الجمعة، وهو متعلق بإكمال فريضة الصلاة؛ فإن الله فرض على عباده المسلمين الصلاة كل يوم وليلة خمس مرات، فإذا كملت أيام الأسبوع التي تدور الدنيا عليها وأكملوا صلاتهم فيها شرع لهم يوم إكمالها - وهو اليوم الذي انتهى فيه الخلق، وفيه خُلق آدم وأدخل الجنة - عيداً يجتمعون فيه على صلاة الجمعة، وشرع لهم الخطبة تذكيراً بنِعَم الله عليهم وحثاً لهم على شكرها، وجعل شهود الجمعة بأدائها كفارة لذنوب الجمعة كلها وزيادة ثلاثة أيام. ٣٧٦ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير وقد روي أن يوم الجمعة أفضل من يوم الفطر ويوم النحر. خرّجه الإمام أحمد في ((مسنده))، وقال مجاهد وغيره. وروي أنه حج المساكين، وروي عن علي أنه يوم نُسك المسلمين. وقال ابن المسيب: الجمعة أحب إليّ من حج التطوع. وجعل الله التبكير إلى الجمعة كالهدي؛ فالمبكر في أول ساعة کالمهدي بدنة، ثم کالمهدي بقرة، ثم کالمهدي کبشاً، ثم کالمهدي دجاجة، ثم كالمهدي بيضة. ويوم الجمعة يوم المزيد في الجنة الذي يزور أهل الجنة فيه ربهم ويتجلى لهم في قدر صلاة الجمعة. وكذلك روي في يوم العيدين أن أهل الجنة يزورون ربهم فيهما، وأنه يتجلى فيهم لأهل الجنة عموماً يشارك الرجال فيها النساء. فهذه الأيام أعياد للمؤمنين في الدنيا والآخرة عموماً. وأما خواص المؤمنين: فكل يوم لهم عيد كما قال بعض العارفين. وروي عن بعضهم: كل يوم لا يعصى الله فيه فهو عيد. ولهذا روي أن خواص أهل الجنة يزورون ربهم وينظرون إليه كل يوم مرتين بكرة وعشياً. وقد خرّجه الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعاً وموقوفاً . ولهذا المعنى - والله أعلم - لمّا ذكر النبيّ ◌َّ الرؤية في حديث جرير بن عبد الله البجلي أمر عقب ذلك بالمحافظة على الصلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها؛ فإن هذين الوقتين وقت رؤية خواص أهل الجنة ربهم، فمن حافظ على هاتين الصلاتين على مواقيتها وأدائهما وخشوعهما وحضور القلب فيهما رجي له أن يكون ممن ينظر إلى الله في الجنة في وقتهما. فتبيَّن بهذا: أن الأعياد تتعلق بإكمال أركان الإسلام؛ فالأعياد الثلاثة المجتمَع عليها تتعلق بإكمال الصلاة والصيام والحج؛ فأما الزكاة: فليس لها زمان معين تكمل فيه، وأما الشهادتان: فإكمالهما هو الاجتهاد في الصدق فيهما، وتحقيقهما والقيام بحقوقهما. وخواص المؤمنين يجتهدون على ذلك كل يوم ووقت؛ فلهذا كانت أيامهم كلها أعياد، ولذلك كانت أعيادهم في الجنة مستمرة. انتهى ما كتبه الحافظ ابن رجب تَقْذُهُ(١)، وهو بحثٌ نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. (١) ((فتح الباري لابن رجب)) ٨٨/١ - ٨٩. ٣٧٧ (١) - بَابٌ فِي تَفْسِيرِ آيَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ - حديث رقم (٧٤٨٧ - ٧٤٨٨) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َظُّْ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٨٧] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ - وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرٍ - قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِم، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَتِ الْيَهُودُ لِعُمَرَ: لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ بَهُودَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينً﴾ [المائدة: ٣] نَعْلَمُ الْيَوْمَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيداً، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: فَقَدْ عَلِمْتُ الْيَوْمَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ، وَالسَّاعَةَ، وَأَيْنَ رَسُولُ اللهِ وَِّ حِينَ نَزَلَتْ، نَزَلَتْ لَيْلَةَ جَمْعٍ، وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ رَله بِعَرَفَاتٍ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) الكوفيّ [١٠]، تقدم في ((المقدمة)) ١/١. ٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الكوفيّ [١٠]، تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤. ٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ) الأوديّ الكوفيّ [٨]، تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤. ٤ - (أَبُوهُ) إدريس بن يزيد الأوديّ الكوفيّ [٧]، تقدم في ((الإيمان)) ٣٣٥/٥٩. والباقون ذُكروا قبله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َظُّْهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٨٨] ( ... ) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوٍْ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَيْسٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى عُمَرَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِّنِّينَ آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَؤُونَهَا، لَوْ عَلَيْنَا نَزَلَتْ مَعْشَرَ الْيَهُودِ، لَأَتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيداً، قَالَ: وَأَّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَتَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ اْإِسْلَمَ دِينَأْ﴾، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي لأَعْلَمُ الْيَوْمَ الَّذِي نَزَّلَتْ فِيهِ، وَالْمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ بِعَرَفَاتٍ، فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ). ٣٧٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ) المخزوميّ الكوفيّ [٩]، تقدم في ((الإيمان)» ٢٩٥/٤٦. ٢ - (أَبُو عُمَيْسٍ) عتبة بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الكوفيّ [٧]، تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٥/٤٦. والباقون ذُكروا في الباب. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفى قبل حديث، ولله الحمد . وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٨٩] (٣٠١٨) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْبَى التُّجِبِيُّ - قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ حَرْمَلَةُ: أَخْبَرَنَا - ابَّنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِ اللهِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِ الْيَ فَأَنْكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ اُلْنِسَآءِ مَثْنَ وَثَثَ وَرَُّعٌ﴾ [النساء: ٣]، قَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي هِيَ الْيَتِيمَةُ، تَكُونُ فِي حَجْرٍ وَلِيِّهَا، تُشَارِكُهُ فِي مَالِهِ، فَيُعْجِبُهُ مَالُهَا، وَجَمَالُهَا، فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقِهَا، فَيُعْطِيَهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ، فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ، إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ، وَيَبْلُغُوا بِهِنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ مِنَ الصَّدَاقِ، وَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ، قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللهِ وَلـ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ فِيهِنَّ، فَأَنْزَلَ اللهُ رَى: ﴿وَيَسْتَقْتُونَكَ فِىِ النِّسَاءِ قُلِ اَللَّهُ يُقْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِىِ الْكِتَبِ فِ يَتَى النِّسَاءِ الَّتِى لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]، قَالَتْ: وَالَّذِي ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ الآيَةُ الأُولَى الَّتِي قَالَ اللهُ فِيهَا: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِىِ الَْ فَأَنْكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ اُلْنِسَآءِ﴾، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَقَوْلُ اللهِ فِي الآيَةِ الأُخْرَى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ رَغْبَةَ أَحَدِكُمْ عَنِ الْيَتِيمَةِ الَّتِي تَكُونُ فِي حَجْرِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ الْمَالِ، وَالْجَمَالِ، فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا رَغِبُوا فِي مَالِهَا، وَجَمَالِهَا، مِنْ يَتَامَى النِّسَاءِ، إِلَّا بِالْقِسْطِ مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ). ٣٧٩ (١) - بَابٌ فِي تَفْسِيرِ آيَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ - حديث رقم (٧٤٨٩) رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ) المصريّ [١٠]، تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣. ٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْبَى التُّجِبِيُّ) المصريّ [١١]، تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣. ٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريّ [٩]، تقدم في (المقدمة)) ١٠/٣. ٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، من كبار [٧]، تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣. ٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الإمام الشهير، تقدم في ((شرح المقدمة)) ج١ ص٣٤٨. ٦ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوّام المدنيّ الفقيه [٣]، تقدم في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤٠٧. ٧ - (عَائِشَةُ) بنت الصدّيق ◌َّا، تقدمت في ((شرح المقدمة)) ج١ ص٣١٥. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف كَُّهُ، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ عن خالته، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة شرح الحديث: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ؛ أنه قال: (أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ) أم المؤمنين ◌َيُّ، وإنما سألها هذا السؤال؛ لأنه ليس نكاح ما طاب سبباً للعدل في الظاهر حتى يُؤَمَّنَ به من يَخَاف عدمه، بل قد يكون النكاح سبباً للجور للحاجة إلى الأموال. (عَنْ قَوْلِ اللهِ وَّ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِ اَلْيَ فَأُنكِحُوْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَتُلَثَ وَرُبَعَ﴾ [النساء: ٣])؛ أي: إن خفتم أن لا تعدِلُوا في مهورهنّ، وفي النفقة عليهنّ، فانكحوا غيرهنّ من النساء. قال أبو عبد الله القرطبيّ تَظَّتُهُ: ((خفتم)) من الأضداد، فإنه يكون المخوف منه معلوم الوقوع، وقد يكون مظنوناً، فلذلك اختلف العلماء في تفسير هذا الخوف، فقال أبو عبيدة: ((خفتم)) بمعنى أيقنتم. وقال آخرون: ((خفتم)) ظننتم، قال ابن عطيّة: وهذا الذي اختاره الْحُذّاق، وأنه على بابه من الظنّ، لا من اليقين، ٣٨٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب التفسير التقدير: من غلب على ظنه التقصير في القسط لليتيمة، فليعدل عنها. انتهى. ﴿أَلَّا نُقْسِطُواْ﴾؛ أي: تعدلوا، يقال: أقسط الرجل: إذا عدل، وقَسَط إذا جار، وظلم ﴾ [الجن: ١٥]؛ (١٥) صاحبه، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَبًا يعني: الجائرين. ﴿فِي الْيََّ﴾ قال النسفيّ: يقال للإناث: اليتامى، كما يقال: للذكور، وهو جمع يتيمة، ويتيم، وأما أيتام فجمع يتيم، لا غير. انتهى (١). وقال أبو العبّاس القرطبيّ ◌َُّ في ((المفهم)): اليتيم في بني آدم من قِبَل فَقْد الأب، وفي غيرهم من قِبَل فقد الأمّ، وأصل اليتيم أن يقال: على من لم يبلُغ، وقد أُطلق في هذه الآية على المحجور عليها، صغيرةً كانت، أو كبيرةً؛ استصحاباً لإطلاق اسم اليتيم لبقاء الحَجْر عليها. وإنما قلنا: إن اليتيمة الكبيرة قد دخلت في الآية؛ لأنها قد أُبيح العقد عليها في الآية، ولا تُنكح اليتيمة الصغيرة، إذ لا إذن لها، فإذا بلغت جاز نكاحها، لكن بإذنها، كما قال ◌َله فيما خرّجه الدارقطنيّ وغيره في بنت عثمان بن مظعون: ((وإنها يتيمة، ولا تُنكح إلا بإذنها))، وهذا مذهب الجمهور، خلافاً لأبي حنيفة، فإنه قال: إذا بلغت لم تحتج إلى وليّ، بناءً على أصله في عدم اشتراط الوليّ في صحّة النكاح. انتهى(٢). ﴿فَأَنْكِحُوْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَتُلَثَ وَرَُّعَ﴾ . قال أبو عبد الله القرطبيّ تَخُّْ: إن قيل: كيف جاءت ((ما)) للآدميين، وإنما أصلها لِمَا لا يعقِلُ، فعنه أجوبة خمسة: [الأول]: أن ((من)) و((ما)) قد يتعاقبان، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَهَا [الشمس: ٥]؛ أي: ومن بناها، وقال: ﴿فَمِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَى بَطْنِهِ، وَمِنْهُمُ مَّنْ يَمْشِى عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَى أَرْبَعْ﴾ [النور: ٤٥] فـ((ما)) لههنا لمن يعقل، وهنّ النساء؛ لقوله بعد ذلك، مبيّناً لمبهم ((ما))، وقرأ ابن أبي عبلة: ((من طاب)) على ذِكر من يعقل. [الثاني]: قال البصريون: ((ما)) تقع للنعوت كما تقع لِمَا لا يعقل، يقال: ما عندك؟ فيقال: ظريفٌ وكريمٌ، فالمعنى: فانكحوا الطيّب من النساء؛ أي: الحلال، وما حرّمه الله فليس بطيّب، وفي التنزيل: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣]، فأجابه موسى على وفق ما سأل. (١) ((تفسير النسفيّ)) ٢٠٥/١. (٢) ((المفهم)) ٣٢٦/٧.