النص المفهرس
صفحات 281-300
٢٨١ (١٣) - بَابُ النَّهْىِ عَنِ الْمَدْحِ، إِذَا كَانَ فِيهِ إِفْرَاطٌ، وَخِيفَ مِنْهُ فِتْنَةٌ عَلَى الْمَمْدُوحِ - حديث رقم (٧٤٧٢ - ٧٤٧٣) يشتبه عليه من حاله بالإعجاب، قاله النوويّ تَخْذَتْهُ(١). والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، ولله الحمد. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٧٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ (ح) وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ،َ بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثٍ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْع، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا: فَقَالَ رَجُلٌ: مَا مِنْ رَجُلٍ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ أَفْضَلُ مِنْهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة : ١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) بن محمد بن بكير البغداديّ [١٠]، تقدم في ((المقدمة)) ٢٣/٤. ٢ - (هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِم) أبو النضر البغداديّ [٩]، تقدم في ((المقدمة)) ٣٦/٦. ٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد الله بن محمد الكوفيّ [١٠]، تقدم في ((المقدمة)) ١/١. ٤ - (شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ) المدائنيّ، خراسانيّ الأصل [٩]، تقدم في ((المقدمة)) ٤٠/٦. و ((شعبة)) تقدم قبله. [تنبيه]: رواية شبابة بن سوّار عن شعبة ساقها ابن ماجه تَخْتُ في ((سننه))، فقال: (٣٧٤٤) - حدّثنا أبو بكر، ثنا شبابة، عن شعبة، عن خالد الحذاء، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، قال: مدح رجل رجلاً عند رسول الله وَلَه، فقال رسول الله وَله: ((ويحك قطعت عنق صاحبك مراراً، ثم قال: إن كان أحدكم مادحاً أخاه، فليقل: أحسبه، ولا أزكي على الله أحداً)). انتهى(٢). وأما رواية هاشم بن القاسم عن شعبة، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٧٣] (٣٠٠١) - (حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةً، عَنْ أَبِي (١) ((شرح النوويّ)) ١٢٧/١٨. (٢) ((سنن ابن ماجه)) ١٢٣٢/٢. ٢٨٢ البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق مُوسَى، قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ◌َّهَ رَجُلاَّ يُثْنِي عَلَى رَجُلٍ، وَيُطْرِبِهِ فِي الْمِدْحَةِ، فَقَالَ: (لَقَدْ أَهْلَكْتُمْ، أَوْ قَطَعْتُمْ ظَهْرَ الرَّجُلِ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ) البغداديّ [١٠]، تقدم في ((المقدمة)) ٢٧/٥. ٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) الْخُلْقَانيّ الكوفيّ [٨]، تقدم في (المقدمة)) ٢٧/٥. ٣ - (بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ) الكوفيّ [٦]، تقدم في ((الإيمان)) ١٦ /١٧١. ٤ - (أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ عامر، أو الحارث الكوفي [٣]، تقدم في «الإيمان)» ١٦/ ١٧١. ٥ - (أَبُو مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريّ الصحابيّ ضيعنه، تقدم في ((الإيمان)) ١٦ / ١٧١. [تنبيه]: وقع في بعض نُسخ مسلم في هذا السند غلط فاحش، وذلك أنه سقط قوله: ((عن أبي بردة)) بعد قوله: ((عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة))، فصار بعده مباشرة: ((عن أبي موسى))، فبناء على هذا وقع الشيخ الهرري في غلط، فقال: إن هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف، والصواب أنه من خماسيّاته بزيادة أبي بردة. ومما يترتب على إسقاط بريد من السند أنه يكون منقطعاً؛ لأنه لم يلق أبا موسى، مع أن هذا السند مما اتفق الشيخان على إخراجه عن شيخ واحد، فتنبّه، وبالله تعالى التوفيق. [تنبيه آخر]: قال في ((الفتح)): هذا الحديث مما اتفق الشيخان على تخريجه عن شيخ واحد، ومما ذكره البخاري بسنده ومتنه في موضعين، ولم يتصرف في متنه، ولا إسناده، وهو قليل في كتابه، وقد أخرجه أحمد في ((مسنده)) عن محمد بن الصباح، وقال عبد الله بن أحمد بعد أن أخرجه عن أبيه عنه: قال عبد الله: وسمعته أنا من محمد بن الصباح، فذكره. انتهى (١). (١) ((الفتح)) ١٣ /٦١٧. ٢٨٣ (١٣) - بَابُ النَّهْىِ عَنِ الْمَدْحِ، إِذَا كَانَ فِيهِ إِفْرَاطٌ، وَخِيفَ مِنْهُ فِتْنَةٌ عَلَى الْمَمْدُوحِ - حديث رقم (٧٤٧٣) شرح الحديث: (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريّ ◌َبه؛ أنه (قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ◌َله رَجُلاً يُثْنِي عَلَى رَجُلٍ) قال الحافظ تَخْتُ: لم أقف على اسمهما صريحاً، ولكن أخرج أحمد، والبخاريّ فَي (الأدب المفرد)) من حديث مَحْجن بن الأدرع الأسلميّ، قال: أخذ رسول الله وَ ل﴿ بيدي، فذكر حديثاً قال فيه: «فدخل المسجد، فإذا رجل يصلي، فقال لي: من هذا؟ فأثنيت عليه خيراً، فقال: اسكت لا تسمعه، فتهلكه))، وفي رواية له: ((فقلت: يا رسول الله هذا فلان، وهذا، وهذا))، وفي أخرى له: (هذا فلان، وهو من أحسن أهل المدينة صلاة، أو من أكثر أهل المدينة ... )) الحديث، والذي أثنى عليه محجن يُشبه أن يكون هو عبد الله ذو البجادين (١) المزنيّ، فقد ذكرت في ترجمته في ((الصحابة)) ما يقرب من ذلك. انتهى(٢). (وَيُطْرِيهِ) بضم أوله، وبالطاء المهملة، من الإطراء، وهو المبالغة في المدح، (فِي الْمِدْحَةِ) بكسر الميم؛ أي: المدح، ووقع في بعض نُسخ البخاريّ: في ((المدح)) بفتح الميم بلا هاء، وفي أخرى: ((في مدحه)) بفتح الميم، وزيادة الضمير، قال الحافظ: والأول هو المعتمَد. [تنبيه]: قال الفيّوميّ كَّلُهُ: مَدَحْتُهُ مَدْحاً، من باب نفع: أثنيت عليه بما فيه، من الصفات الجميلة، خِلْقِيّة كانت، أو اختيارية، ولهذا كان المدح أعمّ من الحمد، قال الخطيب التبريزيّ: المَدْحُ من قولهم: انْمَدَحَتِ الأرضُ: إذا اتسعت، فكأن معنى مدحته: وسّعت شكره، ومَدَهْتُهُ مَذْهاً مِثْلُهُ، وعن الخليل: بالحاء للغائب، وبالهاء للحاضر، وقال السَّرَقُسْطِيّ: ويقال: إن الْمَدْهَ في صفة الحال، والهيئة، لا غير. انتهى(٣). (فَقَالَ) ◌َِّ: (لَقَدْ أَهْلَكْتُمْ، أَوْ قَطَعْتُمْ) ((أو)) هي للشكّ من الراوي؛ أي: أو قال: قطعتم (ظَهْرَ الرَّجُلِ))) قال في ((الفتح)): كذا فيه بالشكّ، وكذا لمسلم، وتقدّم في حديث أبي بكرة الذي قبله بلفظ: ((قطعت عنق صاحبك))، وهما بمعنى، والمراد بكل منهما الهلاك؛ لأن من يقطع عنقه يُقتل، ومن يقطع ظهره يهلك. انتهى. (١) وقع في النسخة ((ذو النجادين)) بالنون، وهو غلط، والصواب ذو البجادين. (٣) (المصباح المنير)) ٢/ ٥٦٦. (٢) ((الفتح)) ٦١٨/١٣. ٢٨٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق مسألتان تتعلقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ ◌ُه هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٤٧٣/١٣] (٣٠٠١)، و(البخاريّ) في ((الشهادات)) (٢٦٦٣) و((الأدب)) (٦٠٦٠) وفي ((الأدب المفرد)) (١٢٢/١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤١٢/٤)، و(ابنه) في ((الزوائد)) (٤١٢/٤)، و(البيهقيّ) في «الكبرى)) (٢٤٢/١٠) و((شعب الإيمان)) (٢٢٦/٤)، و(ابن عساكر) في ((تاريخ دمشق)) (٣٨٧/٢٣)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَخْتُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٧٤] (٣٠٠٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، جَمِيعاً عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، قَالَ: قَامَ رَجُلٌ يُغْنِي عَلَى أَمِيرٍ مِنَ الأُمَرَاءِ، فَجَعَلَ الْمِقْدَادُ يَحْثِي عَلَيْهِ التُّرَابَ، وَقَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ وَلِ أَنَّ نَحْيِيَ فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ التُّرَابَ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) ذُكر قبل حديث. ٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى العنزيّ البصريّ [١٠]، تقدم في ((المقدمة)) ٢/٢. ٣ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديّ البصريّ [٩]، تقدم في ((شرح المقدمة)) جـ١ ص٣٨٨. ٤ - (سُفْيَانُ) الثوريّ [٧]، تقدم في ((المقدمة)) ١/١. ٥ - (حَبِيبُ) بن أبي ثابت، أبو يحيى الكوفيّ [٣]، تقدم في ((المقدمة)) ١/١. [تنبيه]: قال الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ تَّهُ: هكذا إسناد هذا الحديث - يعني: بلفظ حبيب - وفي نسخة ابن ماهان: سفيان عن حميد، عن مجاهد، جعل حميداً مكان حبيب، وهو تصحيف، والصواب: حبيب، ٢٨٥ (١٣) - بَابُ النَّهْرِ عَنِ الْمَدْحِ، إِذَا كَانَ فِيهِ إِفْرَاطٌ ، وَخِيفَ مِنْهُ فِتْنَةٌ عَلَى الْمَمْدُوحِ - حديث رقم (٧٤٧٤) وهو ابن أبي ثابت. انتهى(١). ٦ - (مُجَاهِدُ) بن جبر المخزوميّ، أبو الحجاج المكيّ [٣]، تقدم في ((المقدمة)) ٢١/٤. ٧ - (أبو مَعْمَرٍ) عبد الله بن سخبرة الكوفيّ [٢]، تقدم في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص ٤٧٠. ٨ - (الْمِقْدَادُ) بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة الْبَهْرانيّ، ثم الكنديّ، ثم الزهريّ، حالف أبوه كندة، وتبناه الأسود بن عبد يغوث الزهريّ، فنُسب إليه، صحابيّ مشهور، من السابقين، لم يثبت أنه كان ببدر فارس غيره، مات سنة ثلاث وثلاثين، وهو ابن سبعين سنة (ع) تقدم في ((الإيمان)) ٢٨١/٤٣. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْذَلُهُ، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض . شرح الحديث: (عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ) عبد الله بن سَخْبرة؛ أنه (قَالَ: قَامَ رَجُلٌ) لم يُسمّ، (يُثْنِي عَلَى أَمِيرٍ مِنَ الأُمَرَّاءِ) هو عثمان بن عفّان ◌َظُبه، كما في الرواية التالية، (فَجَعَلَ)؛ أي: شرع، وأخذ (الْمِقْدَادُ) بن عمرو ◌َظُهُ (يَحْثِي) بالياء، ويجوز يحثو بالواو، يقال: حَثَا الرجلُ الترابَ يَحْثُوهُ حَثْواً، ويَحْثِيهِ حَثْياً، من باب رمى لغة: إذا هاله بيده، وبعضهم يقول: قبضه بيده، ثم رماه، ولا يكون إلا بالقبض والرمي، وقولهم في الماء: يكفيه أن يَحْتُوَ ثلاث حَثَواتٍ، المراد: ثلاث غرفات، على التشبيه، قاله الفيّوميّ تَخْتُ(٢). (عَلَيْهِ التُّرَابَ، وَقَالَ) المقداد ◌َظُه: (أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ أَنْ نَحْشِيَ فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ)؛ أي: الذين صناعتهم الثناء على الناس، والمدحُ كما في ((الصحاح)): الثناء الحسن، قال التبريزيّ: من قولهم: تمدحت الأرض: إذا اتسعت، فكأن معنى مدحته: وسعته شكراً (٣). (التُّرَابَ) الحثو في التراب (١) ((تقييد المهمل)) ٩٣٦/٣. (٣) ((فيض القدير)) ٣٦٢/١. (٢) ((المصباح المنير)) ١٢١/١. ٢٨٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق بمنزلة الصب في الماء، والمراد زجر المادح، والحث على منعه من المدح؛ لإيرائه الغرور والتكبر، أو أنه يُخَيَّب، ولا يعطى، أو معناه: أعطوهم قليلاً يشبه التراب؛ لقلّته، وخسّته، أو اقطعوا ألسنتهم بالمال، فإنه شيء حقير كالتراب، وهذا يؤذن بذم الاحتراف بالشعر، وقيل: لا تؤاخ شاعراً، فإنه يمدحك بثمن، ويهجوك مجاناً، قال بعضهم: فَلَيْتَ أَنِّي لَمْ أَكُنْ شَاعِرًا الْكَلْبُ وَالشَّاعِرُ فِي مَنْزِلٍ يَسْتَطْعِمُ الْوَارِدَ وَالصَّادِرَا(١) هَلْ هُوَ إِلَّا بَاسِطٌ كَفَّهُ وقال في ((المرقاة)): قوله: ((المدّاحين))؛ أي: المبالغين في المدح، متوجهين إليكم طمعاً، سواء يكون نثراً أو نظماً، ((فاحثوا)) بهمزة وصل، وضم مثلثة؛ أي: ارموا في وجوههم، قيل: يؤخذ التراب، ويُرمَى به في وجه المداح؛ عملاً بظاهر الحديث، وقيل: معناه: الأمر بدفع المال إليهم؛ إذ المال حقير كالتراب بالنسبة إلى العرض في كل باب؛ أي: أعطوهم إياه، واقطعوا به ألسنتهم؛ لئلا يهجوكم، وقيل: معناه أعطوهم عطاء قليلاً، فشبّهه لقّته بالتراب، وقيل: المراد منه أن يخيب المادح، ولا يعطيه شيئاً لمدحه، والمراد: زجر المادح، والحث على منعه من المدح؛ لأنه يجعل الشخص مغروراً، ومتكبراً. قال الخطابيّ: المداحون هم الذين اتخذوا مدح الناس عادة، وجعلوه بضاعة، يستأكلون به الممدوح، فأما من مَدَح الرجل على الفعل الحسن، والأمر المحمود، يكون منه ترغيباً له في أمثاله، وتحريضاً للناس على الاقتداء في أشباهه، فليس بمداح. وفي ((شرح السُّنَّة)): قد استعمل المقداد رظُبه الحديث على ظاهره في تناول عين التراب، وحثيه في وجه المادح، وقد يُتأول على أن يكون معناه الخيبة والحرمان؛ أي: من تعرض لكم بالثناء والمدح، فلا تعطوه، واحرِموه، كنى بالتراب عن الحرمان، كقولهم: ما في يده غير التراب، وكقوله: إذا جاءك يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه تراباً . وفي الجملة المدح والثناء على الرجل مكروه؛ لأنه قلما يسلم المادح (١) ((فيض القدير)) ٣٦٢/١. ٢٨٧ (١٣) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْمَدْحِ، إِذَا كَانَ فِيهِ إِفْرَاطٌ، وَخِيفَ مِنْهُ فِتْنَةٌ عَلَى الْمَمْدُوحِ - حديث رقم (٧٤٧٥) عن كذب يقوله في مدحه، وقلما يسلم الممدوح من عُجْب يدخله. انتهى (١). قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن المعنى الصحيح هو الذي عمل المقداد رؤيته، وهو أخذ التراب ورميه في وجوه المداح؛ لأنه ظاهر الحديث، ولا يُعدل عن الظاهر إلا لموجب، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث المقداد بن عمرو رّه هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّهُ. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٤٧٤/١٣ و٧٤٧٥ و٧٤٧٦] (٣٠٠٢)، و(البخاريّ) في ((الأدب المفرد)) (١٢٤/١)، و(أبو داود) في ((الأدب)) (٤٨٠٤)، و(الترمذيّ) في ((الزهد)) (٢٣٩٣)، و(ابن ماجه) في ((الأدب)) (٣٧٨٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٥/٦)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (١٥/١٣)، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٧٥] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ، أَنَّ رَجُلاً جَعَلَ يَمْدَحُ عُثْمَانَ، فَعَمَدَ الْمِقْدَادُ، فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَكَانَ رَجُلاًّ ضَخْماً، فَجَعَلَ يَحْثُو فِي وَجْهِهِ الْحَصْبَاءَ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: مَا شَأْتُكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَدَّاحِينَ، فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمُ الُّرَابَ))). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) المعروف ببندار البصريّ [١٠]، تقدم في ((المقدمة)) ٢/ ٠٢ ٢ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر الكوفيّ [٦]، تقدم في ((شرح المقدمة)) ج١ ص٢٩٦. ٣ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد النخعيّ الكوفيّ [٥]، تقدم في ((المقدمة)) ٥٢/٦. ٤ - (هَمَّامُ بْنُ الْحَارِثِ) النخعيّ الكوفيّ [٢]، تقدم في ((الإيمان)) ٢٩٨/٤٧. والباقون ذُكروا قريباً. (١) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ١٤/ ٩٣. ٢٨٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق شرح الحديث : (أَنَّ رَجُلاً) لم يُعرف، (جَعَلَ)؛ أي: شرع وأخذ (يَمْدَحُ عُثْمَانَ) بن عفّان ◌َظُبه، (فَعَمَدَ) بفتح الميم، من باب ضرب؛ أي: قصد (الْمِقْدَادُ) نَظُه (فَجَثًا)؛ أي: برك (عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَكَانَ) المقداد (رَجُلاً ضَخْماً)؛ أي: عظيم الجثّة، وكأن الراوي ذكر هذا لبيان أنه مع كونه جسيماً تكبّد مشقة الجثو على ركبتيه اهتماماً بشأن تنفيذ أمره وَّةٍ، (فَجَعَلَ)؛ أي: شرع (يَحْثُو) بالواو، ويقال بالياء أيضاً، (فِي وَجْهِهِ)؛ أي: وجِه ذلك المدّاح (الْحَصْبَاءَ) بالمدّ هي صغار الحصى، (فَقَالَ لَهُ عُثْمَانٌ) وَظُه (مَا شَأْنُكَ؟)؛ أي: لِمَ تفعل هذا؟ (فَقَالَ) المقداد: (إِنَّ رَسُولَ اللهِنَِّ قَالَ: ((إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَذَّاحِينَ، فَاحْثُوا) بالواو، وبالياء؛ أي: ارموا (فِي وُجُوهِهِمُ الُّرَابَ))). قال القرطبيّ كَظْلُهُ: قوله: ((يحثو في وجهه الحصباء)) كأن هذا الرجل أكثر من المدح حتى صدق عليه أنه مدّاح، ولذلك عمل المقداد بظاهر ذلك الحديث، فحثا في وجهه التراب، ولعلّ هذا الرجل كان ممن اتخذ المدح عادة، وحرفة، فصَدَق عليه مدّاح، وإلا فلا يصدق ذلك على من مدح مرّة، أو مرّتين، أو شيئاً أو شيئين، وقد بيّن الصحابيّ نَّه بفعله أن مراد النبيّ وَّ﴾ من هذا الحديث حمله على ظاهره، فعاقب المدّاح برمي التراب في وجهه، وهو أقعد بالحال، وأعلم بالمقال. وقد تأوّله غير ذلك الصحابي تأويلات؛ لأنَّه رأى أن ظاهره جفاء، والنبيّ وَّه لا يأمر بالجفاء. فقيل: إن معناه: خيّبوهم، ولا تعطوهم شيئاً؛ لأنَّ من أعطي التراب لم يُعْطَ شيئاً، كما قد جاء في الحديث الآخر: ((إذا جاء صاحب الكلب يطلب ثمنه، فاملأ كفه تراباً))، رواه أحمد؛ أي: خيّبه، ولا تعطه شيئاً. وقيل: إن معناه: أعطه، ولا تبخل عليه، فإنَّ مآل كل ما يعطى إلى التراب، كما قال [من الطويل]: وَكُلُّ الَّذِي فَوْقَ الثُّرَابِ تُرَابُ إِذَا صَحَّ مِنْكَ الْوُدُّ فَالْكُلُّ هَيِّنٌ وقيل: معناه: التنبيه للممدوح على أن يتذكّر أن المبدأ والمنتهى التراب، فليعرضه على نفسه؛ لئلا يعجب بالمدح، وعلى المدّاح، لئلا يُفرط، ويُطري بالمدح، وأشبه المَحامل بعد المحمل الظاهر الوجه الأول، وما بعده ليس عليه معۆّل. انتھی(١). (١) ((المفهم)) ٦٢٨/٦ - ٦٢٩. ٢٨٩ (١٣) - بَابُ التَّهْيِ عَنِ الْمَدْحِ، إِذَا كَانَ فِيهِ إِفْرَاطٌ، وَخِيفَ مِنْهُ فِتْنَةٌ عَلَى الْمَمْدُوحِ- حديث رقم (٧٤٧٦) قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة القول أن في معنى هذا الحديث ست تأويلات: الأول: أنه محمول على حقيقته، وهو الذي عمل به الصحابيّ الراوي له، وهو أعلم بما رواه من غيره، فهو أرجح الأقوال الآتية. الثاني: أنه كناية عن تخييبه، والمراد بالمداحين: هم المحترفون بالمدح، يتملقون به لأخذ المال. الثالث: أن المراد أن يقول للمادح: بفيك التراب، والعرب تقول هذا لمن تکره قوله. الرابع: أن يأخذ الممدوح تراباً فيبذره بين يديه ليتذكر أصله، وأن مصيره إليه، فلا يغتر بقول المدّاح. الخامس: أن المراد إعطاؤه ما طلب؛ لأن كل ما فوق التراب تراب. السادس: أن يقوم الممدوح عن مجلس المادح، ويثير بقيامه التراب عليه(١)، وكل هذه التأويلات بعيدة عن معنى الحديث، فالصواب هو الأول الذي عمل به الصحابيّ الراوي، والله تعالى أعلم. والحديث من أفراد المصنّف تَخْتُهُ، وقد مضى تخريجه، ولله الحمد. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٧٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ (ح) وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الأَشْجَعِيُّ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدِ الرَّحْمَنِ (٢)، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الأَعْمَشِ، وَمَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنِ الْمِقْدَادِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ بِمِثْلِهِ). رجال هذا الإسناد: أحد عشر: وكلهم تقدّموا قريباً. و(عبد الرحمن)) هو: ابن مهديّ. و(سفيان)) هو: الثوريّ. و((عبيد الله بن عبيد الرحمن)) بتصغير الاسمين، هذا هو الصواب، ووقع في بعض النسخ بتكبير الثاني، وهو غلط، فتنبّه. (١) راجع: (تكملة فتح الملهم)) ٦/ ٥٠٠ - ٥٠١. (٢) وقع في نسخة: ((عبد الرحمن)) مكبّراً، وهو غلط. ٢٩٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق [تنبيه]: رواية سفيان عن منصور ساقها البزّار تَّتُهُ في ((مسنده))، فقال: (٢١٠٧) - حدّثنا محمد بن بشار، قال: نا عبد الرحمن بن مهديّ، قال: نا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن همام، عن المقداد، عن النبيّ وَالر قال: ((إذا رأيتم المداحين، فاحثوا في وجوههم التراب)). انتهى(١). وأما رواية سفيان عن الأعمش ومنصور كلهما فلم أجد من ساقها، فَلْيُنظر، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيِّدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾ . (١٤) - (بَابُ مُنَاوَلَةِ الأَكْبَرِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٧٧] (٣٠٠٣) - (حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا صَخْرٌ - يَعْنِي: ابْنَ جُوَيْرِيَةَ - عَنْ نَافِعِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: «أَرَانِي فِي الْمَنَامِ أَتَسَوَُّكَ بِسِوَاكِ، فَجَذَبَنِي رَجُلَانِ: أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الآخَرِ، فَنَاوَلْتُ السِّوَاَ الأَصْغَرَ مِنْهُمَا، فَقِيلَ لِي: كَبِّرْ، فَدَفَعْتُهُ إِلَى الأَكْبَرِ))). قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث تقدّم للمصنّف تَّتُهُ في ((كتاب الرؤيا)) برقم [٥٩١٨/٥] (٢٢٧١)، وقد استوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. وقوله: (فَجَذَبَنِي رَجُلَانٍ) الجبذ لغة في الجذب، والرجلان هما: جبريل، وميكائيل، والقائل: كبِّر هو جبريل(٢)، وفي كون الرجلين جبريل ومكيائيل نَظَر لا يخفى، والله تعالى أعلم. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْثُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلّهِ عَلَيْهِ تَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ . - (١) ((مسند البزار)) ٣٨/٦. (٢) (تنبيه المعلم)) ص ٤٥٤. ٢٩١ (١٥) - بَابُ التَّنَبُّتِ فِي الْحَدِيثِ، وَحُكْمٍ كِتَابَةِ الْعِلْمِ - حديث رقم (٧٤٧٨) (١٥) - (بَابُ الََّبّتِ فِي الْحَدِيثِ، وَحُكْمِ كِتَابَةِ الْعِلْمِ) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٧٨] (٢٤٩٣)(١) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا بِهِ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ، وَيَقُولُ: اسْمَعِي يَا رَبَّةَ الْحُجْرَةِ، اسْمَعِي يَّأَ رَبَّةَ الْحُجْرَةِ، وَعَائِشَةُ تُصَلِّي، فَلَمَّا قَضَتْ صَلَاتَهَا، قَالَتْ لِعُرْوَةَ: أَلَا تَسْمَعُ إِلَى هَذَا، وَمَقَالَتِهِ آنِفاً، إِنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ وَ يُحَدِّثُ حَدِيثاً لَوْ عَدَّهُ الْعَادُّ لأَحْصَاهُ). رجال هذا الإسناد: خمسة : وكلهم تقدّموا غير مرّة. شرح الحديث: (عَنْ هِشَام) بن عروة (عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير؛ أنه (قَالَ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ) رَظُبه؛ (يُحَدِّثُ) الناس بأحاديث رسول الله وَّةِ، (وَيَقُولُ) لعائشة (اسْمَعِي يَا رَبَّةَ الْحُجْرَةِ)؛ أي: صاحبة البيت، (اسْمَعِي يَا رَبَّةَ الْحُجْرَةِ) كرّره للتأكيد، وغرض أبي هريرة ظه من ذلك تقوية أحاديثه بسماع عائشة ثنا، وتقريرها عليه، وقد حصل ذلك، فإنها ما أنكرت من حديثه شيئاً، وإنما أنكرت سَرْده الحديث فقط. (وَعَائِشَةُ)؛ أي: والحال أن عائشة ◌َؤُّا (تُصَلِّي، فَلَمَّا قَضَتْ صَلَاتَهَا)؛ أي: فرغت منها، وسلّمت (قَالَتْ لِعُرْوَةَ: أَلَا تَسْمَعُ إِلَى هَذَا) تريد أبا هريرة، (وَمَقَالَتِهِ)؛ أي: وإلى مقالته التي قالها (آنِفاً) بالمدّ؛ كصاحب، والقصر؛ ككَتف، وقرئ بهما؛ أي: مذ ساعة؛ أي: في أول وقت يقرُبُ منّا، قاله المجد تَظْهُ(٢). (إِنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ وَّهِ يُحَدِّثُ حَدِيثاً)؛ أي: مرتّلاً، ومفصّلاً، لا يشتبه على من سمعه بحيث (لَوْ عَدَّهُ الْعَادُّ)؛ أي: أحصاه المحصي بالعدد، (الأَحْصَاهُ)؛ أي: لو عدّ كلماته، أو مفرداته، أو حروفه لأطاق ذلك، وبلغ آخرها، والمراد بذلك: المبالغة في الترتيل والتفهيم. (١) مكرّر. (٢) ((القاموس المحيط)) ص ٦٥. ٢٩٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق وفي رواية البخاريّ: ((لم يكن يسرد الحديث كسردكم))؛ أي: لم يكن يتابع الحديث استعجالاً؛ أي: كان يتكلم بكلام متتابع مفهوم واضح على سبيل التأني؛ لئلا يلتبس على المستمع، وفي رواية الإسماعيليّ عن ابن المبارك، عن يونس: ((إنما كان حديث رسول اللهوهل﴿ فصلاً فهماً تفهمه القلوب))، واعتُذر عن أبي هريرة رضيه بأنه كان واسع الرواية، كثير المحفوظ، فكان لا يتمكن من المهل عند إرادة التحديث، كما قال بعض البلغاء: أريد أن أقتصر، فتزدحم القوافي عليّ (١) . والحاصل: أن غرض عائشة ﴿ّا بذلك حثّ أبي هريرة رَظُه على عدم الاستعجال في حال الرواية، وعدم الإكثار؛ لأنه ◌َّ ما كان يُكثر الحديث في مجلس واحد، ولا يسرده سرداً، وإنما يُحدّث بأحاديث قليلة، وتكون مفصّلةً، ويكررها ثلاث مرّات، كما في حديث أنس ◌َه، ((عن النبيّ وَّ: كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً، حتى تُفهم عنه، وإذا أتى على قوم فسلّم عليهم، سلَّم عليهم ثلاثاً))، رواه البخاريّ، فهذا هو وجه إنكارها، والله تعالى أعلم. مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة رضيّا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٤٧٨/١٥] (٢٤٩٣)، و(البخاريّ) في (المناقب)) (٣٥٦٧ و٣٥٦٨)، و(أبو داود) في ((العلم)) (٣٦٥٤ و٣٦٥٥)، و(الترمذيّ) في ((المناقب)) (٣٦٣٩). وهذا الحديث تقدّم للمصنّف طرف منه في كتاب ((فضائل الصحابة (( برقم [٦٣٧٩/٣٥] (٢٤٩٣) وقد استوفيت البحث فيه هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َظْتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٧٩] (٣٠٠٤) - (حَدَّثَنَا هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ الأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلـ (١) ((عمدة القاري)) ١١٥/١٦. ٢٩٣ (١٥) - بَابُ التَّنَبُّتِ فِي الْحَدِيثِ، وَحُكْمِ كِتَابَةِ الْعِلْمِ - حديث رقم (٧٤٧٩) قَالَ: ((لَا تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ، وَحَدِّثُوا عَنِّي، وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ - قَالَ هَمَّامٍ: أَحْسِبُهُ قَالَ -: مُتَعَمِّداً، فَلْيَتَبَوَّأُ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ))). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (هَذَّابُ بْنُ خَالِدِ الأَزْدِيُّ) هو: هدبة بن خالد، تقدّم قريباً. ٢ - (هَمَّامُ) بن يحيى بن دينار الْعَوْذيّ البصريّ [٧]، تقدم في ((المقدمة)) ٧٠/٦. ٣ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) العدوي مولاهم المدنيّ [٣]، تقدم في ((الإيمان)) ٢٥٠/٣٦. ٤ - (عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ) مولى ميمونة، أخو سليمان المدنيّ [٣]، تقدم في ((الإيمان)) ٢١٣/٢٦. ٥ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان الصحابيّ ابن الصحابيّ ◌ًا، تقدم في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤٨٥. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَخْلُ، وأنه مسلسل بالمدنيين من زيد، والباقيان بصريّان، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وهو من رواية الأقران، وفيه أبو سعيد ظُه من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثاً. شرح الحديث: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) ◌َبه؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ قَالَ: (لَا تَكْتُبُوا عَنِّي)؛ أي: غير القرآن بدليل ما بعده، (وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ)؛ أي: ليمسحه؛ لئلا يختلط بالقرآن. قال القرطبيّ كَّهُ: كان هذا النهي متقدماً، وكان ذلك لئلا يختلط بالقرآن ما ليس منه، ثم لمّا أُمن من ذلك أبيحت الكتابة، كما أباحها النبيّ وَّ لأبي شاهٍ في حجَّة الوداع حين قال: ((اكتبوا لأبي شاهٍ))، فرأى علماؤنا هذا ناسخاً لذلك. قال: ولا يبعد أن يكون النبيّ وَّ إنما نهاهم عن كَتْب غير القرآن؛ لئلا يتكلوا على كتابة الأحاديث، ولا يحفظوها، فقد يضيع المكتوب، ولا يوجد في وقت الحاجة، ولذلك قال مالك: ما كتبت في هذه الألواح قط، قال: ٢٩٤ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق وقلت لابن شهاب: أكنت تكتب الحديث؟ قال: لا. انتهى (١). وقال ابن حبّان بعد إخراج الحديث ما نصّه: قال أبو حاتم تَّتُهُ: زَجْرِهِ وَّ عن الكتابة عنه، سوى القرآن، أراد به الحثّ على حفظ السنن، دون الاتكال على كتابتها، وتَرْك حفظها، والتفقه فيها، والدليل على صحة هذا إباحته 0* لأبي شاه كتابة الخطبة التي سمعها من رسول الله وَليّة، وإذنه لعبد الله بن عمرو بالكتابة. انتهى(٢). (وَحَدِّثُوا عَنِّي) بما صحّ إليكم من أحاديثي، (وَلَا حَرَجَ)؛ أي: لا إثم عليكم في التحديث عني، ولو كان كثيراً ما دام صحيحاً، (وَمَنْ) شرطيّة، (كَذَبَ عَلَيَّ) بنسبة ما لم أقله إليّ، (قَالَ هَمَّاٌ) بن يحيى (أَحْسِبُهُ)؛ أي: أظنّ زيد بن أسلم (قَالَ) في روايته: (مُتَعَمِّداً) حال من فاعل ((كذب))، (فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ))) جواب الشرط؛ أي: فليتّخذ مكاناً يجلسه في النار خالداً مخلّداً فيها، إن استحلّ الكذب؛ لأنه يكفر به، وإلا فبقدر ذنبه، وجريمته؛ لأنه تحت المشيئة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨]، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ رُه هذا من أفراد المصنّف رَخْتُهُ . (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٤٧٩/١٥] (٣٠٠٤)، و(النسائيّ) في ((فضائل القرآن)) (٣٣)، و(أحمد) في («مسنده)) (١٢/٣ و٣٩)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (١١٩/١)، و(الحاكم) في ((المستدرك)) (١٢٦/١ - ١٢٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٤)، و(الخطيب البغداديّ) في ((تقييد العلم)) (ص٢٩ و٣٠ و٣١)، و(ابن عبد البرّ) في ((جامع بيان العلم وفضله)) (١/ ٦٣)، والله تعالى أعلم. (١) ((المفهم)) ٦/ ٧٠٣ - ٧٠٤. (٢) ((صحيح ابن حبان)) ٢٦٥/١ - ٢٦٦. ٢٩٥ (١٥) - بَابُ التََّبَّتِ فِي الْحَدِيثِ، وَحُكْمٍ كِتَابَةِ الْعِلْمِ - حديث رقم (٧٤٧٩) (المسألة الثالثة): في أقوال أهل العلم في هذا الحديث، واختلافهم في كتابة الحديث : قال الحافظ في ((الفتح)) ما خلاصته: ويستفاد من هذا الحديث(١)، ومن الحديث عليّ المتقدم، ومن قصة أبي شاه، أن النبيّ وَّ أذن في كتابة الحديث عنه، وهو يعارض حديث أبي سعيد الخدريّ: أن رسول الله وَله قال: ((لا تكتبوا عني شيئاً غير القرآن))، رواه مسلم. والجمع بينهما أن النهي خاصّ بوقت نزول القرآن؛ خشية التباسه بغيره، والإذن في غير ذلك، أو أن النهي خاص بكتابة غير القرآن مع القرآن في شيء واحد، والإذن في تفريقهما، أو النهي متقدم، والإذن ناسخ له عند الأمن من الالتباس، وهو أقربها، مع أنه لا ينافيها، وقيل: النهي خاص بمن خُشي منه الاتكال على الكتابة دون الحفظ، والإذن لمن أُمن منه ذلك، ومنهم من أعلّ حديث أبي سعيد، وقال: الصواب وَقْفه على أبي سعيد، قاله البخاريّ وغيره. قال العلماء: كره جماعة من الصحابة والتابعين كتابة الحديث، واستحبوا أن يؤخذ عنهم حفظاً كما أخذوا حفظاً، لكن لمّا قصرت الهمم، وخشي الأئمة ضياع العلم دوّنوه، وأول من دون الحديث ابن شهاب الزهريّ على رأس المائة بأمر عمر بن عبد العزيز، ثم كثر التدوين، ثم التصنيف، وحصل بذلك خير کثیر، فلله الحمد. انتهى(٢). قال الجامع عفا الله عنه: قد ذكرت هذه الأقوال في ((ألفية العلل))، فقلت : كَرِهَهَا قَوْمٌ سَرَاةٌ حُنَفَا كِتَابَةُ الْحَدِيثِ فِيهِ اخْتُلِفَا كَذَا ابْنُ مَسْعُودٍ وَحَبْرُ الأُمَّةِ فَمِنْهُمُ زَيْدٌ أَبُو هَرَيْرَةٍ كَذَلِكَ الْخُدْرِيْ وَغَيَرُهُمْ يَرَى كَذَا أَبُو مُوسَى وَنَجْلُ عُمَرَا وَأَنَسٍ مَعَ ابْنِ عَمْرٍو جَابِرٍ وَجَوَّزَتْ طَائِفَةٌ كَعُمَرٍ (١) أراد حديث قصّة أبي هريرة حيث قال عن عبد الله بن عمر: ((فإنه كان يكتب ولا أكتب))، وحديث عليّ هو قوله: ((وما في هذه الصحيفة))، وقصّة أبي شاه مشهورة. (٢) ((الفتح)) ٣٦٣/١ - ٣٦٤. ٢٩٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق وَابْنُ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٌ وَالْحَسَنْ كَذَا عَلِيٍّ وَابْنُهُ الْبَرُّ الْحَسَنْ وَأَكْثَرُ الأَتْبَاعِ نِعْمَ الْمَذْهَبُ لِلْحِفْظِ ثُمَّ الْمَحْوَ بَعْدُ أَلْزَمَتْ أَمَّا لِعَكْسِهِ فَجَا (لَا تَكْتُبُوا)) لِخَائِفِ النِّسْيَانِ نِعْمَ الأَمْنُ مَعَ الْقُرَانِ ثُمَّ زَالَ إِذْ ضُبِظْ صَحِيفَةٍ وَاحِدَةٍ فَلْتَعْرِفِ وَمُسْلِمٌ رَوَاهُ رَفْعاً يَكْفِي الْخُلْفُ فَاكْتُبَنْ تَخَلْ خَيْراً وَفَا وَأَكْثَرُ الصِّحَابِ أَيْضاً ذَهَبُوا وَفِرْقَةٌ ثَالِثَةٌ قَدْ جَوَّزَتْ أَمَّا دَلِيلٌ مَنْ أَبَاحَ ((فَاكْتُبُوا)) وَاخْتَلَفُوا فِي الْجَمْعِ قِيلَ الإِذْنُ وَقِيلَ نَهْيُهُ لِئَلَّا يَخْتَلِظْ وَقِيلَ نَهْيُهُ لِمَنْ كَتَبَ فِي وَبَعْضُهُمْ أَعَلَّهُ بِالْوَقْفِ ثُمَّ أَتَى الإِجْمَاعُ بَعْدُ وَانْتَفَى ﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَكَتُ وَإِلَيْهِ أُنْبُ﴾ . (١٦) - (بَابُ قِصَّةٍ أَصْحَابِ الأُخْدُودِ، وَالسَّاحِرِ، وَالرَّاهِبِ، وَالْغُلَام) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٨٠] (٣٠٠٥) - (حَدَّثَنَا هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ صُهَيْبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهـ قَالَ: («كَانَ مَلِكَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ، فَلَمَّا كَبِرَ قَالَ لِلْمَلِكِ: إِنِّي قَدْ كَبِرْتُ، فَابْعَثْ إِلَيَّ غُلَاماً أُعَلِّمْهُ السِّحْرَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ غُلَاماً يُعَلِّمُهُ، فَكَانَ فِي طَرِيقِهِ إِذَا سَلَكَ رَاهِبٌ، فَقَعَدَ إِلَيْهِ، وَسَمِعَ كَلَامَهُ، فَأَعْجَبَهُ، فَكَانَ إِذَا أَتَى السَّاحِرَ مَرَّ بِالرَّاهِبِ، وَقَعَدَ إِلَيْهِ، فَإِذَا أَتَى السَّاحِرَ ضَرَبَهُ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى الرَّاهِبِ، فَقَالَ: إِذَا خَشِيتَ السَّاحِرَ، فَقُلْ: حَبَسَنِي أَهْلِي، وَإِذَا خَشِيتَ أَهْلَكَ، فَقُلْ: حَبَسَنِي السَّاحِرُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ، إِذْ أَتَى عَلَى دَابَّةٍ عَظِيمَةٍ، قَدْ حَبَسَتِ النَّاسَ، فَقَالَ: الْيَوْمَ أَعْلَمُ، السَّاحِرُ أَفْضَلُ، أَمَ الزَّاهِبُ أَفْضَلُ؟ فَأَخَذَ حَجَراً، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ أَمْرُ الزَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ أَمْرِ السَّاحِرِ، فَاقْتُلْ هَذِهِ الدَّابَّةَ، حَتَّى يَمْضِيَ النَّاسُ، فَرَمَاهَا، فَقَتَلَهَا، وَمَضَى النَّاسُ، فَأَتَى الرَّاهِبَ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ: أَيْ بُنَّيَّ ٢٩٧ (١٦) - بَابُ قِصَّةٍ أَصْحَابِ الأُخْدُودِ، وَالسَّاحِرِ، وَالرَّاهِبِ، وَالْغُلَامِ - حديث رقم (٧٤٨٠) أَنْتَ الْيَوْمَ أَفْضَلُ مِنِّي، قَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرَِكَ مَا أَرَى، وَإِنَّكَ سَتُبْتَلَى، فَإِنِ ابْتُلِيتَ، فَلَا قَدُلَّ عَلَيٍّ، وَكَانَ الْغُلَامُ يُبْرِئُ الأَكْمَهَ، وَالأَبْرَصَ، وَيُدَاوِي النَّاسَ مِنْ سَائِرٍ الأَدْوَاءِ(١)، فَسَمِعَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ، كَانَ قَدْ عَمِي، فَأَنَاهُ بِهَدَايَا كَثِيرَةٍ، فَقَالَ: مَا هَا هُنَا لَكَ أَجْمَعُ، إِنْ أَنْتَ شَفَيْتَنِي، فَقَالَ: إِنِّي لَا أَشْفِي أَحَداً، إِنَّمَا يَشْفِي اللهُ، فَإِنْ أَنْتَ آمَنْتَ بِاللهِ، دَعَوْتُ اللهَ، فَشَفَاَكَ، فَآمَنَ بِاللهِ، فَشَفَاهُ اللهُ، فَأَتَى الْمَلِكَ، فَجَلَسَ إِلَيْهِ كَمَا كَانَ يَجْلِسُ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَنْ رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ؟ قَالَ: رَبِّي، قَالَ: وَلَكَ رَبُّ غَيْرِي؟ قَالَ: رَبِّي وَرَبُّكَ اللهُ، فَأَخَذَهُ، فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ، حَتَّى دَلَّ عَلَى الْغُلَامِ، فَجِيءَ بِالْغُلَامِ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: أَيْ بُنَيَّ قَدْ بَلَغَ مِنْ سِحْرِكَ مَا تُبْرِئُ الأَكْمَةَ، وَالأَبْرَصَ، وَتَفْعَلُ، وَتَفْعَلُ، فَقَالَ: إِنِّي لَا أَشْفِي أَحَداً، إِنَّمَا يَشْفِي اللهُ، فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبُهُ، حَتَّى دَلَّ عَلَى الرَّاهِبِ، فَجِيءَ بِالَّاهِبِ، فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبِّى، فَدَعَا بِالْمِثْشَارِ، فَوَضَعَ الْمِنْشَارَ فِي مَفْرِقٍ رَأْسِهِ، فَشَقَّهُ، حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ جِيءَ بِجَلِيسِ الْمَلِكِ، فَقِيلَ لَهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبِى، فَوَضَعَ الْمِثْشَارَ فِي مَفْرِقٍ رَأْسِهِ، فَشَقَّهُ بِهِ، حَتَّى وَقَعَ شِقَّهُ، ثُمَّ جِيءَ بِالْغُلَامِ، فَقِيلَ لَّهُ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبِى، فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى جَبَلٍ كَذَا وَكَذَا، فَاصْعَدُوا بِهِ الْجَبَلَ، فَإِذَا بَلَغْتُمْ ذُرْوَتَهُ، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ، وَإِلَّا فَاطْرَحُوهُ، فَذَهَبُوا بِهِ، فَصَعِدُوا بِهِ الْجَبَلَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، فَرَجَفَ بِهِمُ الْجَبَلُ، فَسَقَطُوا، وَجَاءَ يَمْشِي إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ؟ قَالَ: كَفَانِيهِمُ اللهُ، فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ، فَاحْمِلُوهُ فِي قُْقُورٍ (٢)، فَتَوَسَّطُوا بِهِ الْبَحْرَ، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ، وَإِلَّا فَاقْذِفُوهُ، فَذَهَبُوا بِهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، فَانْكَفَأَتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ، فَغَرِقُوا، وَجَاءَ يَمْشِي إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ؟ قَالَ: كَفَانِيهِمُ اللهُ، فَقَالَ لِلْمَلِكِ: إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ، قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: تَجْمَعُ النَّاسَ فِي (١) وفي نسخة: ((سائر الأدواء). (٢) وفي نسخة: ((قرقورة)). ٢٩٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَتَصْلُبُنِي عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْماً مِنْ كِنَانَتِي، ثُمَّ ضَعِ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قُلْ: بِاسْمِ اللهِ رَبِّ الْغُلَامِ، ثُمَّ ارْمِنِي، فَإِنََّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِي، فَجَمَعَ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَصَلَبَهُ عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ أَخَذَ سَهْماً مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قَالَ: بِاسْمَّ اللّهِ رَبِّ الْغُلَامِ، ثُمّ رَمَاهُ، فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي صُدْغِهِ، فِي مَّوْضِعِ السَّهْمِ، فَمَاتَ، فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَّامِ، فَأُتِّيَ الْمَلِكُ، فَقِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ، قَدْ وَاللهِ نَزَلَ بِكَ حَذَرُكَ، قَدْ آمَنَ النَّاسُ، فَأَمَرَ بِالأُخْدُودِ فِي أَفْوَاهِ (١) السِّكَكِ، فَخُدَّتْ، وَأَضْرَمَ النِّيرَانَ، وَقَالَ: مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ فَأَحْمُوهُ(٢) فِيهَا، أَوْ قِيلَ لَهُ: اقْتَحِمْ، فَفَعَلُوا، حَتَّى جَاءَتِ امْرَأَةٌ، وَمَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا، فَتَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فِيهَا، فَقَالَ لَهَا الْغُلَامُ: يَا أُمَّهِ اصْبِرِي، فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ)). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ) هو: هُدبة بن خالد الأزديّ البصريّ [٩]، تقدم قريباً . ٢ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار الربعيّ البصريّ [٨]، تقدم في ((المقدمة)) ٨٠/٦. ٣ - (ثَابِتُ) بن أسلم البنانيّ البصريّ [٤]، تقدم في ((المقدمة)) ٦/ ٨٠. ٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى) الأنصاريّ الكوفيّ [٢]، تقدم في ((المقدمة)) ١/١. ٥ - (صُهَيْبُ) بن سنان الروميّ الصحابيّ الشهير بظلُله، تقدم في ((الإيمان)) ٤٥٦/٨٦. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذُهُ، وأنه مسلسل بالبصريين إلى ثابت، وابن أبي ليلى كوفيّ، وصهيب مدنيّ. (١) وفي نسخة: ((بأفواه)). (٢) وفي نسخة: ((أقحموه)). ٢٩٩ (١٦) - بَابُ قِصَّةٍ أَصْحَابِ الأُخْدُودِ، وَالسَّاحِرِ، وَالزَّاهِبِ، وَالْغُلام - حديث رقم (٧٤٨٠) شرح الحديث: (عَنْ صُهَيْبٍ) الروميّ ◌َظُه؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ: ((كَانَ مَلِكَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ)؛ أي: في الأمم السابقة، قال صاحب ((التنبيه)): هو يوسف ذو نواس، قال ابن بشكوال: وفي ((الزهر الباسم)): أن اسمه يوسف بن شراحيل الْحِمْيريّ. انتهى (١). (وَكَانَ لَهُ)؛ أي: لذلك الملك (سَاحِرٌ) قال الشريف النسّابة: هو دُولعان، (فَلَمَّا كَبِرَ) بكسر الباء؛ أي: أسنّ (قَالَ لِلْمَلِكِ: إِنِّي قَدْ كَبِرْتُ)؛ أي: فأخاف أن أموت، فينقطع عنكم هذا العلم، (فَابْعَثْ إِلَيَّ غُلَاماً) ذكيّاً فطناً يقبل التعليم (أُعَلِّمْهُ السِّحْرَ، فَبَعَثَ) الملك (إِلَيْهِ)؛ أي: الساحر، (غُلَاماً) هو عبد الله بن ثامر، قاله الدمياطيّ، وابن بشكوال. (يُعَلِّمُهُ)؛ أي: السحر، (فَكَانَ فِي طَرِيقِهِ)؛ أي: على طريق ذلك الغلام (إِذَا سَلَكَ) ذاهباً إلى الساحر، ليتعلّم منه السحر، وقوله: (رَاهِبٌ) اسم ((كان)) مؤخّراً، والراهب واحد رُهبان النصارى، وهو من اعتزل الناس إلى دير طلباً للعبادة، قال الدمياطيّ: اسمه فَيْميون، وقيل: غيره. (فَقَعَدَ) الغلام (إِلَيْهِ)؛ أي: عند ذلك الراهب (وَسَمِعَ كَلَامَهُ)؛ أي: كلام الراهب في عقائد التوحيد، وغيرها (فَأَعْجَبَهُ)؛ أي: أعجب ذلك الغلام كلام الراهب، (فَكَانَ) الغلام (إِذَا أَتَى السَّاحِرَ)؛ أي: إذا أراد أن يأتيه (مَرَّ بِـ)ذلك (الرَّاهِبِ، وَقَعَدَ إِلَيْهِ)؛ أي: عنده ليسمع كلامه، (فَإِذَا أَتَّى السَّاحِرَ ضَرَبَهُ) لتأخره، (فَشَكًا) الغلام (ذَلِكَ)؛ أي: ضَرْب الساحر له، (إِلَى الرَّاهِبِ)؛ أي: أخبره على سبيل الشكوى إليه، (فَقَالَ) الراهب للغلام معلّماً الحيلة له؛ لينجو من ضربه: (إِذَا خَشِيتَ السَّاحِرَ)؛ أي: ضَرْبه لتأخرك (فَقُلْ: حَبَسَنِي أَهْلِي)؛ أي: أخّرني أهل بيتي عن الحضور إليك، (وَإِذَا خَشِيتَ أَهْلَكَ)؛ أي: ضَرْبهم لك لتأخرك أيضاً، (فَقُلْ: حَبَسَنِي السَّاحِرُ) بسبب الدرس عنكم. قال القاضي عياض تَظّْتُهُ: في هذا الحديث جواز الكذب للضرورة، لا سيّما في الله تعالى، والدفع عن الإيمان، ومع من أراد أن يصدّ عنه، قال القرطبيّ: وجه الاستدلال به كونه مر ذكره في معرض الثناء على الراهب والغلام، واستحسان فِعلهما؛ إذ لو كان غير جائز لبيّنه وَّ، والبيان لا يؤخّر عن وقت الحاجة. (١) ((تنبيه المعلم)) ص٤٥٦. ٣٠٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق وقال الأبيّ كَّتُهُ: ويَحْتَمِل أن يكون ذلك تورية، لا كذباً؛ لأن الغلام لا يصل إلى أهله إلا بعد المكث عند الساحر والراهب، والتورية في قوله: حبسني أهلي أبْيَن وأوضح؛ لأن أهله حقيقة إنما هم المرشدون له إلى السعادة، فأراد بهذا اللفظ؛ يعني: لفظ الأهل: الراهب، وكذلك قوله لأهله حبسني الساحر يُمكن تأويله بأنه لا يصل إلى أهله إلا بعد المكث عند الساحر والراهب جميعاً، فيصدق قوله: حبسني الساحر؛ لأنه كان أحد الحابسين له. انتهى(١). (فَبَيْنَمَا هُوَ)؛ أي: ذلك الغلام (كَذَلِكَ)؛ أي: متردّداً بين أهله وبين الساحر والراهب، (إِذْ) فجائيّة رابطة لجواب ((بينما))؛ أي: فبينما هو في أوقات تردده إلى الساحر، ومروره على الراهب فاجأه أن (أَتَى عَلَى دَابَّةٍ عَظِيمَةٍ)؛ أي: فاجأه إتيانه عليها، قيل: كانت تلك الدابة أسداً، وقيل: كانت حيّة(٢). (قَدْ حَبَسَتِ)؛ أي: منعت (النَّاسَ) عن المرور إلى حوائجهم، (فَقَالَ) ذلك الغلام في نفسه: (الْيَوْمَ)؛ أي: في هذا اليوم الحاضر، فـ((أل)) للعهد الحضوريّ؛ كقوله تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، (أَعْلَمُ، السَّاحِرُ) بمدّ الهمزة، أصلها أالساحر، فأُبدلت الثانية مدّاً، (أَفْضَلُ)؛ أي: أنفع اتباعاً، واقتداء به، (أَم الرَّاهِبُ أَفْضَلُ؟) للاقتداء به، قال الأبيّ كَُّهُ: ليس هذا شكّاً منه، وإنما هوَ استثبات، وطلب طمأنينة. (فَأَخَذَ حَجَراً) من الأحجار (فَقَالَ) مخاطباً، ومناجياً ربه: (اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ أَمْرُ الرَّاهِبِ)؛ أي: دينه الذي هو عليه (أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ أَمْرِ السَّاحِرِ)؛ أي: دينه، (فَاقْتُلْ هَذِهِ الدَّابَّةَ) الضارية المانعة للناس من المرور في الطريق، (حَتَّى يَمْضِيَ النَّاسُ)؛ أي: لأجل أن يذهب الناس إلى حوائجهم آمنين مطمئنين. (فَرَمَاهَا)؛ أي: تلك الدابّة بذلك الحجر، (فَقَتَلَهَا) برمية واحدة، وهذه كرامة من الله تعالى للغلام، وللراهب أيضاً، (وَمَضَى النَّاسُ)؛ أي: ذهبوا، وانطلقوا إلى حوائجهم، والظاهر أن الناس ما علموا سبب موت تلك الدابّة، وإلا للزموا ذلك الغلام، وسلكوا سبيله، فلعله رماها بالحجر دون أن يطلع عليه أحد من الناس، والله تعالى أعلم. (فَأَتَّى) ذلك الغلام بعد أن قتل تلك الدابّة، وأراح الناس منها (الرَّاهِبَ، (١) ((شرح الأبيّ) ٣٠٦/٧. (٢) ((تنبيه المعلم)) ص٤٥٨.