النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١
(١٢) - بَابٌ فِي أَحَادِيثَ مُتَفَرِّقَةٍ - حديث رقم (٧٤٦٤)
واحد، من أصل واحد، اختَلَف صنفه، فمن كان كافراً سمي شيطاناً، وإلا قيل
له: جنيّ.
وأما كونهم مكلفين، فقال ابن عبد البرّ: الجن عند الجماعة مكلفون،
وقال عبد الجبار: لا نعلم خلافاً بين أهل النظر في ذلك، إلا ما حكى زرقان
عن بعض الحشوية أنهم مضطرون إلى أفعالهم، وليسوا بمكلفين، قال: والدليل
للجماعة ما في القرآن من ذم الشياطين، والتحرز من شرهم، وما أعد لهم من
العذاب، وهذه الخصال لا تكون إلا لمن خالف الأمر، وارتكب النهي، مع
تمكّنه من أن لا يفعل، والآيات والأخبار الدالة على ذلك كثيرة جدّاً.
وإذا تقرر كونهم مكلّفين فقد اختلفوا، هل كان فيهم نبي منهم أم لا؟
فروى الطبري من طريق الضحاك بن مزاحم إثبات ذلك، قال: ومن قال بقول
الضحاك احتج بأن الله تعالى أخبر أن من الجن والإنس رسلاً، أرسلوا إليهم،
فلو جاز أن المراد برسل الجن رسل الإنس لجاز عكسه، وهو فاسد. انتهى.
وأجاب الجمهور عن ذلك بأن معنى الآية أن رسل الإنس رسل من
قِبَل الله إليهم، ورسل الجن بثّهم الله في الأرض، فسمعوا كلام الرسل من
الإنس، وبلّغوا قومهم، ولهذا قال قائلهم: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَبًا أُنزِلَ مِنْ بَعْدِ
مُوسَى﴾ [الأحقاف: ٣٠] الآية، واحتج ابن حزم بأنه و الله قال: ((وكان النبي يبعث
إلی قومه))، قال: ولیس الجن من قوم الإنس، فثبت أنه کان منهم أنبياء إليهم،
قال: ولم يبعث إلى الجن من الإنس نبي إلا نبينا وَّ؛ لعموم بعثته إلى الجن
والإنس باتفاق. انتهى.
وقال ابن عبد البر: لا يختلفون أنه نَّهُ بُعث إلى الإنس والجن، وهذا
مما فُضِّل به على الأنبياء ◌ِلَّ، ونُقل عن ابن عباس في قوله تعالى في سورة
غافر: ﴿وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِلْبَيِّنَتِ﴾ [غافر: ٣٤] قال: هو رسول
الجن، وهكذا ذكره.
وقال إمام الحرمين في ((الإرشاد)) في أثناء الكلام مع العيسوية: وقد
علمنا ضرورة أنه وَ ادعى كونه مبعوثاً إلى الثقلين.
وقال ابن تيمية: اتَّفق على ذلك علماء السلف من الصحابة، والتابعين،
وأئمة المسلمين.
٢٦٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
قال الحافظ: وثبت التصريح بذلك في حديث: ((وكان النبيّ يُبعث إلى
قومه، وبُعثت إلى الإنس والجن))، فيما أخرجه البزار بلفظ. وعن ابن الكلبيّ:
كان النبيّ يُبعث إلى الإنس فقط، وبُعث محمد ◌َّ إلى الإنس والجن.
وإذا تقرر كونهم مكلّفين، فهم مكلَّفون بالتوحيد، وأركان الإسلام، وأما
ما عداه من الفروع، فاختلف فيه؛ لِمَا ثبت من النهي عن الروث والعظم،
وأنهما زاد الجن، وفي حديث أبي هريرة: ((فقلت: ما بال الروث والعظم؟
قال: هما طعام الجن ... )) الحديث، فدل على جواز تناولهم للروث، وذلك
حرام على الإنس، وكذلك روى أحمد، والحاكم، من طريق عكرمة عن ابن
عباس قال: ((خرج رجل من خيبر، فتبعه رجلان، وآخر يتلوهما، يقول: ارجعا
حتى ردَّهما، ثم لحقه، فقال له: إن هذين شيطانان، فإذا أتيت رسول الله وَلّ.
فاقرأ عليه السلام، وأخبره أنّا في جَمْع صدقاتنا، ولو كانت تصلح له لبعثنا بها
إليه، فلما قدم الرجل المدينة، أخبر النبيّ وَّر بذلك، فنهى عن الخلوة))؛ أي:
السفر منفرداً.
واختلف أيضاً هل يأكلون، ويشربون، ويتناكحون أم لا؟ فقيل: بالنفي،
وقيل: بمقابله، ثم اختلفوا، فقيل: أكْلهم وشُربهم تشمم، واسترواح، لا
مضغ، ولا بلع، وهو مردود بما رواه أبو داود من حديث أمية بن مخشي قال:
((كان رسول الله وسلّ جالساً، ورجل يأكل، ولم يسمِّ، ثم سمى في آخره، فقال
النبيّ ◌َّ: ما زال الشيطان يأكل معه، فلما سمى استقاء ما في بطنه)).
وروى مسلم من حديث ابن عمر قال: ((قال رسول الله وَله: لا يأكلن
أحدكم بشماله، ولا يشرب بشماله، فإن الشيطان يأكل بشماله، ويشرب
بشماله)).
وروى ابن عبد البرّ عن وهب بن منبه: أن الجن أصناف، فخالصهم
ريح، لا يأكلون، ولا يشربون، ولا يتوالدون، وجنس منهم يقع منهم ذلك،
ومنهم السعالى، والغول، والقطرب، وهذا إن ثبت كان جامعاً للقولين
الأولین.
ويؤيده ما روى ابن حبان، والحاكم، من حديث أبي ثعلبة الخشنيّ قال:
((قال رسول الله ◌َ﴾ الجن على ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون في
٢٦٣
(١٢) - بَابٌ فِي أَحَادِيثَ مُتَفَرَّقَةٍ - حديث رقم (٧٤٦٤)
الهواء، وصنف حيات، وعقارب، وصنف يَحِلّون، ويَظعنون)).
وروى ابن أبي الدنيا من حديث أبي الدرداء مرفوعاً نحوه، لكن قال في
الثالث: ((وصنف عليهم الحساب والعقاب)).
وروى ابن أبي الدنيا من طريق يزيد بن يزيد بن جابر، أحد ثقات
الشاميين، من صغار التابعين قال: ما من أهل بيت إلا وفي سقف بيتهم من
الجن، وإذا وُضع الغداء نزلوا، فتغدوا معهم، والعشاء كذلك.
واستدل من قال بأنهم يتناكحون بقوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِنْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا
جَانٌ﴾ [الرحمن: ٥٦]، وبقوله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ، وَذُرِّيَّتَهُ، أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ﴾
[الكهف: ٥٠] والدلالة من ذلك ظاهرة، واعتل من أنكر ذلك بأن الله تعالى أخبر
أن الجان خُلق من نار، وفي النار من اليبوسة والخفة ما يمنع معه التوالد،
والجواب أن أصلهم من النار كما أن أصل الآدمي من التراب، وكما أن
الآدمي ليس طيناً حقيقة، كذلك الجنيّ ليس ناراً حقيقة.
وقد وقع في ((الصحيح)) في قصة تعرض الشيطان للنبيّ وَّ أنه قال:
((فأخذته، فخنقته حتى وجدت بَرْد ريقه على يدي)).
وبهذا الجواب يندفع إيراد من استشكل قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْقَطْفَةَ
﴾ [الصافات: ١٠] فقال: كيف تحرق النار النار؟
فَأَنْعَهُ، شِهَابُ ثَاقِبٌ
وأما ثوابهم، وعقابهم فلم يختلف من أثبت تكليفهم أنهم يعاقبون على
المعاصي، واختُلف هل يثابون؟ فروى الطبريّ، وابن أبي حاتم من طريق أبي
الزناد موقوفاً قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار قال الله لمؤمن
الجنّ، وسائر الأمم؛ أي: من غير الإنس: كونوا تراباً، فحينئذ يقول الكافر:
﴿يَلَيْتَنِ كُتُ تُرَبًا﴾ [النبأ: ٤٠].
وروى ابن أبي الدنيا عن ليث بن أبي سليم قال: ثواب الجن أن يُجاروا
من النار، ثم يقال لهم: كونوا تراباً. وروي عن أبي حنيفة نحو هذا القول.
وذهب الجمهور إلى أنهم يُثابون على الطاعة، وهو قول الأئمة الثلاثة،
والأوزاعيّ، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وغيرهم.
ثم اختلفوا هل يدخلون مدخل الإنس على أربعة أقوال: أحدها: نعم،
وهو قول الأكثر. وثانيها: يكونون في ربض الجنة، وهو منقول عن مالك،
٢٦٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
وطائفة. وثالثها: أنهم أصحاب الأعراف. ورابعها: التوقف عن الجواب في
هذا .
وروى ابن أبي حاتم من طريق أبي يوسف، قال: قال ابن أبي ليلى في
هذا: لهم ثواب، قال فوجدنا مصداق ذلك في كتاب الله تعالى: ﴿وَلِكُلٍ
ج
دَرَجَتُ مِّمَا عَمِلُواْ﴾ [الأنعام: ١٣٢]، قال الحافظ: وإلى هذا أشار البخاريّ
بقوله قبلها: ﴿يَمَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنِسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣]، فإن
قوله: ﴿وَلِكُلٍ دَرَجَتٌ مِّمَا عَمِلُواْ﴾ [الأحقاف: ١٩] يلي الآية التي بعد هذه
الآية.
واستدل بهذه الآية أيضاً ابن عبد الحكم، واستدل ابن وهب بمثل ذلك
بقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَ عَلَيْهِمُ الْقَوَّلُ فِىّ أُمُرِ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنّ
وَالْإِنِّ﴾ [الأحقاف: ١٨] الآية، فإن الآية بعدها أيضاً: ﴿وَلِكُلِّ دَرَحَتُ مِمَّا عَمِلُواْ﴾.
وروى أبو الشيخ في تفسيره عن مغيث بن سمي أحد التابعين قال: ما من
شيء إلا وهو يسمع زفير جهنم إلا الثقلين الذين عليهم الحساب والعقاب.
ونقل عن مالك أنه استدلّ على أن عليهم العقاب ولهم الثواب بقوله تعالى:
[الرحمن: ٤٦]، ثم قال: ﴿فَأَيِّءَالَاءِ رَبَّكُمَا
﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَّنَانِ (19).
[الرحمن: ٤٧] والخطاب للإنس والجن، فإذا ثبت أن فيهم مؤمنين
٤٧
◌ُكَذِّبَانِ
والمؤمن من شأنه أن يخاف مقام ربه ثبت المطلوب، والله أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قول الجمهور القائلين بأنهم يثابون، ويعاقبون
هو الصحيح؛ لظواهر الآيات المذكورة، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَخْتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٦٥] (٢٩٩٧) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى
الْعَنَزِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الرُّزُِّّ، جَمِيعاً عَنِ الثَّقَفِيِّ - اللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى -
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((فُقِدَتْ أُمَّةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، لَا يُدْرَى مَا فَعَلَتْ؟، وَلَا أُرَاهَا
إِلَّ الْفَأْرَ، أَلَا تَرَوْنَهَا إِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الإِبِلِ، لَمْ تَشْرَبْهُ، وَإِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ
الشَّاءِ شَرِبَتْهُ))، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَحَدَّثْتُ هَذَا الْحَدِيثَ كَعْباً، فَقَالَ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ
٢٦٥
(١٢) - بَابٌ فِي أَحَادِيثَ مُتَفَرِّقَةٍ - حديث رقم (٧٤٦٥)
مِنْ رَسُولِ اللهِ وَّهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ ذَلِكَ مِرَاراً، قُلْتُ: أَقْرَأُ الثَّوْرَاةَ؟ قَالَ
إِسْحَاقُ فِي رِوَايَتِهِ: ((لَا نَدْرِي مَا فَعَلَتْ؟))).
رجال هذا الإسناد: سبعةٌ:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه المروزيّ [١٠]، تقدم في ((المقدمة))
٢٨/٥.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ) أبو موسى الزمن البصريّ [١٠]، تقدم في
((المقدمة)) ٢/٢.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الرُّزِّيُّ) أبو جعفر البغداديّ [١٠]، تقدم في
((الجهاد والسير)) ٢٧ / ٤٦٠١.
٤ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ) بن عبد المجيد الثقفيّ البصريّ [٨]، تقدم في
((الإيمان)) ١٧ /١٧٣.
٥ - (خَالِدُ) بن مِهْران، أبو المنازل الحذّاء البصريّ [٥]، تقدم في
((الإيمان)) ١٠/ ١٤٨.
٦ - (مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ) الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر البصريّ [٣]، تقدم
في ((شرح المقدمة)) ج١ ص٣٠٨.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) رَظُه، تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَخْلُهُ، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، غير إسحاق،
والرزّيّ، كما أسلفته، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة
ضىعنه .
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َبه؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((فُقِدَتْ) بالبناء
للمفعول، (أُمَّةٌ)؛ أي: جماعة وطائفة (مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، لَا يُدْرَى) بالبناء
للمفعول؛ أي: لا يُعلمِ (مَا فَعَلَتْ؟)؛ أي: أيّ شيء صنعت، هل هي
موجودة، أم هالكة، (وَلَا أُرَاهَا) بضمّ الهمزة، وفتحها؛ أي: لا أظنّها (إِلّا
الْفَأْرَ) جمع فأرة، وهذا ظاهر أنه وَّرَ لم يوح إليه بأنها هي، وإنما أخبر بظنّه،
وهذا قبل أن يوحى إليه بأن الممسوخ لا نسل له، والله تعالى أعلم، ثم استدلّ
٢٦٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
على ما ظنّه بقوله: (أَلَا) أداة تحضيض، (تَرَوْنَهَا إِذَا وُضِعَ) بالبناء للمفعول، (لَهَا
أَلْبَانُ الإِبِلِ، لَمْ تَشْرَبْهُ)؛ أي: لأن بني إسرائيل حُرّمت عليهم لحوم الإبل،
وألبانها، فامتناعها من شُرب لبنها دليل على أنها من الممسوخين من بني إسرائيل،
(وَإِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الشَّاءِ) جمع شاة، (شَرِبَتْهُ) قال النوويّ كَُّ: معنى هذا أن
لحوم الإبل وألبانها حُرمت على بني إسرائيل دون لحوم الغنم، وألبانها، فدلّ
امتناع الفأرة من لبن الإبل دون الغنم على أنها مسخ من بني إسرائيل. انتهى.
(قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) نَبه، هو موصول بالسند السابق، وليس معلّقاً، فتنبّه.
(فَحَدَّثْتُ هَذَا الْحَدِيثَ كَعْباً) هو: كعب بن ماتع الْحِمْيريّ، أبو إسحاق
المعروف بكعب الأحبار، ثقة من الطبقة الثانية، مخضرم، كان من أهل اليمن،
فسكن الشام، ومات في آخر خلافة عثمان رَظُه، وقد زاد على المائة، تقدّمت
ترجمته في ((الإيمان)) ٩٢ / ٤٩٧.
(فَقَالَ) كعب لأبي هريرة (أَنْتَ) بمد الهمزة، أصله: أأنت بهمزتين،
أُولاهما للاستفهام، فأُبدلت الثانية ألفاً. (سَمِعْتَهُ)؛ أي: هذا الحديث (مِنْ
رَسُولِ اللهِ وَلِّهِ؟) قال أبو هريرة: (قُلْتُ: نَعَمْ) سمعته منه، (قَالَ) كعب (ذَلِكَ
مِرَاراً) للتأكّد من الخبر، قال أبو هريرة (قُلْتُ: أَأَقْرَأُ التَّوْرَاةَ؟) بهمزة الاستفهام
الإنكاريّ، وفي الرواية التالية: ((أفأُنزلت عليّ التوراة؟))؛ أي: لا علم عندي
إلا ما سمعته منه
قال في ((الفتح)): وفي سكوت كعب عن الردّ على أبي هريرة دلالة على
تورعه، وكأنهما جميعاً لم يبلغهما حديث ابن مسعود نظريته قال: ((وذُكر عند
النبيّ ◌َّ القردة، والخنازير، فقال: إن الله لم يجعل للمسخ نسلاً، ولا عَقِباً،
وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك))، وعلى هذا يُحمل قوله {وَلَه: ((لا أراها
إلا الفأر))، وكأنه كان يظن ذلك، ثم أُعلم بأنها ليست هي، قال ابن قتيبة: إن
صح هذا الحديث، وإلا فالقردة والخنازير هي المسوخ بأعيانها، توالدت.
قال الحافظ: الحديث صحيح. انتهى.
وقوله: (قَالَ إِسْحَاقُ) هو ابن إبراهيم ابن راهويه شيخه الأول، وغرضه
منه بيان اختلاف شيوخه في هذه الجملة، فقال إسحاق (فِي رِوَايَتِهِ: ((لَا نَدْرِي
مَا فَعَلَتْ؟)))؛ أي: ببناء الفعل للفاعل، وإسناده إلى ضمير المتكلم، ومعه
٢٦٧
(١٢) - بَابٌ فِي أَحَادِيثَ مُتَفَرِّقَةٍ - حديث رقم (٧٤٦٦)
غيره، وقال ابن المثنّى، والرّزّيّ: ((لا يُدرى ما فعلت)) ببناء الفعل للمفعول،
وإسناده إلى ((ما فعلت))، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ظبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): فى تخريجه :
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٤٦٥/١٢ و٧٤٦٦] (٢٩٩٧)، و(البخاريّ) في
(بدء الخلق)) (٣٣٠٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٣٤/٢ و٤٩٧)، و(أبو يعلى)
في ((مسنده)) (٦٠٣١ و٦٠٦٠ و٦٠٦١)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٢٥٨)،
و(الطبرانيّ) في ((الصغير)) (٨٦٧)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٢٧١)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): إثبات مسخ الآدميّ إلى شكل الحيوانات الأخرى، والله على
كلّ شيء قدير.
٢ - (ومنها): أن فيه إثبات الاجتهاد للنبيّ وَّ بدلائل وقرائن تظهر له،
دون أن يأتيه الوحي بذلك، ومن جملته هذا الحديث، ثم أعلمه الله ريت بأن
الواقع خلاف ما ظنّه، ففي حديث ابن مسعود رَظُه قال: وذكرت عنده - يعني:
النبيّ ◌َلّ ـ القردة، والخنازير، من مسخ، فقال: ((إن الله لم يجعل لمسخ
نسلاً، ولا عقباً، وقد كانت القردة، والخنازير قبل ذلك))، رواه مسلم.
٣ - (ومنها): أنه يدلّ على أن أبا هريرة لم يكن يأخذ عن أهل الكتاب،
وأن الصحابيّ الذي يكون كذلك إذا أخبر بما لا مجال للرأي والاجتهاد فيه،
يكون للحديث حُكم الرفع، قاله في ((الفتح)) (١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٦٦] (.) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ،
عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: ((الْفَأْرَةُ مَسْخٌ، وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُوضَعُ
(١) ((الفتح)) ٦/ ٢٥٣.
٢٦٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
بَيْنَ يَدَيْهَا لَبَنُ الْغَنَمِ، فَتَشْرَبُهُ، وَيُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهَا لَبَنُ الإِبِلِ، فَلَا تَذُوقُهُ))، فَقَالَ لَهُ
كَعْبٌ: أَسَمِعْتَ هَذَاَ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَلِ؟، قَالَ: أَفَأَنْزِلَتْ عَلَيَّ الثَّوْرَاةُ؟).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ [١٠]، تقدم في
((الإيمان)) ٤/ ١١٧.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة الكوفيّ، من كبار [٩]، تقدم في
((المقدمة)) ٦/ ٥١.
٣ - (هِشَامُ) بن حسّان القردوسيّ البصريّ [٦]، تقدم في ((المقدمة)) ٢٦/٥.
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله قبله.
وقوله: (أفأنزلت عليّ التوراة؟) هو بهمزة الاستفهام، وهو استفهام
إنكار، ومعناه: ما أعلم، ولا عندي شيء إلا عن النبيّ رَّ، ولا أنقل عن
التوراة، ولا غيرها من كتب الأوائل شيئاً، بخلاف كعب الأحبار وغيره، ممن
له علم بعلم أهل الكتاب(١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٦٧] (٢٩٩٨) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ عُقَيْلِ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ ◌َِّ قَالَ: ((لَا يُلْدَعُ الْمُؤْمِنُ
مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنٍ))).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (لَيْثُ) بن سعد، أبو الحارث الفهميّ الإمام المصريّ [٧]، تقدم في
((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤١٢.
٢ - (عُقَيْلُ) بن خالد الأيليّ المصريّ [٦]، تقدم في ((الإيمان)) ١٣٣/٨.
٣ - (ابْنُ الْمُسَيِّبِ) سعيد الفقيه المدنيّ [٣]، تقدم في ((المقدمة)) ٧١/٦.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله.
(١) ((الفتح)) ٥٨٩.
٢٦٩
(١٢) - بَابٌ فِي أَحَادِيثَ مُتَفَرَّقَةٍ - حديث رقم (٧٤٦٧)
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه ابن
المسيِّب أحد الفقهاء السبعة.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبٍ) وفي رواية يونس، عن الزهريّ: ((أخبرني سعيد بن
المسيِّب، أن أبا هريرة حدثه)) أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) وكذا قال
أصحاب الزهري فيه، وخالفهم صالح ابن أبي الأخضر، وزمعة بن صالح،
وهما ضعيفان، فقالا: ((عن الزهريّ، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن
أبيه))، أخرجه ابن عدي من طريق المعافى بن عمران، عن زمعة، وابن أبي
الأخضر، واستغربه من حديث المعافى قال: وأما زمعة فقد رواه عنه أيضاً أبو
نعيم، أخرجه أحمد عنه، ورواه عن زمعة أيضاً أبو داود الطيالسيّ، في
((مسنده))، وأبو أحمد الزبيريّ، أخرجه ابن ماجه، قاله في ((الفتح))(١).
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ)َهُ (عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ)؛ أنه (قَالَ: ((لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ) برفع
(يلدغ)) على أن ((لا)) ناهية، وبرفعه على أنها نافية، فيكون خبراً، قال الخطابيّ: هذا
لفظه خبر، ومعناه أمر؛ أي: لِيَكُنِ المؤمنُ حازماً حَذِراً، لا يؤتى من ناحية الغفلة،
فيُخدعَ مرة بعد أخرى، وقد يكون ذلك في أمر الدِّين، كما يكون في أمر الدنيا،
وهو أَولاهما بالحذر، وقد رُوي بكسر الغين في الوصل، فيتحقق معنى النهي عنه.
قال ابن التين: وكذلك قرأناه، قيل: معنى ((لا يلدغ المؤمن من جحر
مرتين)) أن من أذنب ذنباً، فعوقب به في الدنيا، لا يعاقَب به في الآخرة.
قال الحافظ: إن أراد قائل هذا أن عموم الخبر يتناول هذا، فيمكن، وإلا
فسبب الحديث يأبى ذلك، ويؤيده قول من قال: فيه تحذير من التغفيل، وإشارة
إلى استعمال الفطنة.
وقال أبو عبيد: معناه: ولا ينبغي للمؤمن إذا نُكِب من وجه أن يعود
إليه، قال الحافظ: وهذا هو الذي فهمه الأكثر، ومنهم الزهريّ راوي الخبر،
(١) ((الفتح)) ٧٠٥/١٣.
٢٧٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
فأخرج ابن حبّان من طريق سعيد بن عبد العزيز، قال: قيل للزهريّ: لَمّا قَدِم
من عند هشام بن عبد الملك: ماذا صنع بك؟ قال: أوفى عني ديني، ثم قال:
يا ابن شهاب تعود تَدّان؟ قلت: لا، وذكر الحديث.
وقال أبو داود الطيالسيّ بعد تخريجه: لا يعاقب في الدنيا بذنب، فيعاقبَ
به في الآخرة، وحَمَله غيره على غير ذلك، قيل: المراد بالمؤمن في هذا
الحديث: الكامل الذي قد أوقفته معرفته على غوامض الأمور، حتى صار يحذر
مما سيقع، وأما المؤمن المغفل فقد يُلدغ مراراً.
(مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنٍ))) قال في ((الفتح)): ووقع في بعض النسخِ: ((من
جحر حيّة))، وهي زيادة شاذّة، قال ابن بطال: وفيه أدب شريف، أَدّب به
النبيّ ◌َّ أمته، ونبّههم كيف يحذرون مما يخافون سوء عاقبته، وفي معناه
حديث: ((المؤمن كَيِّسٌ حَذِرٌ))، أخرجه صاحب ((مسند الفردوس)) من حديث أنس
بسند ضعيف، قال: وهذا الكلام مما لم يُسبق إليه النبيّ وَّر، وأول ما قاله لأبي
عَزّة الْجُمَحيّ، وكان شاعراً، فَأُسر ببدر، فشكى عائلة، وفقراً، فمَنَّ عليه
النبيّ وَّر، وأطلقه بغير فداء، فظَفِر به بأُحُد، فقال: مُنّ عليّ، وذكر فقره وعياله،
فقال: ((لا تمسح عارضيك بمكة، تقول: سخرت بمحمد مرتين))، وأمر به فقُتل.
وأخرج قصته ابن إسحاق في ((المغازي)) بغير إسناد، وقال ابن هشام في
((تهذيب السيرة)): بلغني عن سعيد بن المسيِّب أن النبيّ وَّه قال حينئذٍ: ((لا يلدغ
المؤمن من جحر مرتين)).
وصنيع أبي عبيد في ((كتاب الأمثال)) مشكل على قول ابن بطال أن
النبيّ وَلّ أول من قال ذلك، ولذلك قال ابن التين: إنه مَثَل قديم.
وقال التوربشتيّ: هذا السبب يضعّف الوجه الثاني؛ يعني: الرواية بكسر
الغين، على النهي.
وأجاب الطيبيّ بأنه يوجَّه بأن يكون ولو لمّا رأى من نفسه الزكية الميل
إلى الحلم جرّد منها مؤمناً حازماً، فنهاه عن ذلك؛ يعني: ليس من شيمة
المؤمن الحازم الذي يغضب الله، أن ينخدع من الغادر المتمرّد، فلا يستعمل
الحِلم في حقه، بل ينتقم منه، ومن هذا قول عائشة رضيفيها: ((ما انتقم لنفسه، إلا
أن تُنتهك حرمة الله، فينتقم لله بها)).
قال: فيستفاد من هذا أن الحلم ليس محموداً مطلقاً، كما أن الجود ليس
٢٧١
(١٢) - بَابٌ فِي أَحَادِيثَ مُتَفَرِّقَةٍ - حديث رقم (٧٤٦٧)
محموداً مطلقاً، وقد قال تعالى في وصف الصحابة: ﴿أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمّ
[الفتح: ٢٩]، قال: وعلى الوجه الأول وهو الرواية بالرفع، فيكون إخباراً محضاً،
لا يُفهم هذا الغرض المستفاد من هذه الرواية، فتكون الرواية بصيغة النهي أرجح.
قال الحافظ: ويؤيده حديث: ((احترسوا من الناس بسوء الظن))، أخرجه
الطبرانيّ في ((الأوسط)) من طريق أنس، وهو من رواية بقية بالعنعنة، عن
معاوية بن يحيى، وهو ضعيف، فله علتان، وصحّ من قول مطرِّف التابعي
الكبير، أخرجه مسدد، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ظُه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٤٦٧/١٢ و ٧٤٦٨] (٢٩٩٨)، و(البخاريّ) في
((الأدب)) (٦١٣٣)، و(أبو داود) في ((الأدب)) (٤٨٦٢)، و(ابن ماجه) في
(الفتن)) (٣٩٨٢)، و(أحمد) في («مسنده)) (٣٧٩/٢)، و(الدارميّ) في ((سننه))
(٣١٩/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٦٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٦/
٣٢٠ و١٢٩/١٠) وفي ((الآداب)) (٥٨٢)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة))
(٣٥٠٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن صفة المؤمن أن يكون حذراً، فطناً، غير مغفّل، فإن
وقع في ورطة مّا، فليحذر كلّ الحذر أن يقع في مثلها، وذلك بالبعد عن
أسبابها، وسدّ الطرق التي تؤدي إليها .
٢ - (ومنها): أنه يستفاد من هذا الحديث أن الحِلم ليس محموداً مطلقاً،
كما أن الجود ليس محموداً مطلقاً، وقد قال تعالى في وصف الصحابة: ﴿أَشِدَآءُ
عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]، فجَمَع لهم بين الوصفين، وهو الشدة
والرحمة، ولكن لكلّ منهما مقام، فلا يُستعمل أحدهما في موضع الآخر، فتنبّه.
٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ كَُّهُ: قوله وَلو: ((لا يلدغ المؤمن من
جحر واحد مرتين)) هذا مَثَل صحيح، وقول بليغ ابتكره النبيّ وَّ من فوره، ولم
يسمع من غيره، وذلك أن السبب الذي أصدره عنه هو، أن أبا عزيز بن عمير
الشاعر أخا مصعب بن عمير، كان يهجو النبيّ ◌َّ، ويؤذيه، ويؤذي المسلمين،
٢٧٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
فأمكن الله تعالى منه يوم بدر، فأخذ أسيراً، وجيء به إلى النبيّ وَّر، فسأله أن
يمنّ عليه، ولا يعود لشيء مما كان يفعله، فمنَّ النبيّ وَّر عليه، فأطلقه، فرجع
إلى مكة، وعاد إلى أشد مما كان عليه، فلما كان يوم أُحد، أمكن الله منه،
فأُسر، فأحضر بين يدي النبيّ وَله، فسأله أن يمنّ عليه، فقال له النبيّ وَله:
((لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين، والله لا تمسح عارضيك بمكة أبداً))،
فأمر بقتله، وأصل هذا المَثَل أن الذي يُلدغ من جُحر لا يعيد يده إليه أبداً، إذا
كان فطناً حذراً، بل ولا لِمَا يُشبهه، فكذلك المؤمن لكياسته، وفطانته، وحذره
إذا وقع في شيء مما يضره في دينه، أو دنياه لا يعود إليه.
والرواية المعروفة: ((لا يلدغ)) بضم الغين، وكذلك قرأته على الخبر،
وهو الذي يشهد له سبب الخبر، ومساقه، وقد قيّده بعضهم بسكون الغين على
النهي، وفيه بعدٌ. انتهى(١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٦٨] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا
ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، قَالَا:
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ، عَنِ ابْنِ
الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ وَلِّهِ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: أحد عشر:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السرح المصريّ [١٠]، تقدم في
((المقدمة)) ١٠/٣.
٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ المصريّ [١١]، تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله الحافظ العابد المصريّ [٩]، تقدم في ((المقدمة))
١٠/٣.
٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، من كبار [٧]، تقدم في ((المقدمة)) ١٤/٣.
والباقون ذُكروا قريباً.
(١) ((المفهم)) ٦/ ٦٣١.
٢٧٣
(١٢) - بَابٌ فِي أَحَادِيثَ مُتَفَرِّقَةٍ - حديث رقم (٧٤٦٩)
[تنبيه]: رواية يونس عن ابن شهاب ساقها البخاريّ تَخْتُهُ في ((الأدب
المفرد))، فقال:
(١٢٧٨) - حدّثنا عبد الله بن صالح، قال: حدّثني الليث، قال: حدّثني
يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سعيد بن المسيِّب، أن أبا هريرة أخبره،
أن رسول الله وَل قال: ((لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين)). انتهى(١).
وأما رواية ابن أخي ابن شهاب عن عمّه، فلم أجد من ساقها، فليُنظر،
والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٦٩] (٢٩٩٩) - (حَدَّثَنَا هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ الأَزْدِيُّ، وَشَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ،
جَمِيعاً عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ - وَاللَّفْظُ لِشَيْبَانَ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ،
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ صُهَيْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (عَجَباً
لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ(٢)، وَلَيْسَ ذَكَ لأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ
شَكَرَ، فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْراً لَهُ)).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ الأَزْدِيُّ) هو: هُدبة بن خالد البصريّ، من
صغار [٩]، تقدم في ((الإيمان)) ١١/ ١٥١.
٢ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الأبلّيّ، من صغار [٩]، تقدم في ((الإيمان)) ١٢/ ١٥٧.
٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) القيسيّ البصريّ [٧]، تقدم في ((الإيمان)) ١١١/٣.
٤ - (ثَابِتُ) بن أسلم البنانيّ، أبو محمد البصريّ [٤]، تقدم في
((المقدمة)) ٦/ ٨٠.
٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى) الأنصاريّ المدنيّ، ثم الكوفيّ [٣]،
تقدم في ((المقدمة)) ١/ ١.
٦ - (صُهَيْبُ) بن سنان، أبو يحيى الروميّ، أصله من النمر، يقال: اسمه
عبد الملك، وصهيب لقبه، الصحابي الشهير، مات بالمدينة سنة (٣٨) في
خلافة عليّ رَ الله، وقيل: قبل ذلك، تقدم في ((الإيمان)) ٤٥٦/٨٦.
(١) ((الأدب المفرد)) للبخاريّ ٤٣٥/١.
(٢) وفي نسخة: ((كله له خير)).
٢٧٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
شرح الحديث:
(عَنْ صُهَيْبٍ) بالتصغير ابن سنان مولى عبد الله بن جُدعان التيميّ، يكنى أبا
بحيى، كانت منازلهم بأرض الموصل، فيما بين دجلة والفرات، فأغارت الروم
على تلك الناحية، فسَبَتْه، وهو غلام صغير، فنشأ بالروم، فابتاعته منهم كلب، ثم
قَدِمت به مكة، فاشتراه عبد الله بن جُدعان، فأعتقه، فأقام معه إلى أن هلك، وأسلم
قديماً بمكة، وكان من المستضعَفين المعذّبين في الله بمكة، ثم هاجر إلى المدينة،
وفيه نزل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ أَبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اَللَّهُ﴾ الآية [البقرة: ٢٠٧].
(قَالَ) صهيب ◌َظُهُ: (قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: ((عَجَباً) منصوب بفعل مقدّر؛ أي:
عجبت عجباً (الأَمْرِ الْمُؤْمِنِ)؛ أي: لشأنه، وماله في كل حاله، (إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ)
بالنصب، ويجوز رفعه، كما قرئ بالوجهين في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلُّ لِلّهِ﴾
[آل عمران: ١٥٤]، (خَيْرٌ) وفي نسخة: ((له خير))؛ أي: جميع أموره له خير؛ أي:
خير له في المآل، وإن كان بعضه شرّاً صوريّاً في الحال، وقدَّم الظرف اهتماماً.
(وَلَيْسَ ذَاَ لأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ) قال الطيبيّ تَخْذُ: قوله: ((إلا للمؤمن)) مظهر وقع
موقع المضمَر؛ ليشعر بالعِليّة(١). (إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ)؛ أي: نعماء، وسعة عيش،
ورخاء، وتوفيق طاعة من أداء، وقضاء، (شَكَرَ) ربّه على توفيقه لذلك، (فَكَانَ)
شكره (خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ)؛ أي: فقر، ومرض، ومحنة، وبلية (صَبَرَ)
عليها (فَكَانَ) صَبْره ذلك (خَيْراً لَهُ))) وبهذا تبيَّن قول بعضهم: إنه لا يقال على
الإطلاق: إن الفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر، بل حالة التفويض والتسليم
أولى، والقيام بمقتضى الوقت أعلى، بحَسَب اختلاف الأحوال، وتفاوت الرجال،
خَرَةِ: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ
قال تعالى
[الإسراء: ٣٠]،
رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ، كَانَ بِعِبَادِهِ، خَبِيرًا بَصِيرًا
وفي الحديث القدسيّ: ((إن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر، فلو أغنيته لفسد
حاله، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى، فلو أفقرته لضاع حاله))(٢)،
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٣٣٤/١٠.
(٢) لم أجد من أخرجه، حتى يُنظر في حال سنده، بل أورده ابن كثير في ((تفسيره))
هكذا، والله تعالى أعلم.
٢٧٥
(١٢) - بَابٌ فِي أَحَادِيثَ مُتَفَرَّقَةٍ - حديث رقم (٧٤٦٩)
ولذا قال عمر نظُه: الفقر والغنى مطيتان، لا أبالي أيتهما أركب، وعلى هذا
الاختلاف الواقع بين القوم في طلب طول العمر؛ لطاعة الله، أو طلب الموت؛
لخوف الفتنة، أو للاشتياق إلى لقاء الله تعالى، ثم المعتمد التفويض والتسليم،
كما أشار ◌َّه إليه في دعائه: ((اللَّهُمَّ أحيني ما دامت الحياة خيراً لي، وتوفني
إذا كانت الوفاة خيراً لي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت
راحة لي من كل شر)).
ثم وَجْه حصر الخير في كل حال للمؤمن الكامل؛ لأن غيره إن أصابته
سراء شبع، وبطر، وإن أصابته ضراء جَزِع وكفر، بخلاف حال المؤمن، فإنه
كما قال القائل [من الطويل]:
عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكُرُ
إِذَا كَانَ شُكْرُ نِعْمَةِ اللَّهِ نِعْمَةً
وَإِنْ طَأَلتَ اِلأَيَّامُ وَاتَّسَعَ الْعُمْرُ
فَكَيْفَ بُلُوعُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ
وَإِنْ مُسَّ بِالضَّرَّاءِ أَعْقَبَهُ الأَجْرُ (١)
إِذَا مُسَّ بِالنَّعْمَاءِ عَمَّ سُرُورُهَا
وقال المناويّ كَّتُهُ: ((عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذلك لأحد
إلا للمؤمن)) وليس ذلك للكافرين، ولا للمنافقين، ثم بيَّن وجه العجب بقوله: ((إن
أصابته سراء)) كصحة، وسلامة، ومال، وجاه ((شكر)) الله على ما أعطاه، ((فكان
خيراً)) له، فإنه يُكتب في ديوان الشاكرين، ((وإن أصابته ضراء)) كمصيبة ((صبر،
فكان خيراً له)) فإنه يصير من الأحزاب الصابرين الذي أثنى عليهم في كتابه
المبين، فالعبد ما دام قلم التكليف جارياً عليه، فمناهج الخير مفتوحة بين يديه،
فإنه بين نعمة يجب عليه شُكر المنعِم بها، ومصيبة يجب عليه الصبر عليها، وأمر
ينفذه، ونهي يجتنبه، وذلك لازم له إلى الممات. انتهى (٢). والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث صهيب رُّبه هذا من أفراد المصنّف ◌َظُّ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
(١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٣٣٤/١٠، و((مرقاة المفاتيح)) ٢١٢/١٥.
(٢) ((فيض القدير)) ٣٠٢/٤.
٢٧٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٤٦٩/١٢] (٢٩٩٩)، و(أحمد) في ((مسنده))
(٣٣٢/٤ و٣٣٣ و١٦/٦)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣١٨/٢)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٢٨٩٦)، و(الطبرانيّ) في ((الكبير)) (٨٣١٦/٨ و٨٣١٧)، و(البيهقيّ)
في ((شعب الإيمان)) (١١٦/٤)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيِّدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(١٣) - (بَابُ النَّهْي عَنِ الْمَدْحِ، إِذَا كَانَ فِيهِ إِفْرَاطٌ،
وَخِيفَ مِنْهُ فِتْنَةٌ عَلَى الْمَمْدُوحِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٧٠] (٣٠٠٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع، عَنْ
خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: مَدَحَ رَجُلٌّ رَجُلاً
عِنْدَ النَّبِّ ◌َ، قَالَ: فَقَالَ: ((وَيْحَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ، قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ))،
مِرَاراً، ((إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحاً صَاحِبَهُ لَا مَحَالَةَ، فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ فُلَاناً، وَاللهُ
حَسِيبُهُ، وَلَا أَزَكِّي عَلَى اللهِ أَحَداً، أَحْسِبُهُ إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَاكَ كَذَا وَكَذَا))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْبَى بْنُ يَحْبَى) التميميّ النيسابوريّ [١٠]، تقدم في ((المقدمة)) ٩/٣.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع) العيشيّ، أبو معاوية البصريّ [٨]، تقدم في
(الإيمان)) ٧/ ١٣٢.
٣ - (خَالِدٌ الْحَذَّاءِ) ابن مهران، تقدم في ((الإيمان)) ١٠/ ١٤٤.
٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ) الثقفيّ البصريّ [٢]، تقدم في ((الإيمان))
٤٠ / ٢٦٦.
٥ - (أَبُوهُ) أبو بكرة نفيع بن الحارث بن كَلَّدَة الصحابيّ الشهير
رضى عنه ،
WWy
تقدم في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤٨١.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف تَخْذُ، وأنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه،
كما أسلفته، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه.
٢٧٧
(١٣) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْمَدْحِ، إِذَا كَانَ فِيهِ إِفْرَاطٌ، وَخِيفَ مِنْهُ فِتْنَةٌ عَلَى الْمَمْدُوحِ - حديث رقم (٧٤٧٠)
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنٍ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أبي بكرة نفيع بن
الحارث ظُبه؛ أنه (قَالَ: مَدَحَ رَجُلٌ رَجُلاً) لم يُعرف اسمهما، (عِنْدَ النَّبِيِّ وَّ)
وفي رواية غندر التالية: ((فقال: يا رسول الله ما من رجل بعد رسول الله وَل
أفضل منه في كذا وكذا))، قال الحافظ: لعله يعني: الصلاة، لما سيأتي. (قَالَ)
أبو بكرة: (فَقَالَ) رسول الله وَهِ: ((وَيْحَك) هي كلمة ترحم، وتوجع، و((ويل))
كلمة عذاب، وقد تأتي موضع ((ويح))، قاله في ((الفتح)).
وقال في ((العمدة)): قوله: ((ويحك)) كلمة ترحّم، وتوجّع، تقال لمن وقع في
هلكة لا يستحقها، وقد تقال بمعنى المدح، والتعجب، وهي منصوبة على المصدر،
وقد تُرفع، وتضاف، فيقال: ويح زيد، ويحاً له، وويحٌ له. انتهى(١).
(قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ) قال في ((العمدة)): قطع العنق استعارة من قطع
العنق الذي هو القتل؛ لاشتراكهما في الهلاك، لكن هذا الهلاك في الدين،
وذاك من جهة الدنيا(٢). (قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ))، مِرَاراً)؛ أي: كرّر هذا القول
أكثر من مرّة، وبيّن في رواية وهيب أنه قال ذلك ثلاثاً. (إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحاً
صَاحِبَهُ لَا مَحَالَةَ)؛ أي: لا حيلة له في ترك ذلك، وهي بمعنى لا بُدّ، والميم
زائدة، ويَحْتَمِل أن يكون من الحول؛ أي: القوّة، والحركة، (فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ
فُلَاناً) بكسر السين المهملة، وفتحها، من بابي علم، وورث؛ أي: أظنّ، وفي
الرواية الآتية: ((إن كان يرى أنه كذلك))، وفي رواية: ((إن كان يعلم ذلك))،
(وَاللهُ حَسِيبُهُ) بفتح أوله، وكسر ثانيه، وبعد التحتانية الساكنة موحّدة؛ أي:
كافيه، ويَحْتَمِل أن يكون هنا فعيل، من الحساب؛ أي: محاسبه على عمله
الذي يعلم حقيقته، وهي جملة اعتراضية، وقال الطيبيّ تَّتُهُ: هي من تتمة
المقول، والجملة الشرطية حال من فاعل ((فليقل))، و((على الله)) فيه معنى
الوجوب، والقطع، والمعنى: فليقل: أحسب فلاناً كيت وكيت، إن كان
يحسب ذلك، والله يعلم سرّه فيما فعل، فهو يجازيه، ولا يقل: أتيقن أنه
(١) ((عمدة القاري شرح صحيح البخاري)) ٢٤٤/٣٢.
(٢) ((عمدة القاري شرح صحيح البخاري)) ٢٤٤/٣٢.
٢٧٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
محسن، والله شاهد عليه على الجزم، وأن الله يجب عليه أن يفعل به كذا
وكذا، (وَلَا أُزَكِّي) بهمزة المتكلّم، (عَلَى اللهِ أَحَداً) وفي رواية للبخاريّ: ((ولا
يُزَّى على الله أحد))، قال في ((الفتح)): كذا لأبي ذرّ عن المستملي،
والسرخسيّ بفتح الكاف، على البناء للمجهول، وفي رواية الكشميهنيّ: (ولا
يزكي)) بكسر الكاف على البناء للفاعل، وهو المخاطب أوّلاً المقول له:
((فليقل)) وكذا في أكثر الروايات؛ أي: لا يقطع على عاقبة أحد، ولا على ما
في ضميره؛ لكون ذلك مغيباً عنه، وجيء بذلك بلفظ الخبر، ومعناه النهي؛
أي: لا تزكوا أحداً على الله؛ لأنه أعلم به منكم.
وقوله: (أَحْسِبُهُ)؛ أي: أظن فلاناً، وجملة قوله: (إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَاَ)
معترضة بين الفعل والمفعول الثاني، وهو قوله: (كَذَا وَكَذَا))) والمعنى: أنه إن
كان يعلم مما يظهر من حال الممدوح أنه كذا، وكذا؛ أي: عابد، وكريم،
ونحو ذلك فليقل: أحسبه كذا وكذا.
وقال القرطبيّ كَخَّتُهُ: قوله: ((قطعت عنق صاحبك))، وفي حديث أبي
موسى: ((قطعتم ظهر الرجل)) كل ذلك بمعنى أهلكتموه، وقد جاء عنه وَ لّ أنَّه
قال: ((إياكم، والمدح، فإنَّه الذبح))، رواه أحمد، ويعني بذلك كله أن الممدوح
إذا أُكثر عليه من ذلك يُخاف عليه منه العُجب بنفسه، والكِبْر على غيره، فيهلك
دينه بهاتين الكبيرتين، فإذاً المدح مظنة الهلاك الديني، فيحرم، لكن هذه المظنة
لا تتحقّق إلا عند الإكثار منه، والإطراء به، وأما مع الندرة والقلّة فلا يكون
مظنة، فيجوز ذلك إذا كان حقّاً في نفسه، ولم يقصد به الإطراء، وأُمِن على
الممدوح الاغترار به، وعلى هذا يُحمل ما وقع للصحابة ﴿ه من مَدْح بعضهم
لبعض مشافهةً، ومكاتبةً، وقد مُدِح النبيّ ◌َ ﴿ مشافهة نظماً ونثراً، ومَدَح هو
أيضاً جماعة من أعيان أصحابه مشافهة، لكن ذلك كله إنما جاز لَمّا صحّت
المقاصد، وأُمنت الآفات المذكورة.
وقوله: ((إن كان أحدكم مادحاً أخاه لا محالة، فليقل: أحسب فلاناً، إن ما
كان يرى أنه كذلك)) ظاهر هذا أنه لا ينبغي للإنسان أن يمدح أحداً ما وجد من ذلك
مندوحة، فإنْ لم يجد بدّاً مدح بما يعلمه من أوصافه، وبما يظنّه، ويحترز من الجزم
والقطع بشيء من ذلك، بل يتحرّز، بأن يقول: فيما أحسب، أو أظن، ويزيد على
٢٧٩
(١٣) - بَابُ الَّهْىِ عَنِ الْمَدْحِ، إِذَا كَانَ فِيهِ إِفْرَاطٌ، وَخِيفَ مِنْهُ فِتْنَةٌ عَلَى الْمَمْدُوحِ - حديث رقم (٧٤٧٠)
ذلك: ولا أزّي على الله أحداً؛ أي: لا أقطع بأنه كذلك عند الله، فإنَّ الله تعالى هو
المطلع على السرائر، العالم بعواقب الأمور. انتهى (١). والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي بكرة تَظُبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٤٧٠/١٣ و٧٤٧١ و٧٤٧٢] (٣٠٠٠)،
و(البخاريّ) في ((الشهادات)) (٢٦٦٢) و((الأدب)) (٦٠٦١ و٦١٦٢) وفي ((الأدب
المفرد)) (٣٣٣)، و(أبو داود) في ((الأدب)) (٤٨٠٥)، و(ابن ماجه) في ((الأدب))
(٣٧٤٤)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٧/٩)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه))
(٢٠٩٦٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤١/٥ و٤٦)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه))
(٥٧٦٦ و٥٧٦٧)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٤٢/١٠)، و(البغويّ) في ((شرح
السُّنَّة)) (٣٥٧٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ذمّ الإطراء في المدح، وأنه يُعتبر كقطع العنق في الهلاك؛
لأن به هلاك الدين، وهو أشدّ من هلاك الدنيا .
٢ - (ومنها): أنه إذا لم يكن للإنسان بُدّ من المدح، فليقل: أحسب فلاناً
كذا وكذا، والله تعالى حسيبه، ولا أزكي على الله تعالى أحداً.
٣ - (ومنها): ما قاله النوويّ تَخْتُ: ذكر مسلم في هذا الباب الأحاديث
الواردة في النهي عن المدح، وقد جاءت أحاديث كثيرة في ((الصحيحين))
بالمدح في الوجه، قال العلماء: وطريق الجمع بينها، أن النهي محمول على
المجازفة في المدح، والزيادة في الأوصاف، أو على من يُخاف عليه فتنة، من
إعجاب، ونحوه، إذا سَمِع المدح، وأما من لا يُخاف عليه ذلك؛ لكمال
تقواه، ورسوخ عقله، ومعرفته، فلا نهي في مدحه في وجهه إذا لم يكن فيه
مجازفة، بل إن كان يحصل بذلك مصلحة، كتنشيطه للخير، والازدياد منه، أو
الدوام عليه، أو الاقتداء به كان مستحبّاً، والله تعالى أعلم (٢).
(١) ((المفهم)) ٦/ ٦٢٧ - ٦٢٨.
(٢) ((شرح النوويّ)) ١٢٦/١٨.
٢٨٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٧١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ،
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، أَخْبَرَنَا غُنْدَرٌ، قَالَ: شُعْبَةُ
حَدَّثَنَا، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِه
أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا مِنْ رَجُلِ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ وَّـ
أَفْضَلُ مِنْهُ فِي كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((وَيْحَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ))، مِرَاراً
يَقُولُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِلَّهِ: ((إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ مَادِحاً أَخَاهُ لَا مَحَالَةَ، فَلْيَقُلْ:
أَحْسِبُ فُلَاناً، إِنْ كَانَ يُرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ، وَلَا أُزَكِّي عَلَى اللهِ أَحَداً))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَبَلَةَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ) العتكيّ
البصريّ [١١]، تقدم في ((الإيمان)) ٣٤٨/٦٣.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) هو غندر المذكور بعده البصريّ [٩]، تقدم في
((المقدمة)) ٢/٢.
٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِع) هو: محمد بن أحمد بن نافع العبديّ البصريّ،
من صغار [١٠]، تقدم في (لَالطهارة) ١٦/ ٦٠٧.
٤ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج الإمام المشهور [٧]، تقدم في ((شرح المقدمة))
جـ١ ص٣٨١.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (قَالَ: شُعْبَةُ حَدَّثَنَا)؛ أي: غندر قال: شعبة حدّثنا، فـ((شعبة))
مبتدأ خبره جملة (حدّثنا)).
وقوله: (ذُكِرَ عِنْدَهُ)؛ أي: عند النبيّ ◌َّهِ (رَجُلٌ، فَقَالَ رَجُلٌ إلخ) لم
يُعرف الرجلان.
وقوله: (أَفْضَلُ مِنْهُ فِي كَذَا وَكَذَا)؛ أي: في صلاته، أو خشوعه، أو نحو
ذلك.
وقوله: (قَطَعْتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ) وفي رواية: ((قطعتم ظهر الرجل)) معناه:
أهلكتموه، وهذه استعارة من قطع العنق الذي هو القتل؛ لاشتراكهما في
الهلاك، لكن هلاك هذا الممدوح في دينه، وقد يكون من جهة الدنيا؛ لِمَا