النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
(١١) - بَابُ تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَكَرَاهَةِ التَّنَاؤُبِ - حديث رقم (٧٤٥٨)
عكرمة، فذكره بلفظ: ((عطس رجل عند النبيّ ◌َّر، فشمته، ثم عطس، فشمته،
ثم عطس، فقال له في الثالثة: أنت مزكوم))، هكذا رأيت فيه: ((ثم عطس،
فشمته))، وقد أخرجه الإمام أحمد، عن يحيى القطان، ولفظه: ((ثم عطس
الثانية، والثالثة، فقال النبيّ ◌َّ: الرجل مزكوم)).
وهذا اختلاف شديد في لفظ هذا الحديث، لكن الأكثر على ترك ذكر
التشميت بعد الأُولى، وأخرجه ابن ماجه من طريق وكيع، عن عكرمة، بلفظ
آخر: «قال: يشمَّت العاطس ثلاثاً، فما زاد فهو مزكوم))، وجعل الحديث كله
من لفظ النبيّ وَّر، وأفاد تكرير التشميت، وهي رواية شاذّة؛ لمخالفة جميع
أصحاب عكرمة بن عمار في سياقه، ولعل ذلك من عكرمة المذكور لمّا حدث
به وكيعاً، فإن في حفظه مقالاً، فإن كانت محفوظة فهو شاهد قويّ لحديث أبي
هريرة. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن أرجح روايات عكرمة بن
عمار هي رواية مسلم أنه وَّر شمّته في الأولى، وقال في الثانية مزكوم، ثم إن
الرواية الثالثة أرجح من هذه؛ لأن بها العمل بالزائد، وهو أولى، فتنبّه، والله
تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سلمة بن الأكوع
المصنّف تَخْدَّتُهُ.
هذا من أفراد
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٤٥٨/١١] (٢٩٩٣)، و(أبو داود) في ((الأدب))
(٥٠٣٧)، و(الترمذيّ) في ((الأدب)) (٢٧٤٣)، و(النسائيّ) في ((عمل اليوم
والليلة)) (٢٢٣)، و(البخاريّ) في ((الأدب المفرد)) (٩٣٨)، و(أحمد) في
(مسنده)) (٤٦/٤ و٥٠)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٢٨٤/٢)، و(الطبرانيّ) في
((الكبير)) (١٣/٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦٠٣)، و(البيهقيّ) في ((شعب
الإيمان)) (٣٢/٧)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٣٤٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): ظاهر حديث سلمة رضيبه هذا أنه لا يُشرع التشميت في

٢٤٢
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
الثانية، بل يقال: الرجل مزكوم، لكن الصحيح أنه يشمّت إلى الثالثة، قال في
((الفتح)): ويستفاد من الحديث مشروعية تشميت العاطس ما لم يزد على ثلاث،
إذا حمد الله، سواء تتابع عطاسه، أم لا، فلو تتابع، ولم يحمد لغلبة العطاس
عليه، ثم كرر الحمد بعدد العطاس، فهل يشمَّت بعدد الحمد؟ فيه نظر، وظاهر
الخبر نعم .
وقد أخرج أبو يعلى، وابن السنيّ من وجه آخر عن أبي هريرة النهي عن
التشميت بعد ثلاث، ولفظه: ((إذا عطس أحدكم فليشمته جليسه، فإن زاد على
ثلاث، فهو مزكوم، ولا يشمته بعد ثلاث)).
قال النوويّ: فيه رجل لم أتحقق حاله، وباقي إسناده صحيح.
قال الحافظ: الرجل المذكور هو سليمان بن أبي داود الحرانيّ،
والحديث عندهما من رواية محمد بن سليمان، عن أبيه، ومحمد موثق، وأبوه
يقال له: الحرانيّ ضعيف، قال فيه النسائيّ: ليس بثقة، ولا مأمون.
قال النوويّ: وأما الذي رويناه في ((سنن أبي داود))، والترمذيّ عن
عبيد بن رفاعة الصحابيّ، قال: قال رسول الله وَليقول: ((يشمت العاطس ثلاثاً،
فإن زاد فإن شئت فشمته، وإن شئت فلا)) فهو حديث ضعيف، قال فيه
الترمذيّ: هذا حديث غريب، وإسناده مجهول.
قال الحافظ: إطلاقه عليه الضعف ليس بجيد؛ إذ لا يلزم من الغرابة
الضعف، وأما وصف الترمذي إسناده بكونه مجهولاً، فلم يُرِدْ جميع رجال
الإسناد، فإن معظمهم موثقون، وإنما وقع في روايته تغيير اسم بعض رواته،
وإبهام اثنين منهم، وذلك أن أبا داود، والترمذيّ أخرجاه معاً من طريق
عبد السلام بن حرب، عن يزيد بن عبد الرحمن، ثم اختلفا فأما رواية أبي
داود ففيها عن يحيى بن إسحاق بن أبي طلحة، عن أمه حُميدة، أو عبيدة بنت
عبيد بن رفاعة، عن أبيها، وهذا إسناد حسن، والحديث مع ذلك مرسل، كما
سأبيّنه، وعبد السلام بن حرب من رجال الصحيح، ويزيد هو أبو خالد
الدالاني، وهو صدوق، في حفظه شيء، ويحيى بن إسحاق وثقه يحيى بن
معين، وأمه حميدة روى عنها أيضاً زوجها إسحاق بن أبي طلحة، وذكرها ابن
حبان في ثقات التابعين، وأبوها عبيد بن رفاعة ذكروه في الصحابة؛ لكونه وُلد

٢٤٣
(١١) - بَابُ تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَكَرَاهَةِ التََّاؤُبِ - حديث رقم (٧٤٥٨)
في عهد النبيّ ◌َّ، وله رؤية، قاله ابن السكن، قال: ولم يصح سماعه، وقال
البغويّ: روايته مرسلة، وحديثه عن أبيه عند الترمذيّ والنسائيّ وغيرهما، وأما
رواية الترمذيّ ففيها عن عمر بن إسحاق بن أبي طلحة، عن أمه، عن أبيها،
كذا سماه عمر، ولم يسم أمه، ولا أباها، وكأنه لم يُمعن النظر، فمن ثَمّ قال:
إنه إسناد مجهول، وقد تبين أنه ليس بمجهول، وأن الصواب يحيى بن إسحاق،
لا عمر، فقد أخرجه الحسن بن سفيان، وابن السنيّ، وأبو نعيم، وغيرهم، من
طريق عبد السلام بن حرب، فقالوا: يحيى بن إسحاق، وقالوا: حميدة بغير
شك، وهو المعتمَد.
وقال ابن العربيّ: هذا الحديث، وإن كان فيه مجهول، لكن يستحب
العمل به؛ لأنه دعاء بخير وَصِلَة، وتودد للجليس، فالأَولى العمل به، والله
أعلم.
وقال ابن عبد البرّ: دل حديث عبيد بن رفاعة على أنه يشمت ثلاثاً،
ويقال: أنت مزكوم بعد ذلك، وهي زيادة يجب قبولها، فالعمل بها أَولى، ثم
حكى النوويّ عن ابن العربيّ أن العلماء اختلفوا هل يقول لمن تتابع عطسه:
أنت مزكوم في الثانية، أو الثالثة، أو الرابعة؟ على أقوال، والصحيح في
الثالثة، قال: ومعناه أنك لست ممن يشمَّت بعدها؛ لأن الذي بك مرض،
وليس من العطاس المحمود الناشئ عن خفة البدن.
قال: فإن قيل: فإذا كان مريضاً، فينبغي أن يشمّت بطريق الأَولى؛ لأنه
أحوج إلى الدعاء من غيره.
قلنا: نعم، لكن يدعى له بدعاء يلائمه، لا بالدعاء المشروع للعاطس،
بل من جنس دعاء المسلم للمسلم بالعافية.
وذكر ابن دقيق العيد عن بعض الشافعية أنه قال: يكرّر التشميت إذا تكرر
العطاس، إلا أن يعرف أنه مزكوم، فيدعو له بالشفاء، قال: وتقريره أن العموم
يقتضي التكرار، إلا في موضع العلة، وهو الزكام، قال: وعند هذا يسقط الأمر
بالتشميت عند العلم بالزكام؛ لأن التعليل به يقتضي أن لا يشمت من علم أن
به زکاماً أصلاً .
وتعقبه بأن المذكور هو العلة دون التعليل، وليس المعلَّل هو مطلق الترك

٢٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
ليعم الحكم عليه بعموم علته، بل المعلل هو الترك بعد التكرير، فكأنه قيل: لا
يلزم تكرر التشميت؛ لأنه مزكوم، قال: ويتأيد بمناسبة المشقة الناشئة عن
التكرار. انتهى ما في ((الفتح))(١)، وهو بحث نفيسٌ جدّاً، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): قد خُصّ من عموم الأمر بتشميت العاطس جماعة:
[الأول]: من لم يحمد، كما تقدم.
[الثاني]: الكافر، فقد أخرج أبو داود، وصححه الحاكم، من حديث أبي
موسى الأشعريّ قال: ((كانت اليهود يتعاطسون عند النبيّ وَلو رجاء أن يقول:
يرحمكم الله، فكان يقول: يهديكم الله، ويصلح بالكم))، قال ابن دقيق العيد:
إذا نظرنا إلى قول من قال من أهل اللغة: إن التشميت: الدعاء بالخير دخل
الكفار في عموم الأمر بالتشميت، وإذا نظرنا إلى من خص التشميت بالرحمة
لم يدخلوا، قال: ولعل من خص التشميت بالدعاء بالرحمة بناه على الغالب؛
لأنه تقييد لوضع اللفظ في اللغة.
قال الحافظ: وهذا البحث أنشأه من حيث اللغة، وأما من حيث الشرع،
فحديث أبي موسى دال على أنهم يدخلون في مطلق الأمر بالتشميت، لكن لهم
تشميت مخصوص، وهو الدعاء لهم بالهداية، وإصلاح البال، وهو الشأن، ولا
مانع من ذلك، بخلاف تشميت المسلمين، فإنهم أهل الدعاء بالرحمة، بخلاف
الكفار.
[الثالث]: المزكوم إذا تكرر منه العطاس، فزاد على الثلاث، فإن ظاهر
الأمر بالتشميت يشمل من عطس واحدة، أو أكثر، لكن أخرج البخاريّ في ((الأدب
المفرد)) من طريق محمد بن عجلان، عن سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة، قال:
(يشمته واحدة، وثنتين، وثلاثاً، وما كان بعد ذلك فهو زكام)) هكذا أخرجه
موقوفاً، من رواية سفيان بن عيينة عنه، وأخرجه أبو داود من طريق يحيى القطان،
عن ابن عجلان كذلك، ولفظه: ((شمِّت أخاك))، وأخرجه من رواية الليث، عن ابن
عجلان، وقال فيه: لا أعلمه إلا رفعه إلى النبيّ وَّر، قال أبو داود: ورفعه
موسى بن قيس، عن ابن عجلان أيضاً، وفي ((الموطأ)) عن عبد الله بن أبي بكر،
(١) ((الفتح)) ١١٣/١٤ - ١١٥.

٢٤٥
(١١) - بَابُ تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَكَرَاهَةِ التَّنَاؤُبِ - حديث رقم (٧٤٥٨)
عن أبيه، رفعه: ((إن عطس فشمته، ثم إن عطس فشمته، ثم إن عطس فقل: إنك
مضنوك (١))، قال ابن أبي بكر: لا أدري بعد الثالثة، أو الرابعة، وهذا مرسل جيد.
وأخرجه عبد الرزاق عن معمر، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه قال:
((فشمته ثلاثاً، فما كان بعد ذلك فهو زكام)).
وأخرج ابن أبي شيبة من طريق عمرو بن العاص: ((شمتوه ثلاثاً، فإن زاد
فهو داء، يخرج من رأسه))، موقوف أيضاً.
ومن طريق عبد الله بن الزبير: ((أن رجلاً عطس عنده، فشمته، ثم
عطس، فقال له في الرابعة: أنت مضنوك))، موقوف أيضاً.
ومن طريق عبد الله بن عمر مثله، لكن قال في الثالثة.
ومن طریق عليّ بن أبي طالب: «شمِّته ما بينك وبينه ثلاث، فإن زاد فهو ريح)).
وأخرج عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة: يشمت العاطس إذا تتابع عليه
العطاس ثلاثاً .
[الرابع]: ممن يخص من عموم العاطسين من يَكره التشميت، قال ابن
دقيق العيد: ذهب بعض أهل العلم إلى أن من عُرف من حاله أنه يكره التشميت
أنه لا يشمت إجلالاً للتشميت أن يؤهل له من يكرهه.
فإن قيل: كيف يترك السُّنَّة لذلك؟.
قلنا: هي سُنّة لمن أحبها، فأما من كرهها، ورغب عنها فلا، قال: ويطّرد
ذلك في السلام، والعيادة، قال ابن دقيق العيد: والذي عندي أنه لا يمتنع من
ذلك إلا من خاف منه ضرراً، فأما غيره فيشمّت امتثالاً للأمر، ومناقضة للمتكبر
في مراده، وكسراً لسورته في ذلك، وهو أولى من إجلال التشميت.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا التفصيل الذي ذكره ابن دقيق العيد تَخْتُهُ هو
الأَولى عندي.
قال الحافظ: ويؤيده أن لفظ التشميت دعاء بالرحمة، فهو يناسب المسلم
كائناً من كان، والله أعلم.
[الخامس]: قال ابن دقيق العيد: يستثنى أيضاً من عطس، والإمام
(١) أي: مزكوم، والضُّناك بالضم، كالزُّكام وزناً ومعنى، قاله في ((النهاية)) ص٥٥١.

٢٤٦
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
يخطب، فإنه يتعارض الأمر بتشميت من سمع العاطس، والأمر بالإنصات لمن
سمع الخطيب، والراجح الإنصات؛ لإمكان تدارك التشميت بعد فراغ
الخطيب، ولا سيما إن قيل: بتحريم الكلام، والإمام يخطب، وعلى هذا فهل
يتعين تأخير التشميت حتى يفرغ الخطيب، أو يشرع له التشميت بالإشارة؟ فلو
كان العاطس الخطيب، فحمد، واستمر في خطبته فالحكم كذلك، وإن حمد
فوقف قليلاً ليشمت، فلا يمتنع أن يشرع تشميته.
[السادس]: ممن يمكن أن يستثنى: من كان عند عطاسه في حالة يمتنع
عليه فيها ذكر الله تعالى، كما إذا كان على الخلاء، أو في الجماع، فيؤخر، ثم
يحمد الله، فيشمت، فلو خالف فحمد في تلك الحالة، هل يستحق التشميت؟
(١)
فيه نظر. انتهى
.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي لا نظر فيه، بل يُشمّت؛ لعموم النصّ،
والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َقُّْهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٥٩] (٢٩٩٤) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ
حُجْرِ السَّعْدِيُّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ - عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: ((التََّاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَشَاءَبَ
أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ البغداديّ [١٠]، تقدم في ((الإيمان)) ١١٠/٢.
٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ البغلانيّ [١٠] تقدم في ((المقدمة)) ٥٠/٦.
٣ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، من صغار [٩]، تقدم في
((المقدمة)) ٦/٢.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ) بن أبي كثير الأنصاريّ المدنيّ [٨]، تقدم في
((الإيمان)) ١١٠/٢.
(١) ((الفتح)) ١١٣/١٤ - ١١٧.

٢٤٧
(١١) - بَابُ تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَكَرَاهَةِ التَّنَاؤُبِ - حديث رقم (٧٤٥٩)
٥ - (الْعَلَاءُ) بن عبد الرحمن الحرقيّ المدنيّ [٥]، تقدم في ((الإيمان))
١٣٥/٨.
٦ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الجهنيّ المدنيّ [٣]، تقدم في
((الإيمان)) ١٣٥/٨.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) نَظُه، تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَظُبه؛ (أَنَّ رَسُولَ اللهِنَِّ قَالَ: ((التَّنَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ)
قال ابن بطال تَخّْتُهُ: إضافة التثاؤب إلى الشيطان بمعنى إضافة الرضا والإرادة؛
أي: إن الشيطان يحب أن يرى الإنسان متثائباً؛ لأنها حالة تتغير فيها صورته،
فيضحك منه، لا أن المراد أن الشيطان فعل التثاؤب.
وقال ابن العربيّ تَخّلُهُ: قد بيّنا أن كل فعل مكروه نسبه الشرع إلى
الشيطان؛ لأنه واسطته، وأن كل فعل حَسَن نسبه الشرع إلى الملك؛ لأنه
واسطته، قال: والتثاؤب من الامتلاء، وينشأ عنه التكاسل، وذلك بواسطة
الشيطان، والعطاس من تقليل الغذاء، وينشأ عنه النشاط، وذلك بواسطة الملك.
وقال النوويّ تَخْتُ: أضيف التثاؤب إلى الشيطان؛ لأنه يدعو إلى
الشهوات؛ إذ يكون عن ثقل البدن، واسترخائه، وامتلائه، والمراد: التحذير
من السبب الذي يتولد منه ذلك، وهو التوسع في المأكل(١).
(فَإِذَا تَشَاءَبَ) بالهمز، ويقال: بالواو بدلها، قال في ((الفتح)): قوله:
((تثاوب)) كذا للأكثر، وللمستملي: ((تثاءب)) بهمزة بدل الواو، قال الحافظ
العراقيّ في ((شرح الترمذيّ)): وقع في رواية المحبوبيّ عند الترمذي بالواو،
وفي رواية السنجي بالهمز، ووقع عند البخاريّ، وأبي داود، بالهمز، وكذا في
حديث أبي سعيد عند أبي داود، وأما عند مسلم فبالواو، قال: وكذا هو في
أكثر نُسخ مسلم، وفي بعضها بالهمز، وقد أنكر الجوهريّ كونه بالواو، وقال:
تقول: تثاءبت على وزن تفاعلت، ولا تقل: تثاوبت، قال: والتثاؤب أيضاً
مهموز، وقد يقلبون الهمزة المضمومة واواً، والاسم: الثُّؤَباء، بضم، ثم همز،
(١) ((الفتح)) ١٤/ ١٢٥.

٢٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
على وزن الْخُيَلاء، وجزم ابن دريد، وثابت بن قاسم في ((الدلائل)) بأن الذي
بغير واو بوزن تيممت، فقال ثابت: لا يقال: تثاءب بالمدّ مخففاً، بل يقال
تثأب بالتشديد، وقال ابن دريد: أصله من ثئب فهو مثوب: إذا استرخى،
وكَسِل، وقال غير واحد: إنهما لغتان، وبالهمز، والمدّ أشهر. انتهى(١).
(فَإِذَا تَشَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ) بفتح ياء المضارعة، وكسر الظاء المعجمة،
من باب ضرب؛ أي: ليحبسه، وليمسكه بوضع اليد على الفم، أو تطبيق
السنّ، وضم الشفتين(٢)، وقوله: (مَا اسْتَطَاعَ) ((ما)) مصدريّة ظرفيّة؛ أي: مدّة
استطاعته على الكظم، وفي الرواية الآتية: ((فليُمسك بيده))، ولفظ البخاريّ:
((فليردّه ما استطاع))؛ أي: يأخذ في أسباب رده، وليس المراد به أنه يملك
دفعه؛ لأن الذي وقع لا يُرَدّ حقيقة، وقيل: معنى إذا تثاءب: إذا أراد أن
يتثاءب، وجوّز الكرمانيّ أن يكون الماضي فيه بمعنى المضارع.
زاد في الرواية الآتية: ((فإن الشيطان يدخل))، وفي رواية البخاريّ: ((فإن
أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان))، وفي رواية ابن عجلان: ((فإذا قال: آه
ضحك منه الشيطان)).
وفي الرواية الثالثة: ((إذا تثاءب أحدكم في الصلاة، فليكظم ما استطاع،
فإن الشيطان يدخل)) هكذا قيّده بحالة الصلاة، وكذا هو عند الترمذيّ، ولفظه:
((التثاؤب في الصلاة من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع))،
وعند ابن ماجه: ((إذا تثاءب أحدكم، فليضع يده على فيه، ولا يعوي، فإن
الشيطان يضحك منه))، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌َُّه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٤٥٩/١١] (٢٩٩٤)، و(البخاريّ) في ((بدء
الخلق)) (٣٢٨٩) و((الأدب)) (٦٢٢٣ و٦٢٢٦)، و(أبو داود) في ((الأدب))
(٥٠٢٨)، و(الترمذيّ) في ((الأدب)) (٢٧٤٦ و٢٧٤٧)، و(النسائيّ) في ((عمل
(١) ((الفتح)) ١٢٥/١٤.
(٢) ((تحفة الأحوذيّ)) ٣٠٧/٢.

٢٤٩
(١١) - بَابُ تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَكَرَاهَةِ التََّاؤُبِ - حديث رقم (٧٤٥٩)
اليوم والليلة)) (٢١٧)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٣١٥)، و(أحمد) في
«مسنده)) (٢٦٥/٢ و٤٢٨)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه)) (٣٣٢٢)، و(الحاكم)
في ((المستدرك)) (٢٦٣/٤)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٨٩/٢)، و(البغويّ) في
(شرح السُّنَّة)) (٧٢٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن التثاؤب من عمل الشيطان، وبيان أن الشيطان
متسلط على الإنسان في جميع أحواله.
٢ - (ومنها): الأمر بكظم التثاؤب بوضع اليد ونحوه.
٣ - (ومنها): ما قاله الحافظ العراقيّ تَخْتُهُ في ((شرح الترمذيّ)): أكثر
روايات ((الصحيحين)) فيها إطلاق التثاؤب، ووقع في الرواية الأخرى - هي في
حديث أبي سعيد الخدريّ الآتي لمسلم بعد حديثين - تقييده بحالة الصلاة،
فَيَحْتَمِل أن يُحمل المطلق على المقيد، وللشيطان غرض قويّ في التشويش على
المصلي في صلاته، ويَحْتَمِل أن تكون كراهته في الصلاة أشدّ، ولا يلزم من
ذلك أن لا يُكره في غير حالة الصلاة، وقد قال بعضهم: إن المطلق إنما يُحمل
على المقيد في الأمر، لا في النهي، ويؤيد كراهته مطلقاً كونه من الشيطان،
وبذلك صرح النوويّ.
قال ابن العربيّ كَّلهُ: ينبغي كظم التثاؤب في كل حالة، وإنما خَصّ
الصلاة؛ لأنها أَولى الأحوال بدفعه؛ لِمَا فيه من الخروج عن اعتدال الهيئة،
واعوجاج الخلقة.
وأما قوله: ((ولا يعوي)) فإنه بالعين المهملة، شبّه التثاؤب الذي يسترسل
معه بعُواء الكلب، تنفيراً عنه، واستقباحاً له، فإن الكلب يرفع رأسه، ويفتح
فاه، ويعوي، والمتثائب إذا أفرط في التثاؤب شابهه، ومن هنا تظهر النكتة في
كونه يضحك منه؛ لأنه صيّره ملعبة له بتشويه خلقه في تلك الحالة.
٤ - (ومنها): أن قوله في رواية مسلم هنا: ((فإن الشيطان يدخل)) قيل:
يَحْتَمِل أن يراد به الدخول حقيقة، وهو وإن كان يجري من الإنسان مجرى
الدم، لكنه لا يتمكن منه ما دام ذاكراً لله تعالى، والمتثائب في تلك الحالة غير
ذاكر، فيتمكن الشيطان من الدخول فيه حقيقة. ويَحْتَمِل أن يكون أطلق

٢٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
الدخول، وأراد التمكن منه؛ لأن من شأن من دخل في شيء أن يكون متمكناً
منه .
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأول هو الأَولى؛ لظاهر النصّ،
فتأمل، والله تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): أن الأمر بوضع اليد على الفم يتناول ما إذا انفتح
بالتثاؤب، فيغطي بالكفّ ونحوه، وما إذا كان منطبقاً حفظاً له عن الانفتاح
بسبب ذلك، وفي معنى وضع اليد على الفم وَضْع الثوب ونحوه مما يحصل
ذلك المقصود، وإنما تتعين اليد إذا لم يرتدّ التثاؤب بدونها، ولا فرق في هذا
الأمر بين المصلي وغيره، بل يتأكد في حال الصلاة كما تقدم.
٦ - (ومنها): ما قيل: إنه يستثنى ذلك من النهي عن وضع المصلي يده
على فمه، ومما يؤمر به المتثائب إذا كان في الصلاة أن يُمسك عن القراءة،
حتى يذهب عنه؛ لئلا يتغير نظم قراءته، وأسند ابن أبي شيبة نحو ذلك عن
مجاهد، وعكرمة، والتابعين المشهورين.
[تنبيه]: من الخصائص النبوية ما أخرجه ابن أبي شيبة، والبخاريّ في
((التاريخ)) من مرسل يزيد بن الأصم، قال: ((ما تثاءب النبيّ وَّ- قط))، وأخرج
الخطابيّ من طريق مسلمة بن عبد الملك بن مروان قال: ((ما تثاءب نبيّ قط))،
ومسلمة أدرك بعض الصحابة، وهو صدوق، ويؤيد ذلك ما ثبت أن التثاؤب من
الشيطان، ووقع في ((الشفاء)) لابن سبع أنه وسلّ كان لا يتمطى؛ لأنه من
الشيطان(١). والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َقْتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٦٠] (٢٩٩٥) - (حَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ مَالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ،
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْناً لأَّبِي
سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، يُحَدِّثُ أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَّسُولُ اللهِ لَّهِ: ((إِذَا تَثَاوَبَ
أَحَدُكُمْ فَلْيُمْسِك بِيَدِهِ عَلَى فِيهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ))).
(١) ((الفتح)) ١٢٦/١٤ - ١٢٧.

٢٥١
(١١) - بَابُ تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَكَرَاهَةِ التَّنَاؤُبِ - حديث رقم (٧٤٦١)
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ مَالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ) البصريّ [١٠]، تقدم في
((الإيمان)) ٨/ ١٣٧.
٢ - (بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ) بن لاحق، أبو إسماعيل البصريّ [٨]، تقدم في
((الإيمان) ١٤٥/١٠.
٣ - (سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ) المدنيّ [٦]، تقدم في ((الإيمان)) ١٦١/٤١.
٤ - (ابْنٌ لأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) هو عبد الرحمن الآتي في السند التالي
المدنيّ [٣]، تقدم في ((الحيض)) ١٦/ ٧٧٤.
٥ - (أَبُوه) أبو سعيد الخدريّ سعد بن مالك بن سنان الأنصاريّ
تقدم في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص ٤٨٥.
وشرح الحديث يُعلم مما قبله.
،
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ ظُله هذا من أفراد
المصنّف رَخَذْتُهُ .
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٤٦٠/١١ و٧٤٦١ و٧٤٦٢ و٧٤٦٣] (٢٩٩٥)،
و(أبو داود) في ((الأدب)) (٥٠٢٦ و٥٠٦٧)، و(عبد الرزّاق) في ((مصنّفه))
(٣٣٢٥)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٩٦/٣)، و(الدارميّ) في ((سننه)) (٣٢١/١)،
و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٤٢٧/٢)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٢٣٦٠)،
و(ابن الجارود) في ((المنتقى)) (٢٢١)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٢٨٩/٢)،
و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٣٤٧)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٦١] (.) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ سُهَيْلٍ،
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﴿ قَالَ: ((إِذَا تَثَاوَبّ
أَحَدُكُمْ فَلْيُمْسِْكَ بِيَدِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ))).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ) بن محمد الدراورديّ المدنيّ [٨]، تقدم في ((الإيمان)) ١٣٥/٨.

٢٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
والباقون ذُكروا قبله، والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى الكلام فيه
في الذي قبله.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٢٦] ( .. ) - (حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ
سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أَبِهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ :
((إِذَا تَتَاوَبَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ))).
رجال هذا الإسناد: ستةٌ :
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفيّ [١٠]،
تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، أبو سفيان الرؤاسيّ الكوفي [٩]، تقدم في
((المقدمة)) ١/١.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ الكوفيّ [٧]، تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث من أفراد المصنّف ◌َخْدَّتُهُ، وقد مضى البحث فيه.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٦٣] (.) - (حَدَّثَنَاهُ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْل،
عَنْ أَبِيهِ، وعَنِ ابْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ، بِمِثْلِ
حَدِيثٍ بِشْرٍ، وَعَبْدِ الْعَزِيزِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) أخو أبي بكر المذكور قبله [١٠]، تقدم في
((المقدمة)) ٦/ ٧٢.
٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفيّ [٨]، تقدم في ((المقدمة)) ٥٠/٦.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وعَنِ ابْنِ أَبِي سَعِيدٍ) بالواو عطف على ((أبيه))، فسهيل يرويه عن
كلّ من أبيه، وابن أبي سعيد، وهو عبد الرحمن المتقدّم، وأما ما وقع في
بعض النسخ بلفظ: ((أو عن ابن أبي سعيد)) بـ(أو)) فغلط، فتنبّه.

٢٥٣
(١٢) - بَابٌ، فِي أَحَادِيثَ مُتَفَرِّقَةٍ - حديث رقم (٧٤٦٤)
[تنبيه]: رواية جرير بن عبد الحميد عن سهيل هذه ساقها ابن حبّان رَّتُهُ
في ((صحيحه))، فقال:
(٢٣٦٠) - أخبرنا أحمد بن عليّ بن المثنى، قال: حدّثنا أبو خيثمة،
قال: حدّثنا جرير، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، وعن ابن أبي سعيد
الخدريّ، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله وَله: ((إذا تثاءب أحدكم فليضع
يده على فيه، فإن الشيطان يدخل)). انتهى(١).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِلَّهِ عَلَيْهِ تَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(١٢) - (بَابٌ فِي أَحَادِيثَ مُتَفَرِّقَةٍ)
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ترجم في النسخة الهنديّة بهذا اللفظ،
وترجم الأبيّ بلفظ: ((أحاديث مختلفة))، وهما متقاربان، ثم أوردا الأحاديث
من هنا إلى باب ((النهي عن المدح)) كلها تحت هذه الترجمة، وهو الصواب،
وأما ما وقع في بعض النسخ من الترجمة المختلفة عند كل حديث تقريباً بعد
هذه الترجمة فمما لا وجه له، فليُتنبّه، والله تعالى وليّ التوفيق.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٦٤] (٢٩٩٦) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ:
أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَّرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ
عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَثَّ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ
الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (٢)، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ))).
رجال هذا الإسناد: سبعةٌ:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) أبو عبد الله النيسابوريّ [١١]، تقدم في ((المقدمة))
١٨/٤.
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسيّ [١٠]، تقدم في ((الإيمان)) ١٣١/٧.
(١) ((صحيح ابن حبان)) ١٢٤/٦.
(٢) وفي نسخة: ((وخلق الجانّ من نار)).

٢٥٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همام الصنعانيّ [٩]، تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٤ - (مَعْمَرُ) بن راشد، أبو عروة اليمنيّ [٧]، تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم [٤]، تقدم في ((شرح المقدمة)) ج١ ص٣٤٨.
٦ - (عُرْوَةُ) بن الزبير [٣]، تقدم في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص ٤٠٧.
٧ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ﴿يَّا، تقدمت في ((شرح المقدمة)) ج١ ص٣١٥.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف ◌َخَّتُهُ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه عروة
من الفقهاء السبعة، وفيه عائشة غيّا من المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ◌َّا؛ أنها (قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((خُلِقَتِ) بالبناء
للمفعول (الْمَلَائِكَةُ) جمع مَلَك بفتح اللام، فقيل مخفف من مالك، وقيل:
مشتق من الألوكة، وهي الرسالة، وهذا قول سيبويه، والجمهور، وأصله لاك،
وقيل: أصله الْمَلْك، بفتح، ثم سكون، وهو الأخذ بقوّة، وحينئذٍ لا مدخل
للميم فيه، وأصل وزنه مفعل، فتُركت الهمزة؛ لكثرة الاستعمال، وظهرت في
الجمع، وزيدت الهاء إما للمبالغة، وإما التأنيث الجمع، وجُمع على القلب،
وإلا لقيل: مالكة، وعن أبي عبيدة: الميم في الملك أصلية، وزنه فَعَلٌ،
كأسد، هو من الْمَلْك، بالفتح، وسكون اللام، وهو الأخذ بقوّة، وعلى هذا
فوزن ملائكة فعائلة، ويؤيده أنهم جوّزوا في جمعه أملاك، وأفعال لا يكون
جمعاً لِمَا في أوله ميم زائدة، قاله في ((الفتح)) (١).
وقال الفيّوميّ كَُّ: أَلَكَ بين القوم ألْكاً، من باب ضرب، وأُلُوكاً أيضاً:
تَرَسَّل، واسم الرسالة: مَأْلُكٌ، بضمّ اللام، ومَأْلَكَةٌ أيضاً بالهاء، ولا مها تضم،
وتفتح، والملائِكَةُ مشتقة من لفظ الأُلُوكِ، وقيل: من المَأْلَك، الواحد مَلَكٌ، وأصله
مَلْأٌ، ووزنه مَعْفَلٌ، فنُقلت حركة الهمزة إلى اللام، وسقطت، فوزنه مَعَلٌ، فإنَّ الفاء
هي الهمزة، وقد سقطت، وقيل: مأخوذ من لَأَكَ: إذا أرسل، فَمَلْأَكْ مَفْعَلٌ، فنُقلت
(١) ((الفتح)) ٣٠٦/٦.

٢٥٥
(١٢) - بَابٌ فِي أَحَادِيثَ مُتَفَرِّقَةٍ - حديث رقم (٧٤٦٤)
الحركة، وسقطت الهمزة، وهي عين، فوزنه مَفَلٌ، وقيل فيه غير ذلك. انتهى(١).
(مِنْ نُورٍ)؛ أي: من جواهر مضيئة منيرة، فكانوا خيراً محضاً(٢).
قال الحافظ وليّ الدين تَظْتُ: النور: جسم لطيف، مشرق، وفسَّره
صاحب ((الصحاح)) بالضياء، وذكر بعضهم أن الضياء أبلغ منه، بدليل قوله
تعالى: ﴿جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءُ وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥]، وأما قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ [النور: ٣٥] حيث شبّه هداه بالنور، ولم يشبّهه بالضياء،
فأجيب عنه بأنه لو شُبِّه بالضياء لزم أن لا يضل أحد، بخلاف النور، كضوء
القمر، فإنه يقع معه الضلال لمن أراد الله تعالى ذلك منه، ويُطلق النور أيضاً
على جميع النار، وليس مراداً هنا، ولم ينحصر النور في ضوء النار، فالملائكة
خلقوا من ضوء، لا من نار، والله أعلم بنوع ذلك الضوء، ولو كان من ضوء نار
لم يلزم عليه محذور، فالمخلوق من ضوء النار غير مخلوق من النار. انتهى(٣).
(وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ) (٤)؛ أي: من نار مختلطة بهواء مشتعل،
والمرج: الاختلاط، فهو مَّن عنصرين هواء ونار، كما أن آدم من عنصرين
تراب وماء عُجن به، فحدث له اسم الطين، كما حَدَث للجن اسم المارج(٥).
وقال القرطبيّ كَُّهُ: ((من مارج من نار)): أي: من شواظٌ ذي لهب،
واتّقاد، ودخان، فكانوا شرّاً محضاً، والخير فيهم قليل(٦).
(وَخُلِقَ آدَمُ) عَلَُّ (مِمَّا وُصِفَ) بالبناء للمفعول، (لَكُمْ)))؛ أي: من تراب
صُيِّر طيناً، ثم فَخاراً، كما أخبرنا به تعالى في غير موضع من كتابه، والفخار:
الطين اليابس، وفي الخبر: ((إن الله تعالى لمّا خلق آدم أمر من قبض قبضة من
جميع أجزاء تراب الأرض، فأخذ من حَزْنها، وسهلها، وأحمرها، وأسودها،
فجاء ولد كذلك))، قاله القرطبيّ (٧).
وقال المناويّ كَخْلُهُ: ((وخُلق آدم مما وُصف لكم)) ببناء ((وُصف))
(١) (المصباح المنير)) ١٨/١ - ١٩.
(٢) ((المفهم)) ٣١٥/٧.
(٣) ((طرح التثريب في شرح التقريب)) ٢٦٦/٨.
(٤) وفي نسخة: ((وخلق الجانّ من نار)).
(٥) ((فيض القدير)) ٤٥٠/٣.
(٦) ((المفهم)) ٣١٥/٧.
(٧) ((المفهم)) ٣١٥/٧.

٢٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
للمفعول؛ أي: مما وصفه الله تعالى لكم في مواضع من كتابه، ففي بعضها أنه
خلقه من ماء، وفي بعضها من تراب، وفي بعضها من المركّب منهما، وهو
الطين، وفي بعضها من صلصال، وهو طين ضربته الشمس والريح، حتى صار
کالفخار.
قال الغزاليّ: قد اجتمع في الفخار النار والطين، والطين طبعه السكون،
والنار طبعها الحركة، فلا يتصور نار مشعلة تسكن، بل لا تزال تتحرك بطبعها،
وقد كُلِّف المخلوق من النار أن يطمئن من حركته ساجداً لِمَا خُلق من طين،
فأبى، واستكبر أن يسجد لآدم، فلا مطمع في سجوده لأولاده، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة طيّ هذا من أفراد المصنّف رَُّهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٤٦٤/١٢] (٢٩٩٦)، و(عبد الرزّاق) في
((مصنّفه)) (٤٢٥/١١)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٥٣/٦ و١٦٨)، و(ابن راهويه)
في ((مسنده)) (٢٧٧/٢ و٢٧٨)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٦١٥٥)، و(عبد بن
حميد) في ((مسنده)) (١٤٧٩)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (٣/٩) في ((الأسماء
والصفات)) (ص٣٨٥ - ٣٨٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قال بعضهم: إنما قال: ((مما وُصف لكم)) ولم يقل
كما قال فيما قبله؛ طلباً للاختصار، فإنه أوتي جوامع الكلم، وهذا منها؛ إذ
الملائكة لم يَختلف أصل خلقتها، ولا الجانّ، وأما الإنسان فاختلف خلقه على
أربعة أنواع، فخَلْق آدم لا يشبه خلق حواء، وخَلْق حواء لا يشبه خلق آدم،
وخلق عيسى لا يشبه خلق الكل، فأحال على ما وصل إلينا من تفصيل خلق
الإنسان، ولمّا كان خلق الجانّ من نار كان فيه طلب القهر، والاستكبار، فإن
النار أرفع الأركان مكاناً، ولها سلطان على الإحالة، فلذلك قال: ﴿أَنَاْ خَيْرٌ
مِنَّةٌ﴾ [الأعراف: ١٢]، وما عَلِم أن سلطان الماء الذي خُلق منه آدم أقوى منه،
فإنه يُذهبه، والتراب أثبت منه، لبرده ويُبسه، فلآدم القوة والثبوت لغلبة ذينك
الركنين عليه، وإن كان فيه الآخران، لكن ليس لهما ذلك السلطان، وأعطى آدم

٢٥٧
(١٢) - بَابٌ فِي أَحَادِيثَ مُتَفَرِّقَةٍ - حديث رقم (٧٤٦٤)
التواضع؛ للطينة، فإن تكبر فلعارض بقلبه؛ لما فيه من النارية، كما يقبل
اختلاف الصور في خياله، وأحواله من الهوائية، وأعطى الجانّ التكبر؛ للنارية،
فإن تواضع فلعارض؛ لِمَا فيه من الترابية، كما يقبل الثبات على الإغواء، إن
كان شيطاناً، وعلى الطاعة إن لم يكن، ففيهم الطائع والعاصي، ولهم التشكل
في أي صورة شاؤوا، وفيهم التناسل، كما مر (١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في هذا الحديث إثبات وجود الملائكة، وأنهم
مخلوقون من نور، قال في ((الفتح)): قال جمهور أهل الكلام من المسلمين:
الملائكة أجسام لطيفة، أعطيت قدرة على التشكل بأشكال مختلفة، ومسكنها
السماوات، وأبطل من قال: إنها الكواكب، أو إنها الأنفس الخيرة التي فارقت
أجسادها، وغير ذلك من الأقوال التي لا يوجد في الأدلة السمعية شيء منها،
وقد جاء في صفة الملائكة، وكثرتهم أحاديث:
منها: ما أخرجه مسلم عن عائشة ثا مرفوعاً: ((خُلقت الملائكة من
نور ... ))الحديث.
ومنها: ما أخرجه الترمذيّ، وابن ماجه، والبزار، من حديث أبي ذرّ ◌َُّه
مرفوعاً: ((أَطَّت السماء، وحُقّ لها أن تَئِطّ، ما فيها موضع أربع أصابع إلا
وعليه ملَك ساجد ... )) الحديث.
ومنها: ما أخرجه الطبراني من حديث جابر ربه مرفوعاً: ((ما في
السماوات السبع موضع قدم، ولا شبر، ولا كفّ إلا وفيه ملك قائم، أو
راکع، أو ساجد)).
وللطبرانيّ نحوه من حديث عائشة
وذكر في ((ربيع الأبرار)) عن سعيد بن المسيِّب قال: الملائكة ليسوا ذكوراً
ولا إناثاً، ولا يأكلون، ولا يشربون، ولا يتناكحون، ولا يتوالدون.
قال الحافظ: وفي قصة الملائكة مع إبراهيم وسارة ما يؤيد أنهم لا يأكلون.
وأما ما وقع في قصة الأكل من الشجرة أنها شجرة الخلد التي تأكل منها
الملائكة، فليس بثابت.
(١) ((فيض القدير)) ٤٥٠/٣.

٢٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
وفي هذا وما ورد من القرآن ردّ على من أنكر وجود الملائكة، من
الملاحدة .
قال: ومن أدلة كثرتهم ما يأتي في حديث الإسراء: ((أن البيت المعمور
يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يعودون)).
وقد جاء ذكر بعض من اشتهر من الملائكة، كجبريل، ووقع ذكره في
أحاديث كثيرة، وميكائيل، وهو في حديث سمرة وحده، والملك الموكل
بتصوير ابن آدم، ومالك خازن النار، وملك الجبال، والملائكة الذين في كل
سماء، والملائكة الذين ينزلون في السحاب، والملائكة الذين يدخلون البيت
المعمور، والملائكة الذين يكتبون الناس يوم الجمعة، وخزنة الجنة، والملائكة
الذين يتعاقبون، ووقع ذِكر الملائكة على العموم في كونهم لا يدخلون بيتاً فيه
تصاوير، وأنهم يؤمّنون على قراءة المصلي، ويقولون: ((ربنا ولك الحمد))،
ويدعون لمنتظر الصلاة، ويلعنون من هجرت فراش زوجها .
فأما جبريل فقد وصفه الله تعالى بأنه روح القدس، وبأنه الروح الأمين،
وبأنه رسول كريم ذو قوة مكين مطاع أمين، ومعناه عبد الله، وهو وإن كان
سريانياً، لكنه وقع فيه موافقة من حيث المعنى للغة العرب؛ لأن الجبر هو
إصلاح ما وَهَى، وجبريل موكل بالوحي الذي يحصل به الإصلاح العام، وقد
قيل: إنه عربيّ، وإنه مشتق من جبروت الله، واستُبعد؛ للاتفاق على منع
صرفه .
وروى الطبريّ عن أبي العالية، قال: جبريل من الكروبيين، وهم سادة
الملائكة .
وروى الطبراني من حديث ابن عباس قال: ((قال رسول الله وَله لجبريل:
على أيّ شيء أنت؟ قال: على الريح والجنود، قال: وعلى أي شيء ميكائيل؟
قال: على النبات والقطر، قال: وعلى أي شيء ملك الموت؟ قال: على قبض
الأرواح ... )) الحديث، وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وقد
ضُعِّف لسوء حفظه، ولم يترك.
وفي الحديث الذي أخرجه الطبراني في كيفية خلق آدم ما يدل على أن
خلق جبريل كان قبل خلق آدم، وهو مقتضى عموم قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا

٢٥٩
(١٢) - بَابٌ فِي أَحَادِيثَ مُتَفَرَّقَةٍ - حديث رقم (٧٤٦٤)
لِلْمَلَئِكَةِ أُسْجُدُواْ لِلَّدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤] وفي التفسير أيضاً أنه يموت قبل موت ملك
الموت، بعد فناء العالم، والله أعلم.
وأما ميكائيل، فروى الطبراني عن أنس: ((أن النبيّ وَّ قال لجبريل: ما
لي لم أر ميكائيل ضاحكاً؟ قال: ما ضحك منذ خلقت النار)).
قال: ومن مشاهير الملائكة: إسرافيل، وقد روى النقاش أنه أول من
سجد من الملائكة، فجوزي بولاية اللوح المحفوظ.
وروى الطبراني من حديث ابن عباس أنه الذي نزل على النبيّ
فخيّره بين أن يكون نبياً عبداً أو نبيّاً ملِكاً، فأشار إليه جبريل أن تواضع،
فاختار أن يكون نبيّاً عبداً.
وروى أحمد، والترمذيّ عن أبي سعيد قال: قال رسول الله وَله: ((كيف
أنعم، وصاحب القرن قد التقم القرن، وحنى جبهته، وانتظر أن يؤذن له ... ))
الحدیث.
وعن علي رَظُه أنه ذكر الملائكة، فقال: ((منهم الأمناء على وحيه،
والحفظة لعباده، والسدنة لجِنانه، والثابتة في الأرض السفلى أقدامهم، المارقة
من السماء العليا أعناقهم، الخارجة عن الأقطار أكنافهم، الماسة لقوائم العرش
أكتافهم)). انتهى ملخّصاً من ((الفتح)) (١).
(المسألة الخامسة): في هذا الحديث إثبات الجنّ، وأنهم مخلوقون من
مارج من نار، ولم يُنكر وجودهم إلا أهل الأهواء الزائغة، فقد نقل إمام
الحرمين في ((الشامل)) عن كثير من الفلاسفة، والزنادقة، والقدرية، أنهم أنكروا
وجودهم رأساً، قال: ولا يتعجب ممن أنكر ذلك من غير المشرعين، إنما
العجب من المشرعين مع نصوص القرآن، والأخبار المتواترة، قال: وليس في
قضية العقل ما يقدح في إثباتهم، قال: وأكثر ما استروح إليه من نفاهم
حضورهم عند الإنس بحيث لا يرونهم، ولو شاؤوا لأبدوا أنفسهم، قال: وإنما
يستبعد ذلك من لم يُحِطْ علماً بعجائب المقدورات.
وقال القاضي أبو بكر: وكثير من هؤلاء يثبتون وجودهم، وينفونه الآن،
(١) ((الفتح)) ٥١٤/٧ - ٥١٧.

٢٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
ومنهم من يثبتهم، وينفي تسلطهم على الإنس، وقال عبد الجبار المعتزليّ:
الدليل على إثباتهم السمع دون العقل؛ إذ لا طريق إلى إثبات أجسام غائبة؛
لأن الشيء لا يدل على غيره من غير أن يكون بينهما تعلّق، ولو كان إثباتهم
باضطرار لَمَا وقع الاختلاف فيه إلا أنا قد علمنا بالاضطرار أن النبيّ وَّ كان
یتدین بإثباتهم، وذلك أشهر من أن يتشاغل بإيراده.
واختلف في صفتهم، فقال القاضي أبو بكر الباقلانيّ: قال بعض
المعتزلة: الجن أجساد رقيقة بسيطة، قال: وهذا عندنا غير ممتنع إن ثبت به
سَمْع.
وقال أبو يعلى بن الفراء: الجنّ أجسام مؤلفة، وأشخاص ممثلة، يجوز
أن تكون رقيقة، وأن تكون كثيفة، خلافاً للمعتزلة في دعواهم أنها رقيقة، وأن
امتناع رؤيتنا لهم من جهة رقتها، وهو مردود، فإن الرقة ليست بمانعة عن
الرؤية، ويجوز أن يخفى عن رؤيتنا بعض الأجسام الكثيفة، إذا لم يخلق الله
فينا إدراكها .
وروى البيهقيّ في مناقب الشافعيّ بإسناده، عن الربيع: سمعت الشافعيّ
يقول: من زعم أنه يرى الجن أبطلنا شهادته، إلا أن يكون نبيّاً. انتهى.
وهذا محمول على من يدعي رؤيتهم على صورهم التي خُلقوا عليها،
وأما من ادعى أنه يرى شيئاً منهم بعد أن يتطور على صور شتى من الحيوان،
فلا يقدح فيه، وقد تواردت الأخبار بتطورهم في الصور، واختلف أهل الكلام
في ذلك، فقيل: هو تخييل فقط، ولا ينتقل أحد عن صورته الأصلية، وقيل:
بل ينتقلون، لكن لا باقتدارهم على ذلك، بل بضرب من الفعل إذا فعله انتقل
كالسحر، وهذا قد يرجع إلى الأول، وفيه أثر عن عمر، أخرجه ابن أبي شيبة
بإسناد صحيح: ((أن الغيلان ذُكروا عند عمر، فقال: إن أحداً لا يستطيع أن
يتحول عن صورته التي خلقه الله عليها، ولكن لهم سحرة كسَحَرَتِكم، فإذا
رأيتم ذلك فأَذِّنوا)).
وإذا ثبت وجودهم فقد اختُلف في أصلهم، فقيل: إن أصلهم من ولد
إبليس، فمن كان منهم كافراً سمي شيطاناً، وقيل: إن الشياطين خاصة أولاد
إبليس، ومن عداهم ليسوا من ولده، وحديث ابن عباس ◌ًا يقوي أنهم نوع