النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
(٤) - بَابُ الإِحْسَانِ إِلَى الأَرْمَلَةِ، وَالْمِسْكِينٍ، وَالْيَتِيمِ - حديث رقم (٧٤٣٨)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٣٨] (٢٩٨٣) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى،
حَدَّثَنَا مَالِكَ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْغَيْثِ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((كَافِلُ الْيَتِيمِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ فِي
الْجَنَّةِ))، وَأَشَارَ مَالِكْ بِالسََّّابَةِ وَالْوُسْطَى).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، ثم البغداديّ [١٠]، تقدم في
((المقدمة)) ٣/٢.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى) بن نَجِيح، أبو يعقوب البغداديّ [٩]، تقدم في
((الكسوف)) ٢١١٠/٣.
والباقون ذُكروا قبله.
شرح الحديث :
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َظُبه؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((كَافِلُ الْيَتِيم)؛ أي:
القائم بأموره، من نفقة، وكسوة، وتأديب، وتربية، وغير ذلك، وهذه الفضيلة
تحصل لمن كفله من مال نفسه، أو من مال اليتيم بولاية شرعية، قاله النوويّ(١).
وقال في ((الفتح)): قوله: ((أنا وكافل اليتيم))؛ أي: القيّم بأمره،
ومصالحه، زاد مالك من مرسل صفوان بن سليم: ((كافل اليتيم له، أو لغيره))،
ووصله البخاريّ في ((الأدب المفرد))، والطبرانيّ، من رواية أم سعيد بنت مرّة
الفهرية، عن أبيها. انتهى(٢).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا عزا في ((الفتح)) هذه الزيادة إلى ((الأدب
المفرد)) والطبراني من رواية أم سعيد إلخ، مع أنها في مسلم بنفس السند،
وهذا غريب، فليُتنبّه.
وقوله: (لَّهُ أَوْ لِغَيْرِهِ) فالذي له أن يكون قريباً له، كجدّه، وأمه، وجدّته،
وأخيه، وأخته، وعمّه، وخاله، وعمته، وخالته، وغيرهم من أقاربه، والذي
لغيره أن يكون أجنبيّاً، قاله النوويّ كَّتُهُ.
(١) ((شرح النوويّ)) ١١٣/١٨.
(٢) ((الفتح)) ٤٣٦/١٠.

١٨٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
وقال في ((الفتح)): معنى قوله: (له)) بأن يكون جدّاً، أو عَمّاً، أو أخاً،
أو نحو ذلك، من الأقارب، أو يكون أبو المولود قد مات، فتقوم أمه مقامه،
أو ماتت أمه، فقام أبوه في التربية مقامها، وأخرج البزار من حديث أبي هريرة
موصولاً: ((من كفل يتيماً ذا قرابة، أو لا قرابة له))، وهذه الرواية تفسر المراد
بالرواية التي قبلها. انتهى(١).
(أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنٍ فِي الْجَنَّةِ))، وَأَشَارَ مَالِك) الإمام الراوي هنا عن ثور،
(بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى) إشارة إلى تقارب المنزلتين.
وقال في ((الفتح)): قوله: ((وأشار بإصبعيه السبابة))، في رواية الكشميهنيّ:
((السبّاحة)) بمهملة، بدل الموحّدة الثانية، و((السبّاحة)) هي الإصبع التي تلي
الإبهام، سُمّيت بذلك؛ لأنها يُسَبَّح بها في الصلاة، فيشار بها في التشهد
لذلك، وهي السبابة أيضاً؛ لأنها يُسَبُّ بها الشيطان حينئذٍ.
زاد في رواية: ((وفرّج بينهما))؛ أي: بين السبابة والوسطى، وفيه إشارة
إلى أن بين درجة النبيّ ◌َّ﴾ وكافل اليتيم قَدْر تفاوت ما بين السبابة والوسطى،
وهو نظير الحديث الآخر: ((بُعثت أنا والساعة كهاتين ... )) الحديث.
وزعم بعضهم أنه ◌َّ لمّا قال ذلك استوت إصبعاه في تلك الساعة، ثم
عادتا إلى حالهما الطبيعية الأصلية؛ تأكيداً لأمر كفالة اليتيم.
وتعقّبه الحافظ قائلاً: مثل هذا لا يثبت بالاحتمال، ويكفي في إثبات
قرب المنزلة من المنزلة أنه ليس بين الوسطى والسبابة إصبع أخرى.
وقد وقع في رواية لأم سعيد عند الطبرانيّ: ((معي في الجنة كهاتين - يعني:
المسبحة والوسطى - إذا اتقى)).
ويَحْتَمِل أن يكون المراد: قرب المنزلة حالة دخول الجنة؛ لِمَا أخرجه أبو
يعلى من حديث أبي هريرة ظُه رفعه: ((أنا أول من يفتح باب الجنة، فإذا امرأة
تبادرني، فأقول: من أنت؟ فتقول: أنا امرأة تأيمت على أيتام لي))، ورواته
لا بأس بهم، وقوله: ((تبادرني))؛ أي: لتدخل معي، أو تدخل في إثري.
ويَحْتَمِل أن يكون المراد مجموع الأمرين: سرعة الدخول، وعلوّ المنزلة.
(١) ((الفتح)) ١٠/ ٤٣٦.

١٨٣
(٤) - بَابُ الإِحْسَانِ إِلَى الأَرْمَلَةِ، وَالْمِسْكِينٍ، وَالْيَتِيمِ - حديث رقم (٧٤٣٨)
وقد أخرج أبو داود من حديث عوف بن مالك رَظُّه رفعه: ((أنا وامرأة
سفعاء الخدين كهاتين يوم القيامة، امرأة ذات منصب وجمال، حَبَسَت نفسها
على يتاماها، حتى ماتوا، أو بانوا))، فهذا فيه قید زائد.
وتقييده في الرواية المتقدّمة بقوله: ((اتقى الله))؛ أي: فيما يتعلق باليتيم
المذكور.
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن المراد بالتقوى: تقوى الله زم
أعمّ من أن يكون في اليتيم أو في غيره؛ لأن كفالته اليتيم، مع كونه عاصياً لربه
في أمور أخرى لا تنفعه، فلا ينال هذا الفضل، ثم وجدت عند الإمام أحمد
نصّاً، ولفظه: ((كافل اليتيم له، أو لغيره، أنا وهو كهاتين في الجنة، إذا
اتقى الله ... ))(١)، والله تعالى أعلم.
وقد أخرج الطبرانيّ في ((المعجم الصغير)) من حديث جابر مظ لته: ((قلت:
يا رسول الله مم أضرب منه يتيمي؟ قال: مم كنت ضارباً منه ولدك، غير واقٍ
مالك بماله)).
وقد زاد في رواية مالك: ((حتى يستغني عنه))، فيستفاد منه أن للكفالة
المذكورة أَمَداً، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ظله هذا من أفراد المصنّف رَُّهُ،
وقد أخرجه البخاريّ من حديث سهل بن سعد پًا.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٤٣٨/٤] (٢٩٨٣)، و(البخاريّ) في ((الأدب
المفرد)» (١٣٧)، و(ابن ماجه) في ((الأدب)) (٣٦٧٩)، و(البيهقيّ) في ((شعب
الإيمان)) (٧/ ٤٧١)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٤٥٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(١) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٣٧٥/٢.

١٨٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
١ - (منها): بيان فضل كفالة اليتيم، حيث إنه يقارب درجة النبيّ وَلل في
الجنّة، ولا فضل أعظم من هذا.
٢ - (ومنها): ما قاله ابن بطّال تَخْلُهُ: حقّ على من سمع هذا الحديث أن
يَعمل به؛ ليكون رفيق النبيّ وَّ في الجنة، ولا منزلة في الآخرة أفضل من ذلك.
٣ - (ومنها): ما قاله الحافظ العراقيّ تَُّ في ((شرح الترمذيّ: لعل
الحكمة في كون كافل اليتيم يشبه في دخول الجنة، أو شبهت منزلته في الجنة
بالقرب من النبيّ وَّه، أو منزلة النبيّ وَّر؛ لكون النبيّ شأنه أن يبعث إلى قوم
لا يعقلون أمر دينهم، فيكون كافلاً لهم، ومعلِّماً، ومرشداً، وكذلك کافل اليتيم
يقوم بكفالة من لا يعقل أمر دينه، بل ولا دنياه، ويرشده، ويعلّمه، ويحسن
أدبه، فظهرت مناسبة ذلك. انتهى(١)، نقله في ((الفتح))، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ اُلْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوَفِيقِيّ إِلَّا بِلَهِ عَلَيْهِ تَوَكَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٥) - (بَابُ فَضْلِ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٣٩] (٥٣٣) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى،
قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو - وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ - أَنَّ بُكَيْراً حَدَّثَهُ؛ أَنَّ
عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ اللهِ الْخَوْلَانِيَّ يَذْكُرُ أَنَّهُ سَمِعَ
عُثْمَانَ بْنَ عَقَّانَ، عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ، حِينَ بَنَى مَسْجِدَ رَسُولِ اللهِ وَلِهِ: إِنَّكُمْ قَدْ
أَكْثَرْتُمْ، وَإِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((مَنْ بَنَى مَسْجِداً . قَالَ بُكَيْرٌ: حَسِبْتُ
أَنَّهُ قَالَ -: يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللهِ، بَنَى اللهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ))، وَفِي رِوَايَةٍ هَارُونَ:
(بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ))).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم للمصنّف في
(كتاب المساجد ومواضع الصلاة)) برقم [١١٩٤/٤] (٥٣٣) وقد استوفيت
شرحه، وبيان مسائله هناك، فارجع إليه تستفد علماً، وبالله تعالى التوفيق.
(١) ((الفتح)) ١٠/ ٤٣٧.

١٨٥
(٥) - بَابُ فَضْلِ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ - حديث رقم (٧٤٤٠ - ٧٤٤١)
ورجال السند مصريّون إلى بكير، والباقون مدنيّون، و((ابن وهب)) هو:
عبد الله. و(بكير)) هو: ابن عبد الله بن الأشجّ. و((عبيد الله الخولاني)) هو: ابن
الأسود، ربيب ميمونة أم المؤمنين پا .
وقوله: (عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ) بُيّن معناه في الرواية التالية بقوله: ((أَنَّ
عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَرَادَ بِنَاءَ الْمَسْجِدِ، فَكَرِهَ النَّاسُ ذَلِكَ، وَأَحَبُّوا أَنْ يَدَعَهُ عَلَى
هَيْئَتِهِ))؛ أي: في عهده وَّد.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َظُّْ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٤٠] ( .. ) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، كِلَاهُمَا عَنِ
الضَّحَّاكِ - قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ
جَعْفَرٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّنَ أَرَادَ بِنَاءَ الْمَسْجِدِ،
فَكَرِهَ النَّاسُ ذَلِكَ، وَأَحَبُّوا أَنْ يَدَعَهُ عَلَى هَيْئَتِهِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلـ
يَقُولُ: ((مَنْ بَنَى مَسْجِداً للهِ بَى اللهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ مِثْلَهُ))).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث أيضاً تقدّم للمصنّف تَخْتُ بالرقم
المذكور، وتقدّم تمام البحث فيه هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
و((الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ)) هو: أبو عاصم النبيل. و((عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ)»
هو: الأنصاريّ المدنيّ. و((أبوه)) هو: جعفر بن عبد الله بن الحكم الأنصاريّ
المدنيّ. و((مَحْمُودُ بْنُ لَبِيدٍ)) هو: الأنصاريّ المدنيّ، صحابيّ صغير.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٤١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ
الْحَنَفِيُّ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاحِ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، بِهَذَا
الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِهِمَا: (بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ)).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ الْحَتَفِيُّ) هو: عبد الكبير بن عبد المجيد البصريّ، تقدم في
((الصلاة)) ١١٣٦/٤٩.
٢ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاح) هو: الْمِسمعيّ، أبو محمد الصنعانيّ، نزيل
البصرة، تقدم في ((الإيمان)) ٨/ ١٣٧.
والباقيان تقدّما قريباً .

١٨٦
البحر المحيط الثجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
[تنبيه]: رواية أبي بكر الحنفيّ عن عبد الحميد بن جعفر ساقها ابن
ماجه تَخْذّتُ في ((سننه))، فقال:
(٧٣٦) - حدّثنا محمد بن بشار، ثنا أبو بكر الحنفيّ، ثنا عبد الحميد بن
جعفر، عن أبيه، عن محمود بن لبيد، عن عثمان بن عفان، قال: سمعت
رسول الله وَله يقول: ((من بنى الله مسجداً، بنى الله له مثله في الجنة)). انتهى(١).
﴿إِنْ أُرِيِدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ .
(٦) - (بَابُ الصَّدَقَةِ عَلَى الْمَسَاكِينِ)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َظْلُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٤٢] (٢٩٨٤) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ
حَرْبٍ - وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ
أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ وَهْبٍ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرِ اللَّيْئِيّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ
النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((بَيْنَا رَجُلٌ بِفَلَاةٍ مِنَ الأَرْضِ، فَسَمِعَ صَوْتاً فِي سَحَابَةٍ : اسْقٍ
حَدِيقَةَ فُلَانٍ، فَتَنَخَّى ذَلِكَ السَّحَابُ، فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ، فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ
الشِّرَاجِ، قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ الْمَاءَ كُلَّهُ، فَتَتَبَّعَ الْمَاءَ، فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ،
يُحَوِّلُ الْمَاءَ بِمِسْحَاتِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: فُلَانٌ، لِلِسْمِ الَّذِي
سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ لِمَ تَسْأَلُنِي عَنِ اسْمِي؟ فَقَالَ: إِنِّي
سَمِعْتُ صَوْتاً فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ، يَقُولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ لِاسْمِكَ،
فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا؟ قَالَ: أَمَّا إِذْ قُلْتَ هَذَا، فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَأَتَصَدَّقُ
بِثُلُثِهِ، وَآَكُلُ أَنَا وَعِيَالِي ثُلُثاً، وَأَرُدُّ فِيهَا تُلْتَهُ))).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن
عثمان [١٠]، تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
(١) ((سنن ابن ماجه)) ٢٤٣/١.

١٨٧
(٦) - بَابُ الصَّدَقَةِ عَلَى الْمَسَاكِينِ - حديث رقم (٧٤٤٢)
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) المذكور قبل حديث.
٣ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) أبو خالد الواسطيّ [٩]، تقدم في ((المقدمة)) ٤٥/٦.
٤ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ) هو: عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة
الماجشون المدنيّ، نزيل بغداد [٧]، تقدم في ((الإيمان)) ٨١/ ٤٣٧.
٥ - (وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ) القرشيّ مولاهم أبو نعيم المدنيّ، من كبار [٤]،
تقدم في ((الحيض)) ٢٣/ ٧٩٧.
٦ - (عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرِ اللَّيْثِيُّ) أبو عاصم المكيّ، وُلد في عهد النبيّ وَّ،
قاصّ أهل مكة، تقدم في ((شرح المقدمة)) جـ٢ ص٤٧٣.
٧ - (أَبُو هُرَيْرَةَ رَُّبه، تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف دَخْلُهُ، وأنه مسلسل بالمدنيين من عبد العزيز، وفيه
رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة رضيالله أحفظ من روى الحديث في دهره.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) ◌َظُهُ (عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ)؛ أنه (قَالَ: (بَيْنَا) هي (بين)) أُشبعت
فتحتها، فتولّدت منها الألف، وقد تقدّم البحث فيها غير مرّة؛ أي: بين
أوقات. (رَجُلٌ) لم يُعرف اسمه، (بِفَلَاةٍ)؛ أي: بصحراء واسعة (مِنَ الأَرْضِ،
فَسَمِعَ صَوْتاً فِي سَحَابَةٍ : اسْقٍ) بوصل الهمزة، من سقى، وقطعها من أسقى؛
أي: صوتاً قائلاً: اسق (حَدِيقَةَ فُلانٍ)؛ أي: لرجل سمّاه، والحديقة: القطعة
من النخيل، ويطلق على الأرض ذات الشجر (١).
وقال في ((المرقاة)): الحديقة: هي بستان يدور عليه حائط، وفلان كناية
منه ◌َّ عن اسم صاحب الحديقة كما سيأتي بيانه صريحاً(٢). (فَتَنَخَّى ذَلِكَ
السَّحَابُ) قال النوويّ تَخْتُهُ: معنى ((تنحى)): قصد، يقال: تنحيت الشيء، وانتحيته،
ونَحَوْته: إذا قصدته، ومنه سُمّي علم النحو؛ لأنه قَصْدُ كلام العرب. انتهى (٣).
(١) ((شرح النوويّ)) ١١٤/١٨.
(٣) (شرح النوويّ) ١٨/ ١١٤.
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) ١٧٩/٦.

١٨٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
(فَأَفْرَغَ)؛ أي: صبّ ذلك السحاب (مَاءَهُ)؛ أي: الماء الذي حمله، (فِي
حَرَّةٍ) الحرة بفتح الحاء المهملة، وتشديد الراء: هي أرض ملبّسة حجارةً سُوداً،
(فَإِذَا شَرْجَةٌ) بفتح الشين المعجمة، وإسكان الراء، وجمعها شِرَاج بكسر
الشين، وهي مسائل الماء في الْحِرَار، وفي رواية لأحمد: ((فإذا هو في أذناب
شراج، فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء))، ومثله لابن
حبّان. (مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ) بكسر الشين؛ أي: الواقعة في تلك الحرة، (قَدِ
اسْتَوْعَبَتْ)؛ أي: بالأخذَ (ذَلِكَ الْمَاءَ)؛ أي: النازل من السحاب الواقع في
الحرة، وقوله: (كُلَّهُ) بالنصب تأكيد لـ((الماء))؛ أي: وَجَرَتْ به إلى تلك
الحديقة، (فَتَتَبَّعَ) ذلك الرجل الذي سمع الهاتف (الْمَاءَ) الواقع في تلك
الشرجة؛ ليعلم أين تذهب هذه الشرجة بالماء، وفي رواية أحمد: ((تبع الماء،
فرآها دخلت حديقة في طرف الحرّة)). (فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ، يُحَوِّلُ
الْمَاءَ)؛ أي: من مكان إلى مكان: من حديقته (بِمِسْحَاتِهِ) بكسر الميم، وهي
المجرفة من الحديد، أو غيره، وقال المجد: سحا الطين يسحيه، ويسحوه،
ويسحاه سحواً: إذا قشره، وجرفه، والمسحاة: ما يُسحَى به الطين، أو
التراب، وفي ((المبارق)): المسحاة: اسم الآلة عريضة من الحديد، مأخوذة من
السحو، وهو الكشف، والإزالة. انتهى(١). (فَقَالَ) ذلك الرجل الذي تتبع الماء
(لَهُ)؛ أي: لصاحب الحديقة القائم فيها بنقل الماء من مكان إلى مكان، (يَا
عَبْدَ اللهِ مَا اسْمُكَ؟) المخصوص بك، (قَالَ) المسؤول: اسمي (فُلَانٌ) ذاكراً
(لِلإِسْم الَّذِي سَمِعَ) هذا السائل ذلك الاسم (فِي السَّحَابَةِ)؛ أي: في نداء
الهاتفَ في السحابة، (فَقَالَ) المسؤول اسمه (لَهُ)؛ أي: لهذا السائل، (يَا
عَبْدَ اللهِ لِمَ تَسْأَلُنِي عَنِ اسْمِي؟ فَقَالَ) السائل: (إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتاً فِي السَّحَابِ
الَّذِي هَذَا) الماء الذي تسقيه حديقتك (مَاؤُهُ)؛ أي: مطره، (يَقُولُ) صاحب ذلك
الصوت للسحاب: (اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ لِاسْمِكَ) الذي ذكرت لي، فإذاً أمر
حديقتك هذه أمر غريب، وشأنها شأن عجيب، (فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا؟)؛ أي: في
ثمار هذه الحديقة من الخيرات التي تسبّبت لهذه الكرامة؟ (قَالَ) صاحب
(١) راجع: ((الكوكب الوهاج» ٤٠٣/٢٦.

١٨٩
(٦) - بَابُ الصَّدَقَةِ عَلَى الْمَسَاكِينِ - حديث رقم (٧٤٤٢)
الحديقة: (أَمَّا إِذْ قُلْتَ هَذَا) ((أما)) شرطيّة، و((إذ)) ظرف ماض من الزمان متعلّق
بالجواب الآتي، و((قلت)) بمعنى سألت، و((هذا)) مفعوله، والتقدير: أما وقت
سؤالك عن الذي أصنعه.
[فائدة]: يُفْصل بين ((أما)) والفاء بواحد من ستّة أمور، جَمَعها بعضهم بقوله:
مِنْ سِتَّةٍ وَلَا تَفُهْ بِزَائِدٍ
وَبَعْدَ ((أَمَّا)) فَاقْصِلَنْ بِوَاحِدٍ
مَعْمُولُ فِعْلٍ بَعْدَ ((أَمَّا)) يُذْكَرُ
مُبْتَدَأُ وَالشَّرْطُ ثُمَّ الْخَبَرُ
بَعْدَهَا مُؤَخَّرَةْ
كَذَاكَ مَعْمُولٌ لِفِعْلٍ فَسَّرَهْ
قَدْ قَالَهَا كُلُّ إِمَامٍ ثَبْتُ
وَالظَّرْفُ وَالْمَجْرُورُ تِلْكَ سِتُّ
ومن الفصل بالظرف قوله هنا: ((أما إذا قلت هذا إلخ)).
(فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا)؛ أي: من هذه الحديقة من الثمار فأجزّئه
ثلاثة أجزاء، (فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ) على الفقراء والمساكين، و((الثلث)) بضمّ الثاء،
واللام، وبسكونها، ويقال فيه أيضاً ثَلِيث، بوزن رَغِيف، وهكذا الحال إلى
العُشْر، فيقال: عُشُرٌ بضمّتين، وعُشْرٌ، بضم، فسكون، وعشير بفتح، فکسر،
وقِسْ ما بينهما. (وَآكُلُ أَنَا) أتى به ليعطف على الضمير دون ضَعف، وقوله
(وَعِيَالِي) بكسر العين المهملة، وتخفيف التحتانيّة: أهل البيت، ومن يمونه
الإنسان، الواحد عَيِّلُ، بفتح، فتشديد، مثل جِيَاد وجَيِّدٍ(١). (ثُلُثاً، وَأَرُدُّ فِيهَا)؛
أي: في نفقة تلك الحديقة (ثُلُثَّهُ) الباقي، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ◌ُبه هذا من أفراد المصنّف ◌َخْذُّهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٤٤٢/٦ و٧٤٤٣] (٢٩٨٤)، و(أحمد) في
(مسنده)) (٢٩٦/٢)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٥٨٧)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٣٣٥٥)، و(أبو نعيم) في ((الحلية)) (٢٧٥/٣ - ٢٧٦)، و(اللالكائيّ)
في ((كرامات الأولياء)) (٨٦/١)، و(الطبرانيّ) في ((الدعاء)) (٣٠٥/١)،
(١) ((المصباح المنير) ٤٣٨/٢.

١٩٠
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٣٣/٤) و((شعب الإيمان)) (٢٣١/٣ و٢٣٢)، والله
تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل الصدقة، والإحسان إلى الفقراء والمساكين، وأبناء
السبيل.
٢ - (ومنها): بيان فضل أكل الإنسان من كسبه، والإنفاق على عياله منه.
٣ - (ومنها): إثبات كرامات الأولياء، وهو مذهب أهل السُّنّة والجماعة،
قال القرطبيّ تَخْتُهُ: في الحديث دليلٌ على صحّة القول بكرامات الأولياء، وأن
الوليّ يكون له مال، وضَيْعةٌ، ولا يناقضه قوله وَله: ((لا تتخذوا الضيعة،
فترغبوا في الدنيا))، رواه أحمد، والترمذيّ، وحسنه الترمذيّ، وصححه
الحاكم، وابن حبّان؛ لأن المقصود بالنهي إنما هو من اتخذها مستكثراً،
ومتنعّماً، ومتمتّعاً بزهرتها؛ لِمَا يخاف عليه من الميل إلى الدنيا، والركون
إليها، وأما من اتّخذها معاشاً يصون بها دينه وعياله، فإنه من أفضل الأعمال،
وهي من أفضل الأموال. انتهى(١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَغُّْ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٤٣] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبُِّّ، أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا
عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ كَيْسَانَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ:
((وَأَجْعَلُ ثُلُثَهُ فِي الْمَسَاكِينِ، وَالسَّائِلِينَ، وَابْنِ السَّبِيلِ))).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ) أبو عبد الله البصريّ [١٠]، تقدم في
((الإيمان)) ١٠٣/١.
٢ - (أَبُو دَاوُدَ) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ [٩]، تقدم
في ((المقدمة)) ٧٣/٦.
والباقيان ذُكرا قبله.
(١) ((المفهم)) ٧/ ١٣٧ - ١٣٨.

١٩١
(٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الرِّيَاءِ، وَالسُّمْعَةِ
[تنبيه]: رواية أبي داود الطيالسيّ عن عبد العزيز بن أبي سلمة هذه ساقها
الطيالسيّ تَخْثُ في ((مسنده))، فقال:
(٢٥٨٧) - حدّثنا يونس(١)، قال: حدّثنا أبو داود، قال: حدّثنا عبد العزيز بن
أبي سلمة، قال: حدّثنا وهب بن كيسان، عن عبيد بن عمير الليثيّ، عن أبي
هريرة، أن رسول الله وَله قال: ((بينما رجل بفلاة إذ سمع رَعْداً في سحاب،
فسمع فيه كلام: اسْقِ حديقة فلان باسمه، فجاء ذلك السحاب إلى حَرَّة، فأفرغ
ما فيه من الماء، ثم جاء إلى ذِنَاب (٢) شرج، فانتهى إلى شرجة، فاستوعبت
الماء، ومشى الرجل مع السحابة، حتى انتهى إلى رجل قائم في حديقة له،
يسقيها، فقال: يا عبد الله ما اسمك؟ قال: ولِمَ تسأل؟ قال: إني سمعت في
سحاب هذا ماؤه: اسق حديقة فلان باسمك، فما تصنع فيها، إذا صرمتها؟ قال:
أما إذا قلت ذلك، فإني أجعلها على ثلاثة أثلاث: أجعل ثلثاً لي ولأهلي، وأردّ
ثلثاً فيها، وأجعل ثلثاً للمساكين، والسائلين، وابن السبيل. انتهى(٣).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِالَّ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
(٧) - (بَابُ تَحْرِيمِ الرِّيَاءِ، وَالسُّمْعَةِ)
((الرياء)): بكسر الراء، وتخفيف التحتانية، والمدّ: مشتق من الرؤية،
والمراد به: إظهار العبادة؛ لِقَصد رؤية الناس لها، فيحمدوا صاحبها .
و((السمعة)): بضم السين المهملة، وسكون الميم: مشتقة من سَمَّع،
والمراد بها نحو ما في الرياء، لكنها تتعلق بحاسة السمع، والرياء بحاسة
البصر، وقال الغزاليّ: المعنى: طلب المنزلة في قلوب الناس، بأن يريهم
الخصال المحمودة، والمُرائي هو العامل، وقال ابن عبد السلام: الرياء أن
يعمل لغير الله، والسمعة أن يُخفي عمله لله، ثم يُحدِّث به الناس (٤).
(١) يونس هو: تلميذ أبي داود، وأبو داود هو الطيالسيّ.
(٢) ((الذناب)) ككتاب: مسيل ما بين كلّ تَلْعتين. اهـ. ((ق)).
(٣) ((مسند الطيالسيّ)) ٣٣٧/١.
(٤) ((الفتح)) ٦٦٤/١٤، (كتاب الرقاق)) رقم (٦٤٩٩).

١٩٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٤٤] (٢٩٨٥) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: «قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا أَغْنَى
الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المعروف بابن عُلَيّة [٨]، تقدم في ((المقدمة)) ٣/٢.
٢ - (رَوْحُ بْنُ الْقَاسِم) التميميّ البصريّ [٦]، تقدم في ((الإيمان)) ١٣٢/٧.
٣ - (الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ) الجهنيّ المدنيّ [٥]، تقدم في
((الإيمان)) ١٣٥/٨.
٤ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الأنصاريّ الجهنيّ المدنيّ [٣]، تقدم
في ((الإيمان)) ١٣٥/٨.
والباقيان ذُكرا قبل حديث.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رَُّبه؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:)
هذا هو الذي يسمّى الحديث القدسيّ، (أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ)؛ أي: أغنى من يزعم
أنهم شركاء على فرض أن لهم غنى، (عَنِ الشِّرْك)؛ أي: عما يشركون به مما بيني
وبين غيري في قصد العمل، والمعنى: ما أَقبلُ إلا ما كان خالصاً لوجهي، وابتغاء
لمرضاتي، فاسم المصدر الذي هو الشرك مستعمل في معنى المفعول، ويؤيد ما
قررناه ما أوضحه بطريق الاستئناف بقوله: (مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَكَ فِيهِ)؛ أي: في
قصد ذلك العمل (مَعِي)؛ أي: مع ابتغاء وجهي (غَيْرِي)؛ أي: من المخلوقين.
وقال القرطبيّ تَخْتُ: أصل الشرك المحرّم: اعتقاد شريك الله تعالى في
إلاهيته، وهو الشرك الأعظم، وهو شرك الجاهلية، ويليه في الرتبة اعتقاد
شريك لله تعالى في الفعل، وهو قول من قال: إن موجوداً مّا غير الله تعالى
يستقلّ بإحداث فعل، وإيجاده، وإن لم يعتقد كونه إلهاً، ويلي هذا في الرتبة
الإشراك في العبادة، وهو الرياء، وهو أن يفعل شيئاً من العبادات التي أمر الله

١٩٣
(٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الرِّيَاءِ، وَالسُّمْعَةِ - حديث رقم (٧٤٤٤)
تعالى بفعلها له لغير الله، وهذا هو الذي سيق الحديث لبيان تحريمه، وأنه
مبطلٌ للأعمال؛ لهذا أشار بقوله: ((من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته
وشريكه))، وهذا هو المسمّى بالرياء، وهو على الجملة مبطل للأعمال، وضده
الإخلاص، وهو من شرط صحَّة العبادات، والقُرَب. انتهى(١).
[تنبيه]: قال القاري: لا يضره قصد الجنة وتوابعها مثلاً، فإنها من جملة
مرضاته سبحانه، وإن كان المقام الأكمل أن لا يعبده لطمع جنة، أو خوف
نار، فإنه عُدّ كفراً عند بعض العارفين. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: كلام القاري هذا يُعدّ من هفوات العلماء،
فكيف تكون عبادة الأنبياء والمرسلين وعباد الله الصالحين كفراً؟ قال الله تعالى
◌َلُ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِىِ الْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا
في وصف الأنبياء
وَرَهَبَّأْ وَكَانُواْ لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]، وقال تعالى: ﴿نَتَجَائَى جُنُوبُهُمْ عَنِ
اَلْمَضَارِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦]، وقال: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا نَتَقَّلَّبُ فِيهِ
الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ﴾ [النور: ٣٧]، وقال: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَاخْشَوْاْ يَوْمًا لَّا
يَجْزِى وَالِثُّ عَن وَلَدِهِ﴾ [لقمان: ٣٣]، إلى غير ذلك من الآيات، فمن اعتقد أن
العبادة لخوف النار، والطمع في الجنة يُعدّ كفراً فهو ضالّ مضلّ، وأما الذي
نقله القاري فهو منقول عن قوم جهلاء، لا يعرفون نصوص الكتاب والسُّنَّة، فلا
تغترّ بنقل مثله عنهم، فإنه عين الضلال، والله تعالى المستعان.
وقوله: (تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ) خبر ((مَنْ))، والواو بمعنى ((مع))، أو المعنى: تركته
عن نظر الرحمة، وتركت عمله المشترك عن درجة القبول، وفي رواية: ((فأنا
منه بريء)) قيل: من ذلك العمل، والأظهر من عامل ذلك العمل؛ لئلا يكون
تكراراً مع قوله: ((هو للذي عمله)): ((هو))؛ أي: ذلك العمل ((للذي عمله))؛
أي: لأجله ممن قصده بذلك العمل رياء، وسمعة، وهو تأكيد لِمَا قبله.
قال القاري تَخْتُ: ولنذكر بقية كلام الشراح، فقال ابن الملك نظّتُهُ:
((أغنى)) أفعل تفضيل مِن غَنِيَ به عنه غنية؛ أي: استغنى به عنه، وإضافته إما
للزيادة المطلقة؛ أي: أنا غني من بين الشركاء، وإما للزيادة على ما أضيف إليه؛
(١) ((المفهم)) ٦١٥/٦.

١٩٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
أي: أنا أكثر الشركاء استغناء عن الشرك؛ لكون استغنائه من جميع الجهات،
وفي جميع الأوقات، قال القاري: وفيما ذكره من الوجه الثاني ما لا يخفى.
وقال الطيبيّ كَّهُ: اسم التفضيل هنا لمجرد الزيادة، والإضافة فيه
للبيان، أو على زعم القوم، قال القاري: وفيه أن وجه الإضافة للبيان يحتاج
إلى مزيد البيان، وكأنه أراد أن معناه: أنا غني مما بينهم دونهم، ثم قال:
والضمير المنصوب في ((تركته)) يجوز أن يرجع إلى العمل، والمراد من الشرك:
الشريك.
قال النوويّ تَخْذُّهُ: معناه: أنا غني عن المشاركة وغيرها، فمن عمل شيئاً
لي ولغيري لم أقبله، بل أتركه مع ذلك الغير.
ويجوز أن يرجع إلى العامل، والمراد بالشرك: الشركة، وقوله: (وهو))
يعود إلى العمل على الوجه الأول، وإلى العامل على الوجه الثاني؛ أي:
العامل لِمَا عمل به من الشرك؛ يعني: يختص به، ولا يتجاوز عنه، وكذا
الضمير في ((منه))، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة ربه هذا من أفراد المصنّف دخّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٤٤٤/٧] (٢٩٨٥)، و(ابن ماجه) في ((الزهد))
(٤٢٠٢)، و(الطيالسيّ) في ((مسنده)) (٢٥٥٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٣٠١/٢)
وفي ((الزهد)) (ص٥٧)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٣٩٥)، و(البغويّ) في
((شرح السُّنَّة)) (٤١٣٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قد تكلّم العلماء في الرياء، وأقسامه، فمنهم:
الغزاليّ تَخْتُ حيث قال: درجات الرياء أربعة أقسام:
الأولى: وهي أغلظها، أن لا يكون مراده الثواب أصلاً، كالذي يصلي
بين أظهر الناس، ولو انفرد لكان لا يصلي، بل ربما يصلي من غير طهارة، مع
الناس، فهذا جرّد قَصْده للرياء، فهو الممقوت عند الله تعالى.
والثانية: أن يكون له قصد الثواب أيضاً، ولكن قصداً ضعيفاً بحيث لو

١٩٥
(٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الرِّيَاءِ، وَالسُّمْعَةِ - حديث رقم (٧٤٤٤)
كان في الخلوة، لكان لا يفعله، ولا يحمله ذلك القصد على العمل، ولو لم
يكن الثواب لكان قَصْد الرياء يحمله على العمل، فقَصْد الثواب فيه لا ينفي عنه
المقت .
والثالثة: أن يكون قَصْد الثواب والرياء متساويين، بحيث لو كان واحد
خالياً عن الآخر لم يبعثه على العمل، فلما اجتمعا انبعثت الرغبة، وظواهر
الأخبار تدلّ على أنه لا يَسْلَم رأساً برأس.
والرابعة: أن يكون اطلاع الناس مرجحاً مقوياً لنشاطه، ولو لم يكن لم
يترك العبادة، ولو كان قَصْد الرياء وحده لَمَا أقدم، فالذي نظنه، والعلم عند الله
أنه لا يحبط أصل الثواب، ولكنه يُنقص منه، أو يعاقب على مقدار قَصْد
الرياء، ويثاب على مقدار قصد الثواب.
وأما قوله: ((أنا أغنى الشركاء)) فهو محمول على ما إذا تساوى القصدان،
أو كان قصد الرياء أرجح. انتهى، ذكره القاري في ((المرقاة))(١).
وقد أجاد الحافظ ابن رجب تَخَّتُهُ في هذا البحث في كتابه الممتع ((جامع
العلوم والحكم))، وفصّله تفصيلاً مستوعباً لأقسامه، حيث قال:
واعلم: أن العمل لغير الله أقسام:
فتارة: يكون رياء محضاً، بحيث لا يراد به سوى مرئيات المخلوقين؛
الغرض دنيويّ، كحال المنافقين في صلاتهم، قال الله ربّ: ﴿وَإِذَا قَامُواْ إِلَى
الصَّلَوَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُوَآءُونَ النَّاسَ﴾ الآية [النساء: ١٤٢]، وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ
[الماعون: ٤]، وكذلك وصف الله تعالى الكفار بالرياء المحض،
٤
لِلْمُصَلِّينَ
في قوله: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِم بَطَرًّا وَرِئَآءَ النَّاسِ﴾ [الأنفال:
٤٧]، وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر عن مؤمن في فرض الصلاة،
والصيام، وقد يصدر في الصدقة الواجبة، والحج، وغيرهما من الأعمال
الظاهرة، والتي يتعدى نفعها، فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك
مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت من الله، والعقوبة.
(١) ((مرقاة المفاتيح)) ٢٤٤/١٥.

١٩٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
وتارة: يكون العمل لله، ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أصله،
فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه أيضاً، وحبوطه.
وفي ((صحيح مسلم)) عن أبي هريرة نظُه، عن النبيّ وَّل قال: ((يقول الله
تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه
غيري، تركته وشركه))، وخرجه ابن ماجه، ولفظه: ((فأنا منه بريء وهو للذي
أشرك)).
وخرّج الإمام أحمد عن شداد بن أوس، عن النبيّ وَلّ قال: ((من صلّى
يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدّق يرائي فقد أشرك،
فإن الله رَك يقول: أنا خير قسيم لمن أشرك بي شيئاً، فإن جدة عمله قليلة
وكثيرة لشريكه الذي أشرك به، أنا عنه غنيّ)).
وخرّج الإمام أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه، من حديث أبي سعيد بن
أبي فضالة، وكان من الصحابة، قال: قال رسول الله وَّر: ((إذا جمع الله
الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه، نادى مناد: من كان أشرك في عمل
عمله لله، فليطلب ثوابه من عند غير الله رَّك، فإن الله أغنى الشركاء عن
الشرك)).
وخرّج البزار في ((مسنده)) من حديث الضحاك بن قيس، عن النبيّ وَل
قال: ((إن الله رَّك يقول: أنا خير شريك، فمن أشرك معي شريكاً، فهو
لشريكه، يا أيها الناس أخلصوا أعمالكم لله ريك، فإن الله لا يقبل من الأعمال
إلا ما أُخلص له، ولا تقولوا: هذا لله والرحم، فإنها للرحم، وليس لله منها
شيء، ولا تقولوا: هذا لله ولوجوهكم، فإنها لوجوهكم، وليس لله منها شيء)).
وخرّج النسائي بإسناد جيد، عن أبي أمامة الباهليّ ◌ُبه أن رجلاً أتى
النبيّ وَّ، فقال: يا رسول الله أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر؟ فقال
رسول الله وَل: ((لا شيء له))، فأعادها عليه ثلاث مرات، يقول له
رسول الله ◌َله: ((لا شيء له))، ثم قال: ((إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان
له خالصاً، وابتغِي به وجهه)).
وخرّج الحاكم من حديث ابن عباس ﴿ما قال: قال رجل: يا رسول الله،
إني أقف الموقف أريد به وجه الله، وأريد أن يُرَى موطني، فلم يردّ عليه

١٩٧
(٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الرِّيَاءِ، وَالسُّمْعَةِ - حديث رقم (٧٤٤٤)
رسول الله وَ له شيئاً، حتى نزلت: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوْ لِقَآءَ رَيِّهِ﴾ [الكهف: ١١٠].
وممن يُروى عنه هذا المعنى أن العمل إذا خالطه شيء من الرياء كان
باطلاً طائفة من السلف، منهم عبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، والحسن،
وسعيد بن المسيِّب، وغيرهم.
وفي مراسيل القاسم بن مخيمرة، عن النبيّ وَّر قال: ((لا يقبل الله عملاً
فيه مثقال حبة من خردل من رياء))، ولا نعرف عن السلف في هذا خلافاً، وإن
كان فيه خلاف عن بعض المتأخرين.
فإن خالط نيته الجهاد مثل نية غير الرياء مثل أخذه أجرة للخدمة، أو أخذ
شيء من الغنيمة، أو التجارة نقص بذلك أجر جهاده، ولم يبطل بالكلية.
وفي ((صحيح مسلم)) عن عبد الله بن عمرو ظه، عن النبيّ وَّر قال: ((إن
الغزاة إذا غَنِموا غنيمة تعجلوا ثلثي أجرهم، فإن لم يغنموا شيئاً تمّ لهم
أجرهم)).
وقد وردت أحاديث تدل على أن من أراد بجهاده عَرَضاً من الدنيا أنه لا
أجر له، وهي محمولة على أنه لم يكن له غرض في الجهاد إلا الدنيا .
وقال الإمام أحمد: التاجر، والمستأجر، والمكاري أجْرُهم على قدر ما
يخلص من نيتهم في غزواتهم، ولا يكون مثل من جاهد بنفسه، وماله، لا
يخلط به غيره.
وقال أيضاً فيمن يأخذ جُعْلاً على الجهاد: إذا لم يخرج إلا لأجل
الدراهم، فلا بأس أن يأخذ، كأنه خرج لدينه، فإن أُعطي شيئاً أخذه، وكذا
رُوي عن عبد الله بن عمرو قال: إذا جمع أحدكم على الغزو، فعوّضه الله رزقاً
فلا بأس بذلك، وأما أحدكم إن أعطي درهماً غزا، وإن مُنع درهماً مكث، فلا
خير في ذلك، وكذا قال الأوزاعيّ: إذا كانت نية الغازي على الغزو، فلا أرى
بأساً .
وهكذا يقال فيمن أخذ شيئاً في الحج؛ ليحج به، إما عن نفسه، أو عن
غيره .
وقد روي عن مجاهد أنه قال في حج الحمّال، وحج الأجير، وحج

١٩٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
التاجر: هو تامّ لا ينقص من أجورهم شيء، وهذا محمول على أن قصدهم
الأصلي كان هو الحج، دون التكسب.
وأما إن كان أصل العمل لله، ثم طرأت عليه نية الرياء، فلا يضره، فإن
كان خاطراً، ودَفَعه فلا يضره بغير خلاف، فإن استرسل معه، فهل يحبط عمله
أم لا يضره ذلك، ويجازى على أصل نيته؟ في ذلك اختلاف بين العلماء من
السلف، قد حكاه الإمام أحمد، وابن جرير الطبريّ، وأرجو أن عمله لا يبطل
بذلك، وأنه يجازى بنيّته الأُولى، وهو مروي عن الحسن البصريّ، وغيره.
ويُسْتَدَلّ لهذا القول بما خرّجه أبو داود في ((مراسيله)) عن عطاء
الخراسانيّ، أن رجلاً قال: يا رسول الله إن بني سلمة كلهم يقاتل، فمنهم من
يقاتل للدنيا، ومنهم من يقاتل نَجْدة، ومنهم من يقاتل ابتغاء وجه الله، فأيهم
الشهيد؟ قال: كلهم إذا كان أصل أمره أن تكون كلمة الله هي العليا .
وذكر ابن جرير أن هذا الاختلاف إنما هو في عمل يرتبط آخره بأوله،
كالصلاة، والصيام، والحج، فأما ما لا ارتباط فيه، كالقراءة، والذكر، وإنفاق
المال، ونشر العلم، فإنه ينقطع بنيّة الرياء الطارئة عليه، ويحتاج إلى تجديد
نية، وكذلك رُوي عن سليمان بن داود الهاشميّ أنه قال: ربما أحدّث بحديث،
ولي فيه نية، فإذا أتيت على بعضه تغيّرت نيّتي، فإذا الحديث الواحد يحتاج إلى
نيات. ولا يَرِد على هذا الجهاد، كما في مرسل عطاء الخراسانيّ، فإن الجهاد
يلزم بحضور الصفّ، ولا يجوز تركه حينئذ، فيصير كالحج.
فأما إذا عمل العمل لله خالصاً، ثم ألقى الله له الثناء الحسن في قلوب
المؤمنين بذلك، بفضل ورحمة، واستبشر بذلك لم يضره ذلك.
وفي هذا المعنى جاء حديث أبي ذرّ عن النبيّ وَّر أنه سئل عن الرجل
يعمل العمل لله من الخير، يحمده الناس عليه، فقال: ((تلك عاجل بشرى
المؤمن)). خرّجه مسلم، وخرجه ابن ماجه، وعنده: ((الرجل يعمل العمل،
فيحبه الناس عليه))، وبهذا المعنى فسره الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه،
وابن جرير الطبريّ، وغيرهم.
وكذلك الحديث الذي خرّجه الترمذيّ، وابن ماجه، من حديث أبي

١٩٩
(٧) - بَابُ تَحْرِيمِ الرِّيَاءِ، وَالسُّمْعَةِ - حديث رقم (٧٤٤٥)
هريرة ظُّه أن رجلاً قال: يا رسول الله الرجل يعمل، فيُسِرُّه، فإذا اطلع عليه
أعجبه؟ فقال: ((له أجران: أجر السرّ، وأجر العلانية)).
ولنقتصر على هذا المقدار من الكلام على الإخلاص والرياء، فإن فيه كفاية.
وبالجملة فما أحسن قول سهل بن عبد الله: ليس على النفس شيء أشقّ
من الإخلاص؛ لأنه ليس لها فيه نصيب.
وقال يوسف بن الحسين الرازيّ: أعز شيء في الدنيا الإخلاص، وكم
أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي، وكأنه ينبت فيه على لون آخر.
وقال ابن عيينة: كان من دعاء مطرِّف بن عبد الله: اللَّهُمَّ إني أستغفرك
مما تُبت إليك منه، ثم عُدت فيه، وأستغفرك مما جعلته لك على نفسي، ثم لم
أوفِ به لك، وأستغفرك مما زعمت أني أردت به وجهك، فخالط قلبي منه ما
قد عملت. انتهى كلام ابن رجب تَظْدُهُ(١)، وهو بحث نفيسٌ، وتحقيقٌ أنيسٌ
والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٤٥] (٢٩٨٦) - (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ
إِسْمَاعِيلَ بْنِ سُمَيْعٍ، عَنْ مُسْلِمِ الْبَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ وََّ: ((مَنْ سَمَّعَّ سَمَّعَ اللهُ بِهِ، وَمَنْ رَاءَى رَاءَى اللهُ بِهِ))).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ بْنِ غِيَاتٍ) أبو حفص الكوفيّ [١٠]، تقدم في
((الطهارة)) ٦٧٥/٣٢.
٢ - (أَبُوهُ) حفص بن غياث بن طلق النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ [٨]، تقدم
في ((الإيمان)) ١٣٦/٨.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ سُمَيْع) الحنفيّ، أبو محمد الكوفيّ، بيّاع
السابَريّ [٥](٢)، تقدم في ((البيوع)) ٤٠٢٨/٣٢.
(١) ((جامع العلوم والحكم ٧٩/١ - ٨٤.
(٢) جعله في ((التقريب)) من الرابعة، وفيه نظر، بل هو من الخامسة، أو السادسة، فتأمل.

٢٠٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
٤ - (مُسْلِمٌ الْبَطِينُ) ابن عمران، ويقال: ابن أبي عمران، أبو عبد الله
الكوفيّ [٦]، تقدم في ((الجمعة)) ٢٠٣١/٢٠.
٥ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) الأسديّ الواليّ الكوفيّ [٣]، تقدم في ((الإيمان))
٣٢٩/٥٧.
٦ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله الحبر البحر ﴿ًّا، تقدم في ((الإيمان)) ١٢٤/٦.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﴿هَا؛ أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: مَنْ سَمَّعَ) بفتح
السبن المهملة، والميم الثقيلة، والثانية مثلها، (سَمَّعَ اللهُ بِهِ، وَمَنْ رَاءَى
رَاءَى اللهُ بِهِ) هكذا بصيغة الماضي فيهما، وفي حديث جندب التالي بصيغة
المضارع فيهما. ولابن المبارك في ((الزهد)) من حديث ابن مسعود نظره: ((من
سمّع سمّع الله به، ومن راءى راءى الله به، ومن تطاول تعاظماً خفضه الله،
ومن تواضع تخشعاً رفعه الله)).
ووقع عند الطبرانيّ من طريق محمد بن جُحادة، عن سلمة بن كهيل، عن
جابر ربه في آخر هذا الحديث: ((ومن كان ذا لسانين في الدنيا، جعل الله له
لسانين من نار يوم القيامة)).
قال الخطابيّ كَّلُهُ: معناه: من عمل عملاً على غير إخلاص، وإنما يريد
أن يراه الناس، ويسمعوه جوزي على ذلك، بأن يُشهره الله، ويفضحه، ويُظهر
ما كان يُبطنه، وقيل: من قَصَد بعمله الجاه، والمنزلة عند الناس، ولم يُرِدْ به
وجه الله، فإن الله يجعله حديثاً عند الناس الذين أراد نيل المنزلة عندهم، ولا
ثواب له في الآخرة، ومعنى يرائي: يُطلعهم على أنه فعل ذلك لهم، لا
لوجهه، ومنه قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوَةَ الذُّنْيَا وَزِينَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ
فِيهَا﴾ [هود: ١٥] إلى قوله: ﴿مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٦].
وقيل: المراد: من قصد بعمله أن يسمعه الناس، ويروه؛ ليعظموه، وتعلو
منزلته عندهم، حصل له ما قصد، وكان ذلك جزاءه على عمله، ولا يثاب عليه
في الآخرة.
وقيل: المعنى: من سَمَّع بعيوب الناس، وأذاعها، أظهر الله عيوبه،
وسمّعه المكروه.