النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
(٢) - بَابُ ذِكْرٍ مَعِيشَةِ آلِ النَِّّ ◌َّرِ - حديث رقم (٧٤٢١)
كان من الخصوصية لعائشة رضيها ببركة النبيّ وَّر، وقد وقع مثل ذلك في حديث
جابر الآتي بعدُ، ووقع مثل ذلك في مزود أبي هريرة الذي أخرجه الترمذيّ،
وحسّنه، والبيهقيّ في ((الدلائل)) من طريق أبي العالية، عن أبي هريرة: ((أتيت
رسول الله وَ﴿ بتمرات، فقلت: ادع لي فيهنّ بالبركة، قال: فقبض، ثم دعا،
ثم قال: خذهنّ، فاجعلهنّ في مزود، فإذا أردت أن تأخذ منهنّ، فأدخل يدك،
فخذ، ولا تنثر بهنّ نثراً، فحملت من ذلك كذا وكذا وسقاً في سبيل الله، وكنا
نأكل، ونُطعم، وكان المزود معلقاً بحقوي، لا يفارقه، فلما قُتل عثمان
انقطع)).
وأخرجه البيهقيّ أيضاً من طريق سهل بن زياد، عن أيوب، عن محمد،
عن أبي هريرة، مطوّلاً، وفيه: ((فأدخل يدك، فخذ، ولا تكفئ، فيكفأ عليك))،
ومن طريق يزيد بن أبي منصور، عن أبيه، عن أبي هريرة نحوه.
ونحوه ما وقع في عُكّة المرأة، وهو ما أخرجه مسلم من طريق أبي
الزبير، عن جابر: ((أن أم مالك كانت تُهدي للنبيّ وَّ في عكة لها سمناً،
فيأتيها بنوها، فيسألون الأَدْم، فتعمِد إلى العكة، فتجد فيها سمناً، فما زال
يقيم لها أدم بيتها، حتى عصرته، فأتت النبيّ وَّ، فقال: لو تركتها ما زال
قائماً)).
٤ - (ومنها): أنه قد استُشكل هذا النهي مع الأمر بكيل الطعام، وترتيب
البركة على ذلك، كما في حديث المقدام بن معد يكرب، مرفوعاً: ((كيلوا
طعامکم یبارك لکم فیه».
وأجيب: بأن الكيل عند المبايعة مطلوب، من أجل تعلّق حق المتبايعين،
فلهذا القصد يُندب، وأما الكيل عند الإنفاق، فقد يبعث عليه الشحّ، فلذلك
كُره، ويؤيده ما أخرجه مسلم من طريق معقل بن عبيد الله، عن أبي الزبير، عن
جابر رَُّله: ((أن رجلاً أتى النبيّ وَ له يستطعمه، فأطعمه شطر وسق شعير، فما
زال الرجل يأكل منه، وامرأته، وضيفهما حتى كاله، فأتى النبيّ وَّر، فقال: لو
لم تکله لأکلتم منه، ولقام لكم)).
٥ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ: سبب رفع النماء من ذلك عند الحصر
والكيل - والله أعلم - الالتفات بعين الحرص، مع معاينة إدرار نِعَم الله،

١٤٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
ومواهب كراماته، وكثرة بركاته، والغفلة عن الشكر عليها، والثقة بالذي
وهبها، والميل إلى الأسباب المعتادة عند مشاهدة خرق العادة.
٦ - (ومنها): أنه يستفاد منه أن من رُزق شيئاً، أو أُكرم بكرامة، أو لُطف
به في أمر مّا، فالمتعين عليه موالاة الشكر، ورؤية المنة لله تعالى، ولا يُحْدِث
في تلك الحالة تغييراً، والله أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َظُّ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٢٢] (٢٩٧٢) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي
حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ:
وَاللَّهِ يَا ابْنَ أُخْتِي إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلَالِ، ثُمَّ الْهِلَالِ، ثُمَّ الْهِلَالِ، ثَلَاثَةَ أَهِّلَّةٍ فِي
شَهْرَيْنٍ، وَمَا أُوقِدَ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللهِ وَِّ نَارٌ، قَالَ: قُلْتُ: يَا خَالَةُ فَمَا كَانَ
يُعَيِّشُكُمْ؟(١) قَالَتِ: الأَسْوَدَانِ: التَّمْرُ وَالْمَاءُ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللهِ وَاهـ
جِيرَانٌ مِنَ الأَنْصَارِ، وَكَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ، فَكَانُوا يُرْسِلُونَ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ مِنْ
أَلْبَانِهَا، فَيَسْقِينَاهُ).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ :
١ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِم) سلمة بن دينار المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٨]
(١٨٤) وقيل: قبل ذلك (ع)، تقدم فيَّ ((الإيمان)) ٤٥/ ٢٩٠.
٢ - (أَبُوهُ) سلمة بن دينار الأعرج الأفزر التمّار المدنيّ القاصّ، مولى
الأسود بن سفيان، ثقةٌ عابدٌ [٥] مات في خلافة المنصور (ع)، تقدم في
((الإيمان) ٣١٣/٥٠.
٣ - (يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ) المدنيّ، أبو رَوح، مولى آل الزبير، ثقةٌ [٥]
(ت١٣٠) وروايته عن أبي هريرة مرسلة (ع) تقدم في ((صلاة المسافرين
وقصرها)) ١٩٤٨/٥٧.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله.
(١) وفي نسخة: ((يقيتكم)).

١٤٣
(٢) - بَابُ ذِكْرٍ مَعِيشَةِ آلِ النَِّّ ◌َّهِ - حديث رقم (٧٤٢٢)
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف نَلتُ، وأنه مسلسل بالمدنیین، سوی شیخه،
فنيسابوريّ، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن
بعض، ورواية الأولين من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الخامسة، وفيه
عروة أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة ظنّا من المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) رِّنَا؛ (أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: وَاللهِ يَا ابْنَ أُخْتِي) أسماء بنت أبي
بكر ﴿ها، (إِنْ) مخفّفة من ((أنّ) المثقلة، فتدخل على الجملتين، فإن دخلت
على الاسمية جاز إعمالها، خلافاً للكوفيين، وإن دخلت على الفعلية وجب
إهمالها، والأكثر أن يكون الفعل ماضياً ناسخاً، وههنا كذلك؛ لأنها دخلت
على الماضي الناسخ؛ لأن ((كان)) من النواسخ، واللام في ((لننظر)) عند سيبويه
والأكثرين لام الابتداء، دخلت لتوكيد النسبة، وتخليص المضارع للحال،
وللفرق بين ((إن)) المخففة من المثقلة و((إن)) النافية، ولهذا صارت لازمة بعد أن
كانت جائزة، وزعم أبو عليّ، وأبو الفتح، وجماعة أنها لام غير لام الابتداء،
اجتناباً للفرق، قاله في ((العمدة))(١) .
وإلى هذه القاعدة أشار ابن مالك كَّلُ في ((الخلاصة)) حيث قال:
وَتَلْزَمُ اللَّمُ إِذَا مَا تُهْمَلُ
وَخُفِّفَتْ ((إِنَّ) فَقَلَّ الْعَمَلُ
مَا نَاطِقٌ أَرَادَهُ مُعْتَمِدَا
وَرُبَّمَا اسْتُغْنِيَ عَنْهَا إِنْ بَدَا
تَلْفِهِ غَالِباً بِـ((إِنْ)) ذِي مُوصَلَا
وَالْفِعْلُ إِنْ لَمْ يَكُ نَاسِخاً فَلَا
(كُنَّا لَتَنْظُرُ إِلَى الْهِلَالِ، ثُمَّ الْهِلَالِ، ثُمَّ الْهِلَالِ، ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَیْنِ) بجرّ
(ثلاثة)) بدلاً من ((الهلال))، وبنصبه بفعل مقدّر، تقديره: نرى ثلاثة أهلة،
ونكملها في شهرين باعتبار رؤية الهلال في أول الشهر الأول، ثم برؤيته في
أول الشهر الثاني، ثم برؤيته في أول الشهر الثالث، فيصدق عليه ثلاثة أهلة،
ولكن المدة ستون يوماً، والمرئي ثلاثة أهلة(٢).
(وَمَا أُوقِدَ) بالبناء للمفعول، من الإيقاد، (فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللهِ نَِّ نَارٌ)
(١) ((عمدة القاري)) ١٢٧/١٣.
(٢) راجع: ((عمدة القاري)) ١٢٧/١٣.

١٤٤
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
ووقع في رواية سعيد، عن أبي هريرة، عند ابن سعد: ((كان يمرّ برسول الله وَل
هلال، ثم هلال، ثم هلال، لا يوقد في شيء من بيوته نارٌ، لا لخبز، ولا
لطبخ))، وفي رواية ابن ماجه من طريق أبي سلمة، عن عائشة بلفظ: ((لقد كان
يأتي على آل محمد الشهر، ما يُرَى في بيت من بيوته الدخان)).
(قَالَ) عروة: (قُلْتُ: يَا خَالَةُ) بضم التاء؛ لأنه منادى مفرد، (فَمَا كَانَ
يُعَيِّشُكُمْ؟(١)) بضم أوله، يقال: أعاشه الله؛ أي: أعطاه العيش، وضبطه النوويّ
بتشديد التحتانيّة، وفي بعض النسخ: ((ما يُغنيكم))، قاله في ((الفتح)).
وقال في ((العمدة)): ((يُعيشكم)) بضم الياء، من أعاشه الله تعالى عيشة،
وقال النوويّ: بفتح العين، وكسر الياء المشددة، قال: وفي بعض النسخ
المعتمدة - يعني: في نسخ مسلم - ((فما كان يقيتكم)) من القوت، صرح بذلك
القونوي في مختصر شرح مسلم، وقال بعضهم(٢): وفي بعض النسخ: ((ما
يغنيكم)) بسكون المعجمة، بعدها نون مكسورة، ثم تحتانية ساكنة. انتهى، قال
العينيّ: كأنه صُحِّف عليه، فجعله من الإغناء، وليس هو من القوت، فعلى
قوله تكون هذه رواية رابعة، فتحتاج إلى البيان. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: يشير العينيّ بهذا إلى صاحب ((الفتح))، ولا
يخفى ما فيه من الطعن، والحقّ أن الحافظ إمام لا يُجازف، بل هو متثبّت في
نقله، فلا همز، ولا لمز أيها العينيّ، سامحك الله تعالى.
وفي رواية أبي سلمة عن عائشة نحوه، وفيه: ((قلت: فما كان
طعامكم؟))، (قَالَت) عائشة ◌َّا: طعامنا (الأَسْوَدَانِ)، وقولها: (التَّمْرُ وَالْمَاءُ)
بدل مما قبله، قال في ((الفتح)): قولها: ((الأسودان: التمر والماء))، وفي حديث
أبي هريرة: ((قالوا: بأي شيء كانوا يعيشون)) نحوه، وفي هذا إشارة إلى ثاني
الحال بعد أن فُتحت قريظة، وغيرها، ومن هذا ما أخرجه الترمذيّ من حديث
﴾ [التكاثر: ٨]
الزبير: «قال: لما نزلت: ﴿ثُمَّ لَتُشْئَلُنَّ يَؤْمَيِذٍ عَنِ النَّعِيمِ
قلت: وأي نعيم نُسأل عنه، وإنما هو الأسودان التمر والماء؟، قال: إنه
(١) وفي نسخة: ((يقيتكم)).
(٢) يريد الحافظ ابن حجر.

١٤٥
(٢) - بَابُ ذِكْرِ مَعِيشَةِ آلِ النَّبِيِّ نَّهِ - حديث رقم (٧٤٢٢)
سيكون))، قال الصغانيّ: الأسودان يُطلق على التمر والماء، والسواد للتمر دون
الماء، فنُعتا بنعت واحد تغليباً، وإذا اقترن الشيئان سُمّيا باسم أشهرهما، وعن
أبي زيد: الماء يسمى الأسود، واستشهد لذلك بشعر، قلت(١): وفيه نظر، وقد
تقع الخفة، أو الشرف موضع الشهرة، كالعُمَرين لأبي بكر وعمر، والقمرين
للشمس والقمر. انتهى. ((الفتح)).
وقال في ((موضع آخر: قوله: ((الأسودان: التمر والماء)) هو على
التغليب، وإلا فالماء لا لون له، ولذلك قالوا: الأبيضان: اللبن والماء، وإنما
أَطلقت على التمر أسود؛ لأنه غالب تمر المدينة، وزعم صاحب ((المحكم))،
وارتضاه بعض الشراح المتأخرين أن تفسير الأسودين بالتمر والماء مدرج،
وإنما أرادت الحرّة(٢) والليل، واستدل بأن وجود التمر والماء يقتضي وصفهم
بالسعة، وسياقها يقتضي وصفهم بالضِّيق، وكأنها بالغت في وصف حالهم
بالشدة، حتى إنه لم يكن عندهم إلا الليل والحرة. انتهى.
قال الحافظ: وما ادعاه ليس بطائل، والإدراج لا يثبت بالتوهم، وقد أشار
إلى أن مستنده في ذلك أن بعضهم دعا قوماً، وقال لهم: ما عندي إلا الأسودان،
فَرَضُوا بذلك، فقال: ما أردت إلا الحرة والليل، وهذا حجة عليه؛ لأن القوم
فهموا التمر والماء، وهو الأصل، وأراد هو المزح معهم، فألغز لهم بذلك.
وقد تظاهرت الأخبار بالتفسير المذكور، ولا شك أن أمر العيش نسبيّ،
ومن لا يجد إلا التمر أضيق حالاً ممن يجد الخبز مثلاً، ومن لم يجد إلا
الخبز أضيق حالاً ممن يجد اللحم مثلاً، وهذا أمر لا يدفعه الحسّ، وهو الذي
أرادت عائشة ينا، وللبخاريّ في ((الرقاق)) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه،
عنها بلفظ: ((وما هو إلا التمر والماء))، وهو أصرح في المقصود، لا يقبل
الحمل على الإدراج. انتهى (٣).
(١) القائل هو الحافظ، فتنبّه.
(٢) قال في ((العمدة)): الحرّة بفتح الحاء المهملة، وتشديد الراء: البقل الذي يؤكل غير
مطبوخ. انتهى.
(٣) ((الفتح)) ٤١٨/٦.

١٤٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
(إِلَّا أَنَّهُ)؛ أي: الحال والشأن، (قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللهِ وَّهُ چِيرَانٌ) بكسر
الجيم، زاد الإسماعيليّ من طريق محمد بن الصباح، عن عبد العزيز: ((نعم
الجيران كانوا))، وفي رواية أبي سلمة: ((جيران صِدق))، (مِنَ الأَنْصَارِ) زاد أبو
هريرة في حديثه: ((جزاهم الله خيراً))، (وَكَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ) جمع منيحة - بفتح
الميم، وكسر النون، وسكون الياء، وفي آخره حاء مهملة - وهي ناقة، أو شاة
تعطيها غيرك؛ ليحتلبها، ثم يردّها عليك، وقد تكون المنيحة عطية للرقبة بمنافعها
مؤبّدة، مثل الهبة، وقال الفراء: منحته منيحةً، وهي الناقة، والشاة يعطيها الرجل
لآخر يحلبها، ثم يردّها، وزعم بعضهم أن المنيحة لا تكون إلا ناقة، وقال أبو
عبيد: المنيحة عند العرب على وجهين: أن يعطي الرجل صاحب صلة، فيكون
له، وأن يمنحه ناقة، أو شاة، ينتفع بحلبها، ووَبَرها، وصوفها زمناً، ثم يردّها،
وقال إبراهيم الحربيّ: العرب تقول: منحتك الناقة، وأنحلتك الوبر، وأعريتك
النخلة، وأعمرتك الدار، وهذه كلها هبة منافع، يعود بعدها مثلها(١).
(فَكَانُوا) هؤلاء الجيران، (يُرْسِلُونَ) وفي رواية البخاريّ: ((يمنحون)) من
المنح، وهو العطاء، يقال: منحه يمنحه، من باب فتحه يفتحه، ومنحه يمنحه،
من باب ضربه يضربه، والاسم: المنحة بالكسر، وهي العطية. (إِلَى
رَسُولِ اللهِ وَ﴿ مِنْ أَلْبَانِهَا)؛ أي: من ألبان تلك المنائح (فَيَسْقِينَاهُ) وفي رواية
الإسماعيليّ: ((فيسقينا منه)).
وروى الترمذيّ، وصححه من حديث ابن عباس رضيًا: ((كان النبيّ
يبيت الليالي المتتابعة، وأهله طاوين، لا يجدون عَشاء)).
وروى ابن ماجه من حديث أبي هريرة: ((أتى النبيّ بطعام سخن، فأكل،
فلما فرغ قال: الحمد لله ما دخل بطني طعام سخن منذ كذا وكذا))، وسنده حسن.
ومن شواهد الحديث: ما أخرجه ابن ماجه بسند صحيح، عن أنس:
(سمعت رسول الله * يقول مراراً: والذي نفس محمد بيده، ما أصبح عند آل
محمد صاع حَبِّ، ولا صاع تمر، وإن له يومئذ لتسع نسوة))، وله شاهد عند
ابن ماجه عن ابن مسعود ظُته، والله تعالى أعلم.
(١) ((عمدة القاري)) ١٣/ ١٢٧.

١٤٧
(٢) - بَابُ ذِكْرٍ مَعِيشَةِ آلِ النَّبِيِّ ◌َّرِ - حديث رقم (٧٤٢٢)
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
ويشجع هذا متّفق عليه.
صُوهَا
(المسألة الأولى): حديث عائشة
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٤٢٢/٢] (٢٩٧٢)، و(البخاريّ) في ((الهبة))
(٢٥٦٧) و((الرقاق)) (٦٤٥٩)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٢٤٤/٦)، و(عبد بن
حميد) في ((مسنده)) (١٤٩١ و١٥١٠)، و(ابن حبّان) في ((صحيحه)) (٧٢٩ و ٦٣٤٨
و٦٣٦١ و٦٣٧٢)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٦٩/٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما كان عليه النبيّ وَل من الزهد في الدنيا، والصبر على
التقلل، وأخذ البلغة من العيش، وإيثار الآخرة على الدنيا .
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة ﴿ّ من الصبر على مشاقٌ
الحياة؛ نصرةً لرسول الله وَله، وجهاداً في سبيل الله تعالى معه، وإلا فلو خرجوا
إلى البلدان الأخرى لوجدوا سعة من العيش، ولكنهم آثروا الصبر عليه، فكان
جزاؤهم الجنّة بمقتضى الوعد السابق: ﴿وَكُلُّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠]،
وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا اُلْحُسْنَ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (3َ لَا يَسْمَعُونَ
﴾ [الأنبياء: ١٠١، ١٠٢].
(١٠٢)
حَسِيسَهَا وَهُمْ فِى مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ
٣ - (ومنها): أن فيه فضلَ الزهد، وإيثار الواجد للمعدِم، والاشتراك فيما
في الأيدي.
٤ - (ومنها): جواز ذِكر المرء ما كان فيه من الضِّيق، بعد أن يوسّع الله
عليه؛ تذكيراً بنعمه، وليتأسى به غيره.
٥ - (ومنها): أن فيه حجةً لمن آثر الفقر على الغنى.
٦ - (ومنها): ما قاله ابن بطال تَخْذّتُهُ: في هذه الأحاديث جواز الشِّبَع،
وإن كان تَرْكه أحياناً أفضل، وقد ورد عن سليمان، وأبي جحيفة، أن النبيّ وَلَّه
قال: ((إن أكثر الناس شبعاً في الدنيا أطولهم جوعاً في الآخرة)).
وقال الطبريّ: الشبع وإن كان مباحاً، فإن له حدّاً ينتهي إليه، وما زاد
على ذلك سَرَف، والمطلق منه ما أعان الأكل على طاعة ربه، ولم يشغله ثِقَله
عن أداء ما وجب عليه.

١٤٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
واختلف في حدّ الجوع على رأيين:
أحدهما: أن يشتهي الخبز وحده، فمتى طلب الإدام فليس بجائع.
وثانيهما: أنه إذا وقع ريقه على الأرض، لم يقع عليه الذباب، ذكره في
(الإحياء))، وذكر أن مراتب الشِّبَع تنحصر في سبعة:
الأول: ما تقوم به الحياة.
الثاني: أن يزيد حتى يصلي عن قيام، ويصوم، وهذان واجبان.
الثالث: أن يزيد حتى يَقْوَى على أداء النوافل.
الرابع: أن يزيد حتى يقدر على التكسب، وهذان مستحبان.
الخامس: أن يملأ الثلث، وهذا جائز.
السادس: أن يزيد على ذلك، وبه يثقل البدن، ويكثر النوم، وهذا
مكروه.
السابع: أن يزيد حتى يتضرر، وهي البطنة المنهيّ عنها، وهذا حرام،
ذكره في ((العمدة))(١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَُّهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٢٣] (٢٩٧٤) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ،
أَخْبَرَنِي أَبُو صَخْرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُسَيْطٍ (ح) وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ
سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو صَخْرٍ، عَنِ ابْنِ قُسَيْطٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ
الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَتْ: لَقَدْ مَاتَ رَسُولُ الهِ نَّ، وَمَا شَبَعَ مِنْ
خُبْزٍ وَزَيْتٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ) بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السَّرْح
المصريّ [١٠]، تقدم في ((المقدمة)) ١٠/٣.
٢ - (أَبُو صَخْرٍ) بن أبي المخارق، حُميد بن زياد الخراط، صاحب
العباء، المدنيّ، سكن مصر، ويقال: هو حميد بن صخر أبو مودود الخراط،
(١) ((عمدة القاري)) ٣٣/٢١.

١٤٩
(٢) - بَابُ ذِكْرٍ مَعِيشَةِ آلِ النَّبِيِّ ◌َلـ ـــ حديث رقم (٧٤٢٤)
وقيل: إنهما اثنان، صدوقٌ يهم [٦] (ت١٨٩) (بخ م د ت عس ق)، تقدم في
((الطهارة)) ٥٥٨/٥.
٣ - (يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُسَيْط) - بقاف، ومهملتين، مصغّراً -
ابن أسامة الليثيّ، أبو عبد الله المدنيّ الأعرج، ثقة [٤] (١٢٢) وله تسعون
سنةً (ع) تقدم في ((المساجد ومواضع الصلاة)) ١٣٠١/٢٠.
٤ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ) الأيليّ المصريّ [١٠]، تقدم في ((الإيمان)) ٢٢٥/٢٩.
والباقون تقدّموا قريباً، وشرح الحديث واضح.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ﴿ّا هذا من أفراد المصنّف تَخْتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخرجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٤٢٣/٢] (٢٩٧٤)، و(ابن حبان) في (صحيحه))
(٦٣٥٨)، و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (٤٠٥/١)، و(الطبريّ) في ((تهذيب
الآثار)) (٢٨٤/١ و٦٩٨/٢)، و(ابن عساكر) في ((تاريخ دمشق)) (١٠٠/٤)،
والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَخْتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٢٤] (٢٩٧٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
الْمَكِّيُ الْعَطَّارُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا
دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَطَّارُ، حَدَّثَنِي مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحَجَبِيُّ، عَنْ أُمِّهِ عَنْ
عَائِشَةَ قَالَتْ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ حِينَ شَبعَ النَّاسُ مِنَ الأَسْوَدَيْنِ: التَّمْرِ، وَالْمَاءِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَكِّيُّ الْعَطَّارُ) أبو سليمان، ثقةٌ لم يثبت أن
ابن معين تكلم فيه [٨] (ت٤ أو ١٧٥) وكان مولده سنة مائة (ع)، تقدم في
((شرح المقدمة)) جـ٢ ص ٤١٣.
٢ - (مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحَجَبِيُّ) العبدريّ المكيّ، وهو ابن صفية
بنت شيبة، ثقةٌ [٥] أخطأ ابن حزم في تضعيفه (ت٧ أو ١٣٨) (خ م د س ق)،
تقدم في ((الحيض)) ٦٩٩/٣.

١٥٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
٣ - (صَفِيَّةُ) بنت شيبة بن عثمان بن أبي طلحة العبدرية، لها رؤية،
وحدّثت عن عائشة وغيرها، من الصحابة، وفي البخاريّ التصريح بسماعها من
النبيّ وَله، وأنكر الدار قطني إدراكها (ع)، تقدمت في ((الحيض)) ٦٩٩/٣.
٤ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) الخراسانيّ، نزيل مكة، تقدّم قريباً.
والباقيان ذُكرا في الإسنادين السابقين.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) ◌ِؤُّا؛ أنها (قَالَتْ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ حِينَ شَبِعَ النَّاسُ)
وفي رواية البخاريّ: ((حين شبعنا))، (مِنَ الأَسْوَدَيْنِ: التَّمْرِ، وَالْمَاءِ) قال في
((الفتح)): وفيه إشارة إلى أن شِبَعهم لم يقع قبل زمان وفاته، قاله الكرمانيّ،
وتعقّبه الحافظ، فقال: لكن ظاهره غير مراد، وقد تقدم - أي: عند البخاريّ -
في غزوة خيبر من طريق عكرمة، عن عائشة: ((قالت: لمّا فُتحت خيبر، قلنا :
الآن نشبع من التمر))، ومن حديث ابن عمر: ((قال: ما شبعنا حتى فتحنا
خيبر))، فالمراد أنه ليجر شبع حين شبعوا، واستمر شبعهم، وابتداؤه من فتح
خيبر، وذلك قبل موته وَل﴾ بثلاث سنين، ومراد عائشة بما أشارت إليه من
الشبع، هو من التمر خاصّة دون الماء، لكن قرنته به إشارة إلى أن تمام الشبع
حصل بجمعهما، فكأن الواو فيه بمعنى ((مع))؛ لا أن الماء وحده يوجد الشبع
منه، ولمّا عبّرت عن التمر بوصف واحد، وهو السواد، عبّرت عن الشبع
والريّ بفعل واحد، وهو الشبع. انتهى (١).
وقال في ((العمدة)): قوله: ((من الأسودين)) تثنية الأسود، وهما: التمر
والماء، وهذا من باب التغليب، وإن كان الماء شفّافاً لا لون له، وذلك
كالأبوين: للأب والأم، والقمرين: للشمس والقمر، والأحمرين: للّحم
والشراب، وقيل: الذهب والزعفران، والأبيضين: الماء واللّبن، والأسمرين:
للماء والملح، وكذلك قالوا: العُمَرين: لأبي بكر وعمر ﴿هَا، فغلّبوا عمر؛
لأنه أخفّ، وأَبْعَدَ من قال: هما عمر بن الخطاب، وعمر بن عبد العزيز تظـ
،
ويقال: هذه تسمية الشيء بما يقاربه؛ لأن الأسود منهما التمر خاصّة.
(١) ((الفتح)) ٢٩٧/١٢ - ٢٩٨، ((كتاب الأطعمة)) رقم (٥٣٨٣).

١٥١
(٢) - بَابُ ذِكْرٍ مَعِيشَةِ آلِ النَّبِيِّ ◌َلِے ـ حديث رقم (٧٤٢٥ - ٧٤٢٦)
وقال الكرمانيّ: فإن قلت: إنهم كانوا في سعة من الماء، فأجاب بأن
الريّ من الماء لم يكن يحصل لهم من دون الشبع من الطعام، وقَرنت بينهما؛
لفقد التمتع بأحدهما دون الآخر، وعَبّرت عن الأمرين: الشبع والريّ بفعل
واحد، كما عَبرت عن التمر والماء بوصف واحد، وإن كان للماء الريّ، لا
الشبع، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َؤُّ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢ /٧٤٢٤ و٧٤٢٥ و٧٤٢٦] (٢٩٧٥)،
و(البخاريّ) في ((الأطعمة)) (٥٣٨٣ و٥٤٤٢)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٥٨/٦
و١٩٩ و٢١٥)، و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (٤٠٧/١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّتُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٢٥] ( .. ) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ
سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورِ ابْنِ صَفِيَّةَ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: تُوُنِّيَ رَسُولُ اللهِ وَِّ،
وَقَدْ شَبِعْنَا مِنَ الأَسْوَدَيْنِ: الْمَاءِ، وَالتَّمْرِ).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ :
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ [١٠]، تقدم في
((المقدمة)) ٢/٢.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديّ البصريّ [٩]، تقدم في ((المقدمة)) جـ١ ص٣٨٨.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ الكوفيّ [٧]، تقدم في ((المقدمة)) ١/١.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسألتيه قبله، ولله الحمد
والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف رَّتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٢٦] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا الأَشْجَعِيُّ (ح) وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ
عَلِيٍّ، حَذَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِهِمَا
عَنْ سُفْيَانَ: وَمَا شَبِعْنَا مِنَ الأَسْوَدَيْنِ).

١٥٢
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدم في ((الإيمان)) ١١٧/٤.
٢ - (الأَشْجَعِيُّ) عبيد الله بن عبيد الرحمن الكوفيّ [٩]، تقدم في
(الإيمان)) ١٤٦/١٠.
٣ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ) الجهضميّ البصريّ [١٠]، تقدم في ((المقدمة)) ٣٠/٥.
٤ - (أَبُو أَحْمَدَ) محمد بن عبد الله بن الزبير الأسديّ الزبيريّ
الكوفيّ [٩]، تقدم في ((الإيمان) ٣١٤/٥٠.
٥ - (سُفْيَانُ) الثوريّ، تقدم قريباً.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ) الضمير للأشجعيّ، وأبي أحمد.
وقوله: (وَمَا شَبِعْنَا مِنَ الأَسْوَدَيْنِ) هكذا في هذه الرواية: ((ما شبعنا))،
وهي مخالفة للرواية التي قبلها: ((وقد شبعنا إلخ))، وهي رواية الجماعة، قال
الحافظ: والصواب رواية الجماعة، فقد أخرجه أحمد، ومسلم أيضاً من طريق
داود بن عبد الرحمن، عن منصور بلفظ: ((حين شبع الناس)). انتهى.
والحاصل: أن الصواب لفظ: ((وقد شبعنا من الأسودين))، فتنبّه، والله
تعالى أعلم.
[تنبيه]: أما رواية الأشجعيّ عن سفيان الثوريّ، فقد ساقها الطبريّ ◌َّهُ
في ((تهذيب الآثار))، فقال:
(٤٦٣) - حدّثنا أبو كريب، قال: حدّثنا الأشجعيُّ، عن سفيان، عن
منصور ابن صفية، عن أمه، عن عائشة رضيؤها قالت: ((قُبض رسول الله وَلِهِ، وما
شبعنا من الأسودين: من التمر، والماء)). انتهى(١).
وأما رواية أبي أحمد الزبيريّ، عن الثوريّ، فقد ساقها ابن سعد تَخُّْ في
((الطبقات))، فقال:
أخبرنا محمد بن عبد الله الأسديّ(٢)، أخبرنا سفيان، عن منصور ابن
صفية، عن أمه، عن عائشة ﴿ّا قالت: ((تُوفي رسول الله وَّه، وما شبعنا من
الأسودین)). انتهى(٣).
(١) ((تهذيب الآثار)) ٢٧٦/١.
(٣) ((الطبقات الكبرى)) ١/ ٤٠٧.
(٢) هو: أبو أحمد الزبيريّ.

١٥٣
(٢) - بَابُ ذِكْرٍ مَعِيشَةِ آلِ النَّبِيِّ ◌َّارِ ـــ حديث رقم (٧٤٢٧)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٢٧] (٢٩٧٦) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَا: حَدَّثَنَا
مَرْوَانُ - يَعْنِيَانِ الْفَزَارِيَّ - عَنْ يَزِيدَ - وَهُوَ ابْنُ كَيْسَانَ - عَنْ أَبِي حَازِمِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ - وَقَالَ ابْنُ عَبَّادٍ: وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرِّيْرَةَ بِيَدِهِ -
مَا أَشْبَعَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَهْلَهُ ثَلاثَةَ أَيَّامُ(١) تِبَاعاً مِنْ خُبْزِ حِنْطَةٍ، حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ :
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ) بن الزِّبْرقان المكيّ، نزيل بغداد [١٠]، تقدم في
((المقدمة)) ١٩/٤.
[تنبيه]: ذكر الحافظ الجيّانيّ أنه وقع في نسخة ابن الحذّاء، عن ابن
ماهان: ((حدّثنا محمد بن غسّان، وابن أبي عمر، جعل غسّان موضع عبّاد،
وهو وهمٌّ، والصواب: محمد بن عبّاد، وهو المكيّ)). انتهى(٢).
٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ
المكيّ [١٠]، تقدم في ((المقدمة)) ٣١/٥.
٣ - (مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ) ابن معاوية أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل مكة، ثم
دمشق [٨]، تقدم في ((الإيمان)) ١٣٨/٨.
٤ - (يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ) اليشكريّ الكوفيّ، [٦]، تقدم في ((الإيمان)) ١٤٢/٩.
٥ - (أَبُو حَازِم) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ [٣]، تقدم في ((الإيمان)) ٩/ ١٤٢.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَّةَ) رَُّه، تقدم في ((المقدمة)) ٤/٢.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) تَبه؛ أنه (قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) فيه إثبات صفة
اليد لله تعالى على ما يليق بجلاله، فنثبتها على ظاهرها، من غير تمثيل، ولا
تعطيل، ولا تأويل، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّادٍ)؛ يعني: شيخه الأول، وهو محمد بن عبّاد في روايته، (وَالَّذِي
نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ)؛ أي: قاله بالاسم الظاهر بدل قول ابن أبي عمر:
((والذي نفسي بيده) بالضمير. (مَا) نافية، (أَشْبَعَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ أَهْلَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّام)
(١) وفي نسخة: ((ثلاث ليال)).
(٢) ((تقييد المهمل)) ٩٣٦/٣.

١٥٤
البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
وفي بعض النسخ: ((ثلاث ليال))، والمعنى واحد؛ لأن المقصود: ثلاثة أيام
بلياليها، (تِبَاعاً) بكسر التاء؛ أي: متتابعة متوالية، (مِنْ خُبْزِ حِنْطَةٍ، حَتَّى فَارَقَ
الدُّنْيَا)؛ أي: إلى أن مات رسول الله وَّ، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة تظلبه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٤٢٧/٢ و٧٤٢٨] (٢٩٧٦)، و(البخاريّ) في
((الأطعمة)) (٥٤١٤)، و(الترمذيّ) في ((الزهد)) (٢٣٥٨)، و(ابن ماجه) في
((الأطعمة)) (٣٣٨٦)، و(أحمد) في ((مسنده)) (٤٣٤/٢)، و(أبو يعلى) في
((مسنده)) (٢٨٥/٢)، و(ابن حبان) في ((صحيحه)) (٦٣٤٦)، و(البغويّ) في
((شرح السُّنَّة)) (٢٨٤/١٤)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٢٨] ( ... ) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ
يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ، حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ قَالَ: رَأَيْتُّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُشِيرُ بِإِصْبَعِهِ مِرَاراً،
يَقُولُ: وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِّهِ، مَا شَبِعَ نَبِيُّ اللهِ وَّهِ وَأَهْلُهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ تِبَاعاً
مِنْ خُبْزِ حِنْطَةٍ، حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون السمين البغداديّ [١٠]، تقدم في
((الإيمان)) ١٠٤/١.
٢ - (يَحْبَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان البصريّ [٩]، تقدم في ((المقدمة)) جـ١ ص٣٨٥.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (يُشِيرُ بِإِصْبَعِهِ مِرَاراً) لم يبيّن جهة الإشارة، ولعله يشير إلى جهة
قبر النبيّ وَّه، أو إلى السماء إشارة إلى علوّ الله وَت، والله تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفَّى قبله، ولله الحمد والمنّة.

١٥٥
(٢) - بَابُ ذِكْرٍ مَعِيشَةِ آلِ النَّبِيِّ وَّرِ - حديث رقم (٧٤٢٩)
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَقُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٢٩] (٢٩٧٧) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ،
قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ:
أَلَسْتُمْ فِي طَعَام وَشَرَابٍ مَا شِئْتُمْ؟ لَقَدْ رَأَيْتُ نَبِيَّكُمْ بِهِ، وَمَا يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ مَا
يَمْلُ بِهِ بَطْنَهُ. وَّقُتَيْبَةُ لَمْ يَذْكُرْ: بِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (أَبُو الأَخْوَصِ) سلّام بن سُليم الحنفيّ الكوفيّ [٧]، تقدم في
((الإيمان)) ١١٥/٤.
٢ - (سِمَاك) بن حرب أبو المغيرة الكوفيّ [٤]، تقدم في ((الإيمان)) ٣٦٥/٦٤.
٣ - (التُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ) بن سعد الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ ,
ـيّ،
تقدم في ((الإيمان)) ٩٧/ ٥٢٢.
والباقيان ذُكرا في الباب وقبله.
شرح الحديث:
(عَنْ سِمَاك) بن حرب؛ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ التُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ) ﴿يَا (يَقُولُ:
أَسْتُمْ) الخطاب للصحابة بعده وَِّ، أو للتابعين، (فِي طَعَام وَشَرَابٍ مَا شِئْتُمْ؟) قال
الطيبيّ تَخْتُ: صفة مصدر محذوف؛ أي: ألستم منغمسین فيَّ طعام وشراب مقدار ما
شئتم من التوسعة، والإفراط فيه، فـ((ما)) موصولة، ويجوز أن تكون مصدرية. انتهى.
ويَحْتَمِل أن تكون ((ما)) استفهامية بدلاً من ((طعام، وشراب))؛ أي: أيّ
شيء شئتم منهما، والكلام فيه تعيير، وتوبيخ، ولذلك أتبعه بقوله: ((رأيت
نبيكم))، وأضافه إليهم للإلزام حين لم يقتدوا به وَّير في الإعراض عن الدنيا،
ومستلذاتها، وفي التقلل لمشتهياتها، من مأكولاتها، ومشروباتها .
وأما قتل خالد نظُّه مالك بن نويرة لمّا قال له: كان صاحبكم يقول كذا، فقال
خالد: هو صاحبنا، وليس بصاحبك، فقتله، فهو لم يكن لمجرد هذه اللفظة، بل
لأنه بلغه عنه الردة، وتأكد ذلك عنده بما أباح له به الإقدام على قَتْله في تلك الحالة.
ثم قوله: ((رأيت)) إن كان بمعنى النظر فقوله: ((وما يجد من الدقل)) حال،
وإن كان بمعنى العلم فهو مفعول ثان، وأدخل الواو تشبيهاً له بخبر ((كان))

١٥٦
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
وأخواتها على مذهب الأخفش، والكوفيين، كذا حققه الطيبيّ تَظُّهُ. قال
القاريّ: والأول هو المعوَّل. انتهى(١).
(لَقَدْ) بفتح لام القسم؛ أي: والله لقد (رَأَيْتُ نَبِيَّكُمْ وَِّ، وَ) الحال أنه
(مَا) نافية، (يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ) بفتحتين: التمر الرديء، ويابسه، وما ليس له اسم
خاصّ، فتراه لِيُبسه، ورداءته لا يجتمع، ويكون منثوراً على ما في (النهاية))،
وقوله: (مَا يَمْلأُ بِهِ بَطْنَهُ) مفعول ((يجد))، و((ما)) موصولة، أو موصوفة، و((من
الدقل)) بيان لـ((ما)) قُدِّم عليه.
وقوله: (وَقُتَيْبَةُ لَمْ يَذْكُرْ بِهِ) بيّن به الاختلاف الواقع بين شيخيه: قتيبة،
وابن أبي شيبة، في لفظ ((به))، فقتيبة لم يذكره في روايته، بل اقتصر على قوله:
((ما يملأ بطنه))، وابن أبي شيبة ذكره، فقال: ((ما يملأ به بطنه))، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث النعمان بن بشير طهّ هذا من أفراد المصنّف تَخّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٤٢٩/٢ و٧٤٣٠ و٧٤٣١] (٢٩٧٧ و ٢٩٧٨)،
و(الترمذيّ) في ((الزهد)) (٢٣٧٢)، و(ابن ماجه) في ((الزهد)) (٤١٤٦)، و(هنّاد بن
السريّ) في ((الزهد)) (٧٢٧)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (٢٢٤/١٣)، و(أحمد)
في ((مسنده)) (٢٦٨/٤)، و(ابن سعد) في ((الطبقات)) (٤٠٦/١)، و(ابن حبّان) في
((صحيحه)) (٦٣٤٠ و٦٣٤١ و٦٣٤٢)، و(أبو الشيخ) في ((أخلاق النبيّ وَّ)
(ص٢٧٥)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (٣٧٢/١٤)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف دَّثُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٣٠] (.) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا
زُهَيْرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمُلَائِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، كِلَاهُمَا
عَنْ سِمَاكٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ زُهَيْرٍ: وَمَا تَرْضَوْنَ دُونَ أَلْوَانٍ
الثَّمْرِ وَالزُّبْدِ).
(١) ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح)) ٤٤٦/١٢.

١٥٧
(٢) - بَابُ ذِكْرِ مَعِيشَةِ آلِ النَّبِيِّ ◌َلّ - حديث رقم (٧٤٣٠)
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع) القشيريّ مولاهم، أبو عبد الله النيسابوريّ [١١]،
تقدم في ((المقدمة)) ١٨/٤.
٢ - (يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان الأمويّ مولاهم الكوفيّ، من كبار [٩]،
تقدم في ((المقدمة)) ٢٤/٤.
٣ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُديج الجعفيّ الكوفيّ [٧]، تقدم في
((المقدمة)) ٦/ ٦٢.
٤ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن راهويه المروزيّ [١٠]، تقدم في ((المقدمة))
٢٨/٥.
٥ - (الْمُلَائِيُّ) أبو نعيم الفضل بن دُكين التميميّ الكوفيّ [٩]، تقدم في
((المقدمة)) ٦/ ٩١.
[تنبيه]: قوله: ((الْمُلَائِيُّ)) بضمّ الميم: نسبة إلى الملاءة التي تستتر بها
النساء، قال ابن الأثير: كان أبو نعيم شريك عبد السلام بن حرب الملائي في
دكان يبيعان الملاء. انتهى(١).
٦ - (إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ [٧]، تقدم في
((الطهارة)) ٥٤٢/٢.
و((سماك بن حرب)) ذُكر قبله.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ سِمَاكِ) الضمير لزهير بن معاوية، وإسرائيل بن يونس.
وقوله: (وَمَا تَرْضَوْنَ دُونَ أَلْوَانِ الثَّمْرِ وَالزُّبْدِ) أراد به أنه لنَّ مضى
لسبيله، والحال أنه ما كان يجد ما يملأ بطنه من رديء التمر، وأنتم الآن
تأكلون، وتشربون ما اشتهيتم، ولا تكتفون بلون واحد من ألوان الطعام، بل
تجمعون أنواعاً عديدة في مائدة واحدة، وغرضه ذمّهم وتوبيخهم على تركهم
الاقتداء بنبيّهم ◌َّ في الزهد، والتقلّل من الدنيا.
وقوله: (وَالزُّبْدِ) بضمّ الزاي، وسكون الموحّدة، وزانُ قُفل: ما يُستخرج
بالْمَخْض من لبن البقر والغنم، وأما لبن الإبل فلا يُسمّى ما يُستخرج منه زُبْداً،
(١) ((اللباب في تهذيب الأنساب)) ٢٧٧/٣ - ٢٧٨.

١٥٨
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
بل يقال له: حُباب، قاله الفيّوميّ كَذُّهُ(١).
[تنبيه]: أما رواية زهير بن معاوية، عن سماك بن حرب فقد ساقها الإمام
أحمد تَخْتُ في ((مسنده))، فقال:
(١٨٣٨٢) - حدّثنا أبو كامل، ثنا زهير، ثنا سماك بن حرب، ثنا
النعمان بن بشير، يقول على منبر الكوفة: والله ما كان النبيّ وَل﴾، أو قال:
نبيكم؛ يشبع من الدَّقَل، وما ترضون دون ألوان التمر، والزُّبْد. انتهى (٢) .
وقال ابن سعد في ((الطبقات)):
أخبرنا الفضل بن دُكين، والحسن بن موسى قالا: أخبرنا زهير، عن
سماك، قال: سمعت النعمان بن بشير يقول على المنبر: ما كان النبيّ وَلّه، أو
نبيكم يشبع من الدَّقَل، وما ترضون دون ألوان التمر، والزُّبْد، قال الحسن بن
موسى في حديثه: وألوان الثياب. انتهى(٣).
وأما رواية إسرائيل عن سماك، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُهُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٣١] (٢٩٧٨) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ
الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، قَالَ:
سَمِعْتُ النُّعْمَانَ يَخْطُبُ قَالَ: ذَكَرَ عُمَرُ مَا أَصَابَ النَّاسُ مِنَ الدُّنْيَا، فَقَالَ: لَقَدْ
رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ يَظَلُّ الْيَوْمَ يَلْتَوِي، مَا يَجِدُ دَقَلاً يَمْلأُ بِهِ بَطْنَهُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلهم تقدّموا، و((عمر)) هو: ابن الخطّاب
.
مضرعنه
شرح الحديث:
(عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ)؛ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ) بن بشير ◌ًَّا، حال
كونه (يَخْطُبُ قَالَ) النعمانَ في خطبته (ذَكَرَ عُمَرُ) بن الخطّابِ رَبُه، هذا صريح
(١) ((المصباح المنير)) ٢٥٠/١.
(٢) ((مسند الإمام أحمد بن حنبل)) ٢٦٨/٤.
(٣) ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد ٤٠٦/١.
An

١٥٩
(٢) - بَابُ ذِكْرٍ مَعِيشَةِ آلِ النَّبِّ وَّهِ - حديث رقم (٧٤٣١)
في أن النعمان بنظُه يحكي هذا الكلام عن عمر نظُه، وهو خلاف الرواية
السابقة، فإنه خطب به من عند نفسه، ولا تعارض؛ لإمكان حمله على أنه
خطب مرّتين، مرّة ذكره عن عمر، ومرّة خطب به من عند نفسه، والله تعالى
أعلم .
وقوله: (مَا أَصَابَ النَّاسُ) ((ما)) موصولة مفعول ((ذَكَر))، و((الناسُ)) مرفوع
على الفاعليّة لـ((أصاب))؛ أي: ذكر عمر بظلاله ما حصل للناس، وتجمّع لديهم
(مِن) أنواع لذاتٍ (الدُّنْيَا) وشهواتها، (فَقَالَ) عمر ◌َظُهُ: (لَقَدْ رَأَيْتُ
رَسُولَ اللهِ وَِّ يَظَلَّ) بفتح أوله، وثالثه، وتشديد اللام، يقال: ظَلّ يفعل كذا
يَظَلُّ، من باب تَعِبَ ظُلُولاً: إذا فعله نهاراً، قال الخليل: لا تقول العرب: ظلّ
إلا لعمل يكون بالنهار، ذكره الفيّوميّ(١).
قال الجامع عفا الله عنه: قذ ذكر في ((التاج))(٢) أن ظلّ يأتي بمعنى صار،
ويُستعمل في غير النهار، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (الْيَوْمَ) منصوب على الظرفيّة متعلّق بـ(يظلّ))، حال كونه (يَلْتَوِي)؛
أي: يتقلّب ظهراً لبطن من الجوع، (مَا يَجِدُ دَقَّلاً) بفتحتين رديء التمر، (يَمْلأُ
بِهِ بَطْنَهُ) الشريف بَّهِ، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمر ظُه هذا من أفراد المصنّف ◌َخْذَّتُهُ.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٧٤٣١/٢] (٢٩٧٨)، و(الترمذيّ) في ((الزهد))
عقب الحديث الماضي معلقاً (٢٣٧٢)، و(ابن ماجه) في ((الزهد)) (٤١٤٦)،
و(أحمد) في («مسنده)) (٢٤/١) وفي ((الزهد)) (ص٣٠)، و(ابن سعد) في
((الطبقات)) (٤٠٥/١ - ٤٠٦)، و(ابن حبان) في ((صحيحه)) (٦٣٤٢)، والله
تعالى أعلم.
(١) ((المصباح المنير)) ٣٨٦/٢.
(٢) (تاج العروس من جواهر القاموس)) ص٧٢٨٤.

١٦٠
البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُ أوّلَ الكتاب قال:
[٧٤٣٢] (٢٩٧٩) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْح،
أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو هَانِيٍ، سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ يَقُولُ:
سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ: فَقَالَ: أَلَسْنَا مِنْ فُقَرَاءِ
الْمُهَاجِرِينَ؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ: أَلَكَ امْرَأَةٌ تَأْوِي إِلَيْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَلَكَ
مَسْكَنٌ تَسْكُنُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَنْتَ مِنَ الأَغْنِيَاءِ، قَالَ: فَإِنَّ لِي خَادِماً، قَالَ:
فَأَنَّتَ مِنَ الْمُلُوكِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَجَاءَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ،
وَأَنَا عِنْدَهُ، فَقَالُوا: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، إِنَّا وَاللهِ مَا نَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ، لَا نَفَقَةٍ، وَلَا دَابَّةٍ،
وَلَا مَتَاعٍ، فَقَالَ لَهُمْ: مَا شِئْتُمْ، إِنْ شِئْتُمْ رَجَعْتُمْ إِلَيْنَا، فَأَعْطَيْنَاكُمْ مَا يَسَّرَ اللهُ لَكُمْ،
وَإِنْ شِئْتُمْ ذَكَرْنَا أَمْرَكُمْ لِلسُّلْطَانِ، وَإِنْ شِئْتُمْ صَبَرْتُمْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَل
يَقُولُ: ((إِنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ يَسْبِقُونَ الأَغْنِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الْجَنَّةِ بِأَرْبَعِينَ
خَرِيفاً))، قَالُوا: فَإِنَّا نَصْبِرُ لَا نَسْأَلُ شَيْئاً).
رجال هذا الإسناد: خمسة :
١ - (أَبُو هَانِيٍ) حميد بن هانئ الْخَوْلانيّ المصريّ، لا بأس به [٥] وهو
أكبر شيخ لابن وهب (ت١٤٢) (بخ م ٤) تقدم في ((المقدمة)) ١٥/٤.
٢ - (أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيُّ) - بضم الحاء المهملة، والموحّدة -
عبد الله بن يزيد الْمَعَافريّ ثقة [٣] مات سنة مائة بإفريقية (بخ م ٤) تقدم في
((الزكاة)) ٢٤٢٦/٤٢.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف نَظُهُ، وأنه مسلسل بالمصريين من أوله إلى
آخره، ومسلسل بالتحديث، والإخبار، والسماع من أوله إلى آخره، وفيه رواية
تابعيّ عن تابعيّ، وأنه صحابيّ ابن صحابيّ ◌ًَّا، وهو أحد العبادلة الأربعة.