النص المفهرس
صفحات 121-140
(١) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الدُّنَا سِجْنَ الْمُؤْمِنِ، وَهَوَانِهَا عَلَى الهِ تَعَالَى ... إلخ - حديث رقم (٧٤٠٩) ١٢١ ٢ - (ومنها): استحباب ضرب المَثَل لإيضاح المسألة. ٣ - (ومنها): إثبات سؤال الله من عباده عن أداء شكر ما أنعم به عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ عليهم، كما قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر: ٩٢، ٩٣]. ٩٣ ٤ - (ومنها): إثبات شهادة الأعضاء على ما فعله العبد، وقد جاء هذا في آيات كثيرة، كقوله رَّ: ﴿يَوَّمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَيْدِهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [النور: ٢٤، ٢٥ يَوْمَيِذٍ يُوَفِيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ٢٥]، وقوله: ﴿اَلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَ أَفْوَدِهِمْ وَتُكَلِمُنَّا أَيْدِيِهِمْ وَقَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُواْ (٣٥)﴾ [يس: ٦٥]، وقوله: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعَّكُمْ وَلَاَ يَكْسِبُونَ أَبْصَرَّكُمْ وَلَا جُلُودُّكُمْ﴾ [فصلت: ٢٢] إلى غير ذلك من الآيات، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٠٩] (٢٩٦٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ بْنِ أَبِي النَّضْرِ، حَدَّثَنِي أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ الأَشْجَعِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدٍ الْمُكْتِبِ، عَنْ فُضَيْلَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَضَحِكَ، فَقَالَ: ((هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أَضْحَك؟))، قَالَ: قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: (مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ، يَقُولُ: يَا رَبِّ أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْم؟ قَالَ: يَقُولُ: بَلَى، قَالَ: فَيَقُولُ: فَإِنِّي لَا أُجِيزُ عَلَى نَفْسِي إِلَّا شَاهِداً مِنِّي، قَالَ: فَيَقُولُ: كَفَى (١) بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيداً، وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ شُهُوداً، قَالَ: فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ، فَيُقَالُ لأَرْكَانِهِ: انْطِقِي، قَالَ: فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ، قَالَ: ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ، قَالَ: فَيَقُولُ: بُعْدَاً لَكُنَّ، وَسُحْقاً، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ ◌ُنَاضِلُ))). رجال هذا الإسناد: ثمانية: ١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضْرِ بْنِ أَبِي النَّضْرِ) البغداديّ، وقد يُنسب لجدّه، (١) وفي نسخة: ((فكفى بنفسك عليك)). ١٢٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق اسمه وكنيته واحد، وقيل: اسمه محمد، وقيل: أحمد، ثقة [١١] (ت٢٤٥) (م ت س) تقدم في ((المقدمة)) ٣٦/٦. ٢ - (أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِم) بن مسلم الليثيّ مولاهم، البغداديّ، مشهور بكنيته، ولقبه قيصر، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت٢٠٧) وله ثلاث وسبعون سنةً (ع) تقدم في ((المقدمة)) ٣٦/٦. ٣ - (عُبَيْدُ اللهِ الأَشْجَعِيُّ) هو: عبيد الله بن عبيد الرحمن، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ مأمون، أثبت الناس كتاباً في الثوريّ، من كبار [٩] (ت١٨٢) (خ م ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ١٤٦/١٠. ٤ - (سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ) بن سعيد الكوفيّ [٧] تقدّم قريباً. ٥ - (عُبَيْدٌ الْمُكْتِبِ) هو: عبيد بن مِهْران الكوفيّ، ثقة [٥]. روى عن ابن الطفيل، ومجاهد، وفضيل بن عمرو الفُقيميّ، والشعبيّ، وأبي رَزين الأسديّ. وروى عنه السفيانان، وجرير، وشريك، وعبد الواحد بن زياد، وفضيل بن عیاض، وغيرهم. قال ابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: ثقةٌ صالح الحديث، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال ابن سعد: كان ثقةً قليل الحديث، ووثقه يعقوب بن سفيان، وقال العجليّ: ثقة، في عداد الشيوخ. أخرج له المصنّف، وأبو داود في ((الناسخ والمنسوخ))، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٦ - (فُضَيْلُ) بن عمرو الْفُقيميّ - بالفاء، والقاف، مصغراً - أبو النضر الكوفيّ، ثقة [٦] (ت١١٠) (م قد ت س ق) تقدم في ((الإيمان)) ٤٠٥/٧٨. ٧ - (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شراحيل الكوفيّ [٣]، تقدّم قريباً. ٨ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكِ) رَبُّه، ذُكر في الباب. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من ثمانيّات المصنّف تَّتُهُ، وأنه مسلسل بالكوفيين من عبيد الله، سوى أنس، فبصريّ، والباقيان بغداديان، وفيه أنس ظُه من المكثرين السبعة. ١٢٣ (١) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الدُّنَا سِجْنَ الْمُؤْمِنِ، وَهَوَانِهَا عَلَى اللّهِ تَعَالَى ... إلخ - حديث رقم (٧٤٠٩) شرح الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ) وَظُبه؛ أنه (قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ وَِّ، فَضَحِكَ) النبيّ بَّهِ (فَقَالَ: ((هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ؟)))؛ أي: من أيّ شيء أضحك؟، وفيه إيماء إلى أنه لا ينبغي الضحك إلا لأمر غريب، وحكم عجيب، (قَالَ) أنس: (قُلْنَا) معاشر الصحابة الحاضرين مجلس النبيّ وَّر حين حدّث بهذا الحديث: (اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ) وَلِّ: ((مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ)؛ أي: أضحك من أجل مخاطبة العبد ربه وَالَ، ثم بيّن مخاطبته بقوله: (يَقُولُ) العبد لربه: (يَا رَبِّ أَلَمْ تُجِرْنِي) من الإجارة؛ أي: ألم تجعلني في إِجارة منك، بقولك: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾، والمعنى ألم تؤمِّنِّي (مِنَ الظَّلْم؟)؛ أي: من أن تظلمني؟ (قَالَ) وَلِ: (يَقُولُ) الربّ ◌َ: (بَلَى) قد آجرتكَ، وأمّنتك من ظلمي إياك، (قَالَ) ◌َّهِ: (فَيَقُولُ) العبد لربه: (فَإِنِّي لَا أُجِيزُ) بضمّ الهمزة، من الإجازة؛ أي: لا أحلّ، ولا أقبل (عَلَى نَفْسِي إِلَّا شَاهِداً مِنِّي)؛ أي: من جنسي؛ لأن الملائكة شهدوا علينا بالفساد قبل الإيجاد. (قَالَ) وَلَهِ: (فَيَقُولُ) الله رَحَت: (كَفَى) وفي نسخة: ((فكفى)) (بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْك)، وقوله: (شَهِيداً) نُصِب على الحال، و((عليك)) معموله تقدم عليه؛ للاهتمام، والاختصاص، والباء زائدة في فاعل ((كفى))، و((اليوم)) ظرف له، أو لـ((شهيد))، (وَبِالْكِرَام)؛ أي: وكفى بالعدول المكرمين (الْكَاتِينَ) لصحف الأعمال الذين ﴿لَا يَعْصُوَنَ اَللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمِّرُونَ﴾ [التحريم: ٦] (شُهُوداً) بالضمّ: جمع شاهد. قال الطيبيّ تَخْلُهُ: فإن قلت: دلّ أداة الحصر على أن لا يشهد عليه غيره، فكيف أجاب بقوله: ((كفى بنفسك، وبالكرام الكاتبين))؟. قلت: بذل له مطلوبه، وزاد عليه تأكيداً وتقريراً. انتهى(١). (قَالَ) بَّهِ: (فَيُخْتَمُ) بالبناء للمفعول، (عَلَى فِيهِ)؛ أي: فم العبد المذكور، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿الْيَّوْمَ نَخْتِمُ عَلَىَ أَفْوَدِهِمْ وَتُكَلِمُنَّا أَيْدِيِهِمْ وَتَشْهَدُ [يس: ٦٥]، وفي آية أخرى: ﴿يَوَمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ نور: ٢٤]، وفي رواية أخرى: أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيِهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (١) ((الكاشف عن حقائق السنن)) ٣٥٠٧/١١ - ٣٥٠٨. ١٢٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبَصَرُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٠]، وهذا معنى قوله هنا: (فَيُقَالُ لأَرْكَانِهِ)؛ أي: أعضائه، وقد تقدّم حديث أبي هريرة بظُه المذكور قبله: ((فيُختم على فيه، ويقال لفخذه، ولحمه، وعظامه: انطقي ... )). (انْطِقِي، قَالَ) وََّ: (فَتَنْطِقُ) أركانه (بِأَعْمَالِهِ)؛ أي: بكلّ ما عملته تلك الأركان، وارتكبته في الدنيا. (قَالَ) وَهِ: (ثُمَّ يُخَلَّى)؛ أي: يُترك (بَيْنَهُ)؛ أي: بين هذا العبد (وَبَيْنَ الْكَلَام)؛ أي: يُرفع الختم من فيه، حتى يتكلم بالكلام العاديّ، فشهادة ألسنتهم في الآية يراد بها نوع آخر من الكلام على خرق العادة، والله تعالى أعلم به. (قَالَ) وَلِهِ: (فَيَقُولُ) العبد لأركانه ذمّاً، وتوبيخاً لهنّ: (بُعْداً لَكُنَّ، وَسُحْقاً) بضم، فسكون، ويضمّتين؛ أي: هلاكاً، وهما مصدران ناصبهما مقدَّر، والخطاب للأركان؛ أي: ابعُدْن، واسحقن، (فَعَنْكُنَّ)؛ أي: عن قِبَلكنّ، ومن وجهتكنّ، ولأجل خلاصكنّ (كُنْتُ أُنَاضِلُ)))؛ أي: أجادل، وأخاصم، وأدافع على ما في ((النهاية))، وقال بعضهم: أي: أخاصم لخلاصكنّ، وأنتنّ تُلقين أنفسكن فيها، والمناضلة: المراماة بالسهام، والمراد هنا: المحاجة بالكلام، يقال: ناضل فلان عن فلان: إذا رمى عنه، وحاجّ، وتكلم بعذر، ودفع عنه. وقال القاري تَخُّْهُ: وجوابهن محذوف دلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدُمْ عَلَيْنًا قَالُواْ أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِىّ أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةِ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَئِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعَّكُمْ وَلَ أَبْصَّكُمْ وَلَا جُلُكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (®] وَلَكِن ◌َظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٣) وَذَلِكُمْ ظَتْكُ الَّذِىِ ظَنَنْتُم بِرَبَّكُمْ [فصلت: ٢١ - ٢٣]، والله تعالى أعلم. أَرْدَ انَكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَسِرِينَ مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك ظُه هذا من أفراد المصنّف رَّتُهُ . [تنبيه]: تكلّم الحافظ أبو الفضل بن عمّار الشهيد تَخْتُ في هذا الحديث، فقال: ووجدت فيه - أي: في ((صحيح مسلم)) - حديث الأشجعيّ، عن سفيان، عن عُبيد المكتب، عن فُضيل بن عمرو الْفُقيميّ، عن الشعبيّ، عن أنس بن ١٢٥ (١) - بَابُ بَيَانِ كَوْنِ الدُّنَا سِجْنَ الْمُؤْمِنِ، وَهَوَانِهَا عَلَى اللهِتَعَالَى ... إلخ - حديث رقم (٧٤٠٩) مالك، قال: ((كنا عند النبيّ وَيُّه، فضحك، فقال: ضحكت من مخاطبة العبد ربه)) الحديث، قال: فهذا حديث رواه الأشجعيّ، وأبو عامر الأسديّ، عن الثوريّ، بهذا الإسناد، ورواه شريك بن عبد الله، عن عُبيد المكتب، عن الشعبيّ، عن أنس، ولم يذكر في إسناده فضيل بن عمرو، ورواه عمارة بن القعقاع، عن الشعبيّ، عن النبيّ وَّ، ولم يذكر أنساً، ولا يُعرف بهذا الإسناد حديث غير هذا، وذِكر الشعبيّ عن أنس شيء يسير. انتهى كلام ابن عمّار دَخَذْتُهُ(١). قال الجامع عفا الله عنه: خلاصة ما أشار إليه ابن عمار تَخْتُ إعلال هذا الحديث بالاضطراب، وذلك أن الأشجعيّ رواه متّصلاً، وتابعه عليه أبو عامر الأسديّ - واسمه مهران بن أبي عمر - وخالفهما شريك بن عبد الله، فأسقط من الإسناد فضيل بن عمرو، وخالف الجميع عمارة بن القعقاع، فرواه مرسلاً، هذا خلاصة إعلاله. والجواب عن مسلم تَّتُهُ أن يقال: إن هذا الاختلاف لا يضرّ؛ لأن الأشجعيّ حافظ حجة، ولا سيّما في الثوريّ، فلا يؤثّر فيه مخالفة غيره له، ولا سيّما مع متابعة أبي عامر الأسديّ له، ومخالفة مثل شريك المطعون في حفظه، وكذا إرسال عمارة بن القعقاع لا يضرّ؛ لأنه ليس مثله في الحفظ. وقد وافق مسلماً في تصحيح رواية الأشجعيّ أبو زرعة الرازيّ، فقد ذكر ابن أبي حاتم في ((العلل)) (٢٨٥/٣) قال: وسئل أبو زرعة عن حديث رواه سفيان عن عُبيد المكتب عن فضيل بن عمرو الفقيميّ، عن الشعبيّ، عن أنس، قال: ضحك النبيّ وَّل حتى بدت نواجذه، ثم قال: ((أتدرون مم أضحك ... )) وذكر الحديث، ثم قال: ورواه شريك عن عبيد المكتب عن الشعبيّ، عن أنس، عن النبيّ وَ ﴿، فقيل لأبي زرعة: أيهما أصحّ؟ قال: حديث سفيان. انتھی . والحاصل: أن الحديث صحيح، ولا أثر للمخالفة المذكورة، كما صححه مسلم، وأبو زرعة، فتنبّه، والله تعالى أعلم. (١) ((علل الأحاديث في كتاب صحيح مسلم)) ص١٥٦ - ١٥٨. ١٢٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٤٠٩/١] (٢٩٦٩)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (٥٠٨/٦)، و(أبو بعلى) في ((مسنده)) (٣٩٧٥ و٣٩٧٧)، و(ابن حبّان) في (صحيحه)) (٧٣٥٨)، و(البيهقيّ) في ((شعب الإيمان)) (٢٤٩/١)، ((الأسماء والصفات)) (ص٢١٧ - ٢١٨)، وفوائده تقدّمت في الحديث الماضي، وبالله تعالى التوفيق. ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَّتُ وَإِلَيْهِ أُنِبُ﴾ . (٢) - (بَابُ ذِكْرِ مَعِيشَةِ آلِ النَّبِيِّ ◌َّه) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤١٠] (١٠٥٥) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْل، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةً، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَلَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتً)). رجال هذا الإسناد: ستة: وكلهم تقدّموا غير مرّة. قال الجامع عفا الله عنه: حديث أبي هريرة ◌َُّّه هذا متّفقٌ عليه، وقد مضى للمصنّف في ((كتاب الزكاة)) برقم [٢٤٢٧/٤٢] (١٠٥٥) وتقدّم شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق. وقوله: (اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ)؛ أي: زوجاته، ومن في نفقته، أو هم مؤمنو بني هاشم والمطلب. وقوله: (قُوتاً)؛ أي: بُلغة، تسدّ رَمَقَهم، وتُمسك قوّتهم، بحيث لا ترهقهم الفاقة، وقال النوويّ كَّلُهُ: قيل: معنى قوتاً؛ أي: كفايتهم من غير إسراف، وهو بمعنى قوله في الرواية الأخرى: ((كفافاً))، وقيل: هو سدّ الرمق. (١) ٠ انتھی (١) ((شرح النوويّ)) ١٠٥/١٨ - ١٠٦. ١٢٧ (٢) - بَابُ ذِكْرٍ مَعِيشَةِ آلِ النَّبِيِّ ◌َلِ ـ حديث رقم (٧٤١٠) وقال القرطبيّ تَخْذُ: قوله وََّ: ((اللَّهُمَّ اجعل رزق آل محمد قوتاً))؛ أي: كفافاً، كما جاء في الرواية الأخرى، ويعني به: ما يقوت الأبدان، ويكفّ عن الحاجة، والفاقة، وهذا الحديث حجة لمن قال: إن الكفاف أفضل من الغنى، والفقر، وقد تقدَّمت هذه المسألة في ((الزكاة)). ووجه التمسك بهذا الحديث: أن النبيّ وَّه إنما يدعو لنفسه بأفضل الأحوال، وأيضاً فإنَّ الكفاف حالة متوسطة بين الغنى والفقر، وقد قال وَله: ((خير الأمور أوساطها))(١)، وأيضاً: فإنَّ هذه الحال سليمة من آفات الغنى، وآفات الفقر المدقع، فكانت أفضل منها، ثم إن حالة صاحب الكفاف حالة الفقير؛ إذ لا يترفه في طيّبات الدنيا، ولا في زهرتها، فكانت حاله إلى الفقر أقرب، فقد حصل له ما حصل للفقير من الثواب على الصبر، وكُفِيَ مرارته وآفاته. لا يقال: فقد كانت حالة رسول الله ◌َ﴿ الفقر الشديد المدقع، كما دلَّت عليه أحاديث هذا الباب وغيرها، ألا ترى أنه يطوي الأيام، ولا يشبع يومين متواليين، ويشدّ على بطنه الحجر من الجوع والحجرين، ولم يكن له سوى ثوب واحد، فإذا غسله انتظره إلى أن يجفّ، وربما خرج، وفيه بقع الماء، ومات ودرعه مرهونة في شعير لأهله، ولم يخلّف ديناراً ولا درهماً، ولا شاة، ولا بعيراً، ولا حاله في الفقر أشدّ من هذه، وعلى هذا فلم يكن حاله الكفافَ، بل: الفقر، فلم يُجبه الله تعالى في الكفاف؛ لعلمه بأن الفقر أفضل له؛ لأنَّا نقول: إن النبيّ وَّ قد جمع له حال الفقر، والغنى، والكفاف، فكان أول أحواله الفقر مبالغةً في مجاهدة النفس، وخطامها عن مألوفات عاداتها، فلما حصلت له مَلَكة ملَكَها، وتخلّص له خلاصة سَبَكها، خيّره الله تعالى في أن يجعل له جبال تهامة ذهباً، تسير معه حيث سار، فلم يلتفت إليها، وجاءته فتوحات الدنيا، فلم يعرّج عليها، بل صرفها، وانصرف عنها، حتى قال: ((ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخُمس، والخمس مردود فيكم)) (٢). وهذه حالة الغني الشاكر، ثم اقتصر من ذلك كله على قَدْر ما يردّ ضروراته، وضرورات (١) حديث ضعيف، كما ذكره العجلونيّ فى ((كشف الخفا)) ٤٦٩/١. (٢) حديث صحيح. ١٢٨ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق عياله، ويردّ حاجتهم، فاقتنى أرضه بخيبر، وكان يأخذ منها قوت عياله، ويدّخره لهم سنة، فاندفع عنه الفقر المدقع، وحصل الكفاف الذي دعا به، ثم إنه لما احتضر، وقف تلك الأرض على أهله؛ ليدوم لهم ذلك الكفاف الذي ارتضاه لنفسه، ولتظهر إجابة دعوته حتى في أهله من بعده، وعلى ذلك المنهج نهج الخلفاء الراشدون على ما تدلّ عليه سِيَرهم وأخبارهم، وعلى هذا فأهل الكفاف هم صدر كتيبة الفقراء الداخلين الجنّة قبل الأغنياء بخمسمئة عام؛ لأنَّهم وَسَطُهم، والوسط: العدل، وليسوا من الأغنياء كما قرّرناه، فاقتضى ذلك ما ذكرناه. انتهى كلام القرطبيّ تَخُّ(١)، وهو جيّد مفيد، والله تعالى أعلم. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَّتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤١١] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعُ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَيِ: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آٍَّ مُحَمَّدٍ قُوتاً))، وَفِي رِوَايَةٍ عَمْرٍو: ((اللَّهُمَّ ارْزُقْ))). رجال هذا الإسناد: تسعة: وكلهم تقدّموا غير مرّة، والحديث مضى القول فيه في الذي قبله. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َّهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤١٢] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ الأَعْمَشَ، ذَكَرَ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَْقَاعِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: ((كَفَافاً))). رجال هذا الإسناد: أربعة: وكلهم تقدّموا غير مرّة، و((أبو سعيد الأشجّ)) هو: عبد الله بن سعيد، أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، و((أبو أسامة)) هو: حماد بن أسامة. وقوله: (وَقَالَ: (كَفَافاً))) فاعل ((قال)) ضمير أبي أسامة. [تنبيه]: رواية أبي أسامة عن الأعمش هذه ساقها ابن راهويه تخلّتُهُ في ((مسنده))، فقال : (١) ((المفهم)) ٧/ ١٣٠ - ١٣٢. ١٢٩ (٢) - بَابُ ذِكْرٍ مَعِيشَةِ آلِ النَّبِّ وَلِ ـ حديث رقم (٧٤١٣) (١٧٥) - أخبرنا أبو أسامة، قال: سمعت الأعمش يحدّث عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة ظُه، عن رسول الله وسلّ قال: ((اللَّهُمَّ اجعل رزق آل محمد رَّ كَفَافاً)). انتهى(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َخْذَُّهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤١٣] (٢٩٧٠) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا شَبِعَ أَلُّ مُحَمَّدٍ وَِّ مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنْ طَعَامِ بُرِّ ثَلاَثَ لَيَالٍ ◌ِبَاعاً، حَتَّى قُبِضَ). رجال هذا الإسناد: سبعة: ١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، ثم البغداديّ [١٠] تقدّم في ((المقدمة)) ٣/٢. ٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه المرويّ [١٠] تقدّم في ((المقدمة)) ٢٨/٥. ٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ [٨] تقدّم في ((المقدمة)) ٥٠/٦. ٤ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر السلميّ، أبو عتّاب الكوفيّ [٦] تقدّم في ((شرح المقدمة)) ج١ ص٢٩٦. ٥ - (إِبْرَاهِيمُ) بن يزيد النخعيّ الكوفيّ [٥] تقدّم في ((المقدمة)) ٦/ ٥٢. ٦ - (الأَسْوَدُ) بن يزيد النخعيّ الكوفيّ [٢] تقدّم في ((الطهارة)) ٦٧٤/٣٢. ٧ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين ◌َُّهَا، تقدّمت في ((شرح المقدمة)) ج١ ص٣١٥. [تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد: أنه من سُداسيّات المصنّف تَخْتُهُ، وأنه مسلسل بالكوفيين غير شيخيه، كما أسلفته، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، أو ثلاثة روى بعضهم عن بعض على قول من جعل منصوراً تابعيّاً صغيراً، وفيه عائشة ؤها من المكثرين السبعة. (١) ((مسند إسحاق بن راهويه)) ٢١٩/١. ١٣٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق شرح الحديث : (عَنْ عَائِشَةَ) رِّ؛ أنها (قَالَتْ: مَا) نافية، (شَبِعَ) بكسر الموحّدة، كسَمِنَ، يقال: شَبِعَ شِبَعاً، بفتح الباء، وسكونُها تخفيف، وبعضهم يجعل الساكن اسماً لِمَا يُشْبَع به، من خبز، ولحم، وغير ذلك، فيقول: الرغيف شِبْعِي؛ أي: يُشبعني، ويتعدى إلى المفعول بنفسه، فيقال: شَبِعْتُ لحماً، وخبزاً، قاله الفيّوميّ(١). (ما شبع آلُ مُحَمَّدٍ وََّ) المراد: النبيّ ◌َّ وأهل بيته، وقوله: (مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ) يُخرج ما كانوا فيه قبل الهجرة، (مِنْ طَعَامِ بُرٍّ) يُخرج ما عدا ذلك من أنواع المأكولات، (ثَلَاثَ لَيَالٍ)؛ أي: بأيامها (تِبَاعاً) بكسر التاء، يُخرج التفاريق، وقوله: (حَتَّى قُبِضَ) بالبناء للمفعول إشارة إلى استمراره على تلك الحال مدة إقامته ولو بالمدينة، وهي عشر سنين بما فيها من أيام أسفاره، في الغزو، والحجّ، والعمرة. وزاد ابن سعد من وجه آخر عن إبراهيم: ((وما رُفع عن مائدته كسرة خبز فضلاً حتى قُبض))، ووقع في رواية الأعمش عن منصور فيه بلفظ: ((ما شبع رسول الله (َ﴾))، وفي رواية عبد الرحمن بن عابس، عن أبيه، عن عائشة رضيّا: ((ما شبع آل محمد من خبز برّ مأدوم))، وفي رواية عبد الرحمن بن يزيد، عن الأسود، عن عائشة ينا: ((ما شبع آل محمد وَله من خبز الشعير يومين متتابعين، حتى قُبض))، أخرجاه، وعند مسلم من رواية يزيد بن قُسيط، عن عروة، عن عائشة طفيًا: ((ما شبع رسول الله وَّ من خبز وزيت في يوم واحد مرتين))، ومن طريق مسروق عنها: ((والله ما شبع من خبز، ولحم في يوم مرتين)). وعند ابن سعد أيضاً من طريق الشعبيّ عن عائشة خيرًا: ((أن رسول الله وَله كانت تأتي عليه أربعة أشهر، ما يشبع من خبز البرّ)). وفي حديث أبي هريرة ظُه نحو حديث الباب، ذكره البخاريّ في ((الأطعمة)) من طريق سعيد المقبريّ عنه: ((ما شبع رسول الله وَه ثلاثة أيام تباعاً من خبز حنطة، حتى فارق الدنيا)). وأخرجه مسلم أيضاً عن أبي هريرة نظراته: ((خرج رسول الله ◌َ﴿ من الدنيا، ولم يشبع من خبز الشعير في اليوم الواحد غداءً وعشاءً)). وفي حديث سهل بن سعد رضيًا: ((ما شبع رسول الله وَّر شبعتين في يوم حتى فارق الدنيا))، أخرجه ابن سعد، والطبرانيّ. (١) ((المصباح المنير)) ٣٠٣/١. ١٣١ (٢) - بَابُ ذِكْرٍ مَعِيشَةِ آلِ النَّبِيِّ وَّرِ - حديث رقم (٧٤١٣) وفي حديث عمران بن حصين ظها: ((ما شبع من غداء، أو عشاء حتى لقي الله))، أخرجه الطبراني، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٤١٣/٢ و٧٤١٤ و٧٤١٥ و٧٤١٦ و٧٤١٧] (٢٩٧٠)، و(البخاريّ) في ((الأطعمة)) (٥٤١٦) و((الرقاق)) (٦٤٥٤)، و(الترمذيّ) في ((الزهد)) (٢٣٥٧)، و(النسائيّ) في ((الكبرى)) (١٥٠/٤)، و(ابن ماجه) في ((الأطعمة)) (٣٣٨٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٢٨/٦ و١٥٦)، و(ابن أبي شيبة) في (مصنّفه)) (١٣١/٧)، و(أبو يعلى) في ((مسنده)) (٣٣/٨ و٣٤)، و(ابن راهويه) في («مسنده)) (٨٨٠/٣)، و(البيهقيّ) في ((الكبرى)) (١٥٠/٢)، و(البغويّ) في ((شرح السُّنَّة)) (١٤ /٢٧٢)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما كان عليه النبيّ وَل﴾، وأهله من قلة المعيشة، فإن العيش عيش الآخرة. قال القرطبيّ تَخَّتُهُ: أحاديث هذا الباب كلها، وإن اختلفت ألفاظها تدلّ على أن النبيّ وَّر لم يكن يديم الشِّبَع، ولا الترفّه في العيش، لا هو، ولا من حوته بيوته، ولا آله، بل كانوا يأكلون ما خَشُن من المأكل الْعَلَق، ويقتصرون منه على ما يسدّ الرّمَق، معرضين عن متاع الدنيا، مُؤْثِرِين ما يبقى على ما يفنى، ثم لم يزل كذلك حالهم مع إقبال الدنيا عليهم، واجتماعها بحذافيرها لديهم، إلى أن وصلوا إلى ما طلبوا، وظَفِروا بما فيه رغبوا. انتهى(١). ٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه أهل بيت النبيّ وَّه، وأصحابه من الصبر على خشونة العيش؛ لأن مقصودهم التخفّف من تبعات الدنيا، حتى يصلوا إلى الآخرة، فيدخلوا الجنة قبل غيرهم ممن شغلتهم الدنيا، كما قال ◌َله: ((يدخل فقراء المؤمنين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم: خمسمائة سنة))، حديث صحيح. (١) ((المفهم)) ١٢٨/٧ - ١٢٩. ١٣٢ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق ٣ - (ومنها): ما قاله الطبريّ كَخَّلهُ: استَشكل بعض الناس كون النبيّ وَله وأصحابه كانوا يطوون الأيام جوعاً مع ما ثبت أنه كان يرفع لأهله قوت سَنَة، وأنه قَسَم بين أربعة أنفس ألف بعير، مما أفاء الله عليه، وأنه ساق في عمرته مائة بدنة، فنحرها، وأطعمها المساكين، وأنه أمر لأعرابي بقطيع من الغنم، وغير ذلك، مع من كان معه من أصحاب الأموال، كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، وغيرهم، مع بَذْلهم أنفسهم وأموالهم بين يديه، وقد أمر بالصدقة، فجاء أبو بكر بجميع ماله، وعمر بنصفه، وحثّ على تجهيز جيش العسرة، فجهّزهم عثمان رَظُّه بألف بعير، إلى غير ذلك. والجواب: أن ذلك كان منهم في حالة دون حالة، لا لِعِوز، وضِيْق، بل تارةً للإيثار، وتارة لكراهة الشبع، ولكثرة الأكل. انتهى. وتعقّبه الحافظ، فقال: وما نفاه مطلقاً فيه نظر؛ لِمَا تقدم من الأحاديث آنفاً، وقد أخرج ابن حبان في ((صحيحه)) عن عائشة رضيّا: ((من حدثكم أنّا كنّا نشبع من التمر، فقد كذبكم، فلما افتتحت قريظة أصبنا شيئاً من التمر، والودك))، وفي رواية عكرمة، عن عائشة: (لمّا فُتحت خيبر قلنا: الآن نشبع من التمر)). وفي حديث منصور بن عبد الرحمن، عن أمه صفية بنت شيبة، عن عائشة طوّا: ((توفي رسول الله (وَلو حين شبعنا من التمر)). وفي حديث ابن عمر ضًا: ((لمّا فُتحت خيبر شبعنا من التمر)). والحقّ أن الكثير منهم كانوا في حال ضِيق قبل الهجرة، حيث كانوا بمكة، ثم لمّا هاجروا إلى المدينة كان أكثرهم كذلك، فواساهم الأنصار بالمنازل، والمنائح، فلمّا فُتحت لهم النضير، وما بعدها رَدُّوا عليهم منائحهم. وقريب من ذلك قوله ◌َله: ((لقد أُخفت في الله، وما يُخاف أحد، ولقد أوذيت في الله، وما يؤذى أحد، ولقد أتت عليّ ثلاثون من يوم وليلة، ما لي ولبلال طعام يأكله أحد إلا شيء يواريه إبط بلال))، أخرجه الترمذيّ، وصححه، وكذا أخرجه ابن حبان بمعناه. نَعَم كان ◌ِّيم يختار ذلك مع إمكان حصول التوسع والتبسط في الدنيا له، كما أخرج الترمذيّ من حديث أبي أمامة: ((عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهباً، فقلت: لا يا رب، ولكن أشبع يوماً، وأجوع يوماً، فإذا جعْتُ ١٣٣ (٢) - بَابُ ذِكْرٍ مَعِيشَةِ آلِ النَّبِيِّ ◌َّرِ - حديث رقم (٧٤١٤ - ٧٤١٦) تضرعت إليك، وإذا شبعت شكرتك))، ذكر هذا كله في ((الفتح))(١). وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَُّ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤١٤] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا شَبِعَ رَسُولُ اللهِ هِ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ تِبَاعاً مِنْ خُبْزِ بُرٍّ، حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: وكلهم تقدّموا قريباً . وقوله: (حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ)؛ أي: إلى أن مات وَله. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفى قبله. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَلُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤١٥] ( .. ) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ، يُحَدِّثُ عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ وَّهِ مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ يَوْمَيْنٍ، مُتَتَابِعَيْنِ، حَتَّى قُبِضَ رَسُولُ اللهِ وََّ). رجال هذا الإسناد: ثمانية: وكلهم تقدّموا غير مرّة، و((أبو إسحاق)) هو: عمرو بن عبد الله السَّبِيعيّ. وقوله: (آل محمد)؛ أي: آل النبيّ وَّر، وأهله الأَدْنون، وعشيرته الأقربون، وقال في ((المُغرب)): وأهل الرجل: امرأته، وولده، والذين في عیاله، ونفقته(٢) . والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم البحث فيه مستوفَّى، ولله الحمد. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذُّ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤١٦] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، (١) ((الفتح)) ٥٩٠/١٤ - ٥٩١، ((كتاب الرقاق)) رقم (٦٤٥٤). (٢) ((فيض القدير)) ١٩٩/٥. ١٣٤ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ لَّهُ مِنْ خُبْزِ بُرِّ فَوْقَ ثَلَاثٍ). رجال هذا الإسناد: ستة : ١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَابِسٍ) - بموحّدة، ومهملة - ابن ربيعة النخعيّ الكوفيّ، ثقة [٤]. روى عن أبيه، وعمه مخرمة، وابن عباس، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وغيرهم. وروى عنه الثوريّ، وشعبة، وقيس بن الربيع، وغيرهم. قال ابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال العجليّ: ثقةٌ، وقال ابن خلفون: وثقه ابن نمير، وابن وضاح، وقال الصريفينيّ: مات سنة تسع عشرة ومائة. أخرج ه البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. ٢ - (أَبُوهُ) عابس - بموحّدة مكسورة، ثم مهملة - ابن ربيعة النخعيّ الكوفيّ، ثقة مخضرم [٢] (ع) تقدم في ((الحج)) ٣٠٧١/٣٨. والباقون ذُكروا قريباً، و(سفيان)) هو: الثوريّ. والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفّى، ولله الحمد. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف كَذَتُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤١٧] ( .. ) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاتٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِهِ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: مَا شَبَعَ آلُ مُحَمَّدٍ نَّهُ مِنْ خُبْزِ الْبُرِّ ثَلَاناً، حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلّهم تقدّموا غير مرّة. وقوله: (حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ)؛ أي: إلى أن مات وَله . والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى مستوفَّى، ولله الحمد. ١٣٥ (٢) - بَابُ ذِكْرٍ مَعِيشَةِ آلِ النَّبِيِّ ◌َلِّ - حديث رقم (٧٤١٨) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ◌َذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤١٨] (٢٩٧١) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ وَّهُ يَوْمَيْنٍ مِنْ خُبْزِ بٍُّ، إِلَّا وَأَحَدُهُمَا تَمْرٌ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (هِلَالُ بْنُ حُمَيْدٍ) أو ابن أبي حميد، أو ابن مِقْلاص، أو ابن عبد الله الْجُهَنيّ مولاهم، أبو الجهم، ويقال غير ذلك في اسم أبيه، وفي كنيته، الصيرفيّ الوزان، الكوفيّ، ثقة [٦] (خ م د ت س) تقدم في ((الصلاة)) ١٠٦٢/٣٩. والباقون تقدّموا غير مرّة، و((وكيع)) هو: ابن الجرّاح. و(مسعر)) هو: ابن کِدام. وقوله: (مَا شَبِعَ آَلُ مُحَمَّدٍ وََّ) وفي رواية أحمد بن منيع: ((ما شبع محمد)) بحذف لفظ ((آل))، وقد تقدم أن ((آل محمد)» قد يُطلق، ويراد به محمد نفسه(١) . (يَوْمَيْنِ مِنْ خُبْزِ بُرٍّ، إِلَّا وَأَحَدُهُمَا تَمْرٌ) وفي رواية البخاريّ: ((ما أكل آل محمد ﴿ أكلتين في يوم إلا إحداهما تمر))، قال في ((الفتح)): فيه إشارة إلى أن التمر كان أيسر عندهم من غيره، وفيه إشارة إلى أنهم ربما لم يجدوا في اليوم إلا أكلة واحدة، فإن وجدوا أكلتين، فإحداهما تمر، وقد أخرج ابن سعد من طريق عمران بن يزيد المدنيّ، حدّثني والدي، قال: دخلنا على عائشة، فقالت: خرج - تعني: النبيّ وَلّ﴾ - من الدنيا، ولم يملأ بطنه في يوم من طعامين، كان إذا شبع من التمر، لم يشبع من الشعير، وإذا شبع من الشعير، لم يشبع من التمر. وليس في هذا ما يدل على ترك الجمع بين لونين، فقد ترجم البخاريّ في ((الأطعمة)) من ((صحيحه)) للجواز، وأورد حديث: ((كان يأكل القثاء بالرطب))(٢). والحديث متّفقٌ عليه. (١) ((الفتح)) ١٤ / ٥٩١. (٢) ((الفتح)) ١٤ /٥٩١. ١٣٦ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَُّ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤١٩] (٢٩٧٢) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: وَيَحْيَى بْنُ يَمَاذٍ، حَدَّثَنَا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنْ كُنَّا آلَ مُحَمَّدٍ وَِّ لَنَمْكُثُ شَهْراً، مَا نَسْتَوْقِدُ بِنَارٍ، إِنْ هُوَ إِلَّ التَّمْرُ وَالْمَاءُ). رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ) الْعِجليّ، أبو زكريا الكوفيّ، صدوقٌ عابدٌ يخطئ كثيراً، وقد تغير، من كبار [٩]. روى عن أبيه، وهشام بن عروة، والأعمش، وإسماعيل بن أبي خالد، وغيرهم. وروى عنه ابنه داود، وأبو بكر، وعثمان ابنا أبي شيبة، ويحيى بن معين، وعمرو الناقد، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وأبو هشام الرفاعيّ، وأبو كريب، وغيرهم. قال أبو بكر بن عياش: ذاك راهب؛ يعني: لعبادته، وقال زكريا الساجيّ: ضعّفه أحمد، وقال: حدّث عن الثوريّ بعجائب، وقال حنبل بن إسحاق عن أحمد: ليس بحجة، وقال إبراهيم بن الجنيد عن ابن معين: ليس بثبت، لم يكن يبالي أيّ شيء حدّث، كان يتوهم الحديث، قال: وقال وكيع: هذه الأحاديث التي يحدث بها يحيى بن يمان ليست من أحاديث الثوريّ، وقال عثمان الدارميّ عن يحيى بن معين: أرجو أن يكون صدوقاً، وقال عبد الخالق بن منصور عن ابن معين: ليس به بأس، وقال عبد الله بن علي ابن المديني: كان فُلِجَ فتغيّر حفظه، وقال أبو بكر بن عفان الصوفيّ عن وكيع: ما كان أحد من أصحابنا أحفظ منه، ثم نسي، فلا أعلم بالكوفة أحفظ من داود ابنه، وقال يعقوب بن شيبة: كان صدوقاً كثير الحديث، وإنما أَنكر عليه أصحابنا كثرة الغلط، وليس بحجة إذا خولف، وهو من متقدمي أصحاب سفيان في الكثرة عنه، وقال الآجري عن أبي داود: يخطئ في الأحاديث، ويقلبها، وقال النسائيّ: ليس بالقويّ، وقال ابن عديّ: عامة ما يرويه غير محفوظ، وهو في نفسه لا يتعمّد الكذب، إلا أنه يخطئ، ويشتبه عليه، وقال العجليّ: كان من ١٣٧ (٢) - بَابُ ذِكْرٍ مَعِيشَةِ آلِ النَّبِيِّ ◌َارِ - حديث رقم (٧٤١٩) كبار أصحاب الثوريّ، وكان ثقة، جائز الحديث، متعبداً، معروفاً بالحديث، صدوقاً، إلا أنه فُلج بآخره، فتغير حفظه، وكان فقيراً صبوراً، وقال ابن أبي شيبة: كان سريع الحفظ، سريع النسيان. وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: ربما أخطأ، وكان متقشفاً . وقال هارون بن حاتم: مات سنة ثمان وثمانين، وقال أبو هشام الرفاعيّ: مات سنة تسع وثمانين ومائة. أخرج له البخاريّ في «الأدب المفرد))، والمصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث. والباقون تقدّموا غير مرّة. [تنبيه]: قوله: (قَالَ: وَيَحْيَى بْنُ يَمَانٍ) فاعل ((قال)) ضمير عمرو الناقد، فهو يروي هذا الحديث عن عبدة بن سليمان، ويحيى بن يمان، كلاهما عن هشام بن عروة، فقوله: ((ويحيى بن يمان)) مبتدأ خبره قوله بعده: ((حدّثنا عن هشام))، فتنبه. وقد تكلّم الحافظ أبو عليّ الجيّاني في هذا الإسناد، فقال بعد أن أورد الحديث على رواية مسلم هذه ما نصّه: هكذا إسناد هذا الحديث عند أبي أحمد الجلوديّ، قال: ويحيى بن يمان حدّثنا عن هشام، ومعناه: أن عبدة، وابن يمان يرويان الحديث عن هشام بن عروة، فالقائل: ويحيى بن يمان هو عمرو الناقد. وفي نسخة ابن الحذّاء: حدثنا عمرو الناقد، قال: حدّثنا عبدة، قال: حدّثنا يحيى بن يمان، عن هشام، وهذا وَهَمٌ، ليس يروي عبدة عن يحيى بن يمان، والصواب رواية أبي أحمد. انتهى كلام الجيّانيّ كَُّ(١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ جدّاً، والله تعالى أعلم. وقولها: (إِنْ كُنَّا آَلَ مُحَمَّدٍ وَلَّ) ((إن)) مخفّفة من الثقيلة بدليل دخول اللام الفارقة بعدها، و((آل محمد بَّه)) منصوب على الاختصاص؛ أي: أخصّ آل محمد بَّه، وفيه دليل على أن الآل تدخل فيه الأزواج. (١) (تقييد المهمل)) ٩٣٥/٣. ١٣٨ البحر المحيط النجاح شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق وقولها: (لَتَمْكُثُ شَهْراً) جملة في محلّ نصب على الخبريّة لـ(كنا))، وجملة ((كان)) خبر (إن المخفّفة)). وقولها: (مَا نَسْتَوْقِدُ بِنَارٍ) السين والتاء زائدتان؛ للتوكيد؛ أي: لا نوقد في بيوتنا النار؛ لعدم ما يُطبخ به. وقولها: (إِنْ هُوَ إِلَّ التَّمْرُ وَالْمَاءُ) ((إن)) نافية، و((هو)) يرجع إلى الطعام؛ أي: ما طعامنا إلا التمر والماء. والحديث متفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، ولله الحمد. وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَُّ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٢٠] ( .. ) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، وَابْنُ ثُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، إِنْ كُنَّا لَنَمْكُثُ، وَلَمْ يَذْكُرْ آَ مُحَمَّدٍ، وَزَادَ أَبُو كُرَيْبٍ فِي حَدِيثِ عَنِ ابْنِ ثُمَيْرٍ: إِلَّا أَنْ يَأْتِيَنَا اللُّحَيْمُ). رجال هذا الإسناد: خمسة: وكلهم تقدّموا . وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ آَلَ مُحَمَّدٍ) هكذا النُّسخ: ((ولم يذكر)) بإفراد الضمير، وكان الأولى أن يقول: ولم يذكرا بإعادة الضمير على أبي أسامة، وابن نمير، والله المستعان. وقوله: (إِلَّا أَنْ يَأْتِيَنَا اللَّحَيْمُ) بضم اللام تصغير لحم، وإنما صُغّر لقلّته. [تنبيه]: رواية عبد الله بن نمير، وأبي أسامة عن هشام ساقها ابن ماجه تَّتُهُ في ((سننه))، فقال: (٤١٤٤) - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عبد الله بن نمير، وأبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: ((إن كنا آل محمد عَليه لنمكث شهراً، ما نوقد فيه بنار، ما هو إلا التمر والماء))، إلا أن ابن نمير قال: نلبث شهراً. انتهى(١). (١) ((سنن ابن ماجه)) ١٣٨٨/٢. ١٣٩ (٢) - بَابُ ذِكْرٍ مَعِيشَةِ آلِ النَّبِيِّ ◌َّرهـــ حديث رقم (٧٤٢١) وبالسند المتّصل إلى المؤلّف تَخْذَتُهُ أوّلَ الكتاب قال: [٧٤٢١] (٢٩٧٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ بْنٍ كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ وَِّ، وَمَا فِي رَفِّي مِنْ شَيْءٍ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ، إِلَّا شَطْرُ شَعِيرٍ فِي رَفَّ ◌ِي، فَأَكَلْتُ مِنْهُ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ، فَكِلْتُهُ، فَقَيِيَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: وقد ذُكروا قبله. شرح الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ) رَّا؛ أنها (قَالَتْ: تُوُفِّيَ) بالبناء للمفعول، (رَسُولُ اللهِ وَةِ، وَ)الحال أنه (مَا فِي رَفِّي) - بفتح الراء، وتشديد الفاء -: خشبة عريضة، يُغرَز طرفاها في الجدار، وهو شبه الطاق في البيوت، قاله في ((العمدة))، وقال في (الفتح)): قال الجوهريّ: الرفّ: شِبْهُ الطاق في الحائط، وقال عياض: الرف خشب يُرتفع عن الأرض في البيت، يوضع فيه ما يراد حفظه، قال الحافظ: والأول أقرب للمراد. انتهى(١). وقولها: (مِنْ شَيْءٍ) ((من)) زائدة للتوكيد، و((شيء)) مبتدأ مؤخّر، خبره الجارّ والمجرور قبله، وقوله: (يَأْكُلُهُ) صفة ((شيء))، (ذُو كَبِدٍ) بالفتح، والكسر، وككتف من الأمعاء معروف، يؤنّث، وقد يذكّر، جمعه أكباد، وكُبُود(٢). (إِلَّا شَطْرُ شَعِيرٍ)؛ أي: نصفه، والمراد هنا: نصف وسق شعير، وقال في (الفتح)): المراد بالشطر هنا: البعض، والشطر يُطلق على النصف، وعلى ما قاربه، وعلى الجهة، وليست مرادة هنا، ويقال: أرادت نصف وسق. انتهى(٣). (فِي رَفٌّ لِي، فَأَكَلْتُ مِنْهُ حَتَى طَالَ عَلَيَّ) زمن أَكْله، (فَكِلْتُهُ)، بكسر الكاف، (فَفَنِيَ) بكسر النون؛ أي: فرغ، ونفِد، تعني أنها ما زالت تأكل منه قبل أن تكيله، فلما كالته نفِد، وفرغ. (١) ((الفتح)) ١٤ / ٥٧٢. (٣) ((الفتح)) ١٤/ ٥٧٢. (٢) راجع: ((القاموس)) ص١١١٠. ١٤٠ البحر المحيط التجاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج - كتاب الزهد، والرقائق معبّه قال ابن بطال تَخُّْهُ: حديث عائشة ◌ّا هذا في معنى حديث أنس . في الأخذ من العيش بالاقتصاد، وما يسدّ الجوعة. فتعقّبه الحافظ، فقال: إنما يكون كذلك لو وقع بالقصد إليه، والذي يظهر أنه وَل ـ كان يؤثر بما عنده، فقد ثبت في ((الصحيحين)) أنه كان إذا جاءه ما فتح الله عليه من خيبر، وغيرها، من تمر، وغيره، يدّخر قوت أهله سنة، ثم يجعل ما بقي عنده عُدّة في سبيل الله تعالى، ثم كان مع ذلك إذا طرأ عليه طارئ، أو نزل به ضيف يشير على أهله بإيثارهم، فربما أدى ذلك إلى نفاد ما عندهم، أو معظمه. وقد روى البيهقيّ من وجه آخر عن عائشة ◌َّا قالت: ((ما شبع رسول الله ﴾ ثلاثة أيام متوالية، ولو شئنا لشبعنا، ولکنه کان یُؤثر على نفسه))، والله تعالى أعلم. مسائل تتعلّق بهذا الحديث: (المسألة الأولى): حديث عائشة ◌َّنا هذا متّفقٌ عليه. (المسألة الثانية): في تخريجه: أخرجه (المصنّف) هنا [٧٤٢١/٢] (٢٩٧٣)، و(البخاريّ) في ((فرض الخمس)» (٣٠٩٧) و((الرقاق)) (٦٤٥١)، و(الترمذيّ) في ((القيامة)) (٢٤٦٧)، و(ابن ماجه) في ((الأطعمة)) (٣٣٨٨)، و(ابن أبي شيبة) في ((مصنّفه)) (١٣٢/٧)، و(أحمد) في ((مسنده)) (١٠٨/٦)، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده: ١ - (منها): بيان ما كان عليه أزواج النبيّ وَل﴿ من قلّة المعيشة، وصبرهنّ على ذلك. ٢ - (ومنها): بيان معجزة للنبيّ وَليل في تكثيره طعام عائشة ينا، فكانت تأكل منه، وتنفق على المحتاجين حتى طال عليها الوقت، فكالته، فنفد. ٣ - (ومنها): ما قاله ابن بطال: فيه أن الطعام المكيل يكون فناؤه معلوماً للعلم بكيله، وأن الطعام غير المكيل فيه البركة؛ لأنه غير معلوم مقداره. وتعقّبه الحافظ، فقال: في تعميم كل الطعام بذلك نظر، والذي يظهر أنه